المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد


ابو العبدين البصري
2013-08-16, 12:15 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهده.

وبعد: فهذا شرح يسير على ( كتاب التوحيد ) للإمام محمد بن عبد الوهاب جمعته من شروح كوكبة من أهل العلم, قال العلامة السعدي_ رحمه الله_:

هذه قواعد نظمتها ... من كتب أهل العلم قد حصلتها
جزاهم المولى عظيم الأجر ... والعفو مع غفرانه والبر

فليس لي هاهنا إلا الجمع والترتيب والتنسيق بين كلامهم والله أسأل أن يغفر لي زللي وخطأي وجهلي وكل ذلك عندي.





بسم الله الرحمن الرحيم


فتح الكريم الحميد بشرح
كتاب التوحيد
الذي هو حق الله على العبيد

للإمام محمد سليمان التميمي
رحمه الله تعالى

بقلم
أبي عبد الله البصري
عفى الله عنه

قال الشيخ _رحمه الله تعالى_:الحمد لله، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم.
كتاب التوحيد
المتن:
وقول الله تعالى:{وََمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ( الذاريات: 56).
وقوله:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} ( النحل:36).
وقوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً}. ( الإسراء:24).
وقوله:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}.
وقوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ( الإنعام :153).

قال ابن مسعود:"من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}- إلى قوله:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً} ( 1 ).
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:"كنت رديف النبي_صلى الله عليه وسلم_ على حمار فقال لي:يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت:الله ورسوله أعلم, قال:حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. قلت:يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال لا تبشِّرهم فيتكلوا". أخرجاه في الصحيحين ( 2 ) .

الشرح:

لماذا لم يذكر الشيخ مقدمة لكتابه ؟
قال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين:"لم يذكر في النسخ التي بأيدينا خطبة للكتاب من المؤلف، فإما أن تكون سقطت من النساخ. وإما أن يكون المؤلف اكتفى بالترجمة لأنها عنوان على موضوع الكتاب وهو التوحيد، وقد ذكر المؤلف في هذه الترجمة عدة آيات"( 3 ) .
وقال العلامة صالح آل الشيخ:"جرت عادة المصنفين والمؤلفين،أن يضعوا بعد البسملة والحمدلة خطبة للكتاب، يبينون فيها طريقتهم فيه، ومرادهم من تأليفه، وهاهنا سؤال معروف، وهو: لماذا خالف الشيخ -رحمه الله- طريقة المصنفين، فلم يجعل للكتاب خطبة يبين فيها طريقته؟ بل قال:"كتاب التوحيد" وقول الله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. فأخلاه من الخطبة ؟
والسبب في ذلك، والسر فيه -فيما يظهر لي- أن التوحيد الذي سيبينه الشيخ -رحمه الله- في هذا الكتاب هو توحيد الله -جل جلاله-، وتوحيد الله قد بينه الله -جلا وعلا- في القرآن، فكان -لذلك- من الأدب في مقام التوحيد ألا يَجعل فاصلاً بين الحق والدال على الحق وكلام الدال عليه، فالحق الذي لله هو التوحيد، والذي دل على هذا الحق هو الله -جل جلاله- والدليل عليه هو كلامه، وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا من لطائف أثر التوحيد في القلب، وهذا كصنيع الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه إذ لم يجعل لصحيحه خطبة، بل جعل صحيحه مبتدأً بالحديث؛ ذلك أن كتابه كتاب سنة، ومن المعلوم أن من الأدب، أو من مراعاة الأدب: ألا يتقدَّم بين يدي الله ورسوله، فلم يقدِّم كلامه على كلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- فجعل البخاري صحيحه مفتتحاً بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم_:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" لأن كتابه كتاب سنة، فجعل كتابه في ابتدائه مبتدأً بكلام صاحب السنة -عليه الصلاة والسلام-. وهذا من لطيف المعاني التي يرعاها من نَوَّرَ الله قلوبهم لمعرفة حقه، وحق رسوله صلى الله عليه وسلم ( 4 ).

منهج الشيخ في تأليف كتاب التوحيد
كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، هو أهمُّ وأوسع كتب الشيخ ـ رحمه الله ـ في العقيدة، وقد اشتمل على ستة وستين باباً،
أوَّلها: باب ( فضل التوحيد وما يُكفِّرُ من الذنوب )
وآخرها: باب ما جاء في قول الله تعالى:{وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} الآية.
وقبل الباب الأول ترجم بكتاب التوحيد، وأورد فيه خمس آيات وحديثاً وأثراً، وهذه الآيات هي :
قول الله عزَّ وجلَّ:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56].
وقوله:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36].
وقوله:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} الآية [الإسراء:23]
وقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} الآية [النساء:36]
وقوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} الآيات،
وعقَّب الآيات من سورة الأنعام بأثر ابن مسعود بشأنها، ثم أورد حديث معاذ بن جبل المتفق على صحته في بيان حق الله على العباد وحق العباد على الله وقد كانت هذه الآيات والأحاديث كالمقدمة لهذا الكتاب العظيم.
وقدمنا سبب عدم ذكر خطبة له وهو من باب الأدب مع الله سبحانه وتعالى.

ومن منهجه في تأليفه
1 ـ أنَّ الكتابَ من أوَّله إلى آخره يسوق فيه الشيخ الإمام آيات وأحاديث وآثاراً عن سلف هذه الأمَّة، من الصحابة ومن بعدهم مِمَّن سار على نهجهم وطريقتهم، وصنيعه هذا شبيه بصنيع الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ في كتابه الجامع الصحيح، وعلى الأخصِّ كتاب التوحيد الذي هو آخر الكتب في صحيح البخاري، فإنَّ طريقةَ البخاري في ذلك أنَّه يورد آيات وأحاديث وآثاراً، وقد بلغت أبواب كتاب التوحيد من صحيح البخاري ثمانية وخمسين باباً،
أوَّلها: باب ما جاء في دعاء النَّبيِّ أمَّته إلى توحيد الله تبارك وتعالى، وقد أورد فيه حديث معاذ بن جبل في بيان حقِّ الله على العباد وحق العباد على الله، وعدة أبواب كتاب التوحيد عند الإمام البخاري وأبواب التوحيد عند الإمام محمد بن عبد الوهاب متقاربة، وهي في الصحيح ثمانية وخمسون، وعند الإمام محمد بن عبد الوهاب ستة وستون.

2 ـ أنَّه عند إيراده الآيات والأحاديث والآثار يقدِّم الآيات ثم الأحاديث ثم الآثار، إلاَّ إذا كان الأثر متعلِّقاً بآية أو بحديث، فإنَّه يقدِّمه من أجل ذلك التعلق.

3 ـ هذا الكتاب مشتمل على الآيات والأحاديث والآثار، وبذلك علا قدرُ الكتاب وارتفعت منزلته، وليس للشيخ ـ رحمه الله ـ فيه كلام إلاَّ ما يورده في آخر كلِّ باب من مسائل مستنبطة من الآيات والأحاديث والآثار، وهي تدلُّ على قوة فهم الشيخ ـ رحمه الله ـ ودقَّة استنباطه، وفيها شحذ أذهان طلاَّب العلم في معرفة المواضع التي استنبطت منها هذه المسائل.

4 ـ أنَّ أبواب هذا الكتاب متضمِّنةٌ تقرير التوحيد، الذي هو إفراد الله بالعبادة، والتحذير مِمَّا يُنافي أصل التوحيد، وهو الشرك بالله، أو يُنافي كمالَه، وهو الشرك الأصغر والبدع،
ومن أبواب كتاب التوحيد في تقرير التوحيد
باب فضل التوحيد وما يُكفِّر من الذنوب،
وباب من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله،
وباب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله.

ومن الأبواب فيما يُنافي أصل التوحيد وهو الشرك،
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره،
وباب ما جاء في الذبح لغير الله،
وباب من الشرك النذر لغير الله،
وباب من الشرك الاستعاذة بغير الله،
وباب قول الله تعالى: ( أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) الآية.
وباب قول الله تعالى: ( فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ).

ومن الأبواب فيما يُنافي كمال التوحيد وهو البدع والشرك الأصغر:
باب ما جاء أنَّ سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين،
وباب ما جاء من التغليظ فيمَن عبَد اللهَ عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عَبَدَه؟!
وباب ما جاء أنَّ الغلوَّ في قبور الصالحين يصيِّرها أوثاناً تُعبد من دون الله،
وباب ما جاء في حماية المصطفى جَناب التوحيد وسدّه كل طريق يوصل إلى الشرك وباب قول: ما شاء الله وشئت ( 5 ).

وقال بعض أهل العلم من شراح الكتاب:"استغنى الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن المقدمة لكتابه بهذه الخمسة أبواب وهي كالمقدمة لكتاب ( كتاب التوحيد) وقول الله تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }. و بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ و بَابٌ مَنْ حَقَّقَ اَلتَّوْحِيدَ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ و. بَابُ اَلْخَوْفِ مِنْ اَلشِّرْك. و بَابُ اَلدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ
واما الباب الذي بعدها وهو : ( باب تفسير التوحيد وشهادة ان لا إله إلا الله ( فهو الباب الذي بدا به الدخول إلى مقصود الكتاب وقد يتسائل شخص كيف استغنى الشيخ بالمقدمة بهذه الأبواب ؟
فنقول:إن الأبواب بنفس الترتيب لو أخذت ورتبت النصوص مع بعض الشرح لاكتملت لنا المقدمة فيُقال في المقدمة على سبيل المثال ..
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين
(أول باب) جمعت في هذا الكتاب النصوص من الكتاب والسنة وأقوال السلف في توحيد الألوهية الذي أرسلت به الرسل وانزلت به الكتب وانه لابد فيه من النفي والإثبات وذلك أن تنفي العبادة عما سوى الله وثبتها لله وحده.
(ثاني باب) ولهذا التوحيد الذي أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل فضائل كثيرة منها الأمن والهداية ودخول الجنة وتحريم النار عليه وأن يثقل ميزانه يوم القيامة وأن تغفر ذنوبه مهما عظمت
(ثالث باب) وأهل التوحيد هؤلاء على مراتب وأعلاها هي دخول الجنة بغير حساب بأن يزيد على الباب الذي قبله بترك الذنوب كبيرها وصغيرها وترك البدع الغير مكفرة .
(رابع باب) وتحقيق التوحيد عند أهله لا بُدَّ أن يقترن معه الخوف من الشرك ، إذ هو علامة لأهل تحقيق التوحيد.
(خامس باب) والموحد إذا عرف التوحيد وعرف فضله ورغب فيه وسلك طريقه وخاف من ضده وتجنبه فقد كمل نفسه فيسعى الى تكميل غيره.

فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد، لأن الخصومة فيه.
الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله. ففيه معنى قوله: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}.
الرابعة:الحكمة في إرسال الرسل.
الخامسة: أن الرسالة عمت كل أمة.
السادسة: أن دين الأنبياء واحد.
السابعة: المسألة الكبيرة: أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت ففيه معنى قوله: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}.
الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله.
التاسعة:عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف وفيها عشر مسائل أولها: النهي عن الشرك.
العاشرة:الآيات المحكمات في سورة الإسراء، وفيها,ثمانية عشرة مسألة بدأها الله بقوله:{لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً}. وختمها بقوله :{وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً}.ونبهنا الله سبحانه , على عظم شأن هذه المسائل بقوله:{ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ}.
الحادية عشرة: آية سورة النساء التي تسمى: آية الحقوق العشرة، بدأها الله تعالى بقوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}.
الثانية عشرة: التنبيه على وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته.
الثالثة عشرة : معرفة حق الله علينا.
الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه.
الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة.
السادسة عشرة: جواز كتمان العلم للمصلحة.
السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره.
الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله.
التاسعة عشرة: قول المسئول عما لا يعلم: ( الله ورسوله أعلم ).
العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض.
الحادي والعشرون: تواضعه صلى الله عليه وسلم لركوب الحمار، مع الإرداف عليه.
الثاني والعشرون: جواز الإرداف على الدابة.
الثالث والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل.
الرابع والعشرون: عظم شأن هذه المسألة.

يتبع......
___________
( 1 ) رواه الترمذي في التفسير: (3070) رواه الطبراني: (10060) بلفظ : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَقْرَأَ صَحِيفَةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُهُ فَلْيَقْرَأْ {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] ، إِلَى قَوْلِهِ {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153]. والبيهقي في شعب الإيمان: (7540). قال الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ضعيف الإسناد. وروى الإمام احمد: (4142) بإسناد حسن وغيره: عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا، ثُمَّ قَالَ:" هَذَا سَبِيلُ اللهِ " ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ:" هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ: مُتَفَرِّقَةٌ - عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ "، ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) [الأنعام:153].
( 2 ) رواه البخاري: الجهاد والسير (2856) , ومسلم: الإيمان (30) , وأبو داود: الجهاد (2559) , وأحمد (5/236).
( 3 ) ينظر القول المفيد : (ص8).
( 4 ) ينظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد : (ص14).
( 5 ) ينظر شرح كتاب التوحيد للشيخ عبد الرزاق عبد المحسن العباد.


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/31376763192.pdf)

الحياة أمل
2013-08-16, 04:51 AM
(1)

باب

فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب

وقول الله تعالى:{ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ } الآية [الأنعام82].
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ومنه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" أخرجاه.
ولهما في حديث عتبان رضي الله عنه :"فإن الله حرَّم على النار من قال:لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"قال موسى:يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به قال:قل يا موسى لا إله إلا الله قال:يا رب كل عبادك يقولون هذا؟ قال:يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله". رواه ابن حبان والحاكم وصححه (1),(2).
وللترمذي وحسنه -عن أنس رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" قال الله تعالى:يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " (3) .
الشرح:
عقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب لبيان أمرين:
* فضل التوحيد.
* انه يكفر الذنوب.
من فوائد التوحيد:
1- أنه أكبر دعامة للرغبة في الطاعة؛ لأن الموحد يعمل لله سبحانه وتعالى وعليه، فهو يعمل سراً وعلانية،أما غير الموحد؛ كالمرائي مثلاً، فإنه يتصدق ويصلى، ويذكر الله إذا كان عنده من يراه فقط،ولهذا قال بعض السلف:"إني لأود أن أتقرب إلى الله بطاعة لا يعلمها إلا هو".
2- أن الموحدين لهم الأمن وهم مهتدون كما قال تعالى:{ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } [الأنعام: 82].
بيان معنى الظلم الوارد في الآية:
وقول الله تعالى:{الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم }. الآية [الأنعام: 82] .
قوله:{ لم يلبسوا } أي:يخلطوا. قوله:{ بظلمٍ }الظلم هنا ما يقابل الإيمان، وهو الشرك، ولما نزلت هذه الآية شق ذلك على الصحابة وقالوا:أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :"ليس الأمر كما تظنون إنما المراد به الشرك، ألم تسمعوا إلى قول الرجل الصالح - يعني لقمان { إن الشرك لظلمٌ عظيم }.

بيان أنواع الظلم :
1_ أظلم الظلم، وهو الشرك في حق الله تعالى .
2_ ظلم الإنسان نفسه؛ فلا يعطيها حقها، مثل أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام .
3_ ظلم الإنسان غيره، مثل أن يتعدى على شخص بالضرب، أو القتل، أو أخذ مال، أو ما أشبه ذلك.
وإذا انتفى الظلم، حصل الأمن، لكن هل هو أمنٌ كامل؟
الجواب: أنه إن كان الإيمان كاملاً لم يخالطه معصيةٌ؛ فالأمن أمنٌ مطلق، أي كامل، وإذا كان الإيمان مطلق إيمانٍ - غير كامل ـ؛ فله مطلق الأمن؛ أي: أمن ناقص. مثال ذلك: مرتكب الكبيرة، أمنٌ من الخلود في النار، وغير آمن من العذاب، بل هو تحت المشيئة، قال الله تعالى:{ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } [النساء: 116] (4).

المعاصي نوع من الشرك لأنها ناتجة من إتباع الهوى:
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين:فالمعاصي من حيث المعنى العام أو الجنس العام يمكن أن نعتبرها من الشرك وأما بالمعنى الأخص فتنقسم إلى أنواع:
* شرك أكبر.
* شرك أصغر.
* معصية كبيرة.
* معصية صغيرة.
وهذه المعاصي منها ما يتعلق بحق الله، ومنها ما يتعلق بحق الإنسان نفسه، ومنها ما يتعلق بحق الخلق. وتحقيق لا إله إلا الله أمر في غاية الصعوبة، ولهذا قال بعض السلف:"كل معصية، فهي نوع من الشرك".
وقال بعض السلف:"ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص". ولا يعرف هذا إلا المؤمن، أما غير المؤمن؛ فلا يجاهد نفسه على الإخلاص، ولهذا قيل لابن عباس:"إنّ اليهود يقولون:نحن لا نوسوس في الصلاة. قال:فما يصنع الشيطان بقلبٍ خرب؟!" فالشيطان لا يأتي ليخرّب المهدوم، ولكن يأتي ليخرّب المعمور ولهذا لما شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل يجد في نفسه ما يستعظم أن يتكلم به قال:وجدتم ذلك؟ قالوا:نعم قال:"ذاك صريح الإيمان" أي:أن ذاك هو العلامة البينة على أنّ إيمانكم صريح لأنّه ورد عليه، ولا يرد إلا على قلب صحيح خالص.
وقوله: ( من شهد أن لا إله إلا الله ) من:شرطية، وجواب:الشرط أدخله الله الجنة على ما كان من العمل. والشهادة:هي الاعتراف باللسان، والاعتقاد بالقلب، والتصديق بالجوارح، ولهذا لما قال المنافقون للرسول صلى الله عليه وسلم :{ نشهد إنّك لرسول الله } [المنافقون:1] وهذه جملة مؤكدة بثلاث مؤكدات:الشهادة،وإن، واللام، كذبهم الله بقوله:{ والله يعلم إنّك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [المنافقون:1]. فلم ينفعهم هذا الإقرار باللسان لأنه خالٍ من الاعتقاد بالقلب،وخالٍ من التصديق بالعمل فلم ينفع؛ فلا تتحقق الشهادة إلا بعقيدة في القلب، واعتراف باللسان، وتصديق بالعمل" (5) .
وبهذا التقرير نعلم بطلان قول المرجئة الذين:جعلوا الإيمان مجرد النطق من غير عمل وانقياد و مجرد التصديق من غير نطق وعمل وانقياد. لأن معنى الشهادة يستلزم القول باللسان والاعتقاد بالقلب والعمل بالجوارح.


الذنوب والمعاصي تؤثر على التوحيد والإخلاص بل تضعفهما:
أخرج البخاري في صحيحه بسنده:"عن قتادة قال:حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل قال:يا معاذ قال:لبيك يا رسول الله وسعديك قال:يا معاذ قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال:يا معاذ قال:لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال:ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله تعالى على النار قال:يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا ؟ قال:إذا يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثما". وساق بسند آخر:"حدثنا معتمر قال: سمعت أبي قال:سمعت أنسا رضي الله عنه قال:ذكر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل:"من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة قال:ألا أبشر الناس ؟ قال:لا إني أخاف أن يتكلوا".
قلت:فتبين بهذا السياق معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأنها تتضمن ترك الشرك لمن قالها بصدق ويقين وإخلاص.
قال شيخ الإسلام وغيره:في هذا الحديث ونحوه أنها فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة بقوله:"خالصا من قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين". فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله تعالى جملة فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا فإذا مات على تلك الحال نال ذلك فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه:"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة وما يزن خردلة ، وما يزن ذرة". وتواترت بأن كثيرا ممن يقول لا إله إلا الله يدخل النار ثم يخرج منها وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال:لا إله إلا الله ومن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله, ولكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال وأكثر من يقولها لا يعرف الإخلاص وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو عادة ولم تخالط حلاوة الإيمان بشاشة قلبه وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء،كما في الحديث:"سمعت الناس يقولون شيئا فقلته". وغالب أعمال هؤلاء إنما هي تقليد واقتداء بأمثالهم وهم من أقرب الناس من قوله تعالى:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف ـ 23).
وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرا على ذنب أصلا فإن كان كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ، ولا كراهة لما أمر الله وهذا هو الذي يحرم على النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك, فإن هذا الإيمان وهذا الإخلاص، وهذه التوبة وهذه المحبة وهذا اليقين ، لا تترك له ذنبا إلا محي عنه كما يمحو الليل النهار.
فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا فيغفر له ويحرم على النار وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك ، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات فيرجح بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار.
ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه وهذا بخلاف من رجحت سيئاته بحسناته ومات مصرا على ذلك،فإنه يستوجب النار وإن قال لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعدها بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصا لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته ولا يكون مصرا على سيئات،فإن مات على ذلك دخل الجنة.
وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئة راجحة فيضعف إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر،فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك فيرجح جانب السيئات فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين فيضعف قول:لا إله إلا الله, فيمتنع الإخلاص بالقلب فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم وحلاوة فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين بل يأتون بعدها بسيئات تنقض ذلك بل يقولونها من غير يقين وصدق ويموتون على ذلك ، ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة.
فإذا كثرت الذنوب ثقل على اللسان قولها وقسا القلب عن قولها وكره العمل الصالح وثقل عليه سماع القرآن واستبشر بذكر غير الله واطمأن إلى الباطل واستحلى الرفث ومخالطة أهل الغفلة ،وكره مخالطة أهل الحق فمثل هذا إذا قالها قال بلسانه ما ليس في قلبه وبفيه ما لا يصدقه عمله.
قال الحسن:"ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه ومن قال خيرا وعمل شرا لم يقبل منه". وقال بكر بن عبد الله المزني:"ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في قلبه". فمن قال:لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها بل اكتسب مع ذلك ذنوبا وكان صادقا في قولها موقنا بها لكن له ذنوب أضعفت صدقه ويقينه و انضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي فرجحت هذه السيئات على هذه الحسنة ومات مصرا على الذنوب بخلاف من يقولها بيقين وصدق فإنه إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا ويكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. والذين يدخلون النار ممن يقولها:إما أنهم لم يقولوها بالصدق واليقين التام المنافيين للسيئات أو لرجحانها أو قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم،ثم ضعف لذلك صدقهم ويقينهم ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام لأن الذنوب قد أضعفت ذلك الصدق واليقين من قلوبهم فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات فترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا (6) .
قال الحافظ ابن رجب:"وقالت طائفة من العلماء المراد من هذه الأحاديث:أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ومقتض لذلك ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع وهذا قول الحسن ووهب ابن منبه وهو الأظهر"(7) .
وقال _رحمه الله تعالى_:"من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة". ثم قال:"فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه أو بقلبه ولسانه عند الموت أعقب ذلك مغفرة ما قد سلف من الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله:محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها وإن كانت مثل زبد البحر(8).
وقال العلامة ابن القيم_رحمه الله تعالى_:في معنى الحديث:ويعفى لأهل التوحيد المحض الذي لم يشوبوه بالشرك ما لا يعفى لمن ليس كذلك فلو لقي الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ألبتة ربه بقراب الأرض خطايا أتاه بقرابها مغفرة ولا يحصل هذا لمن نقص توحيده (9).
فإن التوحيد الخالص الذي لا يشوبه شرك لا يبقى معه ذنب لأنه يتضمن من محبة الله وإجلاله وتعظيمه وخوفه ورجائه وحده ما يوجب غسل الذنوب ولو كانت قراب الأرض فالنجاسة عارضة والدافع لها قوي فلا تثبت معه،ولكن نجاسة الزنا واللواط أغلظ من غيرهما من النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب، وتضعف توحيده جدا، ولهذا كان أحظى الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركاً فكلما كان الشرك فى العبد أغلب كانت هذه النجاسة والخبائث فيه أكثر، وكلما كان أعظم إخلاصا كان منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف الصديق عليه السلام:{كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخْلَصِينَ} [يوسف: 24] (10) .
وقال ابن رجب _رحمه الله تعالى_: (قول لا إله إلا الله) تقتضي أن لا يحب سواه فان الآلة هو الذي يطاع فلا يعصي محبة وخوفا ورجاء ومن تمام محبته محبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه فمن أحب شيئا مما يكرهه الله أو كره شيئا مما يحبه الله لم يكمل توحيده وصدقه في قول لا إله إلا الله وكان فيه من الشرك الخفي بحسب ما كرهه مما يحبه الله وما أحبه مما يكرهه الله قال الله تعالى (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم).
قال الليث عن مجاهد في قوله : (لا يشركون بي شيئا) قال لا يحبون غيري(11).
وقال أيضا:"إخواني إذا فهمتم هذا المعنى فهمتم معنى قوله صلى الله عليه وسلم :"من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار". فأما من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فان هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله ومتى بقي في القلب أثر سوى الله فمن قلة الصدق في قولها من صدق في قول: لا إله إلا الله لم يحب سواه ولم يرج سواه ولم يخف أحدا إلا إيّاه ولم يخش أحداً إلا الله ولم يتوكل إلا على الله ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه ومع هذا فلا تظنوا أن المحب مطالب بالعصمة وإنما هو مطالب كلما زل أن يتلافى تلك الوصمة.
قال زيد بن أسلم:"إن الله ليحب العبد حتى يبلغ من حبه له أن يقول اذهب فاعمل ما شئت فقد غفرت لك". وقال الشعبي:" إذا أحب الله عبدا لم يضره ذنب".
وتفسير هذا الكلام أن الله عز و جل له عناية بمن يحبه فكلما زلق ذلك العبد في هوة الهوى أخذ بيده إلى نجوة النجاة ييسر له التوبة وينبهه على قبح الزلة فيفزع إلى الاعتذار ويبتليه بمصائب مكفرة لما جنى. وفي بعض الآثار يقول الله تعالى أهل ذكرى أهل مجالستي وأهل طاعتي أهل كرامتي وأهل معصيتي لا أويسهم من رحمتي إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب" (12).
ثم قال _رحمه الله تعالى_:في خاتمة رسالته البديعة:إخواني اجتهدوا اليوم في تحقيق التوحيد فانه لا يوصل إلى الله سواه واحرصوا على القيام بحقوقه التوحيد فانه لا ينجي من عذاب الله إلا إياه:
ما نطق الناطقون إذ نطقوا ... أحسن من لا إله إلا هو
تبارك الله ذو الجلال ومن ... أشهد أن لا إله إلا هو
من لذنوبي ومن يمحصها ... غيرك يا من لا إله إلا هو
جنان خلد لمن يوحده ... أشهد أن لا إله إلا هو
نيرانه لا تحرق من ... يشهد أن لا إله إلا هو
أقولها مخلصا بلا بخل ... أشهد أن لا إله إلا هو.
قال ابن القيم:"التوحيد ألطف شيء وأنزهه أنظفه وأصفاه فأدنى شيء يخدشه ويدنسه ويؤثر فيه فهو كأبيض ثوب يكون يؤثر فيه أدنى أثر,وكالمرآة الصافية جدا أدنى شيء يؤثر فيها. ولهذا تشوشه اللحظة واللفظة والشهوة الخفية.
فإن بادر صاحبه وقلع ذلك الأثر بضده،وإلا استحكم وصار طبعا يتعسر عليه قلعه وهذه الآثار و الطبوع التي تحصل فيه:منها ما يكون سريع الحصول سريع الزوال،ومنها ما يكون سريع الحصول بطيء الزوال ومنها ما يكون بطيء الحصول سريع الزوال ، ومنها ما يكون بطيء الحصول بطيء الزوال ولكن من الناس من يكون توحيده كبيرا عظيما ينغمر فيه كثير من تلك الآثار ويستحيل فيه بمنزلة الماء الكثير الذي يخالطه أدنى نجاسة أو وسخ فيغتر به صاحب التوحيد الذي هو دونه فيخلط توحيده الضعيف بما خلط به صاحب التوحيد العظيم الكثير توحيده فيظهر من تأثيره فيه ما لم يظهر في التوحيد الكثير وأيضا فإن المحل الصافي جدا يظهر لصاحبه مما يدنسه ما لا يظهر في المحل الذي لم يبلغ في الصفاء مبلغه فيتدراكه بالإزالة دون هذا فإنه لا يشعر به. وأيضا فإن قوة الإيمان والتوحيد إذا كانت قوية جدا أحالت المواد الرديئة وقهرتها بخلاف القوة الضعيفة. وأيضا فإن صاحب المحاسن الكثيرة والغامرة للسيئات ليسامح بما لا يسامح به من أتى مثل تلك السيئات وليست له مثل تلك المحاسن ، كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ...... جاءت محاسنه بألف شفيع(13).

أهل التوحيد يحتاجون التنبيه عليه:
فهذا الحديث فيه دلالة على أن أهل الفضل والرفعة في الدين والإخلاص والتوحيد قد ينبهون على شيء من مسائل بالتوحيد فهذا موسى- عليه السلام - وهو أحد أولي العزم من الرسل ، وهو كليم الله جل وعلا أراد شيئا يختص به غير ما عند الناس وأعظم ما يختص به أولياء الله وأنبياؤه ورسله وأولو العزم منهم هو كلمة التوحيد (لا إله إلا الله ). فأراد شيئا أخص من ذلك فأعلم أنه لا أخص من كلمته التوحيد فهي أفضل شيء وهي التي دُلّ عليها أولو العزم من الرسل ومن دونهم من الناس(14).
حديث عتبان رضي الله عنه فيه ردٌّ على الخوارج والمعتزلة لأن ظاهر الحديث أن من فعل هذه المحرمات لا يخلد في النار لكنه مستحق للعقوبة، وهم يقولون: إن فاعل الكبيرة مخلد في النار.
قوله:من قال (لا إله إلا الله) المراد بالقول هنا:القول الذي معه تمام الشروط ؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) يعني إذا أتى ببقية الأركان والواجبات،فيكون معنى قوله هنا:من قال:لا إله إلا الله يعني باجتماع شروطها وبالإتيان بلازمها(15).
تنبيه:
لا يجوز إطلاق الشرك أو الكفر أو اللعن على من فعل شيئاً من ذلك؛ لأن الحكم بذلك في هذه وغيرها له أسباب وله موانع؛ فلا نقول لمن أكل الربا: ملعون؛ لأنه قد يوجد مانع يمنع من حلول اللعنة عليه؛ كالجهل مثلاً أو الشبهة، وما أشبه ذلك، وكذا الشرك لا نطلقه على من فعل شركاً؛ فقد تكون الحجة ما قامت عليه بسبب تفريط علمائهم، وكذا نقول: من صام رمضان إيماناً واحتساباً؛ غفر له ما تقدم من ذنبه، ولكن لا نحكم بهذا لشخص معين، إذ إن الحكم المعلق على الأوصاف لا ينطبق على الأشخاص إلا بتحقق شروط انطباقه وانتفاء موانعه.
فإذا رأينا شخصاً يتبرز في الطريق؛ فهل نقول له:لعنك الله؟
الجواب:لا إلا إذا أريد باللعن في قوله: (اتقوا الملاعن) أن الناس أنفسهم يلعنون هذا الشخص ويكرهونه، ويرونه مخلاً بالأدب مؤذياً للمسلمين؛ فهذا شيء أخر, فدعاء القبر شرك، لكن لا يمكن أن نقول لشخص معين فعله:هذا مشرك؛ حتى نعرف قيام الحجة عليه،أو نقول: هذا مشرك باعتبار ظاهر حاله (16).
قوله (لا تشرك بي شيئاً) جملة (لا تشرك) في موضع نصب على الحال في التاء،أي:لقيتني في حال لا تشرك بي شيئاً. ( شيئاً) نكرة في سياق النفي تفيد العموم؛أي:لا شركاً أصغر ولا أكبر. وهذا قيد عظيم قد يتهاون به الإنسان، ويقول:أنا غير مشرك وهو لا يدري(17) فحب المال مثلاً بحيث يلهي عن طاعة الله من الإشراك، قال النبي صلى الله عليه وسلم " تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة..". الحديث فسمى النبي صلى الله عليه وسلم من كان هذا همه سماه:عبداً له.
قوله (لأتيتك بقرابها مغفرة) أي:أن حسنة التوحيد عظيمة تكفر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئاً، والمغفرة ستر الذنب والتجاوز عنه(18) .
وقوله (حرم على النار) تحريم النار في نصوص الكتاب والسنة يأتي على درجتين:
الأولى:تحريم مطلق. والثانية:تحريم بعد أمد فالتحريم المطلق يقتضي أن من حرم الله عليه النار تحريما مطلقا:فإنه لن يدخلها إما بأن يغفر الله له،وإما بأن يكون من الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب الحديث يحتمل الأول ويحتمل الثاني:فإن الله حرم على النار من قال (لا إله إلا الله):يعني أن الذي أتى بالتوحيد وانتهى عن ضده وكانت عنده بعض الذنوب والمعاصي ومات من غير توبة فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذبه ثم حرم عليه النار وإن شاء الله غفر له وحرم عليه النار ابتداء" (19) .
فيه مسائل:
الأولى:سعة فضل الله.
الثانية: كثرة ثواب التوحيد عند الله.
الثالثة:تكفيره مع ذلك للذنوب.
الرابعة:تفسير الآية ( 82 ) التي في سورة الأنعام.
الخامسة:تأمل الخمس اللواتي في حديث عُبادة.
السادسة:أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان وما بعده؛ تبين لك معنى قول:« لا إله إلا الله » وتبين لكم خطأ المغرورين.
السابعة:التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان.
الثامنة:كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله.
التاسعة:التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانه .
العاشرة:النص على أن الأرضين سبع كالسماوات.
الحادية عشرة:أن لهن عمارًا.
الثانية عشرة:إثبات الصفات خلافًا للأشعرية.
الثالثة عشرة:أنك إذا عرفت حديث أنس:عرفت أن قوله في حديث عتبان:« فإن الله حرم على النار من قال:لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجه الله » أن ترك الشرك ليس قولها باللسان.
الرابعة عشرة :تأمُّلُ الجمع بين كون عيسى ومحمد عَبْدَيِ الله ورسولَيْه.
الخامسة عشرة: معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله.
السادسة عشرة :معرفة كونه روحا منه.
السابعة عشرة: معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار.
الثامنة عشرة:معرفة قوله:« على ما كان من العمل».
التاسعة عشرة:معرفة أن الميزان له كفتان.
العشرون:معرفة ذكر الوجه.

---------
(1) والحديث ضعفه الشيخ الألباني في تحقيق كلمة الإخلاص لابن رجب .
(2) عن عبد الله بن عمرو قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم (فذكره ) : " إن نبي الله نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه : إني قاص عليك الوصية آمرك باثنتين و أنهاك عن اثنتين آمرك بـ ( لا إله إلا الله ) فإن السموات السبع و الأرضين السبع لو وضعت في كفة و وضعت لا إله إلا الله في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله و لو أن السموات السبع و الأرضين السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله و سبحان الله و بحمده فإنها صلاة كل شيء و بها يرزق الخلق و أنهاك عن الشرك و الكبر. قال: قلت: أو قيل: يا رسول الله هذا الشرك قد عرفناه فما الكبر ؟ - قال -: أن يكون لأحدنا نعلان حسنتان لهما شراكان حسنان ؟ قال: لا قال:هو أن يكون لأحدنا أصحاب يجلسون إليه ؟ قال: لا قيل: يا رسول الله فما الكبر ؟ قال: سفه الحق و غمص الناس ". رواه البخاري في " الأدب المفرد " ( 548 ) و أحمد ( 2 / 169 - 170 ، 225 ) و البيهقي في " الأسماء " ( 79 هندية ) وصححه الألباني في : " السلسلة الصحيحة " ( _ج1_ص 259_ رقم 134).
(3) بلفظ قال الله تعالى:" يا ابن آدم إنك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان فيك و لا أبالي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك و لا أبالي يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " . حسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: " السلسلة الصحيحة " ( ج1 _ص _ رقم 127 ) .
(4) انظر القول المفيد (ج1_ص61).
(5) القول المفيد: (ج1 _ ص66) .
(6) ينظر فتح المجيد: ( ص76_79) .
(7) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها: (ص223 ) الجامع المنتخب من رسائل ابن رجب.
(8) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها.
(9) وعلى هذا يحمل حديث البطاقة أي عنده سجلات لكن ليس فيها شرك.
(10) إغاثة اللهفان ( ج1_ص132) ط دار ابن الجوزي تخريج العلامة الألباني وتحقيق شيخنا علي الحلبي.
(11) كلمة الإخلاص: (ص231) .
(12) كلمة الإخلاص: (ص239) .
(13) ينظر فوائد الفوائد: (ص38_39 ) بتحقيق شيخنا علي الحلبي حفظه الله تعالى.
(14) التمهيد لشرح كتاب التوحيد: (ص35) .
(15) التمهيد لشرح كتاب التوحيد: ( ص34) .
(16) القول المفيد على كتاب التوحيد: ( ج1_ص52) .
(17) سيأتي مزيد تفصيل لهذه المسألة في باب: (الخوف من الشرك ).
(18) القول المفيد: (ج1_ص84) .
(19) التمهيد لشرح كتاب التوحيد: ( ص34) .

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/01376711743.pdf)

ابو العبدين البصري
2013-08-16, 02:06 PM
بارك الله فيك أختي الفاضلة على هذا الترتيب.

نفع الله بك ورفع قدرك وجزاك عني خير الجزاء.

حقيقة جهد رائع.


ملاحظة:

ارجو ترك وقت لقراءة كل باب ثم انزال الاخر حتى يتيسر لمن لديه سؤال حول الباب أن يطرحه.

العراقي
2013-08-17, 10:40 PM
بارك الله فيكم على ما ذكرتم وفصّلتم
كتاب قيم
وبانتظار البقيّة ان شاء الله

-تسجيل متابعة-

ابو العبدين البصري
2013-08-18, 01:06 AM
بارك الله فيكم على ما ذكرتم وفصّلتم
كتاب قيم
وبانتظار البقيّة ان شاء الله

-تسجيل متابعة-


بارك الله فيك أخي الكريم.

متابعة اعتز بها.

الحياة أمل
2013-08-18, 05:34 AM
(2)


باب


من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب


وقول الله تعالى:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } [النحل:120] .
وقال:{ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ } [المؤمنون: 59] .
عن حصين بن عبد الرحمن قال:كنت عند سعيد بن جبير فقال:أيكم رأى الكوكب الذي انقضَّ البارحة ؟ فقلت:أنا ثم قلت:أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت قال:فما صنعت ؟ قلت:ارتقيت قال:فما حملك على ذلك؟ قلت:حديث حدثناه الشعبي قال:وما حدثكم ؟ قلت:حدثنا عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه أنه قال:" لا رقية إلا من عين أو حمة ". قال قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي:هذا موسى وقومه فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي:هذه أمتك ، ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله. فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم:فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم:فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال:هم الذين لا يَسْتَرْقُون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن فقال:يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال:أنت منهم ثم قام رجل، فقال ادع الله أن يجعلني منهم فقال:سبقك بها عكاشة".
الشرح :
تحقيقه:تخليصه وتصفيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي.
هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله؛ لأن الذي قبله: ( باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب). فمن فضله هذا الفضل العظيم الذي يسعى إليه كل عاقل، وهو دخول الجنة بغير حساب وهو أرفع رتبة من" بيان فضل التوحيد" لأنه يشترك فيه أهله،
وأهل التوحيد هم أهل الإسلام ولا شك أن لكل مسلم نصيباً من التوحيد، فيكون له تبعا لذلك نصيب من فضل التوحيد وتكفير الذنوب.
أما خاصة هذه الأمة فهم الذين حققوا التوحيد ولهذا عطف هذا الباب على الذي قبله؛ لأنه أخص.
وتحقيق التوحيد هو مدار هذا الباب، وتحقيقه بمعنى تحقيق الشهادتين: ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ).
ومعنى تحقيق الشهادتين: تصفية الدين من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصار تحقيق التوحيد يرجع إلى ثلاثة أشياء:
الأول:ترك الشرك بأنواعه:الأكبر والأصغر والخفي.
الثاني:ترك البدع بأنواعها.
الثالث:ترك المعاصي بأنواعها.
فإذًا رجع تحقيق التوحيد الذي هذا فضله وهو أن يدخل أهله الجنة بغير حساب ولا عذاب رجع إلى تينك المرتبتين: الإتيان بالتوحيد والبعد عن الشرك بأنواعه ولأن في قوله (أشهد أن محمدا رسول الله) البعد عن المعصية والبعد عن البدع؛ لأن مقتضى الشهادة بأن محمدا رسول الله : أن يُطاع فيما أمر وأن يصدَّق فيما أخبر وأن يُجتَنَبَ ما عنه نَهَى وزَجَرَ وألا يعبد الله إلا بما شرع

فمن أتى شيئا من المعاصي والذنوب أو البدع ثم لم يتب منها أو لم تكفر له فإنه لم يحقق التوحيد الواجب
وإذا لم يأت شيئا من البدع ولكن حسَّنها بقلبه أو قال : لا شيء فيها فإن حركة قلب من ذا شأنه لما كانت في غير تحقيق التوحيد وفي غير تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله:فإنه لا يكون من أهل تحقيق التوحيد.
وكذلك أهل الشرك بأنواعه ليسوا من أهل تحقيق التوحيد,
وأما مرتبة الخاصة التي ذُكِرَتْ ففيها يتنافس المتنافسون وما ثمَّ إلا عفو الله ومغفرته ورضوانه([1]).
لأن الشرك والبدعة تنافيان تحقيق التوحيد بل الشرك والبدعة تنقيص للربوبية والرسالة.
كما قال العلام ابن القيم_رحمه الله تعالى_:" فالمشرك:ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره، وأن يخلد صاحبه فى العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية. فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه وإن زعم أنه يعظمه بذلك. كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول صلى الله عليه وسلم و إن زعم أنه معظم له بتلك البدعة.
فإنه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب،أو يزعم أنها هى السنة، وإن كان مستبصرا فى بدعته فهو مشاق لله ورسوله فالمتنقِّصون المنقوصون عند الله تعالى ورسوله وأوليائه : هم أهل الشرك والبدعة ولا سيما من بَنَى دينه على أن كلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تفيد اليقين، ولا تغنى من اليقين والعلم شيئا. فيا لله للمسلمين، أي شىء فات من هذا التنقص؟!" ([2]).

وتحقيق التوحيد تخليصة من الشرك، ولا يكون إلا بأمور ثلاثة:
الأول:العلم فلا يمكن أن تحقق شيئاً قبل أن تعلمه، قال الله تعالى:{ فاعلم أنه لا إله إلا الله} [محمد: 19] .
الثاني:الاعتقاد فإذا علمت ولم تعتقد واستكبرت؛ لم تحقق التوحيد، قال الله تعالى عن الكافرين:{ أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب } [ص:5]. فما اعتقدوا انفراد الله بالألوهية.
الثالث:الانقياد، فإذا علمت واعتقدت ولم تنقد لم تحقق التوحيد، قال تعالى:{ إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون } [الصافات:36] .
فإذا حصل هذا وحقق التوحيد فإن الجنة مضمونة له بغير حساب، ولا يحتاج أن نقول إن شاء الله؛ لأن هذا حكاية حكم ثابت شرعاً، ولهذا جزم المؤلف رحمه الله تعالى بذلك في الترجمة دون أن يقول:إن شاء الله. أما بالنسبة للرجل المعين؛ فإننا نقول: إن شاء الله. أن أهل تحقيق التوحيد قليل وليسوا بكثير! ([3]).
وفي قرة العيون:وتحقيق التوحيد عزيز في الأمة لا يوجد إلا في أهل الإيمان الخلص الذين أخلصهم الله واصطفاهم من خلقه كما قال تعالى في يوسف (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين) بفتح اللام, وفي قراءة (المخلصين) بكسرها, وهم في صدر هذه الأمة كثيرون وفي آخرها هم الغرباء، وقد قلوا، وهم الأعظمون قدرا عند الله.

طبقات الناس في التوحيد :
فإن قيل: ( باب فضل التّوحيد ) و ( باب من حقّق التّوحيد ) ما الفرق بينهما؟
الفرق فضل التّوحيد في حق الموحّد الذي ليس عنده شرك، ولكن قد يكون عنده بعض المعاصي التي تكفر بالتّوحيد.أما هذا الباب فهو أعلى من الباب الذي قبله (من حقق التوحيد)
يعني:أنه لم يشرك بالله شيئاً،ولم يكن عنده شيء من المعاصي،هذا تحقيق التّوحيد، ومن بلغ هذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب، أما من كان في المرتبة التي قبلها، وهو الموحّد الذي عنده ذنوب فهذا قد يُغفر له وقد يعذب بالنار، ثم يُخرج منها،
لأن الموحّدين على ثلاث طبقات:كما قال تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ} الآية.
الطبقة الأولى:الذين سلموا من الشرك، وقد لا يسلمون من الذنوب التي هي دون الشرك وهم الظالمون لأنفسهم وهم معرضون للوعيد.
الطبقة الثانية:المقتصدون الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات وقد يفعلون بعض المكروهات ويتركون بعض المستحبات وهم الأبرار.
الطبقة الثالثة:التي سَلِمَت من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع وتركت المحرمات والمكروهات وبعض المباحات واجتهدت في الطاعات من واجبات ومستحبات وهؤلاء هم السابقون بالخيرات ومن كان بهذه المرتبة دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب([4]).

وقول الله تعالى:{ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }.
فمعنى وصف إبراهيم بأنه كان قانتاً أي:أنه كان مداوماً على طاعة الله، ثابتاً عليها بخلاف الذي يجتهد في يوم أو شهر أو سنة ثم بعد ذلك يتراجع انتكاساً بعدما بدأ بالخير لكنه لم يُكمل، فالمطلوب من الإنسان أن يثبت على الخير، بمعنى أنه يلازم عمل الخير، ولا يتخلى عنه، ولو كان قليلاً فـ:"أحب العمل إلى الله أدومه وإن قَلَّ".
وكذلك {قَانِتاً لِلَّهِ} يعني:أنه يعمل هذا مخلصاً لله، لا يقصد به رياءً ولا سُمعة، ويؤخذ من هذا وجوب الإخلاص لأن بعض الناس قد يصلي ويحسن صلاته ويطول قيامه وركوعه من أجل رياء الناس، فإذا أحَسَّ أن عنده أحد يطوّل الركوع والسجود من أجل أن يوصف بأنه صاحب طاعة، وإذا صلى وحده نقر الصلاة، وخفّفها([5]).
ومعنى:{ ولم يك من المشركين } تأكيد، أي لم يكن مشركاً طول حياته؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام معصوماً عن الشرك، مع أن قومه كانوا مشركين، فوصفه الله بامتناعه عن الشرك استمراراً في قوله:{ حنيفاً } وابتداءً في قوله:{ ولم يك من المشركين } والدليل على ذلك:أن الله جعله إماماً، ولا يجعل الله للناس إماماً من لم يحقق التوحيد أبداً.

وقال في فتح المجيد وقوله (ولم يك من المشركين) فقد فارق المشركين بالقلب واللسان والأركان, وأنكر ما كانوا عليه من الشرك بالله في عبادته وكسر الأصنام، وصبر على ما أصابه في ذات الله. وهذا هو تحقيق التوحيد وهو أساس الدين ورأسه. كما قال تعالى: ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين) وأنت تجد أكثر من يقول:"لا إله إلا الله" ويدعي الإسلام يفعل الشرك بالله في عبادته. بدعوة من لا يضر ولا ينفع من الأموات والغائبين والطواغيت والجن وغيرهم، ويحبهم ويواليهم, ويخافهم ويرجوهم, وينكر على من دعا إلى عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه, ويزعم أن ذلك بدعة وضلالة, ويعادي من عمل به وأحبه وأنكر الشرك وأبغضه, وبعضهم لا يعد التوحيد علما ولا يلتفت إليه لجهله به وعدم محبته فالله المستعان.

فالصفة الرابعة:{وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وهذا محل الشاهد من الباب، ومعناه:أنه تبرّأ من المشركين براءة تامة أي:قطع ما بينه وبين المشركين من المودّة من أجل الله سبحانه وتعالى لأنهم أعداء الله والمؤمن لا يحب أعداء الله.
ويجب أن نعلم أن ثناء الله على أحد من خلقه لا يقصد منه أن يصل إلينا الثناء فقط، لكن يقصد منه أمران هامان:
الأول:محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيراً، كما أن من أثنى الله عليه شراً، فإننا نبغضه ونكرهه، فنحب إبراهيم عليه السلام؛ لأنه كان إماماً حنيفاً قانتاً لله ولم يكن من المشركين ونكره قومه لأنهم كانوا ضالين، ونحب الملائكة وإن كانوا من غير جنسنا لأنهم قائمون بأمر الله، ونكره الشياطين لأنهم عاصون لله وأعداء لنا ولله ونكره أتباع الشياطين لأنهم عاصون لله أيضاً وأعداء لله ولنا.
الثاني:أن نقتدي به في هذه الصفات التي أثنى الله بها عليه؛ لأنها محل الثناء، ولنا من الثناء بقدر ما اقتدينا به فيها قال تعالى:{ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } [يوسف:111]. وقال تعالى:{قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه} [الممتحنة:4 ] وقال تعالى:{لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الممتحنة:6]. وهذه مسألة مهمة لأن الإنسان أحياناً يغيب عن باله الغرض الأول، وهو محبة هذا الذي أثنى الله عليه خيراً، ولكن لا ينبغي أن يغيب؛ لأن الحب في الله، والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان([6]) .

لماذا لم يطلبوا الرقية والكي من أحد؟
1) لقوة اعتمادهم على الله.
2) لعزة نفوسهم عن التذلل لغير الله.
3) ولما في ذلك من التعلق بغير الله .
قال الشيخ العلامة ابن عثيمين_رحمه الله تعالى_:وهل هذه الأشياء تدل على أن من لم يتصف بها فهو مذموم، أو فاته الكمال؟
الجواب:أن الكمال فاته إلا بالنسبة للتطير فإنه لا يجوز؛ لأنه ضرر وليس له حقيقة أصلاً.

مراتب الناس في الرقية:
المرتبة الأولى:أن يطلب من يرقيه وهذا قد فاته الكمال.
المرتبة الثانية:أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال لأنه لم يسترق ولم يطلب.
المرتبة الثالث:أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عائشة أن ترقيه، وكذلك الصحابة رضي الله عنهم لم يمنعوا أحداً أن يرقيهم لأن هذا لا يؤثر في التوكل([7]).
قال ابن القيم - رحمه الله - قد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع :
أحدها:فعله.والثاني:عدم محبته.
والثالث: الثناء على من تركه.والرابع:النهي عنه.
ولا تعارض بينها بحمد الله؛ فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه وأما الثناء على تاركه فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهة([8]) .

التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب :
قوله (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال والخصال وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه، الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف: من المحبة والرجاء والخوف، والرضا به ربا وإلها، والرضا بقضائه.
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا; فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه بل نفس التوكل: مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى:{وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} أي كافيه.
وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا على الله تعالى كالاكتواء والاسترقاء فتركهم له لكونه سببا مكروها لا سيما والمريض يتشبث فيما يظنه سببا لشفائه بخيط العنكبوت.
وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل فلا يكون تركه مشروعا، لما في الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعا:"ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله " وعن أسامة بن شريك قال:" كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت الأعراب فقالوا:يا رسول الله أنتداوى؟ قال:نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد. قالوا: وما هو قال: الهرم" رواه أحمد.
وقال ابن القيم _رحمه الله تعالى_:"وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة . ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله عجزا".

حكم التداوي ؟
وقد اختلف العلماء في التداوي هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟
فالمشهور عن أحمد:الأول لهذا الحديث وما في معناه،والمشهور عند الشافعية الثاني حتى ذكر النووي في شرح مسلم:أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف،واختاره الوزير أبو المظفر قال:ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى يدانى به الوجوب. قال:ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه؛ فإنه قال لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه.
وقال شيخ الإسلام:"ليس بواجب عند جماهير الأئمة،وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد"([9]) .

فيه مسائل:
الأولى: معرفة مراتب الناس في التوحيد .
الثانية : ما معنى تحقيقه .
الثالثة : ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين .
الرابعة : ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك .
الخامسة : كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد .
السادسة : كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل .
السابعة : عمق علم الصحابة لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل .
الثامنة : حرصهم على الخير .
التاسعة : فضيلة هذه الأمة بالكَمية والكيفية .
العاشرة : فضيلة أصحاب موسى .
الحادية عشرة : عرض الأمم عليه - عليه الصلاة والسلام - .
الثانية عشرة : أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها .
الثالثة عشرة : قلة من استجاب للأنبياء .
الرابعة عشرة : أن من لم يجبه أحد يأتي وحده .
الخامسة عشرة : ثمرة هذا العلم ، وهو عدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة .
السادسة عشرة : الرخصة في الرقية من العين والحُمَة .
السابعة عشرة : عمق علم السلف لقوله:" قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ، ولكن كذا وكذا" . فعُلِم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني.
الثامنة عشرة : بُعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه.
التاسعة عشرة : قوله « أنت منهم » عَلَمٌ من أعلام النبوة .
العشرون : فضيلة عُكَّاشة .
الحادية والعشرون : استعمال المعاريض .
الثانية والعشرون : حُسْنُ خُلُقِه - صلى الله عليه وسلم - .

--------
([1]) التمهيد شرح كتاب التوحيد .
([2])إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان ( ج1_ص 130) .
([3]) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد.
([4]) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد.
([5]) إعانة المستفيد.
([6]) القول المفيد على كتاب التوحيد.
([7]) القول المفيد.
([8]) انظر فتح المجيد.
([9]) انظر فتح المجيد.

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/51376789566.pdf)

الحياة أمل
2013-08-20, 04:42 AM
(3)
باب
باب الخوف من الشرك


وقول الله عز وجل:{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء :46].
وقال الخليل عليه السلام:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم :35].
وفي الحديث:"أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه قال:الرياء".
وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار" رواه البخاري.
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار".

الشرح:
هذا مجمل ما استدل به المؤلف_رحمه الله تعالى_ على هذه الترجمة العظيمة (الخوف من الشرك).
قال العلامة صالح آل الشيخ:" كل من حقق التوحيد فلا بد أن يخاف من الشرك ولهذا كان سيد المحققين للتوحيد محمد عليه الصلاة والسلام يُكثر من الدعاء بأن يبعد عنه الشرك وكذلك كان إبراهيم عليه السلام يكثر من الدعاء لئلا يدركه الشرك ، أو عبادة الأصنام.
فمناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة وهي أن تحقيق التوحيد عند أهله لا بد أن يقترن معه الخوف من الشرك وقَلَّ من يكون مخاطرا بتوحيده أو غير خائف من الشرك ويكون مع هذا على مراتب الكمال بل لا يوجد فكل محقق للتوحيد وكل راغب فيه حريص عليه: يخاف من الشرك وإذا خاف من الشرك فإن الخوف الذي هو فزع القلب وهلعه يجعل العبد حريصا كل الحرص على البعد عن الشرك والهروب منه
والخوف من الشرك يثمر ثمرات منها:
1_ أن يكون متعلما للشرك بأنواعه حتى لا يقع فيه.
2_ منها أن يكون متعلما للتوحيد بأنواعه حتى يقوم في قلبه الخوف من الشرك ويعظم ، ويستمر على ذلك.
3- ومنها أن الخائف من الشرك يكون قلبه دائم الاستقامة على طاعة الله مبتغيا مرضاة الله فإن عصى أو غفل كان استغفاره استغفار من يعلم عظم شأن الاستغفار وعظم حاجته للاستغفار لأن الناس في الاستغفار أنواع ، لكن من علم منهم حق الله - جل وعلا - وسعى في تحقيق التوحيد وتعلم ذلك، وسعى في الهرب من الشرك:فإنه إذا غفل وجد أنه أشد ما يكون حاجة إلى الاستغفار

ولأجل صلاح القلب بوب الشيخ - رحمه الله - هذا الباب الذي عنوانه ( باب الخوف من الشرك )
فكأنه يقول لك:إذا كنت تخاف من الشرك كما خاف منه إبراهيم - عليه السلام - وعرفتَ ما توعد الله به أهل الشرك من أنه لا يغفر لهم شركهم ، فينبغي لك أن تعلم وأن تتعلم ما سيأتي في هذا الكتاب فإن هذا الكتاب موضوع لتحقيق التوحيد وللخوف من الشرك والبعد عنه فما بعد هذين البابين: ( باب من حقق التوحيد),و( باب الخوف من الشرك) تفصيل لهاتين المسألتين العظيمتين اللتين هما: تحقيق التوحيد والخوف من الشرك؛ وبيان معناه وبيان أنواعه.

وقال العلامة صالح الفوزان:"ولهذا قال الشيخ: (باب الخوف من الشرك) أي:أن الموحّد يجب أن يخاف من الشرك، ولا يقول أنا موحّد وأنا عرفت التّوحيد، ولا خطر علي من الشرك، هذا إغراء من الشيطان، لا أحد يزكي نفسه، ولا أحد لا يخاف من الفتنة ما دام على قيد الحياة ([1]).

فالإنسان معرّض للفتنة، ضلّ علماء أحبار، وزلّت أقدامهم، وخُتم لهم بالسّوء، وهم علماء، فالخطر شديد، ولا يأمن الإنسان على نفسه أن تَنْزَلِق قدمه في الضلال، وأن يقع في الشرك، إلاَّ إذا تعلم هذه الأمور من أجل أن يجتنبّها، واستعان بالله، وطلب منه العصمة والهداية:{رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} خافوا من الزّيغ بعد الهداية، والمهتدي يكون أشد خوفاً أن يزيغ، وأن تزلّ قدمه، وأن تسوء خاتمته، وأن يكون من أهل النار، نسأل الله العافية.

وقال:"إذاً لا يعرف قيمة التّوحيد، وفضل التّوحيد، وتحقيق التّوحيد إلاَّ من عرف الشرك وأمور الجاهلية حتى يتجنّبها، ويحافظ على التّوحيد، ومِن هنا يظهر خطأ هؤلاء الذين يقولون: لا داعي أن نتعلم العقائد الباطلة ونعرف المذاهب الباطلة، ونرد على المعتزلة والجهمية، لأنهم بادوا وذهبوا،علموا الناس التّوحيد ويكفي! أو بعضهم يقول لا تعلّموهم التّوحيد لأنهم أولاد فطرة! ونشأوا في بلاد المسلمين!، علّموهم أمور الدنيا: الصناعات والاختراعات والأمور الحديثة، أما التّوحيد فيحصلونه بفطرتهم وبيئتهم!
نعم وجُد من يقول هذا، وبعض الناس يقول:الناس تجاوزوا مرحلة الخرافات،لأنهم تثقفوا وعرفوا، فلا يمكن أنهم يشركون بعد ذلك، لأن الشرك كان في الجاهلية، يوم كان الناس سذج ويسمون الشرك في العبادة شركاً ساذجاً!، والشرك عندهم ما يسمونه بالشرك السياسي أو شرك السلاطين أو شرك الحاكمية!
ولذلك لا يهتمون بإنكار هذا الشرك الذي بعثت الرسل لإنكاره، وإنما ينصبّ إنكارهم على الشرك في الحاكمية فقط.

وقال أيضا:"بعدما ذكر أبواب التّوحيد وفضله، وما يكفر من الذنوب، وتحقيق التّوحيد وهذه نعمة عظيمة لكن إذا حازها الإنسان، فإنه يخشى من ضدها فلابد أن يعرف ضدّها حتى يتجنّبه، فلنتنبّه لهذا الأمر، فإن هناك أناساً الآن كثيرين يزهِّدون في تعلم هذه الأمور:تعلّم التّوحيد، تعلّم الشرك، معرفة الشُّبَه والضلال، يزهدون في هذه الأمور، وهذا إما من جهلهم، وعدم معرفتهم، وإما لأنهم يريدون الدّس على المسلمين، وإفساد عقيدة المسلمين فلنحذر من هذا الأمر، سمعنا من يقول إن الذي يدرس عقائد المعتزلة والرد عليهم مثل الذي يرجم القبر، لأنهم ماتوا، يقولون كذا، نقول: يا سبحان الله هم ماتوا بأشخاصهم، لكن مذاهبهم باقية، وشبهاتهم باقية، وكتبهم، تطبع الآن وتحقق، وينفق عليها الأموال، وتُرَوّج، فكيف نقول نتركهم لأنهم ماتوا، والله تعالى ذكر شبهات المشركين من الأمم السابقة: فرعون وهامان وقارون وقوم نوح وعاد وثمود، مع أنها أمم بائدة، ذكر شبهها ورد عليها، فالعبرة ليست بالأشخاص، العبرة بالمذاهب، والعبرة بالشُّبَه الباقية ولكل قوم وارث.

وقال في قوله تعالى:{لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}. فهذا فيه خطورة الشرك، فالله لا يغفر للمشرك مع أن رحمته وسعت كل شيء، ولكن المشرك لا يدخل فيها، لعِظم جريمته- والعياذ بالله، فمن مات على الشرك فإنه لا يغفر له، وهذا يدلّ على خطورة الشرك، فإذا كان الشرك بهذه الخطورة، فإنه يجب الحذر منه غاية الحذر، كل الذنوب مَظِنّة المغفرة ورجاء المغفرة إلاَّ الشرك. والشرك لا يمكن تجنبه إلاَّ إذا عرف وعرف خطره ([2]).

وقال العلامة ابن عثيمين:"في الباب الأول ذكر المؤلف رحمه الله تحقيق التوحيد، وفى الباب الثاني ذكر أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث بهذا الباب رحمه الله تعالى، لأن الإنسان يرى أنه قد حقق التوحيد وهو لم يحققه، ولهذا قال بعض السلف:"ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص" وذلك أن النفس متعلقة بالدنيا تريد حظوظها من مال أو جاه أو رئاسة، وقد تريد بعمل الآخرة الدنيا، وهذا نقص في الإخلاص، وقل من يكون غرضه الآخرة في كل عمله، ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله ما سبق من البابين بهذا الباب، وهو الخوف من الشرك، وذكر فيه آيتين:
الأولى قوله:{إن الله لا يغفر أن يشرك به} {لا}:نافية،{أن يشرك به} فعل مضارع مقرون بأن المصدرية، فيحول إلى مصدر تقديره: أن الله لا يغفر الإشراك به، أو لا يغفر إشراكاً به، فالشرك لا يغفره الله أبداً، لأنه جناية على حق الله الخاص، وهو التوحيد.
أما المعاصي، كالزنى والسرقة، فقد يكون للإنسان فيها حظ نفس بما نال من شهوة،أما الشرك، فهو اعتداء على حق الله تعالى، وليس للإنسان فيه حظ نفس، وليس شهوة يريد الإنسان أن ينال مراده، ولكنه ظلم،ولهذا قال الله تعالى:{ إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13].
وهل المراد بالشرك هنا الأكبر، أم مطلق الشرك؟
قال بعض العلماء:إنه مطلق يشمل كل شرك لو أصغر، كالحلف بغير الله، فإن الله لا يغفره، أما بالنسبة لكبائر الذنوب، كالسرقة والخمر، فإنها تحت المشيئة، فقد يغفرها الله،
وشيخ الإسلام ابن تيمية المحقق في هذه المسائل اختلف كلامه في هذه المسألة، فمرة قال: الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر، ومرة قال:الشرك الذي لا يغفره الله هو الشرك الأكبر،
وعلى كل حال فيجب الحذر من الشرك مطلقاً، لأن العموم يحتمل أن يكون داخلاً فيه الأصغر، لأن قوله:{أن يشرك به} أن وما بعدها في تأويل مصدر، تقديره: إشراكاً به، فهو نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم.

وقوله:{ويغفر ما دون ذلك}،المراد بالدون هنا:ما هو أقل من الشرك، وليس ما سوى الشرك.
قال ابن كثير:" أخبر تعالى أنه {لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} أي لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} أي من الذنوب لمن يشاء من عباده" انتهى.

فتبين بهذه الآية أن الشرك أعظم الذنوب؛ لأن الله تعالى أخبر أنه لا يغفره لمن لم يتب منه، وما دونه من الذنوب فهو داخل تحت المشيئة إن شاء غفره لمن لقيه به، وإن شاء عذبه به، وذلك يوجب للعبد شدة الخوف من الشرك الذي هذا شأنه عند الله؛ لأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم ([3]). وتنقص لرب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به؛ كما قال تعالى:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}،
ولأنه مناقض للمقصود بالخلق والأمر، مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين،والاستكبار عن طاعته والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك، فمتى خلا منه خرب وقامت القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم :" لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله " رواه مسلم.
ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى، ومشاركة في خصائص الإلهية:من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل، وأنواع العبادة كلها بالله وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، شبيها بمن له الحمد كله، وله الخلق كله، وله الملك كله، واليه يرجع الأمر كله، وبيده الخير كله، فأزمة الأمور كلها بيده سبحانه ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم.
فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية:الكمال المطلق من جميع الوجوه، الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه. وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال، والخشية والدعاء، والرجاء والإنابة; والتوكل والتوبة والاستعانة، وغاية الحب مع غاية الذل. كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن فعل شيئا من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثيل له، ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله. فلهذه الأمور وغيرها أخبر - سبحانه وتعالى - أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة. هذا معنى كلام ابن القيم رحمه الله([4]).


هل يدخل الشرك الأصغر تحت المشيئة؟
قال الشيخ صالح آل الشيخ:"ومعنى قوله - جل وعلا - في هذه الآية ( لَا يَغْفِرُ ) أي: أبدا فقوله:{ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } هذا وعيد بأنه - تعالى - لم يجعل مغفرته لمن أشرك به ، وقد قال العلماء في قوله:{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } إن في هذه الآية دليلا على أن المغفرة لا تكون لمن أشرك شركا أكبر أو أشرك شركا أصغر فإن الشرك لا يدخل تحت المغفرة ، بل يكون بالموازنة ، فهو لا يغفر إلا بالتوبة ، فمن مات على ذلك غير تائب فهو غير مغفور له ما فعله من الشرك ، وقد يغفر الله - تعالى - غير الشرك كما قال { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } فجعلوا الآية دليلا على أن الشرك الأكبر والأصغر لا يدخل تحت المشيئة.
وجه الاستدلال من الآية:أن (إن) في قوله تعالى:{ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } موصول حرفي فتؤول مع الفعل الذي بعدها وهو يشرك بمصدر- كما هو معلوم - ، والمصدر نكرة وقع في سياق النفي وإذا وقعت النكرة في سياق النفي عمت، قالوا:فهذا يدل على أن الشرك الذي نفي هنا يعم الأكبر والأصغر والخفي فكل أنواع الشرك لا يغفرها الله- جل وعلا - وذلك لعظم خطيئة الشرك لأن الله- جل وعلا - هو الذي خلق ورزق وأعطى ، وهو الذي تفضل فكيف يتوجه القلب عنه إلى غيره ؟! لا شك أن هذا ظلم في حق الله جل وعلا ولذلك لم يغفر وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وأكثر علماء الدعوة.
وقال آخرون من أهل العلم إن قوله هنا:{ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } دال على العموم لكنه عموم مراد به خصوص الشرك الأكبر فالمقصود بالشرك في قوله:{ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ} هو:الشرك الأكبر فقط دون غيره وأما ما دون الشرك الأكبر فإنه يكون داخلا تحت المشيئة فيكون العموم في الآية مرادا به الخصوص،لأنه غالبا ما يرد في القرآن هذا اللفظ:{ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } ونحو ذلك ويراد به الشرك الأكبر دون الأصغر،وهذا في الغالب كما سبق فالشرك غالبا ما يطلق في القرآن على الأكبر دون الأصغر ومن شواهد ذلك قوله: جل وعلا { وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ }
فقوله في الآية: يُشْرَكَ هو أيضا: فعل داخل في سياق الشرط فيكون عاما ، لكن هل يدخل فيه الشرك الأصغر والخفي ؟؟
الجواب:أنه لا يدخل بالإجماع؛لأنه تحريم الجنة،وإدخال النار والتخليد فيها ، إنما هو لأهل الموت على الشرك الأكبر فدلنا ذلك على أن المراد بقوله:{ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72]. أهل الإشراك بالله الشرك الأكبر فلم يدخل فيه الأصغر ، ولم يدخل ما دونه من أنواع الأصغر. فيكون المفهوم إذًا من آيتي سورة النساء كالمفهوم من آية سورة المائدة ونحوها وهذا كقوله في سورة الحج:{ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ } [31]. فهذا ونحوه وارد في الشرك الأكبر فيكون على هذا القول المراد بما نُفي هنا في قوله:{ لَا يَغْفِرُ أَنْ } الشرك الأكبر.
ولما كان اختيار إمام الدعوة ، كما هو اختيار عدد من المحققين:كشيخ الإسلام:ابن تيمية،وابن القيم وغيرهما أن العموم هنا شامل لأنواع الشرك:الأكبر والأصغر والخفي كان الاستدلال بهذه الآية صحيحا؛لأن الشرك:أنواع وإذا كان الشرك بأنواعه لا يغفر فهذا يوجب الخوف منه أعظم الخوف فإذا كان الشرك الأصغر:كالحلف بغير الله،وتعليق التميمة والحلقة والخيط ،ونحو ذلك من أنواع الشرك الأصغر كقولك:ما شاء الله وشئت ونسبة النعم إلى غير الله إذا كان ذلك لا يغفر فإنه يوجب أعظم الخوف كالشرك الأكبر".

وقال الشيخ صالح_حفظه الله تعالى_:"وإذا وقع أو حصل الخوف والوجل من الشرك في القلب فإن العبد سيحرص على معرفة أنواعه حتى لا يقع فيه،ويطلب معرفة أصنافه وأفراده حتى لا يقع فيها وحتى يحذِّر أحبابه ومن حوله منها ؛ لذلك كان أحب الخلق أو أحب الناس ، وخير الناس للناس:من يحذرهم من هذا الأمر ولو لم يشعروا به ولو لم يعقلوه قال جل وعلا:{ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } [آل عمران:110]. لأنهم يدلون الخلق على ما ينجيهم ، فالذي يحب للخلق النجاة هو الذي يحذرهم من الشرك بأنواعه ، ويدعوهم إلى التوحيد بأنواعه؛لأن هذا أعظمُ ما يُدعي إليه ؛ ولهذا لما حصل من بعض القرى في زمن إمام الدعوة تردد وشك ورجوع عن مناصرة الدعوة وفَهْمِ ما جاء به الشيخ رحمه الله وكتبوا للشيخ وغلَّظوا له القول وقالوا:إن ما جئت به ليس بصحيح وإنك تريد كذا وكذا لمّا حصل منهم ذلك أجابهم بكتاب قال في آخره بعد أن شرح التوحيد وضدَّه ورغَّب ورهَّب: ولو كنتم تعقلون حقيقة ما دعوتكم إليه لكنت أغلى عندكم من آبائكم وأمهاتكم وأبنائكم ولكنكم قوم لا تعقلون . انتهى كلامه - رحمه الله - وهو كلام صحيح ولكن لا يعقله إلا من عرف حق الله - جل وعلا - فرحمة الله على هذا الإمام ، وأجزل له المثوبة ،وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء ، ورفع درجته في المهديين،والنبيين،والصالحين.

قوله تعالى:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} وصاحب هذه الدعوة هو إبراهيم عليه السلام ومر بنا في الباب قبله:أن إبراهيم قد حقق التوحيد وقد وصفه الله بأنه كان أمة قانتا لله حنيفا وبأنه لم يك من المشركين فهل يطمئن من كان على هذه الحال إلى أنه لن يعبد غير الله ولن يعبد الأصنام أو يظل مقيما على خوفه ؟؟!! وهل حال الكمَّل الذين حققوا التوحيد أنهم يطمئنون أم يخافون؟؟! هذا إبراهيم - عليه السلام - كما في هذه الآية خاف الشرك وخاف عبادة الأصنام فدعا الله بقوله:{ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ }{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ } [إبراهيم:36]. فكيف بمن دون إبراهيم ممن ليس من السبعين ألفا ، وهم عامة هذه الأمة ؟؟!! والواقع أن عامة الأمة لا يخافون من الشرك ، فمن الذي يخافه إذًا؟ الذي يخافه هو الذي يسعى في تحقيق التوحيد.
قال إبراهيم التيمي_رحمه الله_ وهو من سادات التابعين لما تلا هذه الآية قال:ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!إذا كان إبراهيم-عليه السلام- وهو الذي حقق التوحيد وهو الذي وُصِفَ بما وُصِفَ به وهو الذي كسَّر الأصنام بيده يخاف من الفتنة بها فمن يأمن البلاء بعده ؟!
إذًا فما ثمَّ إلا غرور أهل الغرور والمقصود:أن هذا يوجب الخوف الشديد من الشرك لأن إبراهيم - عليه السلام مع كونه سيد المحققين للتوحيد في زمانه بل وبعد زمانه إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ما أعطي الضمان والأمان من الوقوع في الشرك وألا يزيغ قلبه وكذلك الحال مع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . فلا يأمن الوقوع في الشرك إلا من هو جاهل به وبما يخلصه منه: من العلم بالله، وبما بعث به رسوله من توحيده، والنهي عن الشرك به.

قال الشيخ صالح الفوزان:" في قوله:{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} الخليل هو إبراهيم عليه السلام سمي بالخليل لأن الله سبحانه اتخذه خليلاً، كما قال تعالى:{وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} من الخُلَّة وهي أعلى درجات المحبة أي: أن الله يحبه أعلى المحبة، وهذه مرتبة لم ينلها إلاَّ إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
قوله:{وَاجْنُبْنِي} أي:أبعدني واجعلني في جانب بعيد{أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} خاف من عبادتها. مع هذه المنزلة العظيمة التي نالها إبراهيم عليه السلام من ربه، ومع أنه قاوم الشرك وكسر الأصنام بيده، وتعرض لأشد الأذى في سبيل ذلك حتى ألقي في النار ([5]). مع ذلك خاف على نفسه من الوقوع في الشرك، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولهذا قال بعض السلف:"ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟ فإبراهيم خاف على نفسه الوقوع في الشرك لما رأى كثرة وقوعه في الناس، وقال عن الأصنام:{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ}. وفي هذا أبلغ الرد على هؤلاء الذين يقولون: لا خوف على المسلمين من الوقوع في الشرك بعدما تعلموا وتثقفوا، لأن الشرك بعبادة الأصنام شرك ساذج يترفع عنه المثقف والفاهم، وإنما الخوف على الناس من الشرك في الحاكمية! ويركزون على هذا النوع خاصة، وأما الشرك في الألوهية والعبادة فلا يهتمون بإنكاره، وعلى هذا يكون الخليل عليه السلام وغيره من الرسل إنما ينكرون شركاً ساذجاً!! ويتركون الشرك الخطير وهو شرك الحاكمية كما يقول هؤلاء!!! ([6]).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار". رواه البخاري. وأخرج أبو يعلى وابن المنذر عن حذيفة بن اليمان عن أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الشرك أخفى من دبيب النمل. قال أبو بكر:يا رسول الله، وهل الشرك إلا ما عبد من دون الله أو ما دعي مع الله؟ قال: ثكلتك أمك، الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل " الحديث. وفيه: " أن تقول أعطاني الله وفلان، والند أن يقول الإنسان: لولا فلان قتلني فلان....
ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار".

قوله:"من مات وهو يدعو من دون الله ندا". أي يجعل لله ندا في العبادة، يدعوه ويسأله ويستغيث به دخل النار.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله -:
والشرك فاحذره فشرك ظاهر ... ذا القسم ليس بقابل الغفران
وهو اتخاذ الند للرحمن أيا ... كان من حجر ومن إنسان
يدعوه، أو يرجوه ثم يخافه ... ويحبه كمحبة الديان.

واعلم أن اتخاذ الند على قسمين:
الأول: أن يجعله لله شريكا في أنواع العبادة أو بعضها كما تقدم، وهو شرك أكبر.
والثاني:ما كان من نوع الشرك الأصغر كقول الرجل: ما شاء الله وشئت ولولا الله وأنت. وكيسير الرياء، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له رجل:"ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده". رواه أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجه. وقد تقدم حكمه في باب فضل التوحيد([7]).


أقسام الرياء :
والرياء قسمان: رياء المسلم _ ورياء المنافق.
رياء المنافق:رياء في أصل الدين يعني:أنه راءى بإظهار الإسلام وأبطن الكفر قال تعالى:{ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا }[النساء:142].
ورياء المسلم الموحِّد:مثل أن يُحسِّن صلاته من أجل نظر الرجل أو أن يُحَسِّن تلاوته لأجل التسميع ليُمدَح ويُسمع لا لأجل التأثير. فالرياء: مشتق من الرؤية ومن صوره أن يحسن العبادة لأجل أن يرى من المتعبدين كأن يطيل في صلاته أو يطيل في ركوعه أو في سجوده أو يقرأ في صلاته أكثر من العادة لأجل أن يرى ذلك منه أو يقوم الليل لأجل أن يقول الناس عنه:إنه يقوم الليل فهذا كله شرك أصغر.


حكم الرياء إذا طرأ على العبادة؟
والشرك الأصغر الذي هو الرياء:قد يكون محبطا لأصل العمل الذي تعبد به وقد يكون محبطا للزيادة التي زادها فيه فيكون محبطا لأصل العمل الذي تعبد به:وإذا ابتدأ النية بالرياء كمن يصلي الراتبة لأجل أن يرى أنه يصليها وليست عنده رغبة في أن يصليها لكن لما رأى أنه يُرَى صلاها ولأجل أن يمدح لما يرى من نظر الناس إليه فصلاته هذه حابطة ليس له فيها ثواب .
لكن إذا عرض الرياء له في أثناء العبادة فيكون ما زاده لأجل الرؤية باطلا كما قال صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى:أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
والرياء ينقسم باعتبار إبطاله للعبادة إلى قسمين:
الأول:أن يكون في أصل العبادة، أي ما قام يتعبد إلا للرياء، فهذا عمله باطل مردود عليه لحديث أبي هريرة في "الصحيح" مرفوعاً، قال الله تعالى:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".
الثاني:أن يكون الرياء طارئاً على العبادة، أي أن أصل العبادة لله، لكن طرأ عليها الرياء، فهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول:أن يدافعه، فهذا لا يضره مثاله:رجل صلى ركعة،ثم جاء أناس في الركعة الثانية، فحصل في قلبه شيء بأن أطال الركوع أو السجود أو تباكى وما أشبه ذلك، فإن دافعه، فإنه لا يضره لأنه قام بالجهاد.
القسم الثاني:أن استرسل معه، فكل عمل ينشأ عن الرياء فهو باطل، كما لو أطال القيام أو الركوع، أو السجود، أو تباكى، فهذا كل عمله حابط،
ولكن هل هذا البطلان يمتد إلى جميع العبادة أم لا؟
نقول: لا يخلو هذا من حالين:
الحال الأولى:أن يكون آخر العبادة مبيناً على أولها، بحيث لا يصح أولها مع فساد آخرها، فهذه كلها فاسدة.
وذلك مثل الصلاة فالصلاة مثلاً لا يمكن أن يفسد آخرها ولا يفسد أولها، وحينئذ تبطل الصلاة كلها إذا طرأ الرياء في أثنائها ولم يدافعه.
الحال الثانية:أن يكون أول العبادة منفصلاً عن آخرها، بحيث يصح أولها دون آخرها، فما سبق الرياء، فهو صحيح، وما كان بعده، فهو باطل. مثال ذلك: رجل عنده مئة ريال، فتصدق بخمسين بنية خالصة، ثم تصدق بخمسين بقصد الرياء، فالأولى مقبولة، والثانية غير مقبولة، لأن آخرها منفك عن أولها.
فإن قيل:لو حدث الرياء في أثناء الوضوء، هل يلحق بالصلاة فيبطل كله، أو بالصدقة فيبطل ما حصل فيه الرياء فقط .
فالجواب: يحتمل هذا وهذا، فيلحق بالصلاة لأن الوضوء عبادة واحدة ينبني بعضها على بعض، ليس تطهير كل عضو عبادة مستقلة، ويلحق بالصدقة لأنه ليس كالصلاة من كل وجه ولا الصدقة من كل وجه، لأننا إذا قلنا ببطلان ما حصل فيه الرياء، فأعاد تطهيره وحد لم يضر، لأن تكرر غسل الوضوء لا يبطل الوضوء ولو كان عمداً بخلاف الصلاة. فإنه إذا كرر جزءاً منها كركوع أو سجود لغير سبب شرعي، بطلت صلاته، فلو أنه بعد أن غسل يديه رجع وغسل وجهه، لم يبطل وضوؤه، ولو أنه بعد أن سجد رجع وركع، لبطلت صلاته، والترتيب موجود في هذا وهذا، لكن الزيادة في الصلاة تبطلها، والزيادة في الوضوء لا تبطله، والرجوع مثلاً إلى الأعضاء الأولى لا يبطله أيضاً، وإن كان الرجوع في الحقيقة لا يعتبر وضوءاً لأنه غير شرعي، وربما يكون في الأولى غسل وجهه على أنه واحدة، ثم غسل يديه، ثم قال: الأحسن أن أكمل الثلاث في الوجه أفضل، فغسل وجهه مرتين، وهو سيرتب أي سيغسل وجهه ثم يديه، فوضؤه صحيح.
ولو ترك التسبيح ثلاث مرات في الركوع، وبعدما سجد قال: فوت على نفس فضيلة، سأرجع لأجل أن أسبح ثلاث مرات، فتبطل صلاته، فالمهم أن هناك فرقاً بين الوضوء والصلاة، ومن أجل هذا الفرق لا أبت فيها الآن حتى أراجع وأتأمل إن شاء الله تعالى ([8]).

فالشرك:أمره صعب جداً ليس بالهين، ولكن ييسر الله الإخلاص على العبد، وذلك بأن يجعله الله نصب عينيه، فيقصد بعمله وجه الله لا يقصد مدح الناس أو ذمهم أو ثناءهم عليه، فالناس لا ينفعونه أبداً، حتى لو خرجوا معه لتشييع جنازته لم ينفعه إلا عمله، قال صلى الله عليه وسلم " يخرج مع الميت أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان:أهله وماله، ويبقى عمله".
وكذلك أيضاً من المهم أن الإنسان لا يفرحه أن يقبل الناس قوله لأنه قوله، لكن يفرحه أن يقبل الناس قوله إذا رأى أنه الحق لأنه الحق، لا أنه قوله، وكذا لا يحزنه أن يرفض الناس قوله لأنه قوله، لأنه حينئذ يكون قد دعا لنفسه، لكن يحزنه أن يرفضوه لأنه الحق، وبهذا يتحقق الإخلاص. فالإخلاص صعب جداً، إلا أن الإنسان إذا كان متجهاً إلى الله اتجاهاً صادقاً سليماً على صراط مستقيم، فإن الله يعينه عليه، ويسره له.

وقوله:"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر". هذا من شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته ورحمته ورأفته بهم، فلا خير إلا دلهم عليه وأمرهم به، ولا شر إلا بينه لهم وأخبرهم به ونهاهم عنه صلى الله عليه وسلم كما فيما صح عنه:" ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم" الحديث. فإذا كان الشرك الأصغر مخوفا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كمال علمهم وقوة إيمانهم، فكيف لا يخافه وما فوقه من هو دونهم في العلم والإيمان بمراتب؟ خصوصا إذا عرف أن أكثر علماء الأمصار اليوم لا يعرفون من التوحيد إلا ما أقر به المشركون، وما عرفوا معنى الإلهية التي نفتها كلمة الإخلاص عن كل ما سوى الله.
قال العلامة ابن القيم:"وأما الشرك فى الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه فمن أراد بعمله غير وجه الله ونوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك فى نيته وإرادته والإخلاص أن يخلص لله في أفعاله وأقواله وإرادته ونيته وهذه هي الحنيفية ملة إبراهيم التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهى حقيقة الإسلام كما قال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين) وهى ملة إبراهيم عليه السلام التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء"([9]).

فهذا يدل على أن الشرك أمره عظيم فلا يتهاونن أحد بهذا الأمر لأن من تهاون بالشرك وبالتوحيد، فإنه يكون متهاونا بأصل دين الإسلام ، بل يكون متهاونا بالذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم في مكة سنين عددا بل يكون متهاونا بدعوة الأنبياء والمرسلين فإنهم اجتمعوا على شيء واحد وهو العقيدة وتوحيد العبادة والربوبية والأسماء والصفات وأما الشرائع فشتى.
لهذا وجب عليك الحذر كل الحذر من الشرك بأنواعه وأن تتعلم ضده وأن تتعلم أيضا أفراد الشرك وأفراد التوحيد وبذلك يتم العلم ويستقيم العمل وأما تعلم ذلك على وجه الإجمال ، فهذا كما يقال:نحن على الفطرة لكن إذا أتت الأفراد فربما رأيت بعض الناس يخوضون في بعض الأقوال أو الأعمال التي هي من جنس الشرك وهم لا يشعرون وذلك لعدم خوفهم وهربهم من الشرك نسأل الله جل وعلا العفو والعافية فاحرص إذًا على تعلم هذا الكتاب ومدارسته وعلى كثرة مذاكرته ، وفهم ما فيه من الحجج والبينات لأنه أفضل ما تودعه صدرك بعد كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فلعله أن يكون إن شاء الله سببا عظيما من أسباب النجاة والفلاح ([10]).

قال الشيخ العلامة صالح الفوزان:" فهذا فيه الخوف من الشرك، وأن الإنسان قد يُختم له بالشرك فيكون من أهل النار ولو كان من أهل التّوحيد قبل ذلك وعارف به، ومستقيم لكن يخاف على نفسه من أنه يتنكس بعد ذلك ويشرك بالله ويموت على ذلك فيكون من أهل النار، فنسأل الله الثبات، فيكون عنده حذر دائماً وأبداً من الشرك".

وقال:"وفي نصوص الباب أن الإنسان لا يغتر بنفسه مهما بلغ من العلم والإيمان والمعرفة، بل يعترف بعجزه وفقره إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه إن لم يعصمه الله فإنه على خطر"([11]).

الشرك أعظم الذنوب وأقبحها على الإطلاق:
قال العلامة ابن القيم:"أخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا يشرك به وأن يقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض كما قال تعالى:{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } [الحديد:25 ]. فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله،وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل ومن أعظم القسط التوحيد وهو رأس العدل وقوامه وأن الشرك ظلم كما قال تعالى:{ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } [لقمان:13] .
فالشرك:أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر
إلى أن قال فلما كان الشرك منافيا بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته وأبى الله سبحانه أن يقبل لمشرك عملا أو يقبل فيه شفاعة أو يجيب له في الآخرة دعوة أو يقبل له فيها رجاء فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله.حيث جعل له من خلقه ندّا وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه وإن كان المشرك في الواقع لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه" ([12]).

وقال:"فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله تعالى ولهذا قال إبراهيم إمام الحنفاء لخصمائه من المشركين ( أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 86 ]. وإن كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره وجعلتم له ندا فأنت تجد تحت هذا التهديد :ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟! فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم من وزير أو ظهير أو عون وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته.
وكل ما سواه فقير إليه بذاته وإما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة أولا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم أو لا يكفي عبده وحده أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة كما يشفع المخلوق عند المخلوق فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثره به من القلة وتعززه به من الذلة أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه كما هو حال ملوك الدنيا وهذا أصل شرك الخلق أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم حتى يرفع الوسائط ذلك أو يظن أن للمخلوق عليه حقا فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه ويتوسل إليه بذلك المخلوق كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته وكل هذا تنقص للربوبية وهضم لحقها ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله تعالى وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك بسبب قسمته ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه"([13]).

ثم قال:"وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه، وفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم مقاصده، جزم جزماً لا يحتمل النقيض أن هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه: صيغة "لا تفعلوا" وصيغة ( إنى أنهاكم ) ([14]). ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه نهاه، واتبع هواه، ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه أو عدم فى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه.
فأبى المشركون إلا معصية لأمره وارتكاباً لنهيه وغرهم الشيطان فقال:بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين وكلما كنتم أشد لها تعظيما،وأشد فيهم غلوا، كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد.
ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. فجمع المشركون بين الغلو فيهم، والطعن فى طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم، وإنزالهم منازلهم التى أنزلهم الله إياها:من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم. وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم. وأما المشركون فعصوا أمرهم، وتنقصوهم فى صورة التعظيم لهم" ([15]).

وخلاصة هذا الباب العظيم : هو الخوف من الشرك الأكبر والأصغر وعدم الأمن من مكر الله جل جلاله.

فيه مسائل :
الأولى:الخوف من الشرك.
الثانية:أن الرياء من الشرك.
الثالثة:أنه من الشرك الأصغر.
الرابعة:أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين.
الخامسة:قُرْب الجنة والنار .
السادسة:الجمع بين قربهما في حديث واحد.
السابعة:أنه مَنْ لقيه لا يشرك به شيئا ؛ دخل الجنة. ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس.
الثامنة:المسألة العظيمة:سؤال الخليل له ولبنيه وقاية عباد الأصنام.
التاسعة:اعتبار بحال الأكثر لقوله:{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ}.
العاشرة:فيه تفسير ( لا إله إلا الله ) ، كما ذكره البخاري.
الحادية عشرة:فضيلة من سَلِمَ من الشرك.
------
([1]) قال عبدالله ابن مسعود رضي الله عنه :من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا اختارهم الله لصحبة نبيه ولإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم على آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" انظرشرح السنة للبغوي (ص 215 ) المكتب الإسلامي.
([2]) انظر إعانة المستفيد.
([3]) والحقيقة أن المشرك يظلم نفسه لا ربه سبحانه وتعالى.
([4]) انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد.
([5]) وماذا فعلنا نحن من أجل التوحيد ومالذي فعل بنا لأجله حتى نأمن من الشرك؟؟؟!!!
([6]) انظر إعانة المستفيد.
([7]) انظر فتح المجيد.
([8] )انظر القول المفيد على كتاب التوحيد.
([9]) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي أو (الداء والدواء) .
([10]) أنظر القول المفيد والتمهيد "باب الخوف من الشرك" .
([11]) إعانة المستفيد .
([12]) انظر الجواب الكافي (ص 109) بواسطة كتاب التوحيد للفوزان.
([13]) أنظر إغاثة اللهفان (ج1_ص129) .
([14]) (أي عن الصلاة للقبور اوعليها) .
([15]) (إغاثة اللهفان (ج1_ص356) .

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/61376959276.pdf)

الحياة أمل
2013-08-22, 08:35 AM
(4)


باب


الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله


وقول الله تعالى:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ }[يوسف: 108] الآية.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال:"إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله".
وفي رواية:"إلى أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أخرجاه.
ولهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر:" لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه, فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها فقال:" أين علي بن أبي طالب؟ فقيل:هو يشتكي عينيه فأرسلوا إليه فأُتِيَ به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية وقال:" أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم".
( يدوكون : أي يخوضون) .

الشرح:
أي:باب الدعوة إلى التوحيد نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه بل يجب عليه أن يدعو إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة كما هو سبيل المرسلين وأتباعهم.
وهذا الترتيب الذي ذكره المؤلف من أحسن ما يكون لأنه لما ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك، لأنه لا يتم الإيمان إلا إذا دعا إلى التوحيد قال تعالى:{والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}. فلا بد مع التوحيد من الدعوة إليه وإلا كان ناقصاً ولا ريب أن هذا الذي سلك سبيل التوحيد لم يسلكه إلا وهو يرى أنه أفضل سبيل وإذا كان صادقاً في اعتقاده فلابد أن يكون داعياً إليه، والدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله من تمام التوحيد، ولا يتم التوحيد إلا به! ([1]).

وقد ذكر في الباب قبله الخوف من الشرك وقبله ذَكَرَ (فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) و باب: (من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب). ولما ذكر بعده الخوف من الشرك:اجتمعت معالم حقيقة التوحيد في نفس الموحد فهل من اجتمعت حقيقة التوحيد في قلب:بأن عرف فضله وعرف معناه وخاف من الشرك واستقام على التوحيد وهرب من ضده هل يبقى مقتصرا بذلك على نفسه ويضنّ به على غيره وهل تتم حقيقة التوحيد في قلبه إلا بأن يدعو إلى حق الله الأعظم ألا وهو إفراده بالعبادة وبما يستحقه - سبحانه وتعالى - من نعوت الجلال وأوصاف الجمال ؟؟!
الجواب: طبعا لا,لذا بوب الشيخ- رحمه الله-بهذا الباب ليدل على أن من تمام الخوف من الشرك ومن تمام التوحيد:أن يدعو المرءُ غيره إلى التوحيد فإنه لا يتم في القلب حتى تدعو إليه وهذه حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله لأن الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله عُلِمَت حيث شهد العبد المسلم لله بالوحدانية بقوله:أشهد أن لا إله إلا الله
وشهادته معناها:اعتقاده ونطقه وإخباره غيره بما دلت عليه فلا بد إذًا تحقيقًا للشهادة وإتمامًا لها أن يكون المكلَّف الموحِّد داعيا إلى التوحيد.
لهذا ناسب أن يذكر هذا الباب بعد الأبواب قبله ثم إن له مناسبة أخرى لطيفة:
وهي:أن ما بعد هذا الباب هو تفسير للتوحيد وبيان لأفراده وتفسير للشرك وبيان لأفراده فتكون الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى التوحيد دعوة إلى تفاصيل ذلك وهذا من المهمات لأن كثيرين من المنتسبين للعلم من أهل الأمصار يسلمون بالدعوة إلى التوحيد إجمالاً ولكن إذا أتى التفصيل في بيان مسائل التوحيد أو جاء التفصيل في بيان أفراد الشرك فإنهم يخالفون في ذلك وتغلبهم نفوسهم في مواجهة الناس بحقائق أفراد التوحيد وأفراد الشرك.

فالذي تميزت به دعوة الإمام المصلح _رحمه الله_ أن الدعوة فيها إلى شهادة أن لا إله إلا الله دعوة تفصيلية ليست إجمالية أما الإجمال فيدعو إليه كثيرون ممن يقولون نهتم بالتوحيد ونبرأ من الشرك لكن لا يذكرون تفاصيل ذلك والذي ذكره الإمام - رحمه الله - في بعض رسائله أنه لما عرض هذا الأمر يعني الدعوة إلى التوحيد على علماء الأمصار قال:وافقوني على ما قلت وخالفوني في مسألتين: في مسألة التكفير وفي مسألة القتال. أ,هـ.

وقال أيضا:وهذه الدعوة دعوة تفصيلية لا إجمالية ولهذا فصل الإمام - رحمه الله - في هذا الكتاب أنواع التوحيد وأفراد توحيد العبادة وفصَّل الشرك الأكبر والأصغر فبين أفرادا من ذا وذاك ([2]) .
فإذا كان طالب العلم ألَمَّ بهذه الأبواب وعرفها معرفة جيدة عرف التّوحيد وفضله وتحقيقه وعرف ما يضاده من الشرك الأكبر أو ينقصه من الشرك الأصغر والبدع وسائر المعاصي، فإنه حينئذٍ تأهّل للدعوة إلى الله عزّ وجلّ، لأنه لا يجوز للإنسان إذا علم شيئاً من هذا العلم أن يختزنه في صدره ويُغلق عليه ويختصه لنفسه هذا العلم مشتَرك بين الأمة فمن عرف شيئاً منه فإنه يجب عليه أن ينشره وأن يدعو الناس إليه فإن هذه الأمة أمة دعوة كما قال تعالى:{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} وقال تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}.
فلا يجوز للمسلم الذي عرف شيئاً من العلم أن يسكت عليه وهو يرى الناس في حاجة إليه،خصوصاً علم التّوحيد وعلم العقيدة لأنه إذا فعل ذلك فقد ترك واجباً عظيماً، ولا يقول الإنسان أنا ما علي إلاَّ من نفسي- كما يقوله بعض الجهلة أو الكسالى- أنا ما عليَّ من الناس!! بل عليك نفسك أولاً ثم عليك أن تدعو الناس إلى دين الله عزّ وجلّ، فإن اقتصرت على نفسك تركت واجباً عظيماً تحاسب عنه يوم القيامة، وتعرّض نفسك لغضب الله عزّ وجلّ حيث تركت ما أوجبه عليك من الدعوة إلى الله عزّ وجلّ، هذا وجه المناسبة وهي ظاهرة ([3]).

قوله تعالى:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ } فيها فائدتان:
1_ أن الدعوة يجب أن تكون إلى الله جل جلاله وإلى دينه.
2_ التنبيه على الإخلاص في هذا الموطن العظيم.
وقوله:{ إلى الله} لأن الدعاة إلى الله ينقسمون إلى قسمين:
1_داع إلى الله.
2 _ داع إلى غيره.
فالداعي إلى الله تعالى هو المخلص الذي يريد أن يوصل الناس إلى الله تعالى. والداعي إلى غيره قد يكون داعياً إلى نفسه، يدعو إلى الحق لأجل أن يعظم بين الناس ويحترم، ولهذا تجده يغضب إذا لم يفعل الناس ما أمر به، ولا يغضب إذا ارتكبوا نهياً أعظم منه، لكن لم يدع إلى تركه.
ومن دعا إلى الله ثم رأى الناس فارين منه فلا ييأس ويترك الدعوة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه ( انفذ على رسلك، فو الله، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم).
يعني:أن اهتداء رجل واحد من قبائل اليهود خير لك من حمر النعم، فإذا دعا إلى الله ولم يجب فليكن غضبه من أجل أن الحق لم يتبع لا لأنه لم يجب فإذا كان يغضب لهذا فمعناه أنه يدعو إلى الله فإذا استجاب واحد كفى وإذا لم يستجب أحد فقد أبرأ ذمته أيضاً وفي الحديث:"والنبي وليس معه أحد"([4]).

قوله:{على بصيرة} أي:علم فتضمنت هذه الدعوة الإخلاص والعلم لأن أكثر ما يفسد الدعوة عدم الإخلاص أو عدم العلم . وليس المقصود بالعلم في قوله:{ على بصيرة } العلم بالشرع فقط بل يشمل:
1_ العلم بالشرع .
2_ والعلم بحال المدعو.
3_ والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهو الحكمة.
فيكون بصيراً بحكم الشرع وبصيراً بحال المدعو وبصيراً بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه :" إنك تأتي قوماً أهل كتاب". فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محموداً وليست طريقته طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح([5]).
والبصيرة هي:أعلى مراتب العلم وهي للقلب كالبصر للعين يبصر بها المعلومات والحقائق فكما أنك بالعين تبصر الأجرام والذوات فإنك ببصيرة القلب والعقل تدرك المعلومات
والمعنى:أنه دعا على علم،وعلى يقين وعلى معرفة لم يدعُ إلى الله على جهالة.

وقوله تعالى (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يعني:أدعو أنا إلى الله وكذلك من اتبعني ممن أجاب دعوتي فإنهم يدعون إلى الله أيضا على بصيرة وهذا أيضا من مناسبة إيراد الآية تحت هذا الباب لأن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم يدعون إلى الله. فالمتبعون للرسل عليهم الصلاة والسلام والموحدون لله:لا بد لهم من الدعوة إلى الله بل هذه صفته صلى الله عليه وسلم وصفتهم التي أمر الله نبيه أن يخبر عنها،فقال قل يعني: يا محمد:{ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}.
فهذه إذًا خصلة أتباع الأنبياء الذين لم يخافوا من الشرك فحسب ولم يعلموا التوحيد ويعملوا به فحسب بل دعوا إلى ذلك وهذا أمر حتمي ولازم لأن من عرف عِظَم حق الله جل جلاله فإنه يغار على حق الرب جل جلاله وكيف لا يغار على مولاه وعلى حق من أحبه فوق كل محبوب من أن يكون توجه الخلق إلى غيره بنوع من أنواع التوجهات ؟! . فلا بد أن يدعو إلى أصل الدين وأصل الملة الذي اجتمعت عليه الأنبياء والمرسلون ألا وهو توحيده - جل وعلا - في عبادته وفي ربوبيته ، وفي أسمائه وصفاته ([6]).

قوله:{أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} البصيرة معناها: العلم، بل هي أعلى درجات العلم.
وفي هذا دليل على أنه يُشترط في الداعية أن يكون على بصيرة، أي : على علم بما يدعو إليه، أما الجاهل فلا يصلح للدعوة بل لابد أن يتزوّد بالعلم قبل أن يَشْرَع في الدعوة لأنه في دعوته يتعرض إلى شبهات ومناظرات فمن أين يجيب إذا وقف في وجه معاند أو معارض أو مشبِّه كيف يستطيع الخلاص.
إنه يفشل ويصير نَكْسَة على الدعوة، أو يجيب بجهل ويكون الأمر أخطر، إما أن يسكت عن الجواب وينتصر عليه الخصم، وإما أن يجيب بجهل فيكون الأمر أخطر هذا من ناحية.
والناحية الثانية:أن الداعية يحتاج إلى معرفة الحلال والحرام، فقد يقول بجهله هذا الشيء حرام وهو حلال وقد يقول بجهله : هذا الشيء حلال وهو حرام، فالداعية يجب أن يكون على علم بما يدعو إليه بحيث أنه يعرف الحلال والحرام ويعرف الواجب والمستحب والمحرّم والمكروه والمباح ويعرف كيف يجيب على الاعتراضات والشبه والمجادلات كما قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} كيف يستطيع أن يجادل بالتي هي أحسن وهو ليس عنده علم؟!
فيُشترط في الداعية : أن يتأهل بالعلم، فإن بعض الدعاة اليوم ليس عندهم علم وإنما يجيد الكلام والشَّقْشَقَة والخطابة لكن ليس عنده علم، بحيث لو عرضت له أدنى شُبهة، أو سئل عن أدنى مسألة في الحرام والحلال تخبّط فيها.

{أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} أي:وأتباعي يدعون إلى الله على بصيرة، فدلّ على أن من لم يدع إلى الله لم يحقق إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وأن من دعا إلى الله على جهل لم يحقق إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بل إنه أدخل نفسه فيما ليس من شأنه وصار خطراً على الدعوة، وعلى الدعاة.

ثم قال:{وَسُبْحَنَ اللَّهِ} سبحان:اسم مصدر من سبّح بمعنى: نَزَّه الله عما لا يليق به من الشرك والقول عليه سبحانه وتعالى بلا علم فإن الله يُنَزَّه عن الشرك ويُنَزَّه عن القول عليه بلا علم فهذا فيه وجوب تنزيه الله سبحانه وتعالى عن النقائص وأعظمها الشرك.

{وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} هذه براءة من الرسول صلى الله عليه وسلم من المشركين، كما تبرّأ منهم خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام:{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
ففيه البراءة من المشركين يعني: قطع المحبة والمودّة والمناصرة بينك وبين المشركين، لأنهم أعداء الله وأعداء رسوله فلا يجوز لك أن تَوَدَّهم بقلبك أو تناصرهم أو تدافع عنهم:{قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ....} الآيات {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}،{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }.
ففي هذا دليل على أنه يجب البراءة من المشركين، وأن من أصول الدعوة إلى الله : البراءة من المشركين أما الداعية الذي لا يتبرأ من المشركين فهذا ليس بداعية، وليس على طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم وإن زعم أنه يدعو إلى الله والكفر بالطاغوت مقدم على الإيمان بالله كما قال تعالى :{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}فلابد من البراءة من المشركين أما الذين يقولون:"ما علينا من عقائد الناس من دخل في جماعتنا وصار معنا فهو أخونا وعقيدته له ! هذه ليست دعوة إلى الله عزّ وجلّ، وإنما هي دعوة إلى الحزبية والعصبية ([7]).


أقسام الناس بالنسبة لكيفية دعوتهم:

قال العلامة ابن القيم _رحمه الله تعالى_:في معنى قوله تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} الآية. ذكر سبحانه مراتب الدعوة وجعلها ثلاثة أقسام بحسب حال المدعو:
1_فإنه إما أن يكون طالبا للحق محبا له، مؤثرا له على غيره إذا عرفه، فهذا يدعى بالحكمة، ولا يحتاج إلى موعظة وجدال .
2_ وإما أن يكون مشتغلا بضد الحق. لكن لو عرفه آثره واتبعه، فهذا يحتاج إلى الموعظة بالترغيب والترهيب.
3_ وإما أن يكون معاندا معارضا، فهذا يجادل بالتي هي أحسن . فإن رجع وإلا انتقل معه إلى الجلاد إن أمكن. انتهى.

الفرق بين حب الإمامة الممدوحة والدعوة إلى الله وبين حب الرئاسة والتصدر:
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: ( فصل )
والفرق بين حب الرياسة وحب الإمارة للدعوة إلى الله هو الفرق بين تعظيم أمر الله والنصح له وتعظيم النفس والسعي في حظها فإن الناصح لله المعظم له المحب له يحب أن يطاع ربه فلا يعصى وأن تكون كلمته هي العليا وأن يكون الدين كله لله وأن يكون العباد ممتثلين أوامره مجتنبين نواهيه فقد ناصح الله في عبوديته وناصح خلقه في الدعوة إلى الله فهو يحب الإمامة في الدين بل يسأل ربه أن يجعله للمتقين أماماً يقتدي به المتقون كما اقتدى هو بالمتقين.
فإذا أحب هذا العبد الداعي إلى الله أن يكون في أعينهم جليلا وفي قلوبهم مهيبا وإليهم حبيبا وأن يكون فيهم مطاعا لكي يأتموا به ويقتفوا أثر الرسول صلى الله عليه وسلم على يده لم يضره ذلك بل يحمد عليه لأنه داع إلى الله يحب أن يطاع ويعبد ويوحد فهو يحب ما يكون عونا على ذلك موصلا إليه ولهذا ذكر سبحانه عباده الذين اختصهم لنفسه وأثنى عليهم في تنزيله وأحسن جزاءهم يوم لقائه فذكرهم بأحسن أعمالهم وأوصافهم ثم قال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ). فسألوه أن يقر أعينهم بطاعة أزواجهم وذرياتهم له سبحانه وأن يسر قلوبهم باتباع المتقين لهم على طاعته وعبوديته فإن الإمام والمؤتم متعاونان على الطاعة فإنما سألوه وما يعانون به المتقين على مرضاته وطاعته وهو دعوتهم إلى الله بالإمامة في الدين التي أساسها الصبر واليقين كما قال تعالى (وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) وسؤالهم أن يجعلهم أئمة للمتقين هو سؤال أن يهديهم ويوفقهم ويمن عليهم بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة ظاهرا وباطنا التي لا تتم الإمامة إلا بها وتأمل كيف نسبهم في هذه الآيات إلى اسمه الرحمن جلا جلاله ليعلم خلقه أن هذا إنما نالوه بفضل رحمته ومحض جوده ومنته وتأمل كيف جعل جزاءهم في هذه السورة الغرف وهي المنازل العالية في الجنة لما كانت الإمامة في الدين من الرتب العالية بل من أعلى مرتبة يعطاها العبد في الدين كان جزاؤه عليها الغرفة العالية في الجنة.
وهذا بخلاف طلب الرياسة فإن طلابها يسعون في تحصيلها لينالوا بها أغراضهم من العلو في الأرض وتعبد القلوب لهم وميلها إليهم ومساعدتهم لهم على جميع أغراضهم مع كونهم عالين عليهم قاهرين لهم فترتب على هذا المطلب من المفاسد مالا يعلمه إلا الله من البغي والحسد والطغيان والحقد والظلم والفتنة والحمية للنفس دون حق الله وتعظيم من حقره الله واحتقار من أكرمه الله ولا تتم الرياسة الدنيوية إلا بذلك ولا تنال إلا به وبأضعافه من المفاسد والرؤساء في عمى عن هذا فإذا كشف الغطاء تبين لهم فساد ما كانوا عليه ولا سيما إذا حشروا في صور الذر يطؤهم أهل الموقف بأرجلهم إهانة لهم وتحقيرا وتصغيرا كما صغروا أمر الله وحقروا عباده ([8]) .أ.هـ

قوله: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله).
هذا موطن الشاهد وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً رضي الله عنه أن يكون أول ما يدعو إليه هو: شهادة أن لا إله إلا الله وفسَّرتها الرواية الأخرى للبخاري في كتاب التوحيد من صحيحه وهي بلفظ ( إلى أن يوحدوا الله).
فموطن الشاهد من هذا الحديث ومناسبة إيراده في الباب: هو ذكر أن التوحيد هو أول ما يدعى إليه وهو شهادة أن لا إله إلا الله.

قوله (من أهل الكتاب) أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لأمرين :
الأول:أن يكون بصيراً بأحوال من يدعو.
الثاني:أن يكون مستعداً لهم، لأنهم أهل كتاب، وعندهم علم.

وقوله (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله). قلت: لا بد في شهادة أن لا إله إلا الله من سبعة شروط لا تنفع قائلها إلا باجتماعها :
أحدها:العلم المنافي للجهل لأن كثيراً من الناس لا يعلم معناها فلهذا يأتي بناقض لها كأن يدعو غير الله, فمن لا يعرف المعنى فهو جاهل بمدلولها ومعناها البراءة من كل ما يعبد من دون الله وإخلاص العبادة له لله وحده, قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ } [محمد:19] . وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"من مات وهو يعلم أن لا اله إلا الله دخل الجنة ". رواه مسلم .
الثاني:الإخلاص المنافي للشرك. وقوادح هذا القيد كثيرة منها أن يدعو لنفسه لا لله عز وجل أو أن يريد بعمله مدح الناس ورضاهم إلى غير ذلك من القوادح في هذا القيد العظيم.
لان الإخلاص:وهو تصفية العمل من جميع شوائب الشرك بأن لا يقصد بقولها طمعا من مطامع الدنيا, ولا رياء ولا سمعة. قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.....} [البينة:5]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:"أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا اله إلا الله خالصا من قلبه". رواه البخاري.
الثالث:القبول المنافي للرد:ومن القبول لهذه الكلمة هو الفرح بها ونشرها بين الناس والدعوة إليها وعدم الانزعاج من ذكرها وذكر أهلها والثناء عليهم. أي القبول لما اقتضته هذه الكلمة من عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه فمن قالها ولم يقبل ذلك ولم يلتزم به كان من الذين قال الله فيهم:{ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ } (الصافات: 35). وقال تعالى:{ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( النور:51 ).
الرابع:الانقياد المنافي للترك: وضده الإعراض عنها فلا يتعلمها ولا يدعو إليها مفصلاً ولا يدندن حولها في دعوته فلا يتعلم التوحيد ولا يعلمه فهذا كله منافي للانقياد لها. أي الاستسلام لها ولما جاءت به . قال تعالى:{ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ } ( لقمان : 54 ) .
الخامس:اليقين المنافي للشك: وكذلك كثير من المسلمين يقولها مع اعتقاد أن فلان يضر وينفع فهذا منافي لليقين بهذه الكلمة وبما دلت عليه. وذلك بأن يكون قائلها مستيقنا بما تدل عليه. فان كان شاكا بما تدل عليه لم تنفعه قال تعالى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [الحجرات:15] . وقال صلى الله عليه وآله وسلم:" أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأَنِّي رَسُول الله، لَا يلقى الله بهَا عبدٌ غير شاكٍّ فيحجب عَن الْجنَّة ". رواه البخاري ومسلم وانظر الجمع بين الصحيحين للحميدي (2625) .
السادس:الصدق المنافي للكذب: لأن المنافقين قالوها لكن لم تنفعهم لأنهم ما صدقوا بنطقها فلا بد من مواطئة القلب للسان ثم أظهار ذلك على الجوارح حتى ينتفع قائلها. وهو أن يقول هذه الكلمة مصدقا بها قلبه فان قالها بلسانه ولم يصدق بها قلبه كان منافقا كاذبا . قال تعالى:{الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } العنكبوت . وقال صلى الله عليه وآله وسلم" : ما من أحد يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار " متفق عليه .
السابع:المحبة المنافية لضدها:لها ولأهلها الذين يدعون إليها بل كل محبة يجب أن تكون لها وفيها ومن أجلها وهذا هو حقيقة الحب في الله والبغض فيه ([9]). قال تعالى:{ وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ} ( البقرة :165 ) . وقال صلى الله عليه وآله وسلم:" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" رواه الإمام أحمد (12002 ( وانظر صحيح الجامع : (3040) .
وذكر بعض أهل العلم شرطا ثامناً وهو:الكفر بالطاغوت: أخذه من قول النبي صلى الله عليه وسلم :" من قال:لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حَرُم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" ([10]). أي الكفر بما يعبد من دون الله وأن يتبرأ قائلها من عبادة غير الله ويعتقد أنها باطلة كما قال سبحانه:{ لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } ( البقرة :256).
وقد جمعت هذه الشروط في بيتين :

علم يقين و إخلاص وصدقك مع .... محبة وانقياد والقبول لها


وزيد ثامنها الكفران منك بما .... سوى الإله من الأشياء قد ألها.


وشهادة أن محمداً رسول الله لا بد فيها من أربعة شروط أيضاً:
الأول:طاعته فيما أمر _ الثاني: تصديقه فيما أخبر.
الثالث:اجتناب مانهى عنه وزجر _ الرابع:أن يعبد الله إلا بما شرع,
وهذا مقتضى الشهادتين من إخلاص العبادة لله وحده، وإخلاص الطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم.

ومما يستفاد من الحديث؟ دل هذا الحديث على مسائل كثيرة :
أوّلاً: فيه إرسال الدعاة إلى الله عزّ وجلّ.
ثانياً:فيه فضيلة لمعاذ بن جبل رضي الله عنه .
ثالثاً:فيه قبول خبر الواحد في العقائد وغيرها.
رابعاً:فيه بيان منهج الدعوة، وهذا أصل عظيم، وهو أنه يتدرج فيها، ويبدأ بالأهم فالأهم.
خامساً:في الحديث دليل على عظم رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه مبعوث إلى جميع العالم اليهود والنصارى وغيرهم، وإذا كان مبعوثاً إلى اليهود والنصارى وهم أهل كتاب، فغيرهم من باب أولى.
سادساً:فيه المسألة التي أشار إليها الشيخ، وهي أن من العلماء من يجهل معنى لا إله إلاَّ الله، لأن أهل الكتاب يدعون إليها وهم أهل كتاب وأهل علم.
سابعاً:في الحديث دليل على أنه لا يجوز أخذ الكرايم في الزكاة، وإنما يُؤخذ المتوسط.
ثامناً:فيه دليل على التحذير من دعوة المظلوم، وأنه ليس بينها وبين الله حجاب([11]).

قوله (لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله). هذا فيه رد على الخوارج والنواصب وعلى الروافض:
قال شيخ الإسلام:ليس هذا الوصف مختصا بعلي رضي الله عنه ولا بالأئمة فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج به على النواصب الذين لا يتولونه، أو يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج. لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي رضي الله عنه مثل ذلك، ولكن هذا باطل؛ فإن الله تعالى ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم الله أنه يموت كافرا ([12]).

ومما يلاحظ هنا أن آية سورة يوسف فيها بيان أن كل الصحابة رضي الله عنهم كانوا دعاة إلى الله جل جلاله وإلى التوحيد وحديث معاذ يبين أن معاذاً كان من الدعاة إلى الله،وقد فصل فيه نوع تلك الدعوة إلى الله جل جلاله وكذلك حديث سهل بن سعد الذي فيه قصة علي فيه أيضا الدعوة إلى الإسلام ، فيكون هذان الحديثان كالتفصيل لقوله في الآية:{ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}. فالدعوة على بصيرة هي الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله وهي الدعوة إلى توحيده وإلى الإسلام ، وما يجب على العباد من حق الله فيه ([13]).

فيه مسائل:
الأولى:أن الدعوة إلى الله طريق من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
الثانية:التنبيه على الإخلاص ، لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه.
الثالثة:أن البصيرة من الفرائض .
الرابعة:من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله تعالى عن المسبَّة .
الخامسة:أن من قُبح الشرك كونه مسبَّة لله .
السادسة: - وهي من أهمها - إبعاد المسلم عن المشركين ؛ لئلا يصير منهم ، ولو لم يشرك.
السابعة:كون التوحيد أول واجب .
الثامنة:أن يُبدأ به قبل كل شيء ، حتى الصلاة .
التاسعة:أن معنى ( أن يوحدوا الله ) : معنى شهادة أن لا إله إلا الله .
العاشرة:أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفها ، أو يعرفها ولا يعمل بها .
الحادية عشرة:التنبيه على التعليم بالتدريج .
الثانية عشرة:البُداءة بالأهم فالأهم .
الثالثة عشرة:مصرف الزكاة .
الرابعة عشرة:كشف العالم الشبهةَ عن المتعلم.
الخامسة عشرة:النهي عن كرائم الأموال .
السادسة عشرة:اتقاء دعوة المظلوم .
السابعة عشرة:الإخبار بأنها لا تُحجب.
الثامنة عشرة:من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء.
التاسعة عشرة: قوله ( لأعطين الراية . . . ) علَمٌ من أعلام النبوة .
العشرون:تَفْلُه في عينيه عَلَمٌ من أعلامها أيضا .
الحادية والعشرون:فضيلة علي رضي الله عنه.
الثانية والعشرون:فضل الصحابة في دَوْكِهِم تلك الليلة وشُغلهم عن بشارة الفتح.
الثالثة والعشرون:الإيمان بالقدر ،لحصولها لمن لم يسع لها ومنعها عمن سعى.
الرابعة والعشرون:الأدب في قوله « على رسْلك ».
الخامسة والعشرون:الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
السادسة والعشرون:أنه مشروع لمن دُعوا قبل ذلك وقوتلوا.
السابعة والعشرون:الدعوة بالحكمة لقوله: « أخبرهم بما يجب عليهم ».
الثامنة والعشرون:المعرفة بحق الله في الإسلام.
التاسعة والعشرون:ثواب من اهتدى على يديه رجل واحد.
الثلاثون:الحلف على الفتيا.
--------
([1]) القول المفيد.
([2]) ينظر التمهيد للشيخ صالح آل الشيخ.
([3]) انظر إعانة المستفيد .
([4]) القول المفيد .
([5]) القول المفيد .
([6]) التمهيد للشيخ صالح آل الشيخ.
([7]) ينظر إعانة المستفيد.
([8]) الروح لابن القيم .
([9]) انظر فتح المجيد.
([10])رواه مسلم (23).
([11])إعانة المستفيد.
([12]) منهاج السنة النبوية (ج7_ص366).
([13]) انظر التمهيد .

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/21377145971.pdf)

الحياة أمل
2013-08-24, 08:46 AM
(5)

باب

تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله


وقول الله تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} [الإسراء:57].
وقوله:{ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ },{ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي} [ الزخرف:26 - 27].
وقوله:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } [التوبة : 31] ([1]).
وقوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة: 165].
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبَد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" ([2]).

الشرح :
أراد المصنف_رحمه الله تعالى_ بهذه الترجمة وما جاء بعدها من الآيات و الحديث:أن يزيد هذا المقام بياناً وإيضاحاً وإلا فقد تقدم في الآيات والأحاديث ما يفسر لا إله إلا الله وما دلت عليه من التوحيد ونفي الشرك والتنديد([3]).
وهذا الباب في تفسير هذه الكلمة وبيان معناها لأن الذي يدعو إلى شيء ويطلب من الناس أن يفعلوه فلابد أن يبيّنه لهم ويوضّحه لهم توضيحاً تامًّا ولا يكتفي بمجرد أن يقول للناس قولوا:لا إله إلاَّ الله ([4]). أو يقول للناس ادخلوا في الإسلام. بل لابد أن يبين لهم معنى لا إله إلاَّ الله وأن يبين لهم معنى الإسلام الذي يدعوهم إليه ولابد مع ذلك أن يبَيّن لهم ما يناقض الإسلام، وما يناقض لا إله إلاَّ الله، من أنواع الرِّدّة، وأنواع الشرك حتى تكون دعوته مُثمرة وحتى يستفيد الناس من دعوته أما أن يدعوَهم إلى شيء مجمل، فهذا لا يكفي.
وكثير من الذين يتسمَّون بالدعوة في هذه الأيام من الجماعات أو الأفراد، أكثرهم لا يعرفون معنى لا إله إلاَّ الله على الحقيقة ولا يعرفون معنى الإسلام على الحقيقة ولا يعرفون نواقض الإسلام ونواقض الشهادتين وإنما يَدْعُون إلى شيء مجمل، وربما أن بعضهم يفهم هذا، ولكن لا يحب أن يبين للناس هذه الأشياء لأنهم بزعمه يَنْفُرون منه وهو يريد أن يجمِّع الناس يُجمعهم على ماذا؟ على جهالة؟ يجمعهم على ضلالة؟
لابد أن تبين ما تدعو إليه وتوضح ما تدعو إليه كما قال تعالى في حق نبيه:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} ([5]).
من هنا عقد الشيخ _رحمه الله_ هذا الباب بعد: (باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله). ليتبين من ذلك أن من دعا إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله فلابد أن يفسِّرها ويفسِّر التّوحيد، حتى تكون دعوته على بصيرة أما إن كان لا يعرف هذا فلا يدخل فيما ليس من شأنه حتى يتعلم هو بنفسه أولاً أو إن كان يعرف هذا ولكن لا يريد أن يبينه للناس لغَرَض في نفسه أو لإرضاء جماعته أو حزبه فليبتعد عن هذا ولا يكون محسوباً على الدعوة، وهو لا يقوم بواجبها، لأن هذا يصبح سُبَّةً على الدعوة، ونَكْسَة على الدعوة ([6]).
والتفسير معناه:الكشف والإيضاح مأخوذ من قولهم:فسرت الثمرة قشرها،ومن قول الإنسان:فسرت ثوبي فاتضح ما وراءه ومنه تفسير القرآن الكريم.
والتوحيد:هو اعتقاد أن الله واحد في ألوهيته. وهذا الباب مهم لأنه لما سبق الكلام على التوحيد وفضله والدعوة إليه، كأن النفس الآن اشرأبت إلى بيان ما هو هذا التوحيد الذي بوب له هذه الأبواب وجوابه وفضله والدعوة إليه. فيجاب بهذا الباب وهو تفسير التوحيد ([7]).

وقوله هنا (باب تفسير التوحيد) يعني: الكشف والإيضاح عن معنى التوحيد وقد تقدم أن التوحيد هو:اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ربوبيته لا شريك له واحد في إلهيته لا ند له واحد في أسمائه وصفاته لا مِثْل له قال تعالى:{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى:11] وذلك يشمل أنواع التوحيد جميعا فالتوحيد إذًا:هو اعتقاد أن الله واحد في هذه الثلاثة أشياء.
وقول الشيخ (تفسير التّوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله ) هذا من عطف الدال على المدلول المدلول هو التّوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله هو الدال لأن شهادة أن لا إله إلاَّ الله تدل على التّوحيد فهو من عطف الدال على المدلول والشيخ_رحمه الله_ جمع بينهما في الترجمة ليبين أن معناهما واحد، فمعنى التّوحيد هو لا إله إلاَّ الله، ومعنى لا إله إلاَّ الله هو التّوحيد من أجل أن لا يخفى هذا على أحد فيظن أن التّوحيد غير لا إله إلاَّ الله، بل هما شيء واحد، فهذا معنى جمع الشيخ _رحمه الله_، بين اللفظتين في الترجمة ([8]).
فقوله: ( وشهادة أن لا إله إلا الله) يعني:تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فهذه الشهادة هي أعظم كلمة قالها مكلَّف ولا شيء أعظم منها وذلك لأن معناها هو الذي قامت عليه الأرض والسماوات وما تعبَّد المتعبدون إلا لتحقيقها ولامتثالها ([9]).
فالشهادة:هي التعبير عما تيقنه الإنسان بقلبه فقول:أشهد أن لا إله إلا الله. أي أنطق بلساني معبراً عما يكنه قلبي من اليقين وهو أنه لا إله إلا الله.


معنى الشهادة في اللغة وكلام السلف:


والشهادة:في اللغة والشرع وفي تفاسير السلف لآي القرآن التي فيها لفظ (شهد) كقوله :{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [آل عمران:18]. وكقوله:{ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تتضمن أشياء:

الأول:الاعتقاد بما سينطق به والاعتقاد بما شهده فكونه يشهد أن لا إله إلا الله يستلزم أنه اعتقد بقلبه معنى هذه الكلمة من علم ويقين لأن الشهادة فيها الاعتقاد والاعتقاد لا يسمى اعتقادا إلا إذا كان ثمَّ علم ويقين.
الثاني:التكلم بها فالشهادة كما أنها تقتضي اعتقادا؛ فإنها تقتضي أيضا إعلاما ونطقا.
والثالث:الإخبار بذلك والإعلام به فينطق بلسانه وهذا من جهة الواجب وأيضا لا يسمى شاهدا حتى يُخبر غيره بما شهد وهذا من جهة" الشهادة.
فيكون معنى:أشهد أن لا إله إلا الله أعتقد وأتكلم وأعلم وأخبر بأن لا إله إلا الله فافترقتْ بذلك عن حال الاعتقاد وافترقتْ كذلك عن حال القول كما افترقت أيضا عن حال الإخبار المجرد عن الاعتقاد فلا بد لتحققها من حصول الثلاثة مجتمعة ولهذا نقول في الإيمان إنه :اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالجوارح والأركان.

إعراب لا إله إلا الله :
فـ ( لا إله إلا الله ) هي: كلمة التوحيد وهي مشتملة - من حيث الألفاظ - على أربعة ألفاظ:
1 - ( لا )
2 - ( إله )
3 - ( إلا )
4 - لفظ الجلالة ( الله )
أما ( لا ) هنا فهي:النافية للجنس تنفي الألوهية الحقة عن أحد إلا الله سبحانه وتعالى يعني في هذا السياق وإذا أتى بعد النفي ( إلا ) وهي أداة الاستثناء أفادت معنًى زائدا وهو:الحصر والقصر فيكون المعنى:الإلهية الحقة أو الإله الحق هو الله بالحصر والقصر ليس ثمَّ إله حق إلا هو دون ما سواه.
وكلمة:إله على وزن فعال وتأتي أحيانا بمعنى فاعل وتأتي أحيانا بمعنى:مفعول وهي لغة مشتقة:من ألَه بمعنى:عَبَدَ وقال بعض اللغويين:إنها من ألَه يأْلَه إذا تحير فـ أَلَه فلان يأْلَه أو تَأَلَّه إذا تحير وسمي الإله عندهم إلها لأن الألباب تحيَّرت في كُنه وصفه وكُنه حقيقته.
وهذا القول ليس بجيد بل الصواب أن كلمة (إله) فعال بمعنى مفعول وهو المعبود ويدل على ذلك ما جاء في قراءة ابن عباس أنه قرأ في سورة الأعراف ( أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ) [الأعراف: 127] . كان ابن عباس يقرأها ( وَيَذَرَكَ وَإلَاهَتَكَ) قال: لأن فرعون كان يُعبَد ولم يكن يَعْبُد فصوب القراءة بـ (وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ) يعني:وعبادتك وقراءتنا وهي قراءة السبعة:{ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ } يعني:المتقدمين فهذا معناه : أن ابن عباس فهم من الإلَهَة معنى العبادة وقد قال الراجز:

لله در الغانيات المدَّهِ ... سبَّحن واسترجعن من تألهِ .

يعني:من عبادتي فيكون إِذًا الإله هو: المعبود بمعنى لا إله:لا معبود إلا الله.
فـ لا في قوله:لا معبود هي النافية للجنس وهي كما تعلمون تحتاج إلى اسم وخبر لأنها تعمل عمل إن كما قال ابن مالك في الألفية:
عمل إن اجعل لـ لا في نكرة ... . . . . . . . . . . . .
فإن قيل:فأين خبر لا النافية للجنس؟
فالجواب أنَّ كثيرا من المنتسبين للعلم قدروا الخبر: بـ ( لا إله موجود إلا الله) ووَجْه هذا التقدير وسببه يحتاج إلى مقدمة قبله وهي: أن المتكلمين والأشاعرة والمعتزلة ومن ورثوا علوم اليونان قالوا إن كلمة إله هي بمعنى: فاعل لأن فعال تأتي بمعنى مفعول أو فاعل فقالوا: هي بمعنى آلِه والآلِه هو القادر ففسروا الإله بأنه : القادر على الاختراع وهذا تجده مسطورا في عقائد الأشاعرة كما في شرح العقيدة السنوسية التي تسمى عندهم بـ أم البراهين. إذ قال فيها ما نصُّه الإله هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كُلُّ ما عداه قال:فمعنى لا إله إلا الله لا مستغنيا عما سواه ولا مفتقرا إليه كلُّ ما عداه إلا الله.
ففسروا الألوهية بالربوبية وفسروا الإله بالقادر على الاختراع أو بالمستغني عما سواه المفتقر إليه كل ما عداه ولذلك يقدِّرون الخبر:موجود فـ ( لا إله ) خَبَرُهَا موجود يعني:لا قادر على الاختراعِ والخلقِ موجودٌ إلا الله ولا مستغنيا عما سواه ولا مفتقرا إليه كل ما عداه موجودٌ إلا الله لأن الخلق جميعا محتاجون إلى غيرهم وهذا الذي قالوه هو الذي فتح باب على المسلمين الشرك لأنهم ظنوا أن التوحيد هو : إفراد الله بالربوبية فإذا اعتقد المرء أن القادر على الاختراع هو الله وحده صار موحدا وإذا اعتقد أن المستغني عما سواه والمفتقر إليه كل ما عداه هو الله وحده صار عندهم موحدا وهذا من أبطل الباطل لأن مشركي قريش كانوا على الإقرار بالربوبية كما دَلَّ القرآن على ذلك كقوله تعالى:{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ } [العنكبوت:61] وفي آية أخرى:{ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } [الزخرف : 9]. ونحو ذلك من الآيات وهي كثيرة كقوله:{ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ },{ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ } [يونس: 31/32] الآيات من سورة يونس.
فَعُلم بذلك أن مشركي قريش لم يكونوا ينازعون في الربوبية فصارت هذه الكلمة إذًا دالة على غير ما أراد أولئك المتكلمون وهو ما ذكرناه آنفا من أن معنى:لا إله هو لا معبود وأن تقدير الخبر موجود فيكون المعنى:لا معبود موجود إلا الله وهذا باطل لأننا نرى أن المعبودات كثيرة وقد قال سبحانه وتعالى مخبرا عن قول الكفار:{ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا } [ص: 5]. فدل ذلك:أن المعبودات كثيرة والمعبودات موجودة فتقدير الخبر بـ موجود غلط ومن المعلوم أن المتقرر في علم العربية أن خبر لا النافية للجنس يكثر حذفه في لغة العرب وفي نصوص الكتاب والسنة ذلك أن خبر لا النافية للجنس يحذف إذا كان المقام يدل عليه وإذا كان السامع يعلم ما المقصود من ذلك وقد قال ابن مالك في آخر باب لا النافية للجنس لما ساق هذه المسألة.

وشاع في ذا الباب إسقاط الخبر *** إذا المراد مع سقوطه ظهر ([10]).

فإذا ظهر المراد مع حذف الخبر فإنك تحذف الخبر لأن الأنسب أن يكون الكلام مختصرا كما في قوله صلى الله عليه وسلم ( لا عدوى ولا طيَرةَ ولا هامةَ ولا صفرَ ولا نوءَ ولا غولَ ) ([11]).
فأين الخبر فيما تقدم ؟ الجواب:أنه في كل ذلك محذوف لكونه معلوما لدى السامع إذًا فخبر لا إله معلوم ولا يصح تقديره بـ ( موجود ) لأن الآلهة التي عبدت مع الله موجودة فالصحيح تقدير الخبر بقولك (بِحَقٍّ) أو (حَقٌّ) يعني:لا إله بحق أو لا معبود بحق أو لا معبود حق إلا الله وإن قدرت الظرف فلا بأس أو قدرت كلمة مفردة فلا بأس فلا معبود حق إلا الله هذا معنى كلمة التوحيد فيكون كل معبود غير الله جل وعلا قد عبد ولكن هل عبد بالحق أو عبد بالباطل والظلم والطغيان والتعدي ؟؟!
الجواب:أنه قد عبد بالباطل والظلم الطغيان والتعدي وهذا يفهمه العربي بمجرد سماعه لكلمة لا إله إلا الله ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب_رحمه الله_:بئس قوم أبو جهل أعلم منهم بـ ( لا إله إلا الله ) ([12]).

قال العلامة ابن القيم _رحمه الله تعالى_:"وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات وعليها أسست الملة ونصبت القبلة وجردت سيوف الجهاد وهي محض حق الله على جميع العباد وهي الكلمة العاصمة للدم والمال والذرية في هذه الدار والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار وهي المنشور الذي لا تدخل الجنة إلاّ به والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه وهي كلمة الإسلام ومفتاح دار الطريق وبها تنقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد وبها انفصلت دار الكفر من دار الإسلام وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان وهي العمود الحامل للفرض والسنة"ومن كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنة " ([13]).
وروح هذه الكلمة وسرها:إفراد الرب جل ثناؤه وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك من التوكل والإنابة والرغبة والرهبة فلا يحب سواه وكل ما يحب غيره فإنما هو تبعا لمحبته وكونه وسيلة إلى زيادة محبته ولا يخاف سواه ولا يرجى سواه ولا يتوكل إلاّ عليه ولا يرغب إلاّ إليه ولا يرهب إلاّ منه ولا يحلف إلاّ باسمه ولا ينذر إلاّ له ولا يتاب إلاّ إليه ولا يطاع إلاّ أمره ولا يحتسب إلاّ به ولا يستغاث في الشدائد إلاّ به ولا يلتجئ إلاّ إليه ولا يسجد إلاّ له ولا يذبح إلاّ له وباسمه يجتمع ذلك في حرف واحد وهو:إن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة هذا هو تحقيق شهادة إن لا إله إلاّ الله ولهذا حرم الله على النار من شهد إن لا إله إلاّ الله حقيقة الشهادة ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه في قلبه وقالبه فإن من الناس من تكون شهادته ميتة ومنهم من تكون نائمة إذا نبهت انتبهت ومنهم من تكون مضطجعة ومنهم من تكون إلى القيام أقرب وهي في القلب بمنزلة الروح في البدن.
فروح ميتة وروح مريضة إلى الموت أقرب وروح إلى الحياة أقرب وروح صحيحة قائمة بمصالح البدن وفي الحديث الصحيح([14]) عنه صلى الله عليه وسلم :"إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد عند الموت إلاّ وجدت روحه لها روحا". فحياة هذه الروح بحياة هذه الكلمة فيها كما أن حياة البدن بوجود الروح فيه وكما أن من مات على هذه الكلمة فهو في الجنة يتقلب فيها فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في جنة المأوى وعيشها أطيب عيش قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فإن الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} فالجنة مأواه يوم اللقاء وجنة المعرفة والمحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والفرح به والرضا عنه وبه مأوى روحه في هذه الدار فمن كانت هذه الجنة مأواه هاهنا كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا والأبرار في نعيم وإن اشتد بهم العيش وضاقت بهم الدنيا والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا قال تعالى:{مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} وطيب الحياة جنة الدنيا قال تعالى:{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ إن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسلام وَمَنْ يُرِدْ إن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً}. فأي نعيم أطيب من شرح الصدر؟ وأي عذاب أضيق من ضيق الصدر؟
وقال تعالى:{أَلا إن أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا وأنعمهم بالا وأشرحهم صدرا وأسرهم قلبا وهذه جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة" ([15]).
وقوله:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ }. هذه الآية تفسير للتوحيد وذلك أننا عرفنا التوحيد بأنه إفراد الله بالعبادة وهو توحيد الإلهية وهذه الآية اشتملت على الثناء على خاصة عباد الله ، بأنهم وحدوا الله في الإلهية.
وهذه مناسبة الآية للباب فقد وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله:{ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ } ومعنى : يَدْعُونَ يعبدون لأن الدعاء هو العبادة والدعاء نوعان كما سيأتي تفصيله : دعاء مسألة ودعاء عبادة فقوله هنا:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ } يعني:يعبدون والوسيلة في قوله:{ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ }. هي:القصد والحاجة والتقرب بالأعمال الصالحة يعني:أن حاجاتهم يبتغونها إلى ربهم ذي الربوبية الذي يملك الإجابة ([16]).
أي:هؤلاء الذين يدعوهم هؤلاء هم أنفسهم يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب فكيف تدعونهم وهم محتاجون مفتقرون؟! فهذا سفه في الحقيقة وهذا ينطبق على كل من دعي وهو داع كعيسى بن مريم والملائكة، والأولياء والصالحين . وأما الشجر والحجر فلا يدخل في الآية ([17]).
فظهر من قوله:{ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } أن فيها تفسير التوحيد وهو أن كل حاجة من الحاجات إنما تنزلها بالله سبحانه وتعالى وكذلك قوله: (يَدْعُونَ) فيه تفسير التوحيد أيضا لأن معنى يَدْعُونَ يعبدون فهم إنما يطلبون حاجتهم من الله جل وعلا فلا يعبدون غير الله بنوع من العبادات ولا يتوجهون بها لغير الله فإذا نحروا فإنما ينحرون يبتغون إلى ربهم الحاجة وإذا صلوا فإنما يصلون يبتغون إلى ربهم القربة وإذا استغاثوا فإنما يستغيثون بالله يبتغون إليه رفيع الدرجات دونما سواه إلى آخر مفردات توحيد العبادة . فهذه الآية دالة بظهور على أن قوله :{ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ } أنه هو التوحيد.
وقد استشكل بعض أهل العلم إيراد هذه الآية في الباب وقال:ما مناسبة هذه الآية لهذا الباب؟ وبما ذكرت لك تتضح المناسبة جليا.

قوله (يَدْعُونَ) ودعاء المخلوق ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول:جائز وهو أن تدعو مخلوقاً بأمر من الأمور التي يمكن أن يدركها بأشياء محسوسة معلومة، فهذا ليس من دعاء العبادة بل هو من الأمور الجائزة، قال صلى الله عليه وسلم : " وإذا دعاك فأجبه "([18]) .
الثاني:أن تدعو مخلوقاً مطلقاً، سواء كان حياً أو ميتاً فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهذا شرك أكبر لأنك جعلته ندا لله فيما لا يقدر عليه إلا الله . مثل : يا فلان! اجعل ما في بطن امرأتي ذكراً .
الثالث:أن تدعو مخلوقاً ميتاً لا يجيب بالوسائل الحسية المعلومة فهذا شرك أكبر أيضاً لأنه لا يدعو من كان هذه حالة حتى يعتقد أن له تصرفاً خفياً في الكون"([19]) .
وقوله جل وعلا:{ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ } [الإسراء : 57].
فيه بيان لحال خاصة عباد الله الذين جمعوا بين العبادة والخوف والرجاء فيرجون رحمته ويخافون عذابه فهم إنما توجهوا إليه وحده دون ما سواه فأنزلوا الخوف والمحبة والدعاء والرغبة والرجاء في الله جل وعلا وحده دون ما سواه وهذا هو تفسير التوحيد ([20]).
ولا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء فكل داع دعاء مسألة أو استغاثة لا بد له من ذلك: فإما أن يكون خائفاً وإما أن يكون راجياً وإما أن يجتمع فيه الوصفان ([21]).
قال الإمام البخاري بَاب قَوْلِهِ:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ} الْآيَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه فِي هَذِهِ الْآيَةِ:{الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ} قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ الْجِنِّ يُعْبَدُونَ فَأَسْلَمُوا. وفي رواية قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَاسًا مِنْ الْجِنِّ فَأَسْلَمَ الْجِنُّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِدِينِهِمْ. زَادَ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الْأَعْمَشِ:{ قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ } ([22]).
وقوله:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} {إِلا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف:26 - 27] الآية. فاستثنى من المعبودين ربه وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال:{وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف: 28 ]. فقوله ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار:{إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} فاستثنى من المعبودين ربه فدل هذا على أن التوحيد لا بد فيه من نفي وإثبات : البراءة مما سوى الله، وإخلاص العبادة لله وحده ([23]).
{إِنَّنِي بَرَاءٌ} معناه:النفي لا إله{إلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} معناه:الإثبات إلاَّ الله.
فهذه الآية فيها معنى لا إله إلاَّ الله إذاً فهي تفسر لا إله إلاَّ الله بأن معناها ترك عبادة الأصنام والبراءة منها وإخلاص العبادة لله
وفي قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم {إلا الذي فطرني} ولم يقل إلا الله فائدتان:
الأولى:الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة، لأنه كما أنه منفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
الثانية:الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام، لأنها لم تفطركم حتى تعبدوها، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات، وهذه من البلاغة التامة في تعبير إبراهيم عليه السلام,
يستفاد من الآية أن التوحيد لا يحصل بعبادة الله مع غيره، بل لا بد من إخلاصه لله والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام:
قسم يعبد الله وحده.
وقسم يعبد غيره فقط .
وقسم يعبد الله وغيره . والأول فقط هو الموحد([24]).
وقوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] . وفي الحديث:أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي فقال:"يا رسول الله لسنا نعبدهم؟ قال:أليس يحلون لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال:بلى قال النبي صلى الله عليه وسلم :فتلك عبادتهم"([25]). وهذا شرك الطاعة، وهو بتوحيد الربوبية ألصق من توحيد الألوهية، لأن الحكم شرعياً كان أو كونياً إلى الله تعال فهو من تمام ربوبيته قال تعالى:{ وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} [الشورى:10] وقال تعالى:{ له الحكم وإليه ترجعون } [القصص: 70].
والشيخ _رحمه الله_ جعل شرك الطاعة من الأكبر وهذا فيه تفصيل، وسيأتي إن شاء الله في باب من أطاع الأمراء والعلماء في تحليل ما حرم الله أو بالعكس([26]).
فمعنى:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} أنهم أطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال فدلّ هذا على أن من أطاع مخلوقاً في تحليل ما حرّم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذه ربًّا يعبده من دون الله وهذا ما يسميه العلماء بشرك الطاعة.
والشاهد من الآية للباب:أنها دلّت على أن من معنى لا إله إلاَّ الله أن لا يُطاع إلاَّ الله سبحانه وتعالى وأن من أطاع أحداً في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد اتخذه ربًّا من دون الله .


تفصيل في مسألة شرك الطاعة:

لكن إذا كان يعتقد أن تحليل الحرام وتحريم الحلال أمر جائز فهذا شرك أكبر يخرجه من الملّة أما إذا لم يعتقد جواز هذا بل يعتقد أن التحليل والتحريم حقٌّ لله سبحانه وتعالى ولكنه فعله من باب الهوى أو من باب تحصيل بعض المصالح، فهذه معصية عظيمة لكنها لا تصل إلى حد الشرك الأكبر فطاعة المخلوقين في تحليل الحرام وتحريم الحلال، لا تجوز أبداً لكن فيها تفصيل من حيث الكفر والشرك وعدم ذلك ([27]).
وقوله:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ } [البقرة :165].
قال المؤلف:فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! وكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله ؟! فالأقسام الأربعة:
الأول:أن يحب الله حباً أشد من غيره، فهذا هو التوحيد.
الثاني:أن يحب غير الله كمحبة الله، وهذا شرك.
الثالث:أن يحب غير الله أشد حباً من الله، وهذا أعظم مما قبله.
الرابع:أن يحب غير الله وليس في قلبه محبة لله تعالى، وهذا أعظم وأطم([28]).
قوله:{يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} الحب عمل قلبي ضد البُغض فالمشركون اتخذوا من الأحجار والأشجار والأصنام شركاء لله سوّوهم بالله في المحبة يحبونهم كما يحبون الله عزّ وجلّ فالمراد هنا محبة العبادة فالمشركون يحبون أصنامهم كما يحبون الله عزّ وجلّ محبة عبادة وتذلل{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} من المشركين لله فالمشركون يحبون الله والمؤمنون يحبون الله ولكن المشركين يحبون الله ويحبون معه غيره أما المؤمنون فيحبون الله وحده ولا يشركون معه غيره في المحبة فلذلك صار المؤمنون أشد حبًّا لله لأن محبتهم خالصة ومحبة المشركين مشتركة، فدلّت الآية على أن المشركين يحبون الله ولكنهم لمّا أحبوا معه غيره صاروا مشركين، وأن التّوحيد لا يصح إلاَّ بإخلاص المحبة لله عزّ وجلّ.
فدلّت الآية الكريمة على: أن من تفسير لا إله إلاَّ الله وتفسير التّوحيد إفراد الله بالمحبّة وأن لا يُحَبَّ معه غيره محبة عبادة بل يُفرد الله جل وعلا بالمحبّة، ولا يُحَبَّ معه غيره، محبة العبادة ([29]).
وقال ابن القيم _رحمه الله تعالى_:" فتوحيد المحبوب أن لا يتعدد محبوبه وتوحيد الحب أن لا يبقى في قلبه بقية حب حتى يبذلها له فهذا الحب وإن سمي عشقا فهو غاية صلاح العبد ونعيمه وقرة عينه وليس لقلبه صلاح ولا نعيم إلا بأن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن تكون محبته لغير الله تابعة لمحبة الله فلا يحب إلا الله كما في الحديث الصحيح :" ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" ([30]) فأخبر أن العبد لا يجد حلاوة الإيمان إلا بأن يكون الله أحب إليه مما سواه ومحبة رسوله هي من محبته ومحبة المرء إن كانت لله فهي من محبة الله وإن كانت لغير الله فهي منقصة لمحبة الله مضعفة لها وتصدق هذه المحبة بأن يكون كراهته لأبغض الأشياء إلى محبوبه وهو الكفر بمنزلة كراهته لإلقائه في النار أو أشد.
ولا ريب أن هذا من أعظم المحبة فإن الإنسان لا يقدم على محبة نفسه وحياته شيئا فإذا قدم محبة الإيمان بالله على نفسه بحيث لو خير بين الكفر وإلقائه في النار لاختار أن يلقى في النار ولا يكفر كان الله أحب إليه من نفسه وهذه المحبة هي فوق ما يجده سائر العشاق والمحبين من محبة محبوبهم بل لا نظير لهذه المحبة كما لا مثل لمن تعلقت به وهي محبة تقتضي تقديم المحبوب فيها على النفس والمال والولد وتقتضي كمال اللذة والخضوع والتعظيم والإجلال والطاعة والانقياد ظاهرا وباطنا وهذا لا نظير له في محبة مخلوق ولو كان المخلوق من كان .
ولهذا من أشرك بين الله وبين غيره في هذه المحبة الخاصة كان مشركا شركا لا يغفره الله كما قال الله تعالى ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله) والصحيح أن معنى الآية والذين آمنوا أشد حبا لله من أهل الأنداد لأندادهم كما تقدم بيانه أن محبة المؤمنين لربهم لا يماثلها محبة مخلوق أصلا كما لا يماثل محبوبهم غيره وكل آذى في محبة غيره فهو نعيم في محبته وكل مكروه في محبة غيره فهو قرة عين في محبته.
ومن ضرب لمحبته الأمثال التي هي في محبة المخلوق للمخلوق كالوصل والهجر والتجني بلا سبب من المحب وأمثال ذلك مما يتعالى الله عنه علوا كبيرا فهو مخطئ أقبح الخطأ و أفحشه وهو حقيق بالإبعاد والمقت والآفة إنما هي من نفسه وقلة أدبه مع محبوبه والله تعالى نهى أن يضرب عباده له الأمثال فهو لا يقاس بخلقه وما ابتدع من ابتدع إلا من ضرب الأمثال له سبحانه فأصحاب الكلام المحدث المبتدع ضربوا له الأمثال الباطلة في الخبر عنه وما يوصف به وأصحاب الإرادة المنحرفة ضربوا له الأمثال في الإرادة والطلب وكلاهما على بدعة وخطأ, والعشق إذا تعلق بما يحبه الله ورسوله كان عشقا ممدوحا مثابا عليه وذلك أنواع:
أحدها:محبة القرآن بحيث يغني بسماعه عن سماع غيره ويهيم قلبه في معانيه ومراد المتكلم سبحانه منه وعلى قدر محبة الله تكون محبة كلامه فمن أحب محبوبا أحب حديثه والحديث عنه كما قيل:

إن كنت تزعم حبي ... فلم هجرت كتابي


أما تأملت ما فيه ... من لذيذ خطابي ([31]).

وقال رحمه الله:فيكف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها والأذن إذا فقدت سمعها والأنف إذا فقد شمه واللسان إذا فقد نطقه .
بل فساد القلب إذا خلى من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلي منه الروح وهذا الأمر لا يصدق به إلا من فيه حياة.
................ وما لجرح بميت إيلام ([32])
والمقصود:أن أعظم لذات الدنيا هي السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة ولذات الدنيا أنواع فأعظمها وأكملها ما أوصل إلى لذة الآخرة ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم ثواب ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولبسه ونكاحه وشفاء غيظ لقهر عدو الله وعدوه فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه إلى لقائه وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم......([33]).
وقال _رحمه الله تعالى_:"وهاهنا أربعة أنواع من الحب يجب التفريق بينهما وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينهما:
أحدهما:محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه فان المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني:محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
الثالث:الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم محبة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله.
الرابع:المحبة مع الله وهى المحبة الشركية وكل من أحب شيئا مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه ندا من دون الله وهذه محبة المشركين
وبقى قسم : خامس : ليس مما نحن فيه وهى المحبة الطبيعية وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله) وقال تعالى : (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) ([34]).
وقال العلامة ابن عثيمين والمحبة أنواع:
الأول:المحبة لله وهذه لا تنافي التوحيد بل هي من كماله، فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله والمحبة لله هي أن تحب هذا الشيء لأن الله يحبه سواء كان شخصاً أو عملاً وهذا من تمام التوحيد قال مجنون ليلي:

أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار


وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا

الثاني:المحبة الطبيعية التي لا يؤثرها المرء على محبة الله، فهذه لا تنافي محبة الله كمحبة الزوجة والولد، والمال ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم من أحب الناس إليك؟ قال:عائشة. قيل: فمن الرجال؟ قال:أبوها ([35]) ومن ذلك محبة الطعام والشراب واللباس.
الثالث:المحبة مع الله التي تنافي محبة الله وهي أن تكون محبة غير الله كمحبة الله أو أكثر من محبة الله بحيث إذا تعارضت محبة الله ومحبة غيره قدم محبة غير الله، وذلك إذا جعل هذه المحبة نداً لمحبة الله يقدمها على محبة الله أو يساويها بها.
الشاهد من هذه الآية:أن الله جعل هؤلاء الذين ساووا محبة الله بمحبة غيره مشركين جاعلين لله أنداداً([36]).
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" من قال:لا إله إلا الله وكفر بما يُعبَد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" علّق حُرمة المال والدم على شيئين:
الشيء الأول: أن ينطق بكلمة لا اله إلاَّ الله.
الشيء الثاني:أن يكفر بما يُعبد من دون الله فإذا تحقق هذان الشيئاًن حرُم ماله ودمه لأنه صار مسلماً والمسلم يحرُم دمه وماله.
( وحسابه على الله ) فإن كان صادقاً في قول هذه الكلمة فإنه يكون مسلماً حقًّا، باطناً وظاهراً ويدخل الجنة، وإن كان قالها ظاهراً فقط فهذا هو النفاق وذلك يحقن دمه ويحرم ماله، ولكنه في الآخرة يكون في النار {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}. فمن قال لا إله إلاَّ الله كَفَفْنا عنه وحقنا دمه وحرّمنا ماله، أما دخوله الجنة وكونه مؤمناً حقًّا فهذا عند الله سبحانه وتعالى، هو الذي يعلم ما في القلوب، ويجازي عليها، وحسابه على الله عزّ وجلّ وإن ظهر منه ما يناقض هذه الكلمة حكم عليه بالردة.
الحاصل:أن هذا الحديث بيّن معنى التّوحيد، ومعنى لا إله إلاَّ الله، وأنه النطق بالشهادة مع الكفر بما يُعبد من دون الله عزّ وجلّ والبراءة منه، أما لو قال لا إله إلاَّ الله وهو لا يكفر بما يُعبد من دون الله بأن كان يعبد القبور ويدعو الأولياء والأضرحة، فهذا لم يكفر بما يُعبد من دون الله ولا يحرُم دمه ولا يحرُم ماله لأنه لم يأت بالأمرين وإنما أتى بأمر واحد وهو قول: لا إله إلاَّ الله، ولكنه لم يكفر بما يُعبد من دون الله لأنه يقول إن عبادة القبور ليست بشرك فهو لم يكفر بما يُعبد من دون الله، فمعناه أنه لا يحقن دمه ولا يَحْرُم ماله لأنه ما دام أنه لم يكفر بما يُعبد من دون الله، فإنه لم يحصل المقصود. فهذا الحديث عظيم جدًّا وهو حجة للموحّدين على أصحاب الشبه والمشركين الذين يقولون:من قال لا إله إلاَّ الله فهو المسلم ظاهراً وباطناً ولو فعل ما فعل، يعبد القبور ويذبح للأولياء والصالحين، ويعمل السحر والشعوذة، ويعمل كل شيء هو مسلم حقاً ما دام يقول:لا إله إلاَّ الله.
ولهذا يقول الشيخ _رحمه الله_:"لم يجعل النطق بلا إله إلاَّ الله بل ولا كونه لا يدعو إلاَّ الله بل ولا معرفة معنى هذه الكلمة لم يجعل كل هذه الأمور عاصمة للدم والمال حتى يضيف إليها الكفر بما عبد من دون الله فالذي يقول أنا ما أكفِّر هؤلاء أنا ما أكفر من يعبدون الحسن والحسين والبدوي لا أكفّرهم لأنهم يقولون:لا إله إلاَّ الله هم إخواننا لكن أخطئوا نقول له:أنت مشرك مثلهم، لأنك لم تكفر بما يُعبد من دون الله، والله تعالى قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله، قال تعالى:{فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} فلابد من الكفر بالطاغوت ولابد من الكفر بما يعبد من دون الله عزّ وجلّ واعتقاد بطلانه والبراءة منه ومن أهله، وإلا فلا يصير الإنسان مسلماً، لأن هذا تلفيق بين الإسلام والكفر، ولا يجتمع الكفر والإسلام أبداً.
فهذا الحديث على اختصاره منهج عظيم يبيّن معنى شهادة أن لا إله إلاَّ الله وأنها ليست مجرد لفظ يقال باللسان ويردّد في الأذكار والأوراد، وإنما هي حقيقة تقتضي منك أن تكفر بما يُعبد من دون الله، وأن تتبرّأ من المشركين، ولو كان أقرب الناس إليك، كما تبرأ الخليل- عليه الصلاة والسلام- من أبيه وأقرب الناس إليه ([37]).
بعد ذلك قال الشيخ _رحمه الله_ ( وشرح هذه الترجمة ما بعدها من أبواب ).
فالكتاب كله هو تفسير للتوحيد وتفسير لكلمة لا إله إلا الله وبيان ما يضاد ذلك وبيان ما ينافي أصل التوحيد وما ينافي كماله وبيان الشرك الأكبر والشرك الأصغر والشرك الخفي وشرك الألفاظ وبيان بعض مستلزمات التوحيد توحيد العبادة من الإقرار لله بالأسماء والصفات وبيان ما يتضمنه توحيد العبادة من الإقرار لله جل وعلا بالربوبية ([38]).
أي:أن هذا الباب تفسير مجمل للتوحيد وفيما سيأتي من أبوب تفصيل للتوحيد وهذه هي طريقة الشيخ _رحمه الله تعالى_ في الدعوة والتعليم والتأصيل .

فيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها :وهي تفسير الشهادة ، وبيَّنها بأمور واضحة.
منها:آية الإسراء بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
ومنها:آية براءة ، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلها واحدا ،مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه:طاعة العلماء والعباد في المعصية ، لا دعاؤهم إياهم.
ومنها قول الخليل عليه السلام للكفار:{ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ },{ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي } (الزخرف:26 - 27). فاستثنى من المعبودين ربه وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة : هي تفسير شهادة أن لا إله إلا الله فقال:{وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } (الزخرف : 28) .
ومنها:آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم:{ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ } (البقرة : 167) ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم يحبون الله حبا عظيما ؛ ولم يُدخلهم في الإسلام . فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده؟ ولم يحب الله ؟
ومنها:قوله صلى الله عليه وسلم:« من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله ، حرم ماله ودمه،وحسابه على الله » وهذا من أعظم ما يُبَيِّن معنى (لا إله إلا الله ) فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصما للدم والمال،بل ولا معرفة معناها مع لفظها ، بل ولا الإقرار بذلك بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له،بل لا يحرم ماله ودمه حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفر بما يُعْبَد من دون الله, فإن شك ؛ أو توقف ؛ لم يحرم ماله ودمه.
فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها ! ويا له من بيان ما أوضحه ! وحجة ما أقطعها للمنازع!
--------
([1]) الأحبار: جمع حبر وهم علماء اليهود.
والرهبان : جمع راهب وهم عباد النصارى.
([2]) رواه مسلم .
([3]) فتح المجيد: ( ص123).
([4]) وأما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للمشركين:"قولوا لا إله إلاَّ الله" وقال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله". فلأن المشركين يعرفون معنى هذه الكلمة لأنه لما قال لهم ذلك قالوا: "أجعل الآلهة إلهاً واحداً". وكثير من الناس لا يعرفون معناها بدليل أنهم يقولونها ويدعون غير الله من الموتى وغيرهم.
([5]) إعانة المستفيد ( ج1_ص122) .
([6]) إعانة المستفيد: (ج1_ص123) .
([7]) القول المفيد على كتاب التوحيد: (ج1_ص147) .
([8]) إعانة المستفيد: ( ج1_ص123) .
([9]) التمهيد: ( ص87) .
([10]) ألفية ابن مالك مع شرح ابن عقيل (2/24) .
([11]) أخرجه البخاري (3707 ) ومسلم: (222 ) وسيأتي تفسيرها في بابها.
([12]) التمهيد (ص83).
([13]) أخرجه أحمد (5/233), وأبو داود (3116) ,والطبراني في الكبير (20/112), والحاكم (1/351) عن معاذ بإسناد يحتمل التحسين وله شاهد عن أبي هريرة: أخرجه ابن حبان (2993) بسند جيد. / قاله : الشيخ علي الحلبي في تحقيقه للجواب الكافي (ص279) ./ و صححه العلامة الألباني في أبي داود الجنائز باب التلقين وهو في صحيح سنن أبي داود برقم (2673) .
([14]) رواه أحمد (1/63), والحاكم (1/72), وابن حبان (204), وأبو نعيم في الحلية (2/296) وابن خزيمة التوحيد (ص328) وابن البناء في "فضل التهليل"رقم: (1) عن عمر بن الخطاب وعثمانt , وسنده قوي. قاله الشيخ علي الحلبي أيضا (ص280) .
([15]) الداء والدواء أو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي: (ص281) .
([16]) ينظر التمهيد شرح كتاب التوحيد: ( ص84) .
([17]) القول المفيد شرح كتاب التوحيد: (ج1_ص148) .
([18]) البخاري : كتاب الجنائز_ باب الأمر باتباع الجنائز، ومسلم: كتاب السلام/ باب من حق المسلم للمسلم رد السلام.
([19]) القول المفيد على كتاب التوحيد: (ج1_ص159) .
([20]) التمهيد شرح كتاب التوحيد ( ص85) .
([21]) فتح المجيد: (ص124) .
([22]) انظر رقم: (4715) و رقم (4714) من صحيح البخاري.
([23]) القول المفيد: ( ج1_ص161) .
([24]) القول المفيد على كتاب التوحيد: ( ج1_ص151) .
([25]) رواه الترمذي وقال حديث غريب وقد حسنه الألباني في غاية المرام: (6) وسنن الترمذي رقم (3095) وانظر تفصيل الكلام عليه في السلسلة الصحيحة: (3293).
([26]) القول المفيد: (ج1_ص160) .
([27]) انظر إعانة المستفيد (ج1_ص131).
([28]) القول المفيد (ج1_ص162) .
([29]) إعانة المستفيد ( ج1_ص132) .
([30]) رواه البخاري برقم ( 16/21/6041/6941 ) ومسلم (43 ) من حديث انس رضي الله عنه .
([31]) روضة المحبين ونزهة المشتاقين _الباب السادس عشر في الحكم بين الفريقين وفصل النزاع بين الطائفتين.
([32]) عجز بت للمتنبي صدره: من يهن يسهل الهوان عليه................
([33]) الجواب الكا في لمن سأل عن الدواء الشافي أو الداء والدواء: ( ص332 ) ط دار ابن الجوزي.
([34]) الداء والدواء: ( ص271) .
([35]) البخاري: كتاب فضائل الصحابة/ باب قول النبي r"لو كنت متخذاً خليلاً" ومسلم : كتاب الفضائل/باب فضائل أبي بكر.
([36]) القول المفيد شرح كتاب التوحيد: ( ج1_156) .
([37]) إعانة المستفيد: ( ج1_ص134) .
([38]) التمهيد شرح كتاب التوحيد: ( ص91) .


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/91377319446.pdf)

أبو صديق الكردي
2013-08-24, 09:40 AM
ملاحظة:


ارجو ترك وقت لقراءة كل باب ثم انزال الاخر حتى يتيسر لمن لديه سؤال حول الباب أن يطرحه.



ملاحظة مفيدة وفي محلها

جزاكم الله خيراً وبارك فيكم جميعاً
جهد مشكور

ابو العبدين البصري
2013-08-24, 01:37 PM
ملاحظة مفيدة وفي محلها

جزاكم الله خيراً وبارك فيكم جميعاً
جهد مشكور


وجزاكم الله مثله.

وارجو أن تثروا الموضوع بارك الله فيكم.

الحياة أمل
2013-08-28, 09:06 AM
(6)

بابٌ

من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه


وقول الله تعالى:{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ..} [الزمر : 38] .
عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال:" ما هذه ؟ قال:من الواهنة ([1]) فقال:انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا". رواه أحمد بسند لا بأس به ([2]).
وله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا:" من تعلق تميمة ([3]) فلا أتَمَّ الله له ومن تعلق ودعة فلا وَدَعَ الله له" ([4]).
وفي رواية:" من تعلق تميمة فقد أشرك " ([5]).
ولابن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله عنه :"أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } ([6]).

الشرح:
رفعه: إزالته بعد نزوله.
دفعه: منعه قبل نزوله.
هذا بابٌ شرع به الشيخ _رحمه الله_ في تفصيل ما سبق وهو بيان التوحيد ببيان ضده.
ومن المعلوم أن الشيء يعرف ويتميز بشيئين: بحقيقته وبمعرفة ضده.
والتوحيد يتميز بمعرفته في نفسه أي:بمعرفة معناه وأفراده وبمعرفة ضده أيضا
وقد قال الشاعر:

...... وبضدها تتميز الأشياء ([7]).

وهذا صحيح: فإن التوحيد يُعرف حسْنُه بمعرفة قبح الشرك . وقد بدأ الإمام رحمه الله في ذكر ما هو مضاد للتوحيد.

ابتدأ الشيخ _رحمه الله_ في هذا الباب:بتفصيل وبيان صور من الشرك الأصغر التي يكثر وقوعها وقدّم الأصغر على الأكبر: انتقالا من الأدنى إلى الأعلى لأن الشبهة في الأدنى ضعيفة بخلاف الشبهة في الأعلى فإنها أقوى لأن شبهة المتعلّق بالخيط وبالتمائم أضعف من شبهة المتعلّق بالأولياء والصالحين.

فإذا علم المتعلّق بالخيط والتمائم ونحوها خطأه وبطلان تعلّقه سَهُلَ بعد ذلك إقناعه ببطلان التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين وبأنه أقبح من الأول كما هو الحال في الشرك الأكبر أما إذا جاء إلى من هو متلبس بالشرك الأكبر كالذي يتعلّق بالأولياء ويدعوهم ويسألهم ويذبح لهم فلا يَحْسُنُ فيمن هذه حاله أن يُنْتَقل في إقناعه ببطلان ما هو عليه من الأعلى إلى الأدنى لقوة الشبهة عنده تجاه من أشرك بهم وهي - بزعمه - أن أولئك لهم مقامات عند الله جل وعلا فهذه حقيقة حال الذين يتوجهون إلى أولئك المدعوين ويشركون بهم الشرك الأكبر المخرج من الملة - والعياذ بالله - فإنهم يقولون:إنما أردنا الوسيلة وهؤلاء الذين ندعوهم لهم مقامات عند الله وإنما أردنا الوسيلة.

فحال هؤلاء كحال المشركين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين قال الله جل وعلا فيهم:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3 ].
والمقصود :أن الشيخ _رحمه الله_ بدأ أولا بتفصيل الشرك الأصغر انتقالا من الأدنى إلى الأعلى حتى يكون ذلك أقوى في الحجة وأمكن في النفوس من جهة: ضرورة التعلّق بالله وإبطال التعلق بغيره ([8]) .

وقوله _رحمه الله تعالى_ (بابٌ من الشرك..) أي:من أنواع الشرك: ( لبس الحلْقة والخيط ونحوهما). مما يعلّق على البدن أو على الدابة أو على السيارة أو على الأبواب من الأشياء التي يعتقدون فيها أنها تدفع عين الحاسد وأنّها تحرس البدن أو تحرس الدابة أو تحرس السيارة أو تحرس البيت أو المتجر من الشرور والمحاذير.
وهذه عادة جاهلية لا تزال في بعض الناس إلى اليوم بل تتزايد بسبب الجهل، فإنهم يعلّقون هذه الأشياء على أجسامهم وعلى أجسام الأطفال وعلى السيارات والدكاكين والبيوت قصدهم من ذلك أن هذه الأشياء تدفع عنهم الشرور والمحاذير، وهذا من الشرك لأنه تعلق على غير الله سبحانه وتعالى لأن الله جل وعلا وهو الذي يدفع الشر وهو الذي إذا أراد بعبده شيئاً فلابد أن يقع إما في نفسه أو في ماله أو في أهله فلا أحد يدفعه وإذا منع شيئاً فلا أحد ينزله:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
الأمر كله بيد الله جلّ وعلا فيجب أن تتعلق القلوب بالله عزّ وجلّ وأن تُخلص العبادة لله عزّ وجلّ وأن لا يخاف إلاَّ من الله عزّ وجلّ فمن تعلّق قلبه بالله ووحّد الله فإنه لا يضره شيء إلاَّ بإذن الله سبحانه وتعالى أما من تعلّق على غير الله فإن الله يَكِلُه إلى ما تعلق عليه ويبتليه كما يأتي ([9]).

قوله:ونحوهما : ما يكون نحو الحلقة والخيط مثل:الخرز والتمائم والحديد ونحو ذلك مما قد يُلبس ومثله أيضا ما يعلّق في البيوت أو في السيارات أو يعلّق على الصغار ونحو ذلك مما فيه لبس أو تعليق ، فكل ذلك يدخل في هذا الباب وأنه من الشرك.

والحلقة: إما أن تكون من صُفر يعني:من نحاس وإما أن تكون من حديد أو تكون من أي معدن.

والخيط: معروف والمراد عَقْدُهُ في اليد على وجه الاعتقاد وليس المراد خيطا بعينه ([10]).

قوله (من الشرك) من هنا للتبعيض أي:أن هذا بعض الشرك وليس كل الشرك
والشرك :اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها
وكون لبس هذه الأشياء من الشرك لأن كل من أثبت سبباً لم يجعله الله سبباً شرعياً ولا قدرياً، فقد جعل نفسه شريكاً مع الله.
فمثلاً :قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء. وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن وهو قدري لأنه يعلم بالتجارب
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول:من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله، كالجبرية والأشعرية.
الثاني:من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سبباً وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم .
الثالثة:من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله سواء كان سبباً شرعياً أو كونياً.
ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيماناً حقيقياً، وآمنوا بحكمته، حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة.

ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله، فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره .
وإن اعتقد أنها سبب ولكنه ليس مؤثراً بنفسه فهو مشرك شركاً أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سبباً فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سبباً ([11]).

وقول الله تعالى:{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ.....}.
قال ابن كثير:أي لا تستطيع شيئا من الأمر {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي الله كافي من توكل عليه{عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} كما قال هود عليه السلام حين قال قومه:{إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ..... } ([12]). ومعنى قولهم هذا هو تهديد لهود عليه السلام بأن ألهتم ستصيبه بسوء! = (التشوير)!!!

قال ابن كثير _رحمه الله تعالى_:" يقولون:ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبَل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها:{ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا } أي: أنتم أيضا{ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ }.
يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام:{ فَكِيدُونِي جَمِيعًا } أي:أنتم وآلهتكم إن كانت حقا فذروها تكيدني{ ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ }أي:طرفة عين واحدة([13]).
{قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ}أي:هو كافيني لأن الحَسْب معناه:الكافي فهذا فيه تفويض الأمور إلى الله سبحانه وتعالى وتعليق القلوب بالله سبحانه وتعالى دون ما سواه لما أبطل الشرك في أول الآية قرّر التّوحيد بقوله:{قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي : هو كافيني ولن يستطيع أحد أن يضرني من دون الله أو ينفعني من دون الله، ولهذا يقول هود - عليه الصلاة والسلام– لقومه:{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} ثم قال{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
{عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} ولا يتوكلون على الحلْقة والخيط والصنم والقبر والولي أو غير ذلك، بل الذي يُتوكّل عليه هو الله سبحانه وتعالى، لأنه بيده مقادير الأشياء([14]).

قلت:فهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر وأن ذلك شرك بالله ([15]).

وقوله:{إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } فيه إبطال أن يكون لتلك الآلهة بأنواعها إضرار أو نفع

ومعنى قوله:{ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ } أي:لا يستطيعون ذلك كما أنه إن أرادني الله جل وعلا برحمة فهل تستطيع هذه الآلهة أن تدفع رحمة الله ؟!
الجواب:أنها لا تستطيع أيضا فَبَطَلَ إذًا أن يكون ثَمَّ تعلّق بتلك الآلهة العظيمة التي يظن أن لها مقامات عند الله جل وعلا موجبة لشفاعتها.

إذا تبين ذلك فقد قال بعض أهل العلم:إن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر فَلِمَ جعلها الشيخ _رحمه الله_ في سرد بيان أصناف من الشرك الأصغر؟؟
والجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول:أن الآيات الواردة في الشرك الأكبر دلت من جهة المعنى على وجوب التعلق بالله وبطلان التعلق بغيره وهذا المعنى متحقق في الشرك الأصغر أيضا ولذا فإن من السلف من نزّل الآيات الواردة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع أن في كلا الشركين تعلّقا بغير الله جل وعلا فإذا بطل التعلق في الأعظم بطل التعلق فيما هو دونه من باب أولى .
الوجه الثاني:أن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر ولكن المعنى الذي دارت عليه هو تقرير أن كل من يدعى من دون الله لا يستطيع من الأمر شيئا فلا يقدر أن يرفع ضرا ولا بلاء ولا أن يمنع رحمة وفضلا عمن أراده الله بذلك

وهذا المعنى الذي هو التعلق بما يعتقد أنه يضر أو ينفع هو المعنى الذي من أجله تعلّق المشرك الشرك الأصغر بالحلقة وبالخيط لأنه ما علق الخيط ولا علق الحلقة وغيرهما إلا لأنه يعتقد أن لهما تأثيرا من جهة رفع البلاء أو دفع الضر وأنهما يجلبان النفع أو يدفعان الضر مع أن هذه الأشياء مهينة وأمور وضيعة فإذا نُفِيَ عن الأشياء العظيمة : كالأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين أو الأوثان التي لها روحانيات كما يقولون فإن انتفاء النفع والضر عما سواها مما هو أدنى لا شك أنه أظهر في البرهان وأبين ([16]).

والشاهد من هذه الآية:أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر فليست أسبابا لذلك فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله.
وهذا يدل على حذق المؤلف رحمه الله وقوة استنباطه وإلا فالآية بلا شك في الشرك الأكبر الذي تعبد فيه الأصنام ولكن القياس واضح جدا لأن هذه الأصنام ليست أسبابا تنفع فيقاس عليها كل ما ليس بسبب فيعتبر إشراكا بالله .

وهناك شاهد آخر في قوله:{حسبي الله}. فإن فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهمية وأما الأسباب الحقيقية فلا ينافي تعاطيها توكل العبد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه لأنها من عنده ([17]).

وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال:" ما هذه ؟ قال:من الواهنة فقال:انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا.
قوله ( فإنها لا تزيدك إلا وهنا) يعني:أن ضررها أقرب من نفعها وهذا شامل لجميع أنواع الشرك فإن ما أشرك به ضرره أعظم من نفعه لو فُرض أن فيه نفعا
وقد قال العلماء في قوله هنا (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا) يعني: لو كان فيها أثر فإن أثرها الإضرار بدنيا وروحيا ونفسيا لأنها تضعف الروح والنفس عن مقابلة الوهن والمرض فيكون تعلّقه بذلك الحلقة أو الخيط سببا في حصول الضعف.

فقوله: (فإنها لا تزيدك إلا وهنا) وهذا حال كل من أشرك فإن شركه يجره من ضرر إلى ضرر أكثر منه وإن ظن أنه في انتفاع ([18]).

ولابن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله عنه :"أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ }.
قال الحافظ ابن كثير _رحمه الله تعالى_:"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ:مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ؟ وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالِ؟ قَالُوا:اللَّهُ وَهُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَهَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ:" أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ:لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ".
وَفِي الصَّحِيحِ:"أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَالُوا: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قَدْ قَدْ " أَيْ:حَسْبُ حَسْبُ لَا تَزِيدُوا عَلَى هَذَا" ([19]).

ثم قال:وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} قَالَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُ يَعْمَلُ إِذَا عَمِلَ رِيَاءَ النَّاسِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ ذَاكَ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا} [النِّسَاءِ: 142].

وثمَّ شِرْكٌ آخَرُ خَفِيٌّ لَا يَشْعُرُ بِهِ غَالِبًا فَاعِلُهُ، كَمَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود،عَنْ عُرْوَة قَالَ:"دَخَلَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَرِيضٍ، فَرَأَى فِي عَضُدِهِ سَيْرًا فَقَطَعَهُ - أَوِ: انْتَزَعَهُ - ثُمَّ قَالَ:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}.
وَفِي الْحَدِيثِ:" مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحسنَّهَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ([20]).
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الرُّقَى والتَّمائِم والتِّوَلة شرْك" ([21]).
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا (الطيَرة شِرْكٌ) ([22])
"وَمَا منَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ" ([23]) , ([24]).

تتمة:
قال العلامة الألباني _رحمه الله تعالى_:"عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه :"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة و أمسك عن واحد فقالوا:يا رسول الله بايعت تسعة و تركت هذا ? قال:إن عليه تميمة فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال.. " فذكره .
قلت:و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير دخين و هو ابن عامر الحجري أبو ليلى المصري وثقه يعقوب بن سفيان و ابن حبان و صحح له الحاكم ( 4 / 384 ) و قد أخرجه ( 4 / 219 ) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور .
وللحديث طريق أخرى يرويه مشرح بن هاعان عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له". ولكن إسناده إلى مشرح ضعيف فيه جهالة ([25]) و لذلك أوردته في الكتاب الآخر ( 1266 ) .

فائدة:
التميمة:خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام كما في النهاية لابن الأثير.
قلت:ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو و الفلاحين و بعض المدنيين ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة ! وبعضهم يعلق نعلا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها ! و غيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان ! كل ذلك لدفع العين زعموا وغير ذلك مما عم و طم بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات و الوثنيات التي ما بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها و القضاء عليها فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم وبعدهم عن الدين.

ولم يقف الأمر ببعضهم عند مجرد المخالفة بل تعداه إلى التقرب بها إلى الله تعالى ! فهذا الشيخ الجزولي صاحب: (دلائل الخيرات) يقول في الحزب السابع في يوم الأحد ( ص 111) طبع بولاق:"اللهم صل على محمد و على آل محمد ما سجعت الحمائم وحمت الحوائم و سرحت البهائم و نفعت التمائم" !

وتأويل الشارح لـ ( الدلائل ) بأن:التمائم جمع تميمة و هي الورقة التي يكتب فيها شيء من الأسماء أو الآيات و تعلق على الرأس مثلا للتبرك . فمما لا يصح لأن التمائم عند الإطلاق إنما هي الخرزات كما سبق عن ابن الأثير على أنه لو سلم بهذا التأويل فلا دليل في الشرع على أن التميمة بهذا المعنى تنفع ولذلك جاء عن بعض السلف كراهة ذلك كما بينته في تعليقي على الكلم الطيب: ( ص 44 - 45 ) طبع المكتب الإسلامي([26]).

فيه مسائل:
الأولى:التغليظ في لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك .
الثانية:أن الصحابي لو مات وهي عليه ؛ ما أفلح . فيه شاهد لكلام الصحابة : أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة:أنه لم يعذر بالجهالة .
الرابعة:أنها لا تنفع في العاجلة ؛ بل وتضر لقوله « لا تزيدك إلا وهنا » .
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك .
السادسة:التصريح بأن من تعلق شيئا وُكِل إليه .
السابعة:التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك .
الثامنة:أن تعليق الخيط من الحُمَّى من ذلك .
التاسعة:تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر ، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة .
العاشرة:أن تعليق الوَدَع عن العين من ذلك .
الحادية عشرة:الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يُتِمُّ له ، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ؛ أي:ترك الله له.
--------
([1]) الواهنة : عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها.
وقيل:هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء وإنما نهى عنها؛ لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد .انظر " فتح المجيد " ( ص139).
([2]) أخرجه أحمد: ( 4 / 445) وابن حبان( 7 / 628 ) والحاكم ( 4 / 216) قال البوصيرى : ورواه ابن ماجة بإسناد حسن . والحديث ضعفه الألباني في سنن ابن ماجة برقم (3531) بـ (مبارك ابن فضالة) وانظر تفصيل الكلام حوله في الضعيفة (ج3_ص101_ح1029) وضعفه أيضا في " غاية المرام " ( ص 146 ) رقم : (296) وضعيف الترغيب للمنذري رقم : (2015) .
([3]) التمائم:جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام". قاله أبو السعادات.
ودعة: بفتح الواو وسكون المهملة. قال في مسند الفردوس:"شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين". انظر النهاية في غريب الحديث والأثر(1/197) "وفتح المجيد " ( ص 141) .
([4]) أخرجه أحمد 4 / 154 وأبو يعلى ( 1759 ) والحاكم ( 4 / 417 ), قال في مجمع الزوائد:رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم ثقات . قال محمد صبحي حلاق:" بسن ضعيف لجهالة _خالد بن عبيد المعافري . وقد تابعه ابن لهيعة عند عبد الحكم في " فتوح مصر" (ص289) وإن كان ابن لهيعة سيء الحفظ يصلح في المتابعات والشواهد . و الخلاصة أن الحديث حسن, والله أعلم . انظر " نيل الأوطار " ( ج15_ص 283 ) كتاب الطب " باب ما جاء في الرقى والتمائم " .
([5]) أخرجه أحمد ( 4 / 156 ) والحاكم (4 / 417 ) صححه الألباني في " الصحيحة ": ( 492) .
([6]) ذكره ابن كثير في التفسير: ( 4 / 342 ) . وقال في:" النهج السديد " ( ص 75 ) ضعيف رواه ابن أبي حاتم من طريق عروة بن الزبير عن حذيفة ولا يعرف لعروة سماع من حذيفة وذكر نحوه صاحب:" الدّر النضيد " (ص 40 ) إلا إنه ذكر تصحيح السند وأن الصواب فيه " عزرة " وهو ابن عبد الرحمن الخزاعي وروايته مرسلة عن حذيفة أيضًا وهو كذلك في " تفسير ابن أبي حاتم " . المطبوع وهو منقطع في كلا الحالتين.
قلت: والذي يظهر أنه صحيح فقد روي هذا الحديث من وجهٍ آخر بنحوه : قال الخلال في: " السنة " (5/13) رقم : (1482) " ثنا أبو بكر المرّوذي - وهو أحمد بن محمد بن الحجاج صاحب الإمام أحمد المشهور - ثنا أبو عبد الله - وهو الإمام أحمد - ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبي ظبيان قال : دخل حذيفة على رجلٍ من عبس يعوده فمس عضده فإذا فيه خيط ، قال : ما هذا ؟ قال : شيئًا رقي لي فيه فقطعه وقال : " لو مت وهو عليك ما صليتُ عليك " أ.هـ . ورواه أيضًا من وجه آخر( أي الخلال ) عن الأعمش فقال : " ثنا أبو بكر المرّوذي ثنا أبو عبد الله قال : ثنا عبد الرحمن - وهو ابن مهدي - عن سفيان - وهو الثوري - عن الأعمش عن أبي ظبيان : " أن حذيفة دخل على رجل يعوده ، فرآه قد جعل في عضده خيطًا قد رقي فيه ، قال : فقال : ما هذا ؟ قال : من الحمى ، فقام وهو غضبان : وقال : لو متَّ ما صليتُ عليك أ. هـ . ورواه ابن بطة أيضًا في :" الإبانة الكبرى" ( ق1 ، 2/743 ) رقم ( 1030و1031) قال : حدثنا أبو شيبة قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش به . وقال أيضًا : حدثنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا سفيان عن الأعمش به . وإسناده صحيح إن شاء الله فرجاله رجال الشيخين وأبو ظبيان هو حصين بن جندب الكوفي ورواية الأعمش عنه كثيرة ومخرجة في الصحيحين فلا يعلل بتدليسه ويبقى سماع أبي ظبيان من حذيفة فقد قال الذهبي عنه في : " سير أعلام النبلاء " (4/363) يروي عن عمر وعلي وحذيفة والظاهر أن ذلك ليس بمتصل أ. هـ . وذكر المزي : " تهذيب الكمال " (6/514) روايته عن حذيفة بصيغة الجزم وذكر الدارقطني : " العلل " (3/74) أنه لقي عمر وعلي . فإن ثبت أنه لقي عمر كما يقول الدارقطني فمن المؤكد أنه لقي حذيفة فقد بقي حذيفة بعد عمر أكثر من عشر سنين وسكن الكوفة وهي بلد أبي ظبيان وجملة القول إنه إن ثبت سماع أبي ظبيان من حذيفة - وهو قريب - فالإسناد صحيح وعلى شرط الشيخين وإن لم يثبت سماعه منه فالحديث يصح من الوجهين إن شاء الله تعالى .
([7]) وصدر البيت هو: الضد يظهر حسنه الضد ...... أنظر التمهيد (ص94).
([8]) التمهيد (ص95_96) .
([9]) إعانة المستفيد(ج1_ص135) .
([10]) انظر التمهيد: (ص97).
([11]) القول المفيد على كتاب التوحيد (ج1_ص164).
([12]) انظر فتح المجيد ( ص137) .
([13]) انظر تفسير ابن كثير .
([14]) إعانة المستفيد (ج1_ص137) .
([15]) فتح المجيد ( ص138) .
([16]) انظر التمهيد: (ص100_101).
([17]) القول المفيد: (ج1_ص168) .
([18]) ينظر التمهيد (ص103) .
([19]) صحيح مسلم برقم (1185/22) .
([20]) سنن الترمذي برقم (1535) .
([21]) المسند (1/381) وسنن أبي داود برقم (3883) ورواه ابن ماجه في السنن برقم (3530) .
([22]) زيادة من ت، أ، والمسند وسنن أبي داود .
([23]) المسند (1/389) وسنن أبي داود برقم (3910) .
([24]) انظر " تفسير ابن كثير " ( ج4 _ ص 418_ ص419) ط دار طيبة .
([25]) وقد وجد الشيخ حلاق متابعة لهذه الرواية كما تقدم.
([26]) السلسلة الصحيحة (ج1_ ح 492 ).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/21377666323.pdf)

الحياة أمل
2013-08-31, 10:00 AM
(7)
باب
ما جاء في الرقى والتمائم

وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه "أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ"([1]).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك". رواه أحمد وأبو داود ([2]).

التمائم:شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين لكن إذا كان المعلّق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف وبعضهم لم يرخص فيه ، وجعله من المنهي عنه منهم ابن مسعود رضي الله عنه.

والرقى:هي التي تسمى العزائم وخص منها الدليل ما خلا من الشرك فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحُمَة.

و التولة:شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.

وعن عبد الله بن عكيم رضي الله عنه مرفوعا:"إن من تعلق شيئا وكل إليه". رواه أحمد والترمذي([3]).
وروى أحمد عن رويفع رضي الله عنه قال:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا رويفع لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا،أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه " ([4]).

وعن سعيد بن جبير قال:" من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة " ([5]). رواه وكيع
وله عن إبراهيم قال:" كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن ومن غير القرآن " ([6]).

الشرح:
لم يذكر المؤلف أن هذا الباب من الشرك لأن الحكم فيه يختلف عن حكم لبس الحلقة والخيط، ولهذا جزم المؤلف في الباب الأول أنها من الشرك بدون استثناء، أما هذا الباب، فلم يذكر أنها شرك، لأن من الرقى ما ليس بشرك، ولهذا قال: (باب ما جاء في الرقى والتمائم )([7]).
ولم يقل:باب من الشرك الرقى والتمائم وذلك لأن الرقى منها ما هو جائز مشروع ومنها ما هو شرك ممنوع والتمائم منها ما هو متفق عليه أنه شرك ومنها ما قد اختلف الصحابة فيه هل هو من الشرك أو لا ؟
لهذا عبر - رحمه الله - بقوله: ( باب ما جاء في الرقى والتمائم ) وهذا من أدب التصنيف العالي([8]).

هذا الباب مكمِّلٌ للباب الذي قبله لأنه ذكر أنواعاً أخرى مكمِّلة لما ذُكر في الباب الذي قبله، ولكن الباب الذي قبله صرّح الشيخ في ترجمته بأن لبس الحلْقة والخيط من الشرك، وأما هنا فلم يصرّح بل قال: (ما جاء في الرُّقى والتمائم)، وهذا من دقّة فقهه ومعرفته _رحمه الله_، فإنه إذا كان الحُكم واضحاً منصوصاً عليه في الحديث ذكره في الترجمة، وإذا كان الحكم فيه تفصيل أو فيه احتمال؛ فإنه لا يجزم في الترجمة، وإنما يورد الأدلة في الباب ويُؤخذ منها الحكم مفصّلاً.

فهذا من دقّة فقهه _رحمه الله_ وشدّة تورّعه عن إطلاق الأحكام، مما يُرَبِّي في طلبة العلم هذه الخَصْلَة الطيّبة وهي أنهم يتورّعون في إطلاق الأحكام ويتثبتون فيها، لأن الأمر خطير جدًّا ([9]).

قوله: ( الرقى ) جمع رقية، وهي القراءة، فيقال:رقى عليه - بالألف - من القراءة، ورقي عليه - بالياء - من الصعود.

وهي معروفة وقد كانت العرب تستعملها
وحقيقتها:أنها أدعية وألفاظ تقال أو تتلى ثم ينفث فيها ومنها ما له أثر عضوي في البدن ومنها ما له أثر في الأرواح ،ومنها ما هو جائز مشروع ومنها ما هو شرك ممنوع .
وثبت أنه عليه الصلاة والسلام رقى نفسه([10]). ورقى غيره بل ثبت أنه رُقِيَ أيضا رقاه جبريل([11]). ورقته عائشة([12]).
فهذا الباب ( باب ما جاء في الرقى والتمائم ) معقود لبيان حكم الرقى وقد رخّص الشارع في الرقى ما لم تكن شركا وهي الرقى التي خلت من الشرك. وقد سأل بعض الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام عن حكم الرقى فقال:" اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" ([13]).

شروط جواز الرقية:
الأول:أن تكون بالقرآن أو بأسماء الله أو بصفاته.
الثاني:أن تكون بالكلام العربي أي:بلسان عربي، معلوم المعنى تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة، فإنها لا تجوز وأن لا تكون مما يخالف الشرع، كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله أو استغاثة بالجن وما أشبه ذلك، فإنها محرمة بل شرك.
الثالث:أن لا يعتقد أنها تنفع بنفسها بل بتقدير الله - عز وجل - أي لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله، فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله([14]).

قال بعض العلماء: يدخل في الشرط الأول أيضا أن تكون بما ثبت في السنة وعلى هذا: فيكون الشرط الأول:أن تكون من القرآن أو السنة أو بأسماء الله وبصفاته فلا تكون الرقى جائزة إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.

فإذا تخلف الشرط الأول أو الثاني:ففي جواز الرقية خلاف بين أهل العلم والشرط الثالث:متفق عليه بينهم
وأما اشتراط كونها بأسماء الله وصفاته أو بالكتاب والسنة أو أن تكون بلسان عربي مفهوم فإن هذا مختلف فيه كما تقدم.
وقال بعضهم:يسوغ أن تكون الرقية بما يعلم معناه ويصح المعنى بلغة أخرى ولا يشترط أن تكون بالعربية ولا يشترط أن تكون من القرآن أو السنة, وهذه مسائل فيها خلاف وبحث,وأما من جهة تأثير غير القرآن على المرقي وما سبق من الخلاف:ففيه مسائل نرجئ تفصيل الكلام فيها إلى موضع آخر إن شاء الله.

فالمقصود:أن الرقى الجائزة بالإجماع هي ما اجتمعت فيها الشروط الثلاثة
وأما الرقى الشركية المحرمة فهي:التي فيها استعاذة أو استغاثة بغير الله أو كان فيها شيء من أسماء الشياطين أو اعتقد المرقي فيها أنها تؤثر بنفسها وهي التي قال عليه الصلاة والسلام فيها:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ([15]). كما سيأتي بيانه.

قوله: ( التمائم ) جمع تميمة وسميت تميمة لأنهم يرون أنه يتم بها دفع العين وقد ذكر تفسيرها مختصرا من قبل وهي تجمع أنواعا كثيرة فالتمائم تجمع كل ما يعلّق أو يتخذ مما يراد منه تتميم أمر الخير للعبد أو دفع الضرر عنه ويعتقد فيه أنه سبب ولم يجعل الله - جل وعلا - ذلك الشيء سببا لا شرعا ، ولا قدرا.

فالتميمة:شيء يتخذ من جلد أو ورق ويكون فيه أذكار وأدعية وتعوذات تعلّق على الصدر أو في العضد وقد تتخذ التميمة من خرزات وحبال ونحو ذلك يعلق على الصدر وقد تكون التميمة باتخاذ شيء يجعل على باب البيت أو في السيارة، أو أي مكان ما.

فالحاصل:أن التمائم يجمعها أنها:شيء يراد منه تتميم أمر الخير وتتيم أمر دفع الضر وذلك الشيء لم يؤذن به لا شرعا ولا قدرا.
فالتميمة - إذًا - ليست خاصة بصورة معينة بل تشمل أمورا كثيرة وتعم أصنافا عديدة مثل ما نراه على كثير من أهل زماننا من تعليقهم أشياء على صدورهم:مثل جلود صغيرة يجعلونها على رقابهم أو تكون على العضد أو يربطونها على بطونهم لرفع الأمراض الباطنية:كالإسهال والقيء ونحوهما.

ومنهم من يجعل في سيارته رأس دب أو أرنب أو غيرها من الأشكال كحدوة الفرس أو يعلق خرزات ومسابح خشبية ونحو ذلك على المرايا الأمامية للسيارة.

ومنهم:من يلبس سلسلة فيها شكل عين صغيرة وبعضهم قد يعلّق على مدخل الباب رأس ذئب أو غزال أو يضع على مطرق الباب حدوة فرس اعتقادا من أصحابها أنها تدفع العين أو تجلب لهم النفع.
فكل هذه أنواع وأصناف,وصور للتمائم أحدثها الناس على اختلاف الأزمان, لكن من الناس من يقول إنما أعلق هذه الأشياء للزينة ولا أستحضر هذه المعاني المحظورة فهذا يقوله طائفة قليلة من الناس.

فنقول:إن علق التمائم لدفع الضر واعتقد أنها سبب لذلك: فيكون قد أشرك الشرك الأصغر([16]).
وإن علقها للزينة فهو محرم لأجل مشابهته من يشرك الشرك الأصغر فدار الأمر إذًا على النهي عن التمائم كلها سواء اعتقد فيها أو لم يعتقد لأن حاله إن اعتقد أنها سبب : فهو شرك أصغر وإن لم يعتقد فيكون قد شابه أولئك المشركين وقد قال عليه الصلاة والسلام :"من تشبه بقوم فهو منهم " ([17]) ’ ([18]).

قوله (التواله) شيء:يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته وهو نوع من السحر ويسمى عند العامة الصرف والعطف فهو نوع من السحر يصنع فيجلب شيئا ويدفع شيئا بحسب اعتقادهم وهي في الحقيقة نوع من أنواع التمائم لأنها تصنع ويكون الساحر هو الذي يرقي فيها الرقية الشركية، فيجعل المرأة تحب زوجها ،أو يجعل الرجل يحب زوجته ، وهذا نوع من أنواع السحر والسحر شرك بالله - جل وعلا - وكفر عام في كل أنواع التولة فهي شرك كلها([19]).

قوله: (وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه " أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ).

قوله: (أسفاره ) السفر :مفارقة محل الإقامة وسمي سفراً لأمرين :
الأول:حسي وهو أنه يسفر ويظهر عن بلده لخروجه من البنيان .
الثاني:معنوي وهي أن يسفر عن أخلاق الرجال، أي: يكشف عنها وكثير من الناس لا تعرف أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم إلا بالأسفار.

قوله ( قلادة من وتر أو قلادة ) شك من الراوي والأولى أرجح، لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سبباً لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقطع هذه القلائد.
أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام، فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد، وكان الناس يعملون ذلك كثيراً من الصوف أو غيره .

قوله: "في رقبة بعير" ذكر البعير لأن هذا هو الذي كان منتشراً حينذاك، فهذا القيد بناء على الواقع عندهم، فيكون كالتمثيل، وليس بمخصص .

يستفاد من الحديث:
1_ أنه ينبغي لكبير القوم أن يكون مراعياً لأحوالهم، فيتفقدهم وينظر في أحوالهم.
2_ أنه يجب عليه رعايتهم بما تقتضيه الشريعة، فإذا فعلوا محرماً منعهم منه، وإن تهاونوا في واجب حثهم عليه .
3_ أنه لا يجوز أن تعلق في أعناق الإبل أشياء تجعل سبباً في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهي ليس كذلك لا شرعاً ولا قدراً، لأنه شرك، ولا يلزم أن تكون القلادة في الرقبة، بل لو جعلت في اليد أو الرجل، فلها حكم الرقبة، لأن العلة هي هذه القلادة، وليس مكان وضعها، فالمكان لا يؤثر.
4_ أنه يجب على من يستطيع تغيير المنكر باليد أن يغيره بيده([20]) .

و الـ"وَتَر" -بفتح الواو- المراد به: وَتَر القوس والقوس آلة كانوا يرمون بها السهام وكانوا في الجاهلية إذا اخْلَقَّ الوَتَر أخذوه وعلّقوه على رقاب الدواب، وأبدلوه بوَتَر جديد يعتقدون أن هذا الوَتَر القديم الذي استعمل ورُمي به أنه يدفع العين عن الإبل.

وقوله: ( أو قلادة ) هذا شك من الراوي، هل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة مطلقة سواء كانت من وَتَر أو من غيره؟ وهذا من دقتهم رضي الله عنهم في الرواية .

وعلى كل حال فيه دليل على منع هذا الشيء من أي نوع كان، سواء كان من وَتَر أو من غيره ما دام أن المقصود منه عقيدة فاسدة، حتى ولو كان من السُّيور، أو من الخيوط أو من الخرز، أو من غير ذلك، كل قلادة يُقصد بها هذا المقصد الشركي فهي ممنوعة.

أما القلائد التي لا يُقصد منها مقصد شركي، مثل قلاد الهَدْي الذي يُهدى للبيت العتيق فلا حرج فيها.

قوله: ( إلاّ قُطِعت ) هذا فيه إزالة المنكر ولاسيّما إذا كان هذا المنكر في العقيدة، فإن إزالته متأكِّدة . وفيه : أن الحاكم أو الإمام يرسل نوّاباً عنه في إزالة المنكر، وليس من شرط ذلك أن يباشره بنفسه.

الشاهد من الحديث:
تحريم عقد القلائد على الدواب أو على الآدميين بقصد أن ذلك يدفع العين لأنه لا يدفع الضرر ولا يدفعه إلاَّ الله سبحانه وتعالى وليست القلائد هي التي تدفع الضرر أو تجلب النفع وليست سبباً في ذلك وإنما هذا بيد الله سبحانه وتعالى:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
وقال:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }.
قال جل علا :{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} ([21]).

قوله: ( من تعلق شيئا وكل إليه ) شيئا - هنا - نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الأشياء فكل من علّق شيئا وُكِلَ إليه فمن أخرج صورة من صور التعليق عن هذا العموم كانت الحجة عليه لأن هذا الدليل عام ويفيد أن من تعلق أي شيء من الأشياء فإنه يُوكل إليه والعبد إنما يكون عزه ويكون فلاحه ونجاحه وحسن قصده وحسن عمله في تعلقه بالله وحده فيتعلق بالله وحده في أعماله وفي أقواله وفي مستقبله وفي دفع المضار عنه
فيكون أنس قلبه بالله وسروره بالله وتعلقه بالله وتفويض أمره إلى الله وتوكله على الله جل وعلا فمن كان كذلك وتوكل على الله وطرد الخلق من قلبه: فإنه لو كادته السماوات والأرض لجعل الله - جل وعلا - له من بينها مخرجا لأنه توكل وفوض أمره على العظيم - جل جلاله وتقدست أسماؤه -
فقال هنا:" من تعلّق شيئا وُكِلَ إليه". فإذا تعلق العبد تميمة وكل إليها فما ظنك بمن وكل إلى خرقه أو إلى خرز أو إلى حدوة حصان أو إلى شكل حيوان ونحو ذلك لا شك أن خسارته أعظم الخسارة.

ووجه الاستدلال هنا في قوله: ( من تعلق شيئا )
أنه ذكر نتيجة التعلق وهو أنه يوكل إلى ذلك الشيء الذي تعلقه فمن تعلق شيئا وكل إليه وإذا وكل إليه فمعنى ذلك أنه خسر في ذلك الخسران المبين, والشيخ - رحمه الله - لم يصدِّر الباب بحكم ، فيكون الاستدلال على حكمها مستفاد من هذه الأحاديث.


قوله: ( التمائم شيء يعلّق على الأولاد يتقون به العين ) شيء: هنا شاملة لأي شيء يعلّق دون صفة معينة وخص بعض العلماء التمائم بما كان متخذا من الخرز وبعضهم خصة بما كان مصنوعا من الجلد ونحوه ،وهذا ليس بجيد بل التمائم اسم يعم كل ما يعلق لدفع العين واتقاء الضرر أو لجلب خير نفسي([22]). لقوله:شيئاً نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الأشياء فمن تعلق بالله - سبحانه وتعالى - وجعل رغبته ورجاءه فيه وخوفه منه، فإن الله تعالى يقول:{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه}[الطلاق:3]. أي:كافيه،
ولهذا كان من دعاء الرسل وأتباعهم عند المصائب والشدائد:"حسبنا الله ونعم الوكيل". قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم حين قيل لهم:{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [آل عمران:173].

وقوله: ( وكل إليه ) أي:أسند إليه وفوض ([23]).
فقوله:"من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" قاعدة عامة تعمّ كل شيء يعلّق الإنسان قلبه به من دون الله عزّ وجلّ؟ من بشر أو حجر أو شجر أو قبر أو حلْقة أو خيط أو تمِيمَة، أو غير ذلك، أو جن، أو إنس. ففي هذا وجوب التوكّل على الله، والنهي عن الاعتماد على غير الله في جلب خير أو دفع ضُر، والقرآن يقرّر هذا في آيات كثيرة([24]).

خلاف السلف في التمائم التي تكون من القرآن أوليس فيها شرك:
قال المؤلف_رحمه الله تعالى_ (لكن إذا كان المعلّق من القرآن فرخص فيه بعض السلف).
اعلم:أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته
فقالت طائفة:يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة. وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.

وقالت طائفة:لا يجوز ذلك. وبه قال ابن مسعود وابن عباس . وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم : أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختاره كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
قلت: هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:
الأول:عموم النهي ولا مخصص للعموم .
والثاني:سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك .
الثالث:أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك ([25]).

إذا كان المعلّق من القرآن بمعنى أنه جعل في منزله مصحفا ليدفع العين أو علّق على صدره شيئا كسورة الإخلاص أو آية الكرسي ليدفع العين أو ليدفع الضرر عنه فهذا من حيث التعليق يسمى تميمة فهل هذه التميمة جائزة أو غير جائزة ؟
قال الشيخ - رحمه الله -:إن التمائم إذا كانت من القرآن فقد اختلف فيها السلف فجوزها ورخّص فيها بعض السلف ويعني ببعض السلف:بعض كبار الصحابة ومال إلى هذا القول بعض أهل العلم الكبار وبعضهم لم يرخّص فيها كابن مسعود رضي الله عنه وكأصحاب ابن مسعود الكبار منهم:إبراهيم النخعي وعلقمة وعبيدة والربيع بن خثيم والأسود وأصحاب ابن مسعود جميعا.

فالحاصل:أن السلف اختلفوا في ذلك ومن المعلوم أن القاعدة:أن السلف إذا اختلفوا في مسألة وجب الرجوع فيها إلى الدليل والدليل قد دل على أن كل أنواع التمائم منهي عنها كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام:"من تعلّق شيئا وُكِلَ إليه".

وقوله: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك ). فمن تعلّق القرآن أو شيئا منه كان داخلا في النهي لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فلا يكون مشركا لأنه علق شيئا من صفات الله - جل وعلا - وهو كلام الله -جل وعلا- فلا يكون قد أشرك مخلوقا
لأن الشرك معناه:أن تشرك مخلوقا مع الله- جل وعلا -والقرآن ليس بمخلوق بل هو كلام الله الباري - جل وعلا - منه بدأ وإليه يعود فإذا أخرجت التميمة المتخذة من القرآن عن كونها شركا من عموم قوله:" إن التمائم شرك " فلأجل كون القرآن كلام الله ليس بمخلوق.

لكن هل هي منهي عنها أو غير منهي عنها ؟؟
الجواب:أن قوله عليه الصلاة والسلام:"من تعلق شيئا وكل إليه". ونهيه عن التمائم بأنواعها دليل على أن تخصيص القرآن بالإذن من بين التمائم ومن بين ما يعلق:يحتاج إلى دليل خاص لأن إبقاء العموم على عمومه هو إبقاء لدلالة ما أراد الشارع الدلالة عليه بالألفاظ اللغوية والتخصيص نوع من أنواع التشريع فلا بد فيه من دليل واضح لهذا صارت الحجة مع من يجعل التمائم التي من القرآن مما لا يُرخّص فيه كابن مسعود وكغيره من الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك هو قول عامة أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المحققون من أصحابه وعليها المذهب عند المتأخرين.

بقي أن نقول إن تجويز اتخاذ التمائم من القرآن يترتب عليه مفاسد منها:
1- أنه يفضي إلى الاشتباه فقد نرى من عليه التميمة فيشتبه علينا الأمر هل هذه تميمة شركية أو من القرآن ؟ وإذا ورد هذا الاحتمال فإن المنكر على الشركيات يضعف عن الإنكار لأنه سيقول:يحتمل أن تكون من القرآن فإجازة تعليق التمائم من القرآن فيه إبقاء للتمائم الشركية لأن التمائم تكون مخفية غالبا وإما في جلد أو في نوع من القماش ونحو ذلك فإذا رأينا من علق تميمة:وقلنا يحتمل أن تكون من القرآن أو غيره فإذا استفصلت منه وقلت له:هل هذه تميمة شركية أو من القرآن؟ فمعلوم أن صاحب المنكر سيجيب بأنها من القرآن حتى ينجو من الإنكار لأنه يريد أن يسلم له تعليقها
فمن المفاسد العظيمة أن في: إقرار التمائم من القرآن إبقاء للتمائم الشركية وفي النهي عنها سد لذريعة الإشراك بالتمائم الشركية ولو لم يكن إلا هذا لكان كافيا.
2 - أن الجهلة من الناس إذا علقوا التمائم من القرآن تعلقت قلوبهم بها فلا تكون عندهم مجرد أسباب بل يعتقدون أن فيها خاصية بنفسها بجلب النفع أو دفع الضر ولا شك أن هذا فتحا لباب الاعتقادات الفاسدة على الناس يجب وصده ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع.
3 - ومن المفاسد المتحققة أيضا أنه إذا علق شيئا من القرآن ، فإنه يعرضه للامتهان فقد ينام عليه أو يدخل به مواضع قذرة أو يكون معه في حالات لا يليق أن يكون معه فيها شيء من القرآن فهذا مما ينبغي اجتنابه وتركه.

فتحصل - بالدليل وبالتعليل -:أن تعليق التمائم بكل أنواعها : لا يجوز فما كان منها من القرآن فنقول يحرم على الصحيح ولا يجوز ويجب إنكاره وما كان منها من غير القرآن فهذا نقول فيه:إنه من الشرك بالله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". والتخصيص نوع من العلم فيجب أن يكون فيه دليل خاص([26]).

أقسام التعلق بغير الله:
الأول:ما ينافي التوحيد من أصله، وهو أن يتعلق بشيء لا يمكن أن يمكن أن يكون له تأثير ويعتمد عليه اعتماداً معرضاً عن الله، مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب، ولهذا إذا مستهم الضراء الشديدة يقولون: يا فلان! أنقذنا، فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج من الملة.
الثاني:ما ينافي كمال التوحيد وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبب وهو الله - عز وجل - ، وعدم صرف قلبه إليه، فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شرك أكبر لأن هذا السبب جعله الله سبباً.
الثالث:أن يتعلق بالسبب تعلقاً مجرداً لكونه سبباً فقط مع اعتماده الأصلي على الله، فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله - عز وجل ـ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالاً ولا أصلاً، وعلى هذا لا إثم فيه.

ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله, فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقاً كاملاً، مع الغفلة عن المسبب، وهو قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد ان المرتب سبب، والمسبب هو الله - سبحانه وتعالى - وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب، فهذا لا ينافي التوكل([27]).

قوله: ( من عقد لحيته ) اللحية عند العرب كانت لا تقص ولا تحلق، كما أن ذلك هو السنة، لكنهم كانوا يعقدون لحاهم لأسباب:
أولا:الافتخار والعظمة، فتجد أحدهم يعقد أطرافها أو يعقدها من الوسط عقدة واحدة ليعلم أنه رجل عظيم، وأنه سيد في قومه.
الثاني:الخوف من العين، لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بريء منه.
الثالث:أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف نعم لا بأس أن اللحية تصلح وأنها تُنظّف وأنها تُكرم لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف.
الرابع:عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّراً وتجبّراً ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.
الخامس:المراد به عقد اللحية في الصلاة، لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة، لأنه يدل على عدم الخشوع([28]).

قوله: ( عن سعيد بن جبير قال:من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ) أي: كان كمن أعتق رقبة من الرِّق،
والمناسبة أن اعتاق العبد فيه اعتاق من الرِّق، وقطع التَمِيمَة فيه إعتاق من الشرك، لأن الشرك رِقّ للشيطان بدل الرِّق للرحمن، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول:
هربوا من الرِّق الذي خلقوا له ... فبُلُوا برق النفس والشيطان.
يعني:هم أرقاء لله، عبيد لله، لكن لما أشركوا به صاروا عبيداً للشيطان وعبيداً للنفس والهوى، فالإنسان خلق لعبادة الله، فإذا تركها صار عبداً للشيطان فهو عبد ولابد.
فالذي يزيل هذه الظاهرة الشركية عن مسلم يكون كمن أعتقه من الرِّق في الأجر والثواب.

وسعيد بن جبير _رحمه الله_ اعتبر الشرك رقًّا من أزاله فكأنما أعتق هذا العبد من هذا الرِّق الذّليل المهين، وجعله حُرًّا من عبادة المخلوق، عبداً لله سبحانه وتعالى لا يعبد غيره، فعبادة الله جل وعلا هي الحرية الصحيحة، ليست الحرية أن الإنسان يشرك ويكفر ويعتقد ما شاء، كما يقولون: الناس أحرار في اعتقادهم لا بل الناس خلقوا لعبادة الله وعبادة الله ليست من باب الذل والمهانة، وإنما هو من الإكرام ومن الرِّفعة، وهذا شرف، والله جل وعلا أكرم نبيه بالعبودية له، فقال:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فعبودية الله شرف، أما عبودية غيره فهي ذلّ ومهانة([29]).

وقوله: ( يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن ). أي:كان كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود لا يفصِّلون في التّمائم، بل كانوا يكرهونها عموماً، كما سبق أن الراجح هو:تحريم تعليق التّمائم، ولو كانت من القرآن؛ من أجل الأمور الثلاثة التي ذكرناها هناك. فقوله:يكرهون أي يحرمون، لأن الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم.

فكلام إبراهيم هذا يؤيّد ترجيح المنع مطلقاً ولأن هذا قول عبد الله بن مسعود وتلاميذه من أئمة التابعين، أن التّمائم لا تفصيل فيها، حتى ولو كانت من القرآن لا تُعلّق على الرِّقاب على شكل حُروز، أو على شكل رقاع، أو على شكل أكياس تعبّأ بالأوراق المكتوب فيها ويسمونها خطوطاً،أو عزائم، هذا لا يجوز وإن كان من القرآن، ولا تعلّق على السيارات أو الجدران لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه لم يرد دليل على جوازه ولأنه تعريض للقرآن للامتهان والابتذال- كما سبق.
وفي هذا دليل على بعد السلف عما يخدش العقيدة ([30]).

مسألة: (1)
وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفاً من العين، فهل هذا جائز؟
الظاهر أنه لا بأس به، لأنه لم يفعل شيئاً، وإنما ترك شيئاً، وهو التحسين والتجميل وقد ذكر ابن القيم في" زاد المعاد" أن عثمان رأى صبياً مليحاً، فقال دسموا نونته، والنونة: هي التي تخرج في الوجه عندما يضحك الصبي كالنقوة، ومعنى دسموا أي: سودوا.

مسألة (2)
وأما الخط:وهي أوراق من القرآن تجمع وتوضع في جلد ويخاط عليها، ويلبسها الطفل على يده أو رقبته، ففيها خلاف بين العلماء. وظاهر الحديث: أنها ممنوعة، ولا تجوز.

ومن ذلك أن بعضهم يكتب القرآن كله بحروف صغيرة في أوراق صغيرة، ويضعها في صندوق صغير، ويعلقها على الصبي، وهذا مع أنه محدث، فهو إهانة للقرآن الكريم، لأن هذا الصبي سوف يسيل عليه لعابه، وربما يتلوث بالنجاسة، ويدخل به الحمام والأماكن القذرة، وهذا كله إهانة للقرآن.

مسألة: (3)
والدبلة:خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج، قالت المرأة: إنه لا يحبها، فهم يعتقدون فيه النفع والضرر، ويقولون:إنه ما دام في يد الزوج، فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية، فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية-وهي بعيدة ألا تصحبها ففيه تشبه بالنصارى، فإنها مأخوذة منهم.

وإن كانت من الذهب، فهي بالنسبة للرجل فيها محذور ثالث، وهو لبس الذهب، فهي إما من الشرك، أو مضاهاة النصارى، أو تحريم النوع إن كانت للرجال، فإن خلت من ذلك، فهي جائزة لأنها خاتم من الخواتم([31]) .

مسألة: (4)
تنبيه:ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من الروماتيزم، يزعمون الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه روماتيزم نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح، لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم، فليس فيها مادة دهنية حتى نقول : إن الجسم يشرب هذه المادة وينتفع بها، فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالاً مباشراً بهذا الروماتيزم حتى ينتفع بها ([32]).

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أوْ لا؟
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
______________
([1]) أخرجه البخاري (3005 ) كتاب الجهاد/ باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل/ . ومسلم (2115) : كتاب اللباس/ باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير .
([2]) أخرجه أحمد (1 / 381) وأبو داود (3883) وابن ماجه (3576) وابن حبان( 7 / 630 ) والحاكم ( 4 / 217 ، 418 ) وصححه الألباني في الصحيحة (رقم 331_ج1_ص648_) القسم الثاني . وفيه قصة هذا تمامها :" كان عبد الله إذا جاء من حاجة وانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه وأنه جاء ذات يوم تنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا قال ما هذا الخيط ؟ قلت خيط أرقي لي فيه قالت فأخذه فقطعه ثم قال : إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الرقى والتمائم والتولة شرك " قالت فقلت له : لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها وكان إذا رقاها سكنت ؟ قال إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما " إطراف المُسْنِد المعتَلِي بأطراف المسنَد الحنبلي أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ) برقم (5801) .
([3]) أخرجه أحمد (4 / 310 و 311 ) والترمذي (2073) والحاكم ( 4/ 216 ) . ولفظ الترمذي : عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : دخلت على عبد الله ابن عكيم أبى معبد الجهنى أعوده وبه حمرة فقلت ألا تعلق شيئا ؟ قال : الموت أقرب من ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " من تعلق شيئا وكل إليه ". قال الترمذي:وحديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث ابن أبى ليلى. والحديث حسنه الألباني.
([4]) أخرجه أحمد (4 / 108 و109 ) .
([5]) أخرجه ابن أبي شيبة في « المصنف » (3524).
([6]) أخرجه ابن أبي شيبة في « المصنف » (3518).
([7]) القول المفيد (ج1_ص 178).
([8]) انظر التمهيد (ص110).
([9]) إعانة المستفيد (ج1_ص 145).
([10]) رواه البخاري (4439) ومسلم (2192/51) من حديث عائشة رضي الله عنها :" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث".
([11]) كما عند مسلم (2186) .
([12]) كما عند البخاري (5735) ومسلم ( 2192) .
([13]) أخرجه مسلم (2200) من حديث عوف بن مالك الأشجعي t .
([14]) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد: (ج1 _ ص187) والتمهيد ( ص 111) .
([15]) صحيح وتقدم تخريجه.
([16]) وإن اعتقد أنها تدفع بنفسها فقد أشرك شركا أكبر.
([17]) أخرجه أحمد في مسنده: (5114) وابن أبي شيبة في مصنفه: (19437) وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (6_ 98).
([18]) انظر التمهيد: (ص112_114).
([19]) انظر التمهيد: (ص115).
([20]) القول المفيد (ج1_ص179) .
([21]) ينظر إعانة المستفيد: (ج1_ص 146_147).
([22]) التمهيد (ص116_118).
([23]) القول المفيد (ج1_ص 182 _183).
([24]) إعانة المستفيد (ج1_ص 148).
([25]) فتح المجيد (ص 148) .
([26]) التمهيد (ص 119_120) .
([27]) القول المفيد (ج1_ص183 _184) .
([28]) انظر القول المفيد (ج1_ ص188), وإعانة المستفيد (ج1_ 152)
([29]) إعانة المستفيد (ج1_ ص153) .
([30]) إعانة المستفيد (ج1_ص154) .
([31]) القول المفيد (ج1_ ص180_182 ) .
([32]) القول المفيد (ج1_ص 192) .


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/41377928720.pdf)

نعمان الحسني
2013-08-31, 12:54 PM
أنار الله طريقكم بالإيمان ,
ورفع قدركم الرحمن ,
لكن أتمنى أن عليك أخيتي (الحياة أمل ) يكون لكل يوم ( باب ) وذلك ,
لضيق الأوقات , وكثرة الارتباطات ,
وجزاكم الله خير الجزاء ..

الحياة أمل
2013-09-03, 08:48 AM
[...
اللهم آمين وإيآكم
كل يومين أو ثلآثة يكون شرح لبآب جديد بإذن الله
شآكرة لكم مروركم الكريم
::/

الحياة أمل
2013-09-03, 10:06 AM
(8)
باب

من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما



وقول الله تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } [ النجم : 19 - 23 ].
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها:ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا:يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الله أكبر !! إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (الأعراف :138). قال:" إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم". رواه الترمذي وصححه ([1]).

الشرح :
هذا الباب مكمِّلٌ للأبواب التي قبله لأن الأبواب التي قبله في لبس الحلْقة والخيط ونحوهما أو تعليق الرُّقى والتّمائم وهذا فيه النهي عن التبرّك بالأشجار والأحجار فهذه الأبواب كلها مؤدّاها الاعتقاد بغير الله_سبحانه وتعالى_ أنه يضر أو ينفع وهذا شرك، لأن الذي يقدر على دفع الضر وجلب النفع هو الله_سبحانه وتعالى_وحده لا شريك له هو القادر_سبحانه وتعالى_ على ذلك لا يشاركه أحد وإن كان هناك أشياء يترتّب على استعمالها أو أكلها أو شُربها ضرر، أو يترتّب عليه نفع فهذه أسباب فقط، أما الذي يخلق ذلك فهو الله سبحانه ([2]).
قوله: (تبرك) تفعل من البركة والبركة:هي كثرة الخير وثبوته وهي مأخوذة من البركة بالكسر. والبركة مجمع الماء ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين:
1_ الكثرة.
2_ الثبوت.
والبركة:مأخوذة من حيث الاشتقاق من مادة ( بروك ) أو من كلمة ( بركة )
أما اشتقاقها من البروك:فبروك البعير يدل على ملازمته وثبوته في ذلك المكان
وأما اشتقاقها من البركة: فالبركة هي:مجتمع الماء وهي تدل على كثرة الماء في هذا الموضع، وعلى لزومه له وعلى ثبوته فيه,
فيكون معنى البركة,إذًا:كثرة الشيء الذي فيه الخير وثباته ولزومه
فالتبرك هو:طلب الخير الكثير وطلب ثباته وطلب لزومه فتبرّك يعني:طلب البركة, والتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
1_ أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم مثل: القرآن قال تعالى:{كتاب أنزلناه إليك مباركاً }. فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح فأنقذ الله بذلك أمماً كثيرة من الشرك ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
2_ أن يكون بأمر حسي معلوم مثل:التعليم والدعاء ونحو، فهذا الرجل يتبرك بعمله ودعوته إلى الخير فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيراً كثيراً ([3]).
والنصوص في القرآن والسنة دلت على أن البركة من الله - جل وعلا - وأن الله - جل وعلا - هو الذي يبارك، وأنه لا أحد من الخلق يبارك أحدا، قال سبحانه:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}(الفرقان:1). يعني:عَظُمَ خير من نزّل الفرقان على عبده وكثر، ودام وثبت. وقال:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}(الملك:1)([4]). وقال سبحانه:{ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ }(الصافات:113) وقال:{ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا }(مريم:31).
فالذي يبارك هو الله - جل وعلا - فلا يجوز للمخلوق أن يقول:باركت على الشيء أو أبارك فعلكم لأن البركة وكثرة الخير ولزومه وثباته إنما ذلك من الذي بيده الأمر وهو الله-عز وجل -,وقد دلت النصوص في الكتاب والسنة على أن الأشياء التي أحل الله -جل وعلا-البركة فيها قد تكون أمكنة أو أزمنة وقد تكون مخلوقات آدمية فهذان قسمان:
القسم الأول:أن الله تعالى بارك بعض الأماكن كبيت الله الحرام وحول بيت المقدس كما قال سبحانه:{ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ }( الإسراء:1).
ومعنى كون الأرض مباركة:أن يكون فيها الخير الكثير اللازم يعني- أبدا -أن يُتَمَسَّح بأرضها أو أن يُتَمَسَّح بحيطانها لأن بركتها لازمة لا تنتقل بالذات يعني:أنك إذا لامست الأرض أو دفنت فيها أو تبركت بها فإن بركتها لا تنتقل إليك بالذات وإنما بركتها من جهة المعنى فقط .
كذلك بيت الله الحرام هو مبارك لا من جهة ذاته يعني:ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة وإنما هو مبارك من جهة المعنى يعني:اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في هذه البنية من جهة:تعلق القلوب بها وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها وأتاها وطاف بها وتعبد عندها وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك ولكن بركته لأجل العبادة يعني أن من استلمه تعبدا مطيعا للنبي_صلى الله عليه وسلم_ في استلامه له وفي تقبيله فإنه يناله به بركة الاتباع.
وقد قال عمر رضي الله عنه لما قبّل الحجر:"إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر"([5]).
فقوله:لا تنفع ولا تضر يعني لا يجلب لمن قبله شيئا من النفع ولا يدفع عن أحد شيئا من الضر وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء تعبدا لله ولذلك قال:"ولولا أني رأيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقبلك ما قبلتك". فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة.
وأما معنى كون الزمان مباركا - مثل شهر رمضان،أو بعض أيام الله الفاضلة فيعني:أن من تعبد فيها ، ورام الخير فيها ، فإنه ينال من كثرة الثواب ما لا يناله في غيرها من الأزمنة.
والقسم الثاني:البركة المنوطة ببني آدم وهي البركة التي جعلها الله - جل وعلا - في المؤمنين من الناس وعلى رأسهم سادة المؤمنين:من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية يعني:أن أجسامهم مباركة فالله - جل وعلا - هو الذي جعل جسد آدم مباركا وجعل جسد إبراهيم عليه السلام مباركا وجعل جسد نوح مباركا وهكذا جسد عيسى وموسى عليهم جميعا الصلاة والسلام جعل أجسادهم جميعا مباركة بمعنى:أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم إما بالتمسح بها أو بأخذ عرقها أو التبرك ببعض أشعارهم فهذا جائز لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية وهكذا نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم جسده أيضا جسد مبارك ولهذا ورد في السنة أن الصحابة كانوا يتبركون بعرقه ويتبركون بشعره ([6]) وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه ([7]). إلى آخر ما ورد في ذلك ، ذلك أن أجساد الأنبياء فيها بركة ذاتية ينتقل أثرها إلى غيرهم.
وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل مَن بركتهم بركة ذاتية حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر فقد جاء بالتواتر القطعي:أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي كما كانوا يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وسلم أو بوضوئه أو بنخامته أو بعرقه أو بملابسه ونحو ذلك فعلمنا بهذا التواتر القطعي أن بركة أبي بكر وعمر إنما هي بركة عمل ليست بركة ذات تنتقل كما هي بركة النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن من الشجر لَمَا بركته كبركة المسلم"([8]).
فدل هذا:على أن في كل مسلم بركة وفي البخاري أيضا قول أسيد بن حضير:" ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر"([9]). فهذه البركة التي أضيفت لكل مسلم وأضيفت لآل أبي بكر هي:بركة عمل هذه البركة راجعة إلى الإيمان وإلى العلم والدعوة والعمل.
فكل مسلم فيه بركة وهذه البركة ليست بركة ذات وإنما هي بركة عمل وبركة ما معه من الإسلام والإيمان وما في قلبه من الإيقان والتعظيم لله - جل وعلا - والإجلال له والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم فهذه البركة التي في العلم أو العمل أو الصلاح : لا تنتقل من شخص إلى آخر.
وعليه فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم والتبرك بأهل العلم هو الأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا ولا يجوز أن يُتبرك بهم بمعنى أن يُتمسح بهم أو يُتبرك بريقهم لأن أفضل الخلق من هذه الأمة وهم الصحابة لم يفعلوا ذلك مع خير هذه الأمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهذا أمر مقطوع به ([10]).

وباب من: ( تبرك بشجر أو حجر ونحوهما ). يعني:ما حكم هذا الفعل؟
الجواب:هو مشرك يعني: باب من (تبرك بشجر أو حجر ونحوهما) فهو مشرك .
قوله: (ونحوهما) كبقعة وقبر ونحو ذلك أي: فهو مشرك.
قوله (وحجر) اسم:جنس يشمل أي حجر كان حتى الصخرة التي في بيت المقدس فلا يتبرك بها وكذا الحجر الأسود لا يتبرك به، وإنما يتعبد الله بمسحه وتقبيله اتباعاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وبذلك تحصل بركة الثواب.
ولهذا قال عمر رضي الله عنه:" إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". فتقبيله عبادة محضة خلافاً للعامة يظنون أن به بركة حسية ولذلك إذا استلمه بعض هؤلاء مسح على جميع بدنه تبركاً بذلك ([11]).

وقوله:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ ...الآية .
كانت اللات لثقيف و العزى لقريش وبني كنانة و مناة لبني هلال
وقال ابن هشام:كانت لهذيل وخزاعة.
فأما اللات فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح و رويس بتشديد التاء.
فعلى الأولى قال الأعمش:سموا اللات من الإله، و العزى من العزيز

قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تعالى، فقالوا:اللات مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا قال : وكذا العزى من العزيز.
وقال ابن كثير:اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تبعها يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.

قال ابن هشام:فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار.
وعلى الثانية قال ابن عباس:" كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره". ذكره البخاري قال ابن عباس:" كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويسلوه عليها فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق".
وعن مجاهد نحوه وقال (فلما مات عبدوه) رواه سعيد بن منصور. وكذا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس:"أنهم عبدوه". وبنحو هذا قال جماعة من أهل العلم.
قلت:لا منافاة بين القولين فإنهم عبدوا الصخرة والقبر تأليها وتعظيما ولمثل هذا بنيت المشاهد والقباب على القبور واتخذت أوثانا وفيه بيان أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الصالحين والأصنام.
وأما:العزى فقال ابن جرير :كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - بين مكة والطائف - كانت قريش يعظمونها . كما قال أبو سفيان يوم أحد:" لنا العزى ولا عزى لكم". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قولوا الله مولانا ولا مولى لكم"([12]).

وروى النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال:"لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة - وكانت بها العزى ، وكانت على ثلاث سمرات - فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:ارجع فإنك لم تصنع شيئا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة أمعنوا في الجبل وهم يقولون:يا عزى يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعمها بالسيف فقتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:تلك العزى.
قال أبو صالح:كانوا يعلقون عليها السيور والعهن رواه عبد بن حميد وابن جرير.

قلت:وكل هذا وما هو أعظم منه يقع في هذه الأزمنة عند ضرائح الأموات وفي المشاهد
وأما مناة. فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج .
وأصل اشتقاقها:من اسم الله المنان، وقيل:لكثرة ما يمنى- أي يراق- عندها من الدماء للتبرك بها.
قال البخاري-رحمه الله- في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها إنها صنم بين مكة والمدينة قال ابن هشام:" فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فهدمها عام الفتح".
فمعنى الآية كما قال القرطبي:أن فيها حذفا تقديره أفرأيتم هذه الآلهة أنفعت أو ضرت، حتى تكون شركاء لله تعالى.
يقول_الله تعالى_:للمشركين الذين يعبدون الأصنام وفي مقدمتها الأصنام الثلاثة المشهورة عند العرب:اللات والعُزَّى ومَنَاة هل تنفع هذه الأصنام أو تضر؟ فيقول:{أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى} هل نفعتكم؟ هل دفعت عنكم الضرر؟ هل جلبت لكم شيئاً من الرزق؟ فلا يستطيعون الجواب بأنها تضر أو تنفع لم تنفعهم في بدر وغيرها من الغزوات ولم تدفع عنهم ما أوقع الله بهم من الهزائم ما أجابوا عن هذا السؤال العظيم؛ فدلّ على انقطاع حجتهم.
وهكذا في كل أسئلة القرآن الكريم التي هي من باب التحدِّي والتعجيز، لم يصدر لها جواب من قبل المشركين، ولن يصدر لها جواب إلى أن تقوم الساعة ([13]).
ومطابقة الآيات للترجمة: من جهة أن عباد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة معها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركاتها وشفاعتها وغير ذلك فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار كالعزى ومناة من فعل جملة أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك فالله المستعان([14]).

قوله: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر......) الحديث.
يعني:أن إسلامهم كان جديداً متأخراً، وهو يريد بذلك بيان العذر مما وقع منهم، أنهم كانوا جُهّالاً لم يتفقّهوا كما كان الصحابة الذين مع الرسول_صلى الله عليه وسلم_ فقهاء عرفوا العقيدة ودرسوها، لكن هؤلاء أسلموا قريباً، ولم يتمكّنوا من التفقّه في العقيدة، وكانوا آلفين لأشياء من دين الجاهلية، لم يتخلّصوا منها بعد,
قال العلماء:فهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا عاش في بيئة فاسدة ثم انتقل منها؛ أنه قد يبقى في نفسه منها شيء فهذا كان في بيئة شركية وأسلم قريباً.
وهذا دليل على آفة الجهل وأن الإنسان قد يقع في الشرك بسبب الجهل وفيه الحث على تعلم العقيدة ومعرفتها والتبصّر فيها خشية أن يقع الإنسان في مثل ما وقع فيه هؤلاء فالذين ينادون اليوم بتهوين أمر العقيدة ويقولون:لماذا يدرسون العقيدة وهم مسلمون؟ يا سبحان الله المسلم هو أولى بدراسة العقيدة من أجل أن يصحِّح إسلامه، ومن أجل أن يحفظ دينه هؤلاء مسلمون ومع هذا وقعوا في هذه القضية بسبب أنهم لم يتعلموا، ففي هذا دليل على وجوب تعلم العقيدة الصحيحة، ووجوب تعلّم ما يضادها من الشرك والبدع والخرافات حتى يكون الإنسان على حذر منها وما أوقع اليوم عُبّاد الأضرحة- أو كثير منهم- في عبادة القبور إلاَّ بسبب الجهل، ويظنون أن هذه من الإسلام، فهذه مصيبة عظيمة ([15]).

قوله: ( قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)
شبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.
ففيه الخوف من الشرك ([16]) وأن الإنسان قد يستحسن شيئا يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يبعده من رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعباد مع أرباب القبور من الغلو فيها وصرف جل العبادة لها، ويحسبون أنهم على شيء وهو الذنب الذي لا يغفره الله.

قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بابن أبي شامة في كتاب البدع والحوادث:"ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم لفرائض الله تعالى وسننه ويظنون أنهم متقربون بذلك ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهي من عيون وشجر وحائط وحجر...".
وفي هذه الجملة من الفوائد:أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك ولا يغتر بالعوام والطغام ولا يستبعد كون الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة.
فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنا،وطلبوه من النبي_صلى الله عليه وسلم_ حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} فكيف لا يخفى على من دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟! بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربويية فأكبروا فعله واتخذوه قربة ([17]) .

قوله ( قال إنكم قوم تجهلون......) الخ
أي:السبب الذي أوقعكم في هذا هو الجهل بالتّوحيد، وهذا- كما ذكرنا- يُوجب على المسلمين أن يتعلموا العقيدة ولا يكتفوا بقولهم:نحن مسلمون نحن في بلاد إسلام نحن في بيئة إسلامية، كما يقوله الجهال أو الذين يُثَبِّطون عن تعلّم العقيدة.
ففيه آفة الجهل وان الجهل قد يوقع في الكفر بالله عزّ وجلّ وهذه خطورة عظيمة ولا يُنجّي من هذا الجهل إلاَّ تعلّم العقيدة الصحيحة،والتأكُّد منها وتدريسها وتكرارها على الناس وتعليمها للناس ونشرها بكل وسيلة في المساجد وفي المدارس وفي وسائل الإعلام وفي المجالس وفي البيوت"([18]).

فيه مسائل:
الأولى:تفسير آية النجم.
الثانية:معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة:كونهم لم يفعلوا.
الرابعة:كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه.
الخامسة:أنهم جهلوا هذا ؛ فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة:أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة:أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم بل رد عليهم بقوله:« الله أكبر إنها السنن لتتبعن سَنَن من كان قبلكم » فغلّظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة:الأمر الكبير - وهو المقصود - :أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا}.
التاسعة:أن نفي هذا من معنى: ( لا إله إلا الله ) مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة:أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة:أن الشرك فيه أكبر وأصغر ، لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة:قولهم ( ونحن حدثاء عهد بكفر ) فيه:أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة:التكبير عند التعجب خلافا لمن كرهه.
الرابعة عشرة:سد الذرائع.
الخامسة عشرة:النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة:الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة:القاعدة الكلية لقوله: « إنها السنن ».
الثامنة عشرة:أن هذا عَلَم من أعلام النبوة ، لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة : أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون:أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر فصار فيه التنبيه على مسائل القبر أما من ربك ؟ فواضح وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب وأما ما دينك؟ فمن قولهم: (اجعل لنا) إلى آخره.
الحادية والعشرون:أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون:أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤْمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة ، لقولهم:ونحن حدثاء عهد بكفر.
-------------
([1]) أخرجه أحمد (21897) والنسائي في الكبرى (11185) و الترمذي : (2181) وقال : حديث حسن صحيح . وصححه الألباني .
([2]) " إعانة المستفيد " (ج 1_ ص 155) .
([3]) " القول المفيد " (ج1_ ص194) .
([4]) انظر لسان العرب : ( ج10_ ص397) و التمهيد: (ص126) .
([5]) أخرجه البخاري ( 1597 ) و(1605) و( 1610 ) ومسلم (1270) .
([6]) أخرجه مسلم ( 1305 ) والبخاري (170) و(171) .
([7]) أخرجه البخاري ( 2731 ) و( 2732 ) .
([8]) أخرجه البخاري رقم: (5444) .
([9]) أخرجه البخاري (334) و(336) و(3672) و(3773) و(4583) و(4607) و(4608) و(5164) و(5250) و(5882) و(6844) و(6845) وقوله : ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر . إنما هو قول أسيد بن حضير وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم .
([10]) انظر التمهيد: (ص127) .
([11]) القول المفيد: ( ج1_ ص 196) .
([12]) رواه أحمد ( 4/293), ورواه البخاري في مواضع من صحيحه ( 3039_3986_4043_4067_4561) .
([13]) إعانة المستفيد: ( ج1_ ص 156).
([14]) انظر فتح المجيد (ص155_ص 158) وانظر القول المفيد: (ج1_ص 200).
([15]) إعانة المستفيد: ( ج1_ ص 159 ).
([16]) ولهذا جاء المؤلف بباب ( الخوف من الشرك ) وهو الباب الثالث.
([17]) انظر فتح المجيد ( ص 160).
([18]) انظر إعانة المستفيد: ( ج1_ ص161 ).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/01378188331.pdf)

الحياة أمل
2013-09-05, 12:47 PM
(9)
باب
ما جاء في الذبح لغير الله

وقول الله تعالى:{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }( الأنعام:162)
وقال تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (الكوثر:2)

وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ بأربع كلمات:" لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه،لعن الله من آوى محدثا،لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم ([1]).

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال:"دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب قالوا:وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال:مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا،فقالوا لأحدهما قرّب،قال:ليس عندي شيء أقرّب،قالوا له:قرّب ولو ذبابا ،فقرّب ذبابا،فخلوا سبيله فدخل النار،وقالوا للآخر: قرّب، فقال:ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله- عز وجل- فضربوا عنقه فدخل الجنة" رواه أحمد([2]).

الشرح :

هذا الباب كالأبواب التي قبله في بيان أنواع من الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، من عهد الجاهلية، ولا تزال مستمرَّة، وذلك من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، ولله الحكمة سبحانه وتعالى في بقاء هذا الشرك والكفر؛ من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، والموحِّد من المشرك، والمهتدي من الضال:{لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}، ولكن لو هداهم جميعاً لم تكن هناك مِيزَة لأحد على أحد، ولكن اقْتَضَتْ حكمته سبحانه أن يُجري الامتحان من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب([3]).

قوله (ما جاء في الذبح ......) أي: من الوعيد وأنه شرك وصاحبه ملعون.
قوله: ( لغير الله ) :اللام للتعليل، والقصد:أي قاصداً بذبحه غير الله،

والذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:
· أن يذبح لغير الله تقرباً وتعظيماً، فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.
· أن يذبح لغير الله فرحاً وإكراماً، فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحياناً وغير مطلوبة أحياناً، فالأصل أنها مباحة.
ومراد المؤلف هنا القسم الأول

والذبح:هو إراقة الدم تعبدا لله. وبكسر الدال:هو ما يذبح ([4]).
والذبح يقع على أربعة جهات:
* أن يذبح باسم الله لله ، فهذا هو التوحيد.
* أن يذبح باسم الله لغير الله ، وهذا شرك في العبادة.
* أن يذبح باسم غير الله لغير الله ، وهذا شرك في الاستعانة ، وشرك في العبادة أيضا.
*أن يذبح بغير اسم الله ويجعل الذبيحة لله ، فهذا شرك في الربوبية ([5]).

قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} ظاهره:أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا. وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح أو نحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أذكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: بسم الله.

فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى؛ فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال.
لكن يجتمع في الذبيحة مانعان:
الأول: أنه مما أهل به لغير الله.
والثاني: أنها ذبيحة مرتد.
ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي_صلى الله عليه وسلم_:" أنه نهى عن ذبائح الجن"([6]).

قال الزمخشري:"كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك".

وذكر إبراهيم المروزي: أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه; لأنه مما أهل به لغير الله ([7]).

قوله: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ...الخ ).
مناسبة الآية للترجمة: أن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات؛ فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له دون كل ما سواه، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة، فقد جعلوا لله شريكا في عبادته، ظاهر في قوله:{لا شَرِيكَ لَهُ} نفى أن يكون الله تعالى شريك في هذه العبادات، وهو بحمد الله واضح .

وقَرْن النُّسُك بالصلاة يدلّ على أنه عبادة عظيمة، لا يجوز صرفها لغير الله، والنسك قد تساهل فيه كثير من الناس فصاروا يذبحون للجن طاعة للمُشَعْوِذِين من أجل العلاج بزعمهم.

قال ابن كثير: "يأمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له: بأنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى.

قال مجاهد: النسك الذبح في الحج والعمرة.

وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير: ونسكي ذبحي, وكذا قال الضحاك" ([8]).

قوله (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)
قال شيخ الإسلام رحمه _الله تعالى_:" أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ وَهُمَا الصَّلَاةُ وَالنُّسُكُ الدَّالَّتَانِ عَلَى الْقُرْبِ وَالتَّوَاضُعِ وَالِافْتِقَارِ وَحُسْنِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى عُدَّتِهِ وَأَمْرِهِ وَفَضْلِهِ وَخُلْفِهِ عَكْسُ حَالِ أَهْلِ الْكِبْرِ وَالنُّفْرَةِ وَأَهْلِ الْغِنَى عَنْ اللَّهِ الَّذِينَ لَا حَاجَةَ فِي صَلَاتِهِمْ إلَى رَبِّهِمْ يَسْأَلُونَهُ إيَّاهَا وَاَلَّذِينَ لَا يَنْحَرُونَ لَهُ خَوْفًا مِنْ الْفَقْرِ وَتَرْكًا لِإِعَانَةِ الْفُقَرَاءِ وَإِعْطَائِهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا. فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَالنُّسُكُ هِيَ الذَّبِيحَةُ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ.

وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الصَّلَاةَ وَالنُّسُك هُمَا أَجَلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ أَتَى فِيهِمَا بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالنَّحْرُ سَبَبٌ لِلْقِيَامِ بِشُكْرِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ مِنْ الْكَوْثَرِ وَالْخَيْرِ الْكَثِيرِ فَشُكْرُ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ وَعِبَادَتُهُ أَعْظَمُهَا هَاتَانِ الْعِبَادَتَانِ بَلْ الصَّلَاةُ نِهَايَةُ الْعِبَادَاتِ وَغَايَةُ الْغَايَاتِ.كَأَنَّهُ يَقُولُ: {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} الْخَيْرَ الْكَثِيرَ وَأَنْعَمْنَا عَلَيْك بِذَلِكَ لِأَجْلِ قِيَامِك لَنَا بِهَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ شُكْرًا لِإِنْعَامِنَا عَلَيْك وَهُمَا السَّبَبُ لِإِنْعَامِنَا عَلَيْك بِذَلِكَ فَقُمْ لَنَا بِهِمَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَالنَّحْرَ مَحْفُوفَانِ بِإِنْعَامِ قَبْلِهِمَا وَإِنْعَامٍ بَعْدِهِمَا.

وَأَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ النَّحْرُ وَأَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الصَّلَاةُ وَمَا يَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجْتَمِعُ لَهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَمَا عَرَفَهُ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ الْحَيَّةِ وَأَصْحَابُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَمَا يَجْتَمِعُ لَهُ فِي نَحْرِهِ مِنْ إيثَارِ اللَّهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ وَالْوُثُوقِ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَمْرٌ عَجِيبٌ إذَا قَارَنَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ وَقَدْ امْتَثَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَ رَبِّهِ فَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ لِرَبِّهِ كَثِيرَ النَّحْرِ حَتَّى نَحَرَ بِيَدِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَكَانَ يَنْحَرُ فِي الْأَعْيَادِ وَغَيْرِهَا" ([9]).

قوله: (لعن الله من ذبح لغير الله ، لعن الله من لعن والديه....)الحديث.
عن أبي طفيل قال: قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ فقال: ما أسر إلي شيئا كتمه الناس; ولكن سمعته يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير تخوم الأرض، يعنى المنار"([10]).

اللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله جل وعلا ([11]).
وهذا اللعن على سبيل العموم وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان:
أحدهما: أنه جائز. اختاره ابن الجوزي وغيره.
والثاني: لا يجوز. اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام.

قال النووي رحمه _الله تعالى_ :"واتفق العلماء على تحريم اللعن فانه فى اللغة الإبعاد والطرد وفى الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله تعالى من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية فلهذا قالوا لا يجوز لعن أحد بعينه مسلما كان أو كافرا أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين ولعن من غير منار الأرض ومن تولى غير مواليه ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله اعلم" ([12]).

والمسلم لا يجوز أن يكون لعّاناً، ولا سبّاباً، ولا بذيئاً، المسلم يجب أن يكون مؤدباً، ويتكلم بالكلام الطيّب:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، هكذا ينبغي للمسلم أنه يحفظ لسانه عن القول البذيء، ولاسيّما إذا كان هذا القول من أقبح الكلام كاللعن والسبّ والشتم، حتى البهائم والدواب والدُّور والمساكن لا يجوز لعنها، فقد لعنت امرأة ناقة لها وهي تسير مع النبي _صلى الله عليه وسلم_، فأمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأخذ ما على الناقة وتركها تمشي، لا يتعرّض لها أحد، من باب التأديب والتعزير فلا يجوز لعن الآدميين، ولا لعن الدواب، ولا لعن المساكن، أو السيارات، أو غير ذلك.

فالحاصل: أن قوله سبحانه:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} وقوله:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وقول الرسول :"لعن الله من ذبح لغير الله". يشمل كل هذه الأمور:
1- ما ذُبح للأصنام تقرّباً إليها.
2- ما ذُبح للحم وذكر عليه اسم غير الله سبحانه وتعالى.
3- ما ذُبح تعظيماً لمخلوق وتحيّة له عند نزوله ووصوله إلى المكان الذي تستقبل فيه.
4- ما ذُبح عند انحباس المطر في مكان معين أو عند قبر لأجل نزول المطر.
5- ما يُذبح عند نزول البيوت خوفاً من الجن أن تصيبه،
كل هذا يدخل في الذبح لغير الله، ويكون شركاً بالله سبحانه وتعالى([13]).

قوله: (وعن طارق بن شهاب أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال:" دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب .....الحديث ).
فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرِّبه اعتذر بالعدم، ولم يقل:إن الذبح لغير الله لا يجوز، أو هذا منكر- والعياذ بالله-، وهذا يدلّ على أنه لو كان عنده شيء لقربه. قالوا له: قرِّب ولو ذباباً فقرب ذباباً، يعني: اذبحه للصنم، فقرِّب ذباباً فخلوا سبيله سمحوا له بالمرور، فدخل النار بسبب الشرك، وأنه ذبح لغير الله، والعبرة بالنيّة والقصد لا بالمذبوح. والقصد أنه ما استنكر هذا الشيء، ولا تمنع منه، وإنما اعتذر بعدم وجود شيء فلذلك دخل النار- والعياذ بالله.

وقالوا للآخر: قرِّب ؟ فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئاً دون الله عزّ وجلّ. امتنع وأنكر الشرك، فضربوا عنقه يعني: قتلوه، فدخل الجنة, بسبب التّوحيد, فهذا الحديث حديث عظيم، فيه مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: هذا الحديث فيه جواز الإخبار عن الأمم السابقة، والتحدّث عنها بما ثبت لأجل العظة والعبرة.
المسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم الذبح لغير الله، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، لأن هذا الرجل الذي ذبح الذباب دخل النار، وحتى لو كان المذبوح شيئاً تافهاً، والرجل الثاني عظّم الشرك، وتجنبه ولو كان شيئاً حقيراً، فدخل الجنة.
المسألة الثالثة: كما قال الشيخ رحمه الله في مسائله: أن المدار على أعمال القلوب، وإن كان الشيء الظاهر تافهاً، لكن المدار على عمل القلب.
المسألة الرابعة: فيه دليل- كما قال الشيخ _رحمه الله- على قُرب الجنة والنار من الإنسان، كما قال_ صلى الله عليه وسلم_ :"الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك". هذا ضربوا عنقه فدخل الجنة، وذاك خلو سبيله فدخل النار.
المسألة الخامسة: أن هذا الرجل الذي ذبح الذباب كان مؤمناً، فدخل النار بذبحه الذباب، لأنه لو كان كافراً لدخل النار بكفره، لا بذبح الذباب، فدلّ على أنه كان مؤمناً، وهذه مسألة خطيرة جدًّا، فأين الذين يذبحون للقبور وللجن،وللشياطين،وللعفاريت، وللسحرة؟،
فدلّ على أن الشرك الأكبر يخرج من الملة ولو كان شيئاً يسيراً، فأمور التّوحيد وأمور العقيدة لا يُتسامح فيها([14]).

فيه مسائل:

الأولى: تفسير {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162]
الثانية: تفسير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر: 2]
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تعلن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر!
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم،لأنه لو كان كافرا لم يقل:"دخل النار في ذباب ".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح:«الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك».
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان.
-------------
([1]) أخرجه مسلم (1978) .
([2]) أخرجه أحمد في الزهد (ص15) وأخرجه أبو نعيم في الحلية: (1 / 203 ) والبيهقي في شعب الإيمان ( 5/485 رقم 7343). موقوفا على سلمان الفارسي رضي الله عنه بسند صحيح. وأورده ابن القيم مرفوعاً في الجواب الكافي: (ص52) والصحيح الوقف وقال بعض أهل العلم ليس له حكم الرفع لأن في متنه نكارة .
([3]) انظر إعانة المستفيد (ص164).
([4]) ينظر مختار الصحاح (ص92).
([5]) انظر التمهيد لزاماً: (ص140), والقول المفيد على كتاب التوحيد (ج 1_ص214).
([6]) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (2/302) من حديث أبي هريرة وقال: فيه عبد الله بن أذينة وذكره الذهبي في الميزان (2/391) معزوا لابن حبان وأخرجه البيهقي في السنن (9/314) مرسلا. وضعفه الشوكاني في الفوائد المجموعة والألباني في الروضة الندية.
([7]) انظر فتح المجيد: ( 167) ,والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ( ص141).
([8]) انظر فتح المجيد (ص166).
([9]) مجموع الفتاوى : (ج16_ص531) وانظر فتح المجيد (ص167).
([10]) رواه الإمام أحمد: (1/108) والإمام مسلم .
([11]) انظر مختار الصحاح: ( ص250).
([12]) المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج : (ج2_ص67) وانظر فتح المجيد (171).
([13]) انظر إعانة المستفيد: (ص169).
([14]) انظر إعانة المسفيد (ص172).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/11378370777.pdf)

الحياة أمل
2013-09-09, 11:06 AM
(10)
باب
لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله

وقوله تعالى :{ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } (التوبة:108) .

وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال:" نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة فسأل النبي _صلى الله عليه وسلم_ فقال:" هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا:لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا :لا قال:" أوف بنذرك فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ". رواه أبو داود([1]) وإسناده على شرطهما.

الشرح :
هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون، ففي الباب السابق ذكر الذبح لغير الله، فنفس الفعل لغير الله, وفي هذا الباب ذكر الذبح لله، ولكنه في مكان يذبح فيه لغيره، كمن يريد أن يضحي لله في مكان يذبح فيه للأصنام، فلا يجوز أن تذبح فيه، لأنه موافقة للمشركين في ظاهر الحال، وربما أدخل الشيطان في قلبك نية سيئة، فتعتقد أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذا خطر. وهذا الباب تابعٌ للباب الذي قبله؛ لأن الباب الذي قبله: ( ما جاء في الذبح لغير الله ). يعني: أنه محرَّمٌ وأنه شرك، وهذا الباب فيه سدُّ الذريعة المُفْضية إلى الذبح لغير الله ([2]).

وقوله ( لا يذبحُ لله في مكان يذبح فيه لغير الله ). لأن الذبح في هذا المكان وإن كان لله عزّ وجلّ، فإنه وسيلة إلى الشرك، وكذلك في الذبح في هذا المكان تعظيم له ومشابهة للمشركين، وقد نهى النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن الوسائل المُفْضية إلى الشرك، مثل: نهيه عن الصلاة إلى القُبور وإنْ كان المصلي لا يصلي إلاَّ لله عزّ وجلّ، ونهي عن الدعاء عند القُبور وإن كان الداعي لا يدعو إلاَّ الله وحده، لكن هذا المكان لا يصلُح التعبد لله فيه، لأنه وسيلةٌ إلى الشرك ([3]).

وجه المناسبة من الآية:
أنه لما كان مسجد الضرار مما اتخذ للمعاصي ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، نهى الله ورسوله أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله، فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية، فلا تقام فيه الصلاة. وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراماً، لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار.

وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس، فهذا باعتبار الزمن والوقت والحديث الذي ذكره المؤلف باعتبار المكان.

وقول الله تعالى:{لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً}
قال المفسرون: إن الله تعالى نهى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار، والأمة تبع له في ذلك، ثم إنه تعالى حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله _صلى الله عليه وسلم_ وجمعا لكلمة المؤمنين، ومعقلا ومنزلا للإسلام وأهله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:" صلاة في مسجد قباء كعمرة ". وفي الصحيح:" أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان يزور قباء راكبا وماشيا ".
وقد صرح أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء جماعة من السلف، منهم ابن عباس، وعروة; وعطية، والشعبي، والحسن وغيرهم.

قلت: ويؤيده قوله في الآية:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} وقيل: هو مسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؛ لحديث أبي سعيد قال:" تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال الآخر: هو مسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: هو مسجدي هذا " رواه مسلم ، وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وغيرهم.

قال ابن كثير: وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية والحديث؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بطريق أولى، وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. فلهذه الأمور نهى الله نبيه عن القيام فيه للصلاة. وكان الذين بنوه جاءوا إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ قبل خروجه إلى غزوة تبوك فسألوه أن يصلي فيه، وأنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فقال: " إنا على سفر; ولكن إذا رجعنا - إن شاء الله - فلما قفل - عليه السلام - راجعا إلى المدينة; ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعضه نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل قدومه إلى المدينة ([4]).

قال العلامة صالح الفوزان _حفظه الله تعالى_: ففي هذه الآيات: أن النّيات تؤثِّر في الأمْكنة والمباني، النيّات الخبيثة تؤثر في الأمكنة والبِقاع خبثاً، والنيّات الصالحة تؤثِّر فيها بركة وخيراً. ففيها: الحث على إصلاح المقاصد.
وفيها: دليلٌ على أن الاعتبار بالمقاصد لا بالمظاهر؛ هؤلاء بنوا مسجداً في الظاهر، ولكن ليس مقصودهم المسجد، فدلّ على أن ما كل من أظهر الصلاح يُقبَل منه حتى تُعرف حقيقته
وفيه: التنبيه على خِداع المخادِعين، وأن يكون المؤمنون على حذر دائماً من المشبوهين ومن تضليلهم، وأنهم قد يتظاهرون بالصلاح، ويتظاهرون بالمشاريع الخيرية، ولكن ما دامت سوابقهم وما دامت، تصرُّفاتهم تشهد بكذبهم فإنه لا يُقبل منهم، ولا ننخدع بالمظاهر دون نظر إلى المقاصد وإلى ما يترتب -ولو على المدى البعيد- على هذه المظاهر.
ففيه: تنبيه المسلمين إلى الحذر في كل زمان ومكان من تضليل المشبوهين، وأن كل من تظاهر بالخير والصلاح والمشاريع الخيرية لا يكون صالحاً، إلاَّ من لم يكن له سوابق في الإجرام، ولم يُعرف عنه إلاَّ الخير؛ فهذا يُقبل منه، لكن من كان معروفاً بالسوابِق السيِّئة والمكائد الخبيثة، أو يظهر عليه أو على فلتات لسانه أو على كَلامه شيء؛ فإننا نأخذ الحذر منه ولا ننخدع، لأنّ الله جل وعلا نهى رسوله أن يصليَ في مكان أُعِدَّ للمعصية، فدلّ هذا على أنه لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، كما لا يصلى لله في مكان أُعِدَّ للمعصية والكفر، كذلك لا يُذبح لله في مكان أُعِدَ للمعصية. وقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} هو مسجد قباء لصلاح نية أهله رضي الله عنهم ([5]).

وقال العلامة السعدي رحمه _ الله تعالى _: وفي هذه الآيات فوائد عدة:
· منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه.
· ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
· ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها. كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن الله علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله.
· ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها.
· ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد: ( قباء ) حتى قال الله فيه:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}. ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان _صلى الله عليه وسلم_ يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه.
· ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي:
1_ كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية لله، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى الله ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.
2_ ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.
3_ ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له من باب أولى وأحرى.
4_ ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم. والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين ([6]).

قوله (وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة...)الحديث.
النذر في اللغة هو: الالتزام- يقال: نذر كذا إذا التزمه، ونذر دم فلان بمعنى أنه التزم أن يقتله.
وأما في الشرع: فالنذر معناه: إلزام المكلَّف نفسه طاعة لله لم تجب عليه بأصل الشرع من صلاة وصيام وحجٍّ وعمرة وصدقة وغير ذلك,
والنذر -في الأصل- غير مشروع، ولا يُستحب للإنسان أنه ينذر لنهيه _صلى الله عليه وسلم_ عن النذر وقال:" إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل". وفي رواية: "لا تنذروا- بالنهي- ".
فإن النذر لا يأتي بخير، فما دام الإنسان على السَّعَة فإنه لا ينبغي له أن ينذر ليكون في سَعة، إنْ أراد أن يتعبّد ويأتي بالطاعة أتى بها، وإلاّ فليست لازمة له، ولكنه إذا نذر ورَّط نفسه، ووجب عليه الوفاء بالنذر، قال تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}، وقال تعالى:{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}، قال تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ}، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

قوله: ( أن ينحر إبلاً )
النحر معناه: ذبح الإبل في النحر -وهو اللَّبَّة-، يقال: نحر البعير، وذبح الشاة والبقرة. فالنحر خاصٌّ بالإبل، وأما الذبح فيكون لغير الإبل.

قوله: ( ببُوانة )
(بُوانة) اسم موضع بين مكة والمدينة، قيل:إنه قريبٌ من مكة عند (السعديّة) التي هي (يَلَمْلَم) ميقات أهل اليمن، وقيل إنه قريبٌ من المدينة عند (ينبع). فالحاصل؛ أنه اسم موضع بين مكة والمدينة.

قوله: (فسَأل النبي صلى الله عليه وسلم)
فيه دليل: على الرجوع إلى أهل العلم، وأن الإنسان لا يقدِم على شيء من العبادات حتى يعرف هل هو مشروع أو غير مشروع؟

قوله: ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وَثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟.... ),
يعني: هل كان في هذا المكان - ببُوانة- وثن من أوثان الجاهلية يُعبد، يعني: وأُزيل الآن.
والوثن: كل ما عُبد من دون الله من حجر ومن شجر أو صورة أو قبر، أما الصنم فهو خاصٌّ بما كان على صورة, فهذا فيه: دليلٌ على أنّ الصنم ولو زال وأن الوثن ولو زال من المكان أنّ هذا المكان يُترك ولا يُذبح فيه، لأنه قال: ( هل كان فيها؟ ) ، يعني: في الزمان الماضي؛ فدلّ على أنّ مكان الوثن يجب أن يُهجَر قال تعالى:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} الرجز الأصنام وهجرها: تركها وترك المكان الذي كانت فيه.
وفيه التثبت في الفتوى؛ لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ تثبّت قبل الفتوى؛ وبعض الناس يتسرّع في الفتوى مباشرة قبل أن يكمِّل السائل السؤال أو قبل أن يعرف مقصده.
فهذا الحديث يدلُّ على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: أنّ الذبح عبادة لا تجوز لغير الله.
المسألة الثانية: فيه مشروعية الرجوع إلى أهل العلم وسؤال أهل العلم؛ لأن هذا الرجل لم يُقدِم على تنفيذ النذر إلاَّ بعد أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثالثة: في الحديث دليل على مشروعية تثبُّت المفتي من حال السائل، ومقاصده قبل إصدار الفتوى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تثبّت قبل الفتوى؛ وبعض الناس يتسرّع في الفتوى مباشرة قبل أن يكمِّل السائل السؤال أو قبل أن يعرف مقصده.
المسألة الرابعة: وهي الشاهد للباب: أنه لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله عزّ وجلّ، لأن هذا من وسائل الشرك.
المسألة الخامسة: فيه: خطورة الذبح لغير الله؛ لأنه إذا كان لا يُذبح لله في المكان الذي يُذبح فيه لغير الله فكيف بالذبح لغير الله؟.
المسألة السادسة: فيه: وُجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة.
المسألة السابعة: فيه: أنّ النذر إذا كان نذر معصية أو أنه لا يجوز الوفاء به أو في شيء لا يملكه الناذر فإنه لا يلزمه؛ وإنما اختلف العلماء: هل عليه كفّارة يمين أو لا؟، على قولين أرجحهما ليس عليه شيء.
المسألة الثامنة: في الحديث: دليلٌ على تحريم نذر المعصية، كمن نذر أن يقتل فلاناً- أو نذر الذبح لغير الله، أو نذر الذبح في مكان يُذبح فيه لغير الله، وفيه: دليل على تحريم الوفاء بنذر المعصية ([7]).

ويستفاد من الحديث: أنه لا يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، وهو ما ساقه المؤلف من أجله، والحكمة من ذلك ما يلي:
الأول: أنه يؤدي إلى التشبه بالكفار.
الثاني: أنه يؤدي إلى الاغترار بهذا الفعل، لأن من رآك تذبح بمكان يذبح فيه المشركون ظن أن فعل المشركين جائز.
الثالث: أن هؤلاء المشركين سوف يقوون على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم، ولا شك أن تقوية المشركين من الأمور المحظورة، وإغاظتهم من الأعمال الصالحة، قال الله تعالى:{وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}([8]).

فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108]
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة؛ ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به؛ إذا خلا من الموانع.
السادسة: المنع منه؛ إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
______________
([1]) كتاب الأيمان والنذور _باب_ ما يؤمن به من الوفاء بالنذر رقم : (3313). وصححه ابن حجر في التلخيص :(4_180). والألباني في المشكاة رقم (3437).
([2]) انظر القول المفيد (ج1_ص232) وإعانة المستفيد (ص174).
([3]) إعانة المستفيد : (ص174).
([4]) انظر فتح المجيد (176).
([5]) انظر اعانة المستفيد (ص176).
([6]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص352).
([7]) انظر إعانة المستفيد (ص179).
([8]) انظر القول المفيد (ج1_ص240).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/71378710333.pdf)

الحياة أمل
2013-09-18, 10:58 AM
(11)
باب
باب من الشرك النذر لغير الله تعالى


وقول الله تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 7].
وقوله:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة:270].

وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"([1]).

الشرح :

هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله لأنه هناك تكلم عن النذر تبعاً وهنا أفرد له باباً مستقلاً ( من الشرك النذر لغير الله ) أي: لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فيكون النذر لغير الله تعالى شركا في العبادة, لذلك أورد المصنف قوله تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}, فالآية دلت على وجوب الوفاء بالنذر ومدح من فعل ذلك طاعة لله ووفاء بما تقرب به إليه,
وجه الاستدلال به على كون النذر عبادة ظاهر، وهو أن الله -جل وعلا- مدح الموفين بالنذر، ومدحه للموفين بالنذر يقتضي أن الوفاء بالنذر محبوب له -جل وعلا- وأنه مشروع، وما كان كذلك فهو من أنواع العبادات، فيكون صرفه لغير الله -جل وعلا- شركاً أكبر.
وهذا النذر لغير الله لا ينعقد إطلاقاً، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كالحلف بغير الله فلا ينعقد وليس فيه كفارة. وإذا ثبت كونه عبادة، فصرفه إلى غير الله شرك، وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك.

وأما نذر المعصية، فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين، كالحلف بالله على المحرم ينعقد، وفيه كفارة. وإذا كان كذلك فهو من أنواع العبادة،
لأن العبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية: أسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة،
فكل أنواع الطاعات التي أمر الله بها، أو أمر بها رسوله _صلى الله عليه وسلم_ ومنها الوفاء بالنذر عبادة، فمن صرف شيئاً من هذه الأنواع لغير الله صار مشركاً الشرك الأكبر الذي يُخرجه من المَلَّة ([2]).

وقوله تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ}.
قوله:{فإن الله يعلمه}. تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء، إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازى الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.

قال ابن كثير رحمه_ الله تعالى_:" يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين ابتغاء وجهه".
إذا علمت ذلك، فهذه النذور الواقعة من عباد القبور، تقربا بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم وليشفعوا لهم، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب, كما قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}([3]).

حصول المقصود لا يدل على جواز النذر لغير الله:
وقد يفعلون هذا ويحصل لهم مقصودهم ابتلاءً وامتحاناً من الله سبحانه وتعالى، أو أن هذا يصادف قضاءً وقدراً فيحصل، ويظنوا أنه بسبب النذر لهذا الميت أو لهذا القبر أو هذا الوليّ- بزعمهم- وحصول المقصود لا يدل على جواز الفعل، فيجب أن يُتنبّه لهذه الشبهة، لأنهم أهلكوا بها كثيراً من الناس، يقولون: القبر الفلاني مجرَّب، إذا فعل الإنسان عنده نذراً أو ذبح ذبيحة يحصل له مقصوده، فبذلك انصرفت قلوب كثير من العوام والجُهَّال، أو حتى بعض من العلماء غير المحقِّقين إلى فعل هذا، والنبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"([4]).
فالخطر شديد من هذه الأمور، لأنها كثُرت في الأمة، بسبب وجود هذه الأوثان التي يسمونها الأضرحة.

والنذر في اللغة: التزام فعل الشيء, وفي الشرع: التزام مكلّف فعل طاعة لم تجب عليه بأصل الشرع.
وهذا منهيٌّ عنه؛ لما فيه من إحراج الإنسان لنفسه، وتحميلها شيئاً قد يشق عليها، وكان قبل أن ينذر في سعة من أمره؛ إن شاء فعل هذه الطاعة المستحبة، وإن شاء لم يفعلها، فلمَّا نذر فِعْلها لزمَتْه([5]).

تنويع الأدلة يزيدها قوة ويقطع الخصم:
في أول الكتاب أستدل الشيخ بالأدلة العامة على وجوب توحيد الباري وعلى حرمة الشرك ويدخل في ذلك النذر وهنا جاء بأدلة خاصة على أن صرف النذر لغير الله تعالى شرك في العبادة.

ولهذا قال الشيخ -رحمه الله- هنا: ( باب من الشرك النذر لغير الله ). واستدل على ذلك بخصوص أدلة وردت في النذر.
وأما الآيات التي قدّمها في أول الكتاب، كقوله جلا وعلا:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]
وكقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]
وقوله:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}[النساء:36]
وكقوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} [الأنعام: 15]
فهذه أدلة تصلح لأن تستدل بها على أن صرف النذر لغير الله شرك؛ فتقول: النذر لغير الله عبادة، والله -جل وعلا- نهى أن تصرف العبادة لغيره، وأن من صرف العبادة لغير الله فهو مشرك،
فتقول: النذر عبادة؛ لأنه داخل في حد العبادة؛ لأن الله -جل وعلا- يرضاه، ومدح الموفين به.

فالدليل الخاص -إذاً- هو أن تستدل بخصوص ما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على النذر؛ ولهذا أورد الشيخ -هنا- الدليل التفصيلي، وفي أول الكتاب أتى بالأدلة العامة على كل مسائل العبادة، وهذا من الفقه الدقيق في التصنيف.
ومن الفقه في الأدلة الشرعية: أن المستدل على مسائل التوحيد، ينبغي له أن يراعي التنويع؛ لأن تنويع الاستدلال، وإيراد الأدلة من عدة وجوه، من شأنه أن يضعف حجة الخصوم الذين يدعون الناس لعبادة غير الله، وللشرك به -جل وعلا- فإذا أوردت على الخصم مرة دليلاً خاصاً، وتارة دليلاً عاماً، ونوعت في ذلك، فإن هذا مما يضيق به المخاصم، ويقطع حجته، أما إذا لم تورد إلا دليلاً واحداً فربما أوله لك، أو ناقشك فيه، فيحصل عند المستدل ضعف عند المواجهة، أما إذا انتبه لمقاصد أهل العلم، وحفظ الأدلة فإنه يقوى على مجادلة الخصوم، والله -جل وعلا- وعد عباده بالنصر كما في قوله:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر:51].

فما يفعله عُبّاد القبور، والمتصوّفة، والمخرِّفون، من هذه النذور التي تقدّم للقبور، أو تقدّم للجن والشياطين، أو حتى للأولياء والصالحين، أنها عبادة لغير الله عزّ وجلّ، وشرك بالله عزّ وجلّ، فلا يجوز عملها، ويجب المنع منها، والتحذير منها، وأن هذه النذور باطلة، لا يجوز له الوفاء بها، فإن وَفَى بها ونفّذها صار مشركاً بالله الشرك الأكبر، فيجب عليه أن يتوب وأن يدخل في الإسلام من جديد. فهذا في النذر الواحد، فكيف بالذي أفنى عمره بالنذور، وضيع ماله بالنذور، كلما أحسَّ بشيء، أو خاف من شيء صار يَنْذُر للأولياء والصالحين؟!. فالمسألة خطيرة جداً.

ولكن مهما عمل الإنسان من الشرك والكفر إذا تاب، تاب الله عليه، ولو أفنى عمره في الشرك والكفر ثم تاب توبة صحيحة تاب الله عليه:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}. فلو أن هؤلاء القبوريّين تابوا إلى الله لتاب الله عليهم([6]).
وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
الحديث صريح في أن النذر يكون طاعة، وإذا كان طاعة فهو عبادة، وإذا كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر.

وأعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، وإنما يستخرج به من البخيل، ولهذا نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعض العلماء يحرمه، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه، ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه، وكم من إنسان نذر وأخيراً ندم، وربما لم يفعل.

ويدل لقوة القول بتحريم النذر قوله تعالى:{وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن } [النور: 53]، فهذا التزام مؤكد بالقسم فيشبه النذر.

قال الله تعالى:{ قل لا تقسموا طاعة معروفة }[النور: 53]، أي: عليكم طاعة معروفة بدون يمين، والإنسان الذي لا يفعل الطاعة إلا بالنذر، أو حلف على نفسه يعني أن الطاعة ثقيلة عليه.
ومما يدل على قوة القول بالتحريم أيضاً خصوصاً النذر المعلق: أن الناذر كأنه غير واثق بالله - عز وجل ـ، فكأنه يعتقد أن الله لا يعطيه الشفاء إلا إذا أعطاه مقابلة، ولهذا إذا أيسوا من البرء ذهبوا ينذرون، وفي هذا سوء ظن بالله- عز وجل -.والقول بالتحريم قول وجيه.

فإن قيل: كيف تحرمون ما أثنى الله على من وفى به؟
فالجواب: أننا لا نقول: إن الوفاء هو المحرم حتى يقال: إننا هدمنا النص، إنما نقول: المحرم أو المكروه كراهة شديدة هو عقد النذر، وفرق بين عقده ووفائه، فالعقد ابتدائي، والوفاء في ثاني الحال تنفيذ لما نذر([7]).

فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غير الله شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
--------
([1]) أخرجه البخاري (6696) و(6700).
([2]) انظر إعانة المستفيد (ص180).
([3]) ينظر فتح المجيد (ص181), والتمهيد (ص162), والقول المفيد (ج1_ص245_246).
([4]) رواه الإمام أحمد (22395) قال المعلق على المسند إسناده صحيح على شرط مسلم .
([5]) ينظر إعانة المستفيد (ص180_ص181).
([6]) إعانة المستفيد: (ص162 _ص185).
([7]) القول المفيد : (ج1_ص247).
لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/51379487476.pdf)

الحياة أمل
2013-09-23, 11:48 AM
(12)

باب

بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله



وقول الله تعالى:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [ الجن :6] .
وعن خولة بنت حكيم _رضي الله عنها_ قالت : قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ :" من نزل منزلا فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك " رواه مسلم([1]) .

الشرح:
هذا الباب عنونه الإمام - رحمه الله – بقوله: ( باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى ). وهذا الباب مع الذي قبله والأبواب التي سلفت أيضا: كلها في بيان المقصد من هذا الكتاب وبيان الغرض من تأليفه وأن التوحيد إنما يُعرف بضده ،
فمن طلب التوحيد فليطلب ضده لأنه - أعني التوحيد- يجمع بين الإثبات والنفي ، فيجمع بين الإيمان بالله ، وبين الكفر بالطاغوت ، فمن جمع بين هذين الأمرين فإنه يكون قد عرف التوحيد
ولهذا فصل الشيخ - رحمه الله - أفراد توحيد العبادة ، وفصل أفراد الشرك ؛ فبين أصناف الشرك الأصغر: القولي والعملي
وبين أصناف الشرك الأكبر: العملي والاعتقادي فذكر الذبح لغير الله ، وذكر النذر لغير الله ، والذبح والنذر: عبادتان عظيمتان([2]).

ومن هنا: للتبعيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها، لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالاستعانة وسيأتي تفصيل المسألة وبيان وجه الجمع فيها.
الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام، ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا وملجأ.
فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه واعتصم واستجار به والتجأ إليه، وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله; والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه والتذلل له أمر لا تحيط به العبارة. قاله ابن القيم - رحمه الله -,

وقال ابن كثير _رحمه الله تعالى_:" الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر. واللياذ لطلب الخير". انتهى.

قلت: وهي من العبادات التي أمر الله تعالى بها عباده; كما قال تعالى:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
وأمثال ذلك في القرآن كثير كقوله:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة، فمن صرف شيئا من هذه العبادات لغير الله جعله شريكا لله في عبادته، ونازع الرب في إلهيته، كما أن من صلى لله وصلى لغيره يكون عابدا لغير الله ولا فرق، كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله تعالى([3]).

وقوله هنا: ( من الشرك الاستعاذة بغير الله ), هذا الغير شامل لكل من يتوجه إليهم بالعبادة ويشركونهم مع الله, ويدخل في ذلك - بالأولية - ما كان المشركون الجاهليون يتوجهون إليهم بالعبادة: من الجن والملائكة والرسل والأنبياء ، والصالحين ، والأشجار والأحجار ، وغير ذلك من معبوداتهم,

لكن هل مقصوده بقوله ( باب من الشرك الاستعاذة بغير الله ). شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك ، لكل أنواع الاستعاذة ، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق ؟
والجواب: أن هذا فيه تفصيل
فمن العلماء من يقول: الاستعاذة توجه القلب واعتصامه والتجاؤه ورغبه وهذه المعاني جميعا لا تصلح إلا لله - جل وعلا - .
وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر([4]). عليه,
لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر وطلب العياذ وهو :أن يستعيذ من شر أحدق به ، وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئا من ذلك ،
وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركا أكبر إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ ، أو طلبت منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله,

والذي يظهر أن المقام كما سبق فيه تفصيل وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر وفيها عمل باطن فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ ، وأن يطلب العياذ وهو أن يُعصم من هذا الشر أو أن ينجو من هذا الشر وفيها أيضا عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته ، واضطراره وحاجته إلى هذا المستعاذ به ، واعتصامه بهذا المستعاذ به وتفويض أمر نجاته إليه. فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله ، لأن منها ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالإجماع لا يصلح التوجه به إلا لله.

وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهو طلب العياذ والملجأ فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق ، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها. فحقيقة الاستعاذة إذًا تجمع بين الطلب الظاهر ، والمعنى الباطن ؛ ولهذا اختلف أهل العلم في جواز طلبها من المخلوق ، فالذي ينبغي أن يكون منك دائما على ذكر: أن توجُّه أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء ، أو الجن ، أو الصالحين ، أو غيرهم أنهم جمعوا بين القول باللسان ، وأعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله - جل وعلا - وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون من : أن الاستعاذة بهم إنما هي فيما يقدرون عليه ، وأن الله أقدرهم على ذلك ؛ فيكون إبطال مقالهم راجعا إلى جهتين :
الجهة الأولى: أن يُبطل قولهم بأن يقال: إن هذا المَيْت أو هذا الجني يقدر على هذا الأمر الذي طلب منه ، فإذا لم يقتطع بذلك ، أو حصل عنده اشتباه ما ، انتقل الجني إلى.
الجهة الثانية: من الإبطال: وهو إثبات أن الاستعاذة فيها توجه بالقلب إلى المستعاذ به واضطرار إليه واعتصام به وافتقار إليه ؛ وهذا الذي توجه إلى ذلك الميت أو الولي قد قامت هذه المعاني بقلبه ، ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك إلا لله وحده - عز وجل - ([5]).

(أقسام الطلب أو النداء)

والطلب يختلف نوعه ومسماه باختلاف المطلوب منه:
1_ فإذا كان الطلب من مقارن : فيسمى التماسا.
2_ وإذا كان ممن هو دونك: فيسمى أمرا.
3_ وإذا كان ممن هو أعلى منك : فيسمى دعاء .
والمستعيذ والمستغيث، لا شك أنه طالب ممن هو أعلى منه ؛ لحاجته إليه ؛ فلهذا يصح أن يكون كل دليل فيه ذكر إفراد الله - جل وعلا - بالدعاء أو بالعبادة ، دليلا على خصوص هذه المسألة وهي: أن الاستعاذة من العبادات العظيمة ، وإذ كانت كذلك ، فإن إفراد الله بها واجب([6]).

( وجوب الإيمان بالجن وبيان الفرق بين من ينكر وجود الجن وبين من ينكر تأثيرهم )
قوله:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ} الإنس: بنو آدم.{يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} الجن المُراد بهم: عالم من عالم الغيب، يعيشون معنا في هذه الأرض، وهم مكلّفون، مأمورون بطاعة الله، ومَنْهِيُّون عن معصية الله، مثل الإنس، لكننا لا نراهم، قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} يعني: إبليس {هُوَ وَقَبِيلُهُ} يعني: جماعته من الجن {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ}، فهم يروننا ونحن لا نراهم، وقد يتصوّرون بصور متشكّلة، ويتصوّرون بصور حيّات، وبصور حيوانات، وبصور آدميين، أعطاهم الله القُدرة على ذلك، وهم عالم مخلوق من نار، والإنس خُلقوا من الطين، كما قال تعالى: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} يعني:من الطين{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه، ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الصوم جُنّة" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً} {جَنَّ عَلَيْهِ} يعني: غطّاه ظلام الليل.
فالحاصل: أن الجن عالم خفي، لا نراهم، وهم يعيشون معنا، وهم مكلّفون كما كُلِّفنا بالأوامر والنواهي, والإيمان بوجودهم من الإيمان بالغيب، تصديقاً لخبر الله سبحانه وتعالى، وخبر رسوله _صلى الله عليه وسلم_، فوجود الجن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومن جحد وجود الجن فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، وهل كل ما لا يراه الإنسان يُنكر؟.
وقد ظهرت طائفة من جهلة الأطباء- كما يقول الإمام ابن القيّم-، وكذلك من بعض المفكِّرين والكُتّاب المنتسبين للإسلام؛ ينكرون وجود الجن، لأنهم لا يؤمنون إلاَّ بما تقرّه عقولهم، وعقولهم لا تتّسع للتصديق بهذه المغيّبات، وكذلك الجن يمسُّون الإنس ويخالطونهم ويصرعونهم، وهذا شيء ثابت، لكن من جَهَلَة الناس من يُنكر صَرْع الجن للإنس، وهذا لا يَكْفُر، لأن هذه مسألة خفيّة، ولكنه يُخطّأ، فالذي يُنكر مسّ الجن للإنس لا يُكَفَّر، ولكن يضلّل، لأنه يُكذِّب بشيء ثابت، أما الذي يُنكر وجودهم أصلاً فهذا كافر،
فقوله تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} أي: يلتجئون إليهم ليدفعوا عنهم الشرور.
وسبب نزول هذه الآية: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً قال أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فأنزل الله هذه الآية: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ}. فهذه عقيدة جاهليّة، أبطلها الله سبحانه وتعالى بالأمر بالاستعاذة به وحده لا شريك له، وذلك في قوله:" عن خَوْلَة بنت حكيم"- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك"رواه مسلم. هذه هي الاستعاذة الشرعية البديلة من الاستعاذة الشركية.
فقوله:" أعوذ بكلمات الله التّامّات من شر ما خلق"
كلمات الله: المُراد. بها: كلامه سبحانه وتعالى المنزّل على رسوله _صلى الله عليه وسلم_ والاستعاذة بالقرآن مشروعة، لأن القرآن كلام الله، فالاستعاذة بالقرآن استعاذة بصفة من صفات الله، وهي الكلام، وليست استعاذة بمخلوق.
واستدلّ أهل السنّة والجماعة بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كان القرآن مخلوقاً- كما تقوله الجهمية والمعتزلة- لصار هذا من الاستعاذة بالمخلوق، وهي شرك، كما دلّ هذا الحديث على مشروعية الاستعاذة بالله عزّ وجلّ، وترك الاستعاذة بغيره سبحانه وتعالى.

وقوله: ( التّامّات ) أي: الصادقات العادلات، التي لا يتطرّق إليها نقص، لأن كلام الله سبحانه وتعالى كامل، لأن الله جل وعلا كامل وصفاته كاملة، وكلامه كامل لا يتطرّق إليه النقص:{لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}،{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }([7]). وتمام الكلام بأمرين:
1_ الصدق في الأخبار.
2 _ العدل في الأحكام.
قال الله تعالى:{ وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً } [الأنعام: 115].

قوله: ( من شر ما خلق )، أي: من شر الذي خلق، لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيراً، فكان خيراً, وعلى هذا تكون ( ما ) موصولة لا غير، أي: من شر الذي خلق، لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك، لكان الخلق هنا مصدراً يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضاً المفعول، لكن لو جعلتها اسماً موصلاً تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق.
وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن
مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
1_ شر محض: كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير.
2_ خير محض: كالجنة، والرسل، والملائكة.
3_ فيه شر وخير، كالإنس، والجن، والحيوان. وأنت إنما تستعيذ من شر ما فيه شر.

قوله: ( لم يضره شيء )، نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم من شر كل ذي شر من الجن والإنس وغيرهم والظاهر الخفي حتى يرتحل من منزله، لأن هذا خبر لا يمكن أن يتخلف مخبره، لأنه كلام الصادق المصدوق، لكن إن تخلف، فهو لوجود مانع لا لقصور السبب أو تخلف الخبر.
ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأسباب الشرعية إذا فعلت ولم يحصل المسبب، فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، مثل: قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرأها بعض الناس ولا يشفى المريض، وليس ذلك قصوراً في السبب، بل لوجود مانع بين السبب وأثره.
ومنه: التسمية عند الجماع، فإنها تمنع ضرر الشيطان للولد، وقد توجد التسمية ويضر الشيطان الولد لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تفتش ما هو المانع حتى تزيله فيحصل لك أثر السبب([8]).

قوله: ( لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ). قال القرطبي:"هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلا وتجربة؛ فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدبة([9]) ليلا، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"([10]).

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الجن .
الثانية: كونه من الشرك .
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث ؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة ؛ قالوا : لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك .
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره .
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية ؛ من كف شر ؛ أو جلب نفع ؛ لا يدل على أنه ليس من الشرك .
__________________
([1])أخرجه مسلم (2708) .
([2]) التمهيد (ص165).
([3]) انظر فتح المجيد (ص187).
([4])منها:عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» .رواه البخاري _ بَابُ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الإِسْلاَمِ_ (3601), ومسلم _ بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ _(2886).
ومنها: ما رواه مسلم: قال: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ وَأَنَا مَعَهُمَا، عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ_ رضي الله عنها_، فَسَأَلَاهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ». برقم: (2882)_ بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ _.
([5]) انظر التمهيد (ص167_ص169).
([6]) انظر التمهيد (ص167).
([7]) انظر إعانة المستفيد (ص188_ص189).
([8]) انظر القول المفيد (ج1_ص253_ص354).
([9]) المهدية : مدينة عامرة ببلاد المغرب السليب. فتح المجيد (ص191).
([10]) المصدر السابق.


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/21379922449.pdf)

الحياة أمل
2013-09-28, 01:30 AM
(13)

باب

من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره



وقول الله تعالى:{وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].
وقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17].
وقول الله تعالى:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:6].
وقول الله تعالى:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ}[النمل:62].
وروى الطبراني بإسناده: أنه كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: فقوموا بنا نستغيث برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله"([1]).

:الشرح:
قوله ( من الشرك ) من: للتبعيض، فيدل على أن الشرك ليس مختصاً بهذا الأمر والاستغاثة: طلب الغوث، وهو إزالة الشدة.
وكلام المؤلف _رحمه الله_ ليس على إطلاقه، بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به، إما لكونه ميتاً، أو غائباً، أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى، فلو استغاث بميت ليدافع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر فهذا كله من الشرك ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزاً، قال الله تعالى:{ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه } [القصص:15].
وإذا طلبت من أحد الغوث وهو قادر عليه، فإنه يجب عليك تصحيحاً لتوحيدك أن تعتقد أنه مجرد سبب، وأنه لا تأثير له بذاته في إزالة الشدة، لأنك ربما تعتمد عليه وتنسى خالق السبب، وهذا قادح في كمال التوحيد.
قوله ( أو يدعو غيره ) معطوف على قوله ( أن يستغيث)، فيكون المعنى: من الشرك أن يدعو غير الله، وذلك لأن الدعاء من العبادة، قال الله تعالى:{ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين }[غافر:60],{ عبادتي} أي: دعائي، فسمى الله الدعاء عبادة. وقال -صلى الله عليه وسلم -:" إن الدعاء هو العبادة "([2]).
والدعاء ينقسم إلى قسمين:
· ما يقع عبادة، وهذا صرفه لغير الله شرك، وهو المقرون بالرهبة والرغبة، والحب، والتضرع.
· ما لا يقع عبادة، فهذا يجوز أن يوجه إلى المخلوق، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"من دعاكم فأجيبوه"([3]). وقال:" إذا دعاك فأجبه"([4]).
وعلى هذا، فمراد المؤلف بقوله: ( أو يدعو غيره ). دعاء العبادة أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابته.

قال شيخ الإسلام -رحمه الله -:الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون,
وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب، والدعاء أعم من الاستغاثة؛ لأنه يكون من المكروب وغيره. فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. فبينهما عموم وخصوص مطلق، يجتمعان في مادة وينفرد الدعاء عنها في مادة; فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة([5]).
فالاستغاثة: طلب الغوث ؛ وطلب الغوث لا يصلح إلا من الله فيما لا يقدر عليه إلا الله - جل جلاله - ؛ لأن الاستغاثة يمكن أن تُطلب من المخلوق فيما يقدر عليه, لكن متى تكون الاستغاثة بغير الله شركا أكبر ؟
ضبطه بعض أهل العلم بقولهم: تكون شركا أكبر ، إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق.
وقال آخرون: تكون شركا أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله وهاتان العبارتان مختلفتان. والأصح منهما الأخيرة ؛ لأن المرء إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ؛ وهو يعلم أن هذا لا يقدر عليه إلا الله: فهذا شرك أكبر بالله - جل وعلا - لأن حقيقة الأمر: أنه لا يقدر عليه إلا الله.
قوله : (أو يدعو غيره). الدعاء - كما ذكرت لك - هو العبادة ، والدعاء نوعان:
دعاء مسألة ودعاء عبادة ، ونعني بدعاء المسألة: ما كان فيه طلب وسؤال ؛ كأن يرفع يديه لله - جل وعلا - ويدعوه ، فهذا يسمى دعاء مسألة. وهو الذي يغلب عند عامة المسلمين في تسمية الدعاء ، فإذا قيل: دعا فلان ؛ يعني سأل ربه - جل وعلا - .
والنوع الثاني: دعاء العبادة كما قال جل وعلا:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا }[ الجن:18 ]. يعني: لا تعبدوا مع الله أحدا أو لا تسألوا مع الله أحدا ، وكما قال النبي _صلى الله عليه وسلم_:« الدعاء هو العبادة »([6]). ودعاء المسألة ، غير دعاء العبادة فدعاء العبادة يتناول كل صنف من أصناف العبادة ؛ فمن صلى أو زكى أو صام ، ونحو ذلك فيقال: إنه دعا ، لكن دعاء عبادة, قال العلماء: دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة ، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة يعني: أن من سأل الله - جل وعلا - شيئا: فهو داع دعاء مسألة ، وهذا متضمن لعبادة الله لأن الدعاء أعني: دعاء المسألة: أحد أنواع العبادة فدعاء المسألة متضمن للعبادة لأن الله - جل وعلا - يحب من عباده أن يسألوه .
وقولنا: إن دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة يعني: أن من صلى، فيلزم من إنشائه الصلاة أن يسأل الله القبول ويسأل الله الثواب فيكون دعاء المسألة متضمنا لدعاء العبادة ودعاء العبادة مستلزما لدعاء المسألة.
إذا تقرر ذلك: فاعلم أن هذا التفصيل أو هذا التقسيم: مهم جدا في فهم حجج القرآن وفي فهم الحجج التي يوردها أهل العلم ؛ لأنه قد حصل من الخرافيين والداعين إلى الشرك :أنهم يؤولون الآية التي فيها دعاء العبادة ، بدعاء المسألة ، أو الآية التي في دعاء المسألة بدعاء العبادة وإذا تبين ذلك عُلم أنه لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة ، ودعاء العبادة فهذا هو ذاك: إما بالتضمن أو باللزوم. ومعلوم أن دلالات التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن وجاءت في السنة.
ثم ساق الشيخ - رحمه الله - بعض الأدلة على أن الدعاء والاستغاثة إنما يتوجه بهما إلى الله وحده فيما لا يقدر عليه إلا الله([7]).

وقوله:{وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }
قال في أول الآية:{ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ } فقوله:{ وَلَا تَدْعُ } هذا نهي ، والنهي هنا قد توجه إلى الفعل ( تدع ) وإذا كان كذلك: فإنه يعم أنواع الدعاء ، وسبق القول بأن الدعاء منه: دعاء مسألة ، ومنه دعاء عبادة ؛ والقاعدة: أن النكرة إذا جاءت في سياق النهي ، أو في سياق النفي ، أو في سياق الشرط: فإنها تعم ؛ و( تدع ) نكرة ؛ لأنه فعل مشتمل على مصدر ؛ والمصدر حَدَثٌ نكرة ؛ فهو يعم نوعي الدعاء. وهذا مراد الشيخ - أو أحد مراداته - من الاستدلال بهذه الآية ، فقد نهى الله - جل وعلا - أن يُتوجه لغير الله بدعاء المسألة ، أو بدعاء العبادة ، أو بأي نوع من أنواع العبادات فلا يصلح طلب ما يقدر عليه إلا الله: إلا منه جل وعلا ويدخل في ذلك الاستعاذة والاستغاثة التي هي: طلب الغوث، وكذلك دعاء العبادة بأنواعه: كالصلاة والزكاة ،والتسبيح ،والتهليل ، والسجود، وتلاوة القرآن ، والذبح والنذر وكذلك: أعمال القلوب كالتوكل ، والمحبة التي هي عبادة والرجاء الذي هو عبادة وخوف السر . فهذه العبادات كلها لا تصلح إلا لله. وهي من أنواع دعاء العبادة.
فهذه الآية دلت على النهي عن أن يتوجه أحد إلى غير الله - جل وعلا - بدعاء مسألة أو بدعاء عبادة وقد نُهي النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن ذلك أعظم النهي ووجه إليه الخطاب بذلك مع أنه إمام المتقين وإمام الموحدين .
وقوله:{ مِنْ دُونِ اللَّهِ } يعني: مع الله أو: من دون الله استقلالا.
وقوله:{ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} يعني: الذي لا ينفعك ولا يضرك و(ما) تشمل العقلاء فالعقلاء: كالملائكة والأنبياء، والرسل ، والصالحين . وغير العقلاء: كالأصنام والأحجار والأشجار ، هذا من جهة الدلالة اللغوية لـ (ما) .
وقوله تعالى لنبيه:{ فَإِنْ فَعَلْتَ } يعني: إن دعوت من دون الله أحدا ؛ وذلك الأحد موصوف بأنه: لا ينفعك ، ولا يضرك{ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ } وهذا إذا كان في حق النبي عليه الصلاة والسلام الذي كمل الله له التوحيد أنه إذا حصل منه الشرك: فإنه يصبح ظالما ويصبح مشركا وحاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك: فهو تخويف عظيم لمن هو دونه ممن لم يُعصم ولم يُعط العصمة من ذلك ، من باب أولى.
فقوله:{ فَإِنْ فَعَلْتَ } يعني: إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك:{ فَإِنَّكَ إِذًا } يعني: بسبب الدعوة { مِنَ الظَّالِمِينَ }. والظالمون جمع تصحيح للظالم ، والظالم: اسم فاعل الظلم، والظلم: المراد به هنا: الشرك كما قال جل وعلا:{إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}

ثم قال:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ } اعلم أن غرض من يلجأ إلى غير الله أو يستغيث، أو يستعيذ بغيره: إنما هو طلب كشف الضر, وقد أبطل الله تعالى هذا التعلق الشرعي بقاعدة عامة تقطع عروق الشرك من القلب؛حيث قال:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } يعني: إذا مسك الله بضر فمن يكشف الضر؟
الجواب: يكشفه من قدره ومن قضاه عليك، وهكذا كل أنواع التوجه لغير الله - جل وعلا - أيا كانت, ولكن ما دام أنه أذن بالتوجه إلى المخلوق فيما يقدر عليه كالتوجه إليه بطلب الغوث ، أو نحو ذلك: فإنه يكون مما رخص فيه ، والحمد لله.
وقوله في هذه الآية:{ بِضُرٍّ } نكرة جاءت في سياق الشرط فتعم جميع أنواع الضر: سواء أكان ضرا في الدين ،أم كان ضرا في الدنيا، يعني: كان ضرا في الدنيا من جهة الأبدان،أو من جهة الأموال أو من جهة الأولاد أو من جهة الأعراض، ونحو ذلك إذًا: فمعنى قوله:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ } أي بأي نوع من أنواع الضر:{ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ } أي: الذي يكشف الضر في الحقيقة: هو الله - جل وعلا - لا يكشف البلوى إلا هو سبحانه وتعالى، وإذا كان المخلوق يقدر على ذلك الكشف: فإنما هو من جهة أنه سبب فالله هو الذي جعله سببا يقدر على أن يكشف بإذن الله - جل وعلا - وإلا فالكاشف حقيقة هو الله - جل وعلا - والمخلوق ولو كان يقدر فإنما قدر بإقدار الله له إذ هو سبب من الأسباب.
فالحاصل: أن الكاشف على الحقيقة هو الله وحده، وإذا تبين ذلك: ظهر لك وجه استدلال المصنف بهذه الآية ومناسبة الآية للترجمة، من عدة جهات كما ذكرنا.

ثم أورد الشيخ - رحمه الله - قوله تعالى:{ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ } [ العنكبوت:17]. ليبين أن الاستغاثة والدعاء هما من أعظم أسباب الحياة ؛ فمن لم يكن عنده رزق فإنه يوشك على الهلاك ؛ ولهذا ذكر الإمام هذه الآية التي فيها النص على توحيد جهة طلب الرزق ؛ لأن معظم حال المستغيثين إنما هي لطلب الرزق.

ثم قال وقوله:{وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ} [الأحقاف:5].
دلالة الآية ظاهرة في أنها واردة في سياق الدعاء لأن الله تعالى قال:{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ } فهي ظاهرة في أن ثَمَّ داعيا وثم مدعوا ، وذاك المدعو : غير الله - جل وعلا -.
ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى وصف كل من يدعو من دون الله بأنه في غاية الضلال ومنتهى الغواية،وأنه لا أحد أضل منه،والدليل على أنه أراد الأموات ولم يرد الأصنام والأحجار والأشجار أنه قال:{ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فجعل غاية المنع من الإجابة إلى يوم القيامة, وهذه في الأموات؛ لأن الميت إذا كان يوم القيامة: نشر وصار يسمع وربما أجاب طلب من طلبه لأنه يكون في ذلك المقام حيا وربما كان قادرا([8]).

وقوله:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ}.
أي: هل يجيب المضطرب الذي أقلقته الكروب وتعسر عليه المطلوب واضطر للخلاص مما هو فيه إلا الله وحده؟ ومن يكشف السوء أي: البلاء والشر والنقمة إلا الله وحده؟ ومن يجعلكم خلفاء الأرض يمكنكم منها ويمد لكم بالرزق ويوصل إليكم نعمه وتكونون خلفاء من قبلكم كما أنه سيميتكم ويأتي بقوم بعدكم أإله مع الله يفعل هذه الأفعال؟ لا أحد يفعل مع الله شيئا من ذلك حتى بإقراركم أيها المشركون، ولهذا كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله مخلصين له الدين لعلمهم أنه وحده المقتدر على دفعه وإزالته:{قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} أي: قليل تذكركم وتدبركم للأمور التي إذا تذكرتموها ادَّكرتم ورجعتم إلى الهدى، ولكن الغفلة والإعراض شامل لكم فلذلك ما ارعويتم ولا اهتديتم([9]).

قوله: ( أنه كان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم: فقوموا بنا نستغيث برسول الله -صلى الله عليه وسلم- من هذا المنافق فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_: إنه لا يستغاث بي، إنما يستغاث بالله ).
(كان رجل) لم يذكر اسمه هنا، وورد أنه عبد الله بن أبي، رأس المنافقين, منافق
النفاق هو: إظهار الخير وإبطان الشر، وهو نوعان: نفاق اعتقادي، ونفاق عملي,
والنفاق الاعتقادي كفر أكبر، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، ومعناه: أن يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر. وسبب النفاق: أنه لما اعتزّ الإسلام بعد هجرة الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ صار هناك أُناس يريدون العيش مع المسلمين، ولكنهم لن يستطيعوا أن يعيشوا بين المسلمين إلاَّ إذا أظهروا الإسلام، وهم لا يريدون الإسلام ولا يحبُّون الإسلام، فلجأوا إلى حيلة النفاق، وهي: أن يُظهروا الإسلام من أجل أن يعيشوا مع المسلمين، ويبقوا في قرارة نفوسهم على الكفر. فسموا بالمنافقين، هذا هو النفاق الاعتقادي.
وأما النفاق العملي فمعناه: أن بعض المسلمين الذين عقيدتهم سليمة ومؤمنون بالله، لكنهم يتصفون ببعض صفات المنافقين، مثل: الكذب في الحديث، والغدر في العهد، وإخلاف الوعد، قال _صلى الله عليه وسلم_:" آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". هذا نفاق عملي، صاحبه مؤمن، ولكن فيه خَصْلَة من خصال المنافقين، وهي خطيرة جدًّا، ربما أنها تؤول إلى النفاق الأكبر إذا لم يتب منها.
(يؤذي المؤمنين) بمعنى: أنه يضايق المسلمين بكلامه وبتصرّفاته، يسخر من المسلمين، يتلّمس معايب المسلمين، ينال من الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وينال من المؤمنين، ويتتبّع العثرات. فدلّ على أن إيذاء المسلمين من النفاق.
قوله ( فقال بعضهم) لم يسمّ القائل، وقد ورد في بعض الروايات أنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
قوله ( قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم) يعني: نستجير به، ونحتمي به ( من هذا المنافق). ليردعه عنا ويكفّه عنا. والنبي _صلى الله عليه وسلم_ استنكر هذه اللفظة، فقال:" إنه لا يستغاث بي،وإنما يُستغاث بالله عزّ وجلّ". مع أن الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ قادراً على أن يَرْدَع هذا المنافق؟، وأن يُغيث المسلمين من شرّه؟ بلى، هذا من الاستغاثة الجائزة، لأنه استغاثة بالرسول_ صلى الله عليه وسلم_ فيما يقدر عليه، لكن الرسول تأدُّباً مع الله _سبحانه وتعالى_، وتعليماً للمسلمين أن يتركوا الألفاظ التي فيها سوء أدب مع الله عزّ وجلّ، وإن كانت جائزة في الأصل، فقال:" إنه لا يُستغاث بي". وهذا من باب التعليم وسدّ الذرائع لئلا يُتَطَرَّق من الاستغاثة الجائزة إلى الاستغاثة الممنوعة، فالرسول _صلى الله عليه وسلم_ منع من شيء جائز خوفاً أن يُفضي إلى شيء غير جائز، مثل ما منع من الصلاة عند القبور، والدعاء عند القبور، وإن كان المصلي والداعي لا يدعو إلاَّ الله، ولا يصلِّي إلاَّ لله، لكن هذا وسيلة من وسائل الشرك، كذلك هنا؛ فالرسول أنكر هذه اللفظة سدًّا للذرائع، وتعليماُ للمسلمين، أن يتجنّبوا الألفاظ غير اللائقة.
فإذا كان الرسول أنكر الاستغاثة به فيما يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلاَّ الله سبحانه وتعالى؟، وكيف بالاستغاثة بالأموات؟. هذا أشد إنكاراً.
وإذا كان الرسول _صلى الله عليه وسلم_ منع من الاستغاثة الجائزة به في حياته تأدُّباً مع الله، فكيف بالاستغاثة به بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؟، وكيف بالاستغاثة بمن هو دونه من الناس؟ هذا أمر ممنوع ومحرّم. وهذا وجه استشهاد المصنف رحمه الله بالحديث للترجمة.
إذاً فقول البوصيري:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم

إن لم تكن في معادي آخذاً ... بيدي فضلاً وإلاّ قل يا زلّة القدم

فإن من جودك الدنيا وضرّتها ... ومن علومك علم اللّوح والقلم

أليس هذا من أكبر الشرك؟
يقول: ما ينقذ يوم القيامة إلاَّ الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ ولا يخرج من النار إلاَّ الرسول، أين الله سبحانه وتعالى؟! ثم قال: إن الدنيا والآخرة كلها من جود الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وعلم اللّوح المحفوظ والقلم الذي كتب في اللوح المحفوظ بأمر الله هو بعض علم الرسول، إذ الرسول يعلم الغيب.

الحاصل: أن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ إذا كان أنكر على خواص أصحابه هذه الكلمة، وقال:" إنه لا يستغاث بي". وهذا في الدنيا، مع أنه قادر على أن يغيثهم من المنافق، فكيف يُستغاث به بعد وفاته _صلى الله عليه وسلم_، كيف يُستغاث بمن هو دونه من الأولياء والصالحين؟، هذا أمر باطل، والاستغاثة لا تجوز إلاَّ بالله، فيكون في هذا شاهد للترجمة: (بابٌ من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعوَ غيره ). والمناسبة ظاهرة ولله الحمد والمنة، وكل هذا من أجل حماية التّوحيد، وصفاء العقيدة، والمنع من كل ما يُفضي إلى الشرك ولو على المدى البعيد.
الشرك لا يُتساهل فيه أبداً، والطُّرُق التي توصِّل إلى الشرك لا يُتساهل فيها أبداً، وأنتم تعلمون ماذا حصل في قوم نوح، وأن الشرك حصل فيهم بسبب تعليق الصور، والغلو في الصالحين، وكانوا في وقتهم لم يشركوا، ولكن صار هذا وسيلة إلى الشرك فيما بعد؛ لما مات أولئك، ونُسي العلم أو نُسخ العلم عُبدت هذه الصور، فالوسائل إذا تُسوهل فيها أدّت إلى الشرك.
فالواجب: علينا منع الشرك، ومنع وسائله، وأسبابه، وأن لا نسمح بالألفاظ الشركية، ولا بأي شيء يُفضي إلى الشرك، وعلينا أن نحذر من ذلك صيانةً للعقيدة، وحماية للتّوحيد، وإشفاقاً على المسلمين من الضلال والكفر والإلحاد،فإنه ما حصل هذا الشرك في الأمة، وما حصل هذا الضلال في الأمة إلاَّ لما تساهل الناس في أمر العقيدة، وسكت العلماء عن بيان خطر الشرك، والتحذير من أسباب الشرك، ورأوا الناس على الشرك وعبادة القبور ولم ينهوهم, هذا إذا أحسنّا بهم الظن، وقلنا: إنهم ينكرون هذا بأنفسهم، ولكن ما قاموا بواجب الأنكار، إما إذا كانوا يرون هذا جائزاً، فهذا شرك وكفر لأن من رضي به صار مثل من يفعله.
نسأل الله عزّ وجلّ أن يحفظ لنا ديننا وعقيدتنا، وأن يجعلنا من الدعاة إليه بالحكمة، والدعوة إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن([10]).

مسألة:
أسباب استجابة الدعاء عند القبور:
وأما إجابة الدعاء، فقد يكون سببه اضطرار الداعي وصدقه وقد يكون سببه مجرد رحمة الله له، وقد يكون أمرا قضاه الله لا لأجل دعائه، وقد يكون له أسباب أخرى، وإن كانت فتنة في حق الداعي، فإنا نعلم أن الكفار قد يستجاب لهم فيسقون، وينصرون ويعانون، ويرزقون مع دعائهم عند أوثانهم وتوسلهم بها, وقد قال الله تعالى:{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء:20]. وقال تعالى:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6].
وأسباب المقدورات فيها أمور يطول تعدادها، ليس هذا موضع تفصيلها، وإنما على الخلق اتباع ما بعث الله به المرسلين، والعلم بأن فيه خير الدنيا والآخرة. ولعلي إن شاء الله أبين بعض أسباب هذه التأثيرات في موضع آخر([11]).

فيه مسائل:
الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص.
الثانية: تفسير قوله: {وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ}
الثالثة: أن هذا هو الشرك الأكبر.
الرابعة: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاءً لغيره صار من الظالمين.
الخامسة: تفسير الآية التي بعدها.
السادسة: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفراً.
السابعة: تفسير الآية الثالثة.
الثامنة: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تُطلب إلا منه.
التاسعة: تفسير الآية الرابعة.
العاشرة: أنه لا أضل ممن دعا غير الله.
الحادية عشرة: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه.
الثانية عشرة: أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له.
الثالثة عشرة: تسمية تلك الدعوة عبادة للمدعو.
الرابعة عشرة: كفر المدْعُوِّ بتلك العبادة.
الخامسة عشرة: هي سبب كونه أضل الناس.
السادسة عشرة: تفسير الآية الخامسة.
السابعة عشرة: الأمر العجيب، وهو إقرار عبدة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين له الدين.
الثامنة عشرة: حماية المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حمى التوحيد، والتأدب مع الله.
___________________
([1]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (10/159) , ورجاله رجال الصحيح، غير ابن لهيعة، وهو حسن الحديث , وأخرجه أحمد (5/317 رقم22706) ولفظه:" لا يقام لي إنما يقام لله ". وقال شيخ الإسلام : في الاستغاثة (152) " وهو صالح للاعتضاد ودل على معناه الكتاب والسنة ". والحديث ضعفه الشيخ ربيع في تحقيقه لكتاب التوسل والوسيلة (ص254).
([2]) مسند الإمام أحمد (4/267)، والترمذي: الدعوات/ باب الدعاء مخ العبادة، وقال: "حديث حسن صحيح" ـ، والحاكم (1/490) - وصححه ووافقه الذهبي-.
([3]) أخرجه: أحمد (2/68) , وأبو داود (3/17/1672) , والنسائي (5/28) , والحاكم (1/412) , والبيهقي (4/99) وصححه الحاكم والحافظ في "تخريج الأذكار"; كما في "الفتوحات الربانية" (5/250) .
([4]) أخرجه: مسلم في السلام, باب من حق المسلم للمسلم,( 4/1705) ; عن أبي هريرة رضي الله عنه.
([5]) انظر فتح المجيد (ص193), والقول المفيد (ج1_ص260).
([6]) رواه أحمد برقم (18352) وابو داود (1479),والترمذي (2969) ,والنسائي (11464) , وابن ماجه (3828) والحاكم (1/667) , وابن حبان (3/172/ 890) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه والحديث صححه الألباني.
([7]) ينظر التمهيد (ص175_ص177).
([8]) انظر التمهيد (ص178_ص182).
([9]) تفسير العلامة السعدي (608).
([10]) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد: (ج1_ص200_203) .
([11]) اقتضاء الصراط المستقيم: (ص431_432).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/11386527298.pdf)

الحياة أمل
2013-10-03, 03:28 AM
(14)

باب

قول الله تعالى:{أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ }



وقول الله تعالى:{وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ فاطر:14].

وفي الصحيح([1]) عن أنس - رضي الله عنه – قال:" شج النبي _صلى الله عليه وسلم_ يوم أحد وكسرت رباعيته، فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم". فنزلت:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } [ آل عمران:128].

وفيه عن ابن عمر - رضي الله عنهما – أنه:" سمع رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقول:إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:اللهم العن فلانا وفلانا بعدما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ". فأنزل الله { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ }([2]).
وفي رواية:" يدعو على صفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو ، والحارث بن هشام ، فنزلت:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ }([3]).

وفيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال:" قام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ حين أنزل عليه:{وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } فقال:يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا ، ويا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ، يا صفية عمة رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لا أغني عنك من الله شيئا ، يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا"([4]).

الشرح:
في هذه الآية توبيخ وتعنيف للمشركين في عبادتهم مع الله تعالى ما لا يخلق شيئا وهو مخلوق، والمخلوق لا يكون شريكا للخالق في العبادة التي خلقهم لها، وبيّن أنهم لا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون، فكيف يشركون به من لا يستطيع نصر عابديه ولا نصر نفسه؟ وهذا برهان ظاهر على بطلان ما كانوا يعبدونه من دون الله، وهذا وصف كل مخلوق، حتى الملائكة والأنبياء والصالحين, وأشرف الخلق محمد_صلى الله عليه وسلم_قد كان يستنصر ربه على المشركين ويقول:"اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول وبك أصول، وبك أقاتل"([5]).

وَإِيرَادُ هَذَا الْبَابِ بعد الأبواب المتقدمة هو من أحسن الإيراد ، ومن أعظمها فقها ورسوخا في العلم ؛ ذلك أن برهان وجوب توحيد الله - جل وعلا - في إلهيته هو: ما ركز في الفطر من أنه - جل وعلا - واحد في ربوبيته ، وقد أقر بهذا ، وسلم به المشركون بل كل أحد على الإقرار بهذا ،والاعتراف به ؛ فهي البرهان على أن المستحق للعبادة هو: من توحد في الربوبية فهذا الباب ، والباب الذي بعده أيضا:برهان لاستحقاق الله العبادة وحده دون ما سواه بدليل فطري ، ودليل واقعي ، ودليل عقلي.

فهذا الباب ذكر فيه الشيخ - رحمه الله - أحد أنواع أدلة الربوبية أو براهين التوحيد وأنه - جل وعلا - هو الواحد في ربوبيته ، والباب الذي يلي هو باب قول الله تعالى:{ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ:23] وفيه دليل على عظمة الله - جل وعلا - في صفاته ، ففي هذا الكتاب تنويع براهين توحيد العبادة بأدلة متنوعة من القرآن - كما سيأتي - إن شاء الله تعالى([6]).

وقول الله تعالى:{ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ.... }
يخبر تعالى عن حال المدعوين من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو وهي الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته فكيف إذا عُدمت بالكلية؟ فنفى عنهم الملك بقوله:{مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ}
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وعطاء والحسن وقتادة:" القطمير:اللفافة التي تكون على نواة التمر".
فبين الله عجز هذه الأصنام، وأنها لا تصلح أن تكون معبودة
من أربعة وجوه، هي:
1_ أنها لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحق أن يعبد.
2_ أنهم مخلوقون من العدم، فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداءً ودواماً.
3_ أنهم لا يستطيعون نصر الداعين لهم، وقوله:{لا يستطيعون} أبلغ من قوله:لا ينصرونهم، لأنه لو قال:لا ينصرونهم، فقد يقول قائل: لكنهم يستطيعون، لكن لما قال:{لا يستطيعون لهم نصراً } كان أبلغ لظهور عجزهم.
4_ أنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم.

وعليه فيُشترط في المدعُو ثلاثة شروط:
الأول:أن يكون مالكاً لما يطلب منه, ففي قوله تعالى: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} انتفى الشرط الأول.
الثاني:أن يكون يسمع الداعي, وفي قوله:{إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} انتفى الشرط الثاني.
الثالث:أن يكون يقدر على الإجابة, وفي قوله:{وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} انتفى الشرط الثالث.
وهذه الأمور لا تتّفق إلاّ في الله سبحانه وتعالى، فإنه المالك، السميع، القادر على الإجابة، أما هذه المعبودات فهي
أولاً: فقيرة، ليس لها ملك.
ثانياً: لا تسمع من دعاها.
وثالثاً: لو سمعت فإنها لا تقدر على الإجابة إذاً بَطل دعاؤها([7]).

وقوله:{ الأمر } أي: الشأن، والمراد: شأن الخلق، فشأن الخلق إلى خالقهم، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس له فيهم شيء. ففي الآية خطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد شج وجهه، وكسرت رباعيته، ومع ذلك ما عذره الله - سبحانه - في كلمة واحدة: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟".، فإذا كان الأمر كذلك، فما بالك بمن سواه؟ فليس لهم من الأمر شيء، كالأصنام، والأوثان، والأولياء، والأنبياء، فالأمر كله لله وحده، كما أنه الخالق وحده، والحمد لله الذي لم يجعل أمرنا إلى أحد سواه، لأن المخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملك لغيره؟‍


ونستفيد من هذا الحديث أنه يجب الحذر من إطلاق اللسان فيما إذا رأى الإنسان مبتلى بالمعاصي، فلا نستبعد رحمة الله منه، فإن الله تعالى قد يتوب عليه, فهؤلاء الذين شجوا نبيهم لما استبعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فلاحهم، قيل له:{ليس لك من الأمر شيء}. فهذا الباب فيه بيان أن الذي يخلق هو الله وحده ، والذي يرزق هو الله وحده ، والذي يملك هو الله وحده ، وأن غير الله - جل وعلا - ليس له نصيب من الخلق ، وليس له نصيب من الرزق ، وليس له نصيب من الإحياء ، وليس له نصيب من الإماتة ، وليس له نصيب من الأمر ، وليس له ملك حقيقي في أمر من الأمور حتى أعلى الخلق مقاما ،وهو النبي - عليه الصلاة والسلام - قال له الله جل وعلا:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } [ آل عمران:128] يعني: لست مالكا لشيء من الأمر ، وليس من الأمر شيء تملكه ، فـ ( اللام ) هنا لام الملك, فمن الذي يملك إذا ؟! الذي يملك هو: الله جل وعلا, فإذا كان النبي - عليه الصلاة والسلام - ينفى عنه ذلك الأمر فإنه منفي عمن هو دونه من باب أولى, والمتوجهون إلى أصحاب القبور أو إلى الصالحين والأولياء والأنبياء يعتقدون بأن هؤلاء المتوجه إليهم يملكون شيئا من الرزق ، أو التوسط أو الشفاعة بدون إذن الله - جل وعلا - ومشيئته فهذا الباب - إذا - هو أحد الأبواب التي فيها البرهان على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه.

وهذه الأحاديث تدل على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لا يملك شيئا من ملكوت الله وهو عليه الصلاة والسلام قد بلغ ذلك وبينه ، فمن هم دونه عليه الصلاة والسلام منفي عنه هذا الأمر من باب أولى ،فالملائكة ،والأنبياء والصالحون من أتباع الرسل وأتباعه عليه الصلاة والسلام: أولى بأن ينفى عنهم ذلك، فإذا كان كذلك بطلت كل التوجهات إلى غير الله - جل وعلا - ووجب أن يتوجه بالعبادات ، وأنواع التوجهات من: دعاء واستغاثة،واستعاذة ، وذبح ونذر ، وغير ذلك: إلى الحق -جل وعلا - وحده دون ما سواه ([8]).

قوله: ( وفيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه – قال: قام رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ حين أنزل عليه:{ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } فقال: يا معشر قريش.........).
فهدا الحديث اشتمل على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: المبادرة إلى تنفيذ أمر الله، وأن الإنسان لا يتوانى في ذلك.
المسألة الثانية: أن الداعية يبدأ بأقرب الناس إليه، وبأهل بيته أوّلاً.
المسألة الثالثة: أنه لا يجوز الاعتماد على الأشخاص والأولياء والصالحين، واعتقاد أنهم يقرِّبون إلى الله، بل على الإنسان أن يعمل لنفسه، وأن يتقّي الله في نفسه، وأن يتقرّب إلى الله مباشرة، بدون واسطة أحد، لأن الله قريب مجيب.
المسألة الرابعة:- وهي مهمة جدًّا-: أن الانتساب إلى أهل البيت، أو القرابة من الرسول _صلى الله عليه وسلم_ لا تنفع إلاّ مع العمل الصالح، أما بدون ذلك فإنها لا تنفع عن الله, والواجب أن يتنبّه المسلمون لهذه الأمور([9]).

فيه مسائل:
الأولى : تفسير الآيتين .
الثانية : قصة أحد .
الثالثة : قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء ، يؤمنون في الصلاة .
الرابعة : المدعو عليهم كفار .
الخامسة : أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار ؛ منها : شجهم نبيهم وحرصهم على قتله ومنها : التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم .
السادسة : أنزل الله عليه في ذلك { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } .
السابعة : قوله { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ } فتاب عليهم فآمنوا .
الثامنة : القنوت في النوازل .
التاسعة : تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم .
العاشرة: لعن المعين في القنوت .
الحادية عشرة : قصته صلى الله عليه وسلم لما أنزل عليه : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ }.
الثانية عشرة : جده _صلى الله عليه وسلم_ في هذا الأمر بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون ، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.

الثالثة عشرة : قوله للأبعد والأقرب : « لا أغني عنكم من الله شيئا » ، حتى قال : « يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا » ؛ فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين ، وآمن الإنسان أنه صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا الحق ، ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم ، تبين له التوحيد وغربة الدين .
---------

([1])علقه البخاري في المغازي باب (ليس لك من الأمر شيء) وأخرجه مسلم (1791) ووصله أحمد في «المسند» 3( / 99 و 178 و 206) والترمذي (2005) وقال : هذا حديث حسن صحيح .

([2]) أخرجه البخاري (4009) و (4070) و (4559) و (7346).

([3])أخرجه البخاري (4070) معلقا ، ووصله الترمذي (3007) وأحمد 2 / 93 وقال الترمذي : هذا حديث حسن غريب .

([4])أخرجه البخاري (2753) و (3527) و (4771) ,ومسلم (206).

([5]) أخرجه أبو داود (2623) في الجهاد: باب ما يدعى عند اللقاء، والترمذي (3584) في الدعوات: باب في الدعاء إذا غزا من حديث أنس. وصحح إسناده الألباني في تخريج الكلم الطيب (125) وقال: ولبعضه شاهد من حديث صهيب أخرجه أحمد (6/ 16) بسند صحيح.

([6]) انظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص189_ص191),و إعانة المستفيد (ج1_ص 204).

([7]) انظر فتح المجيد (ص213),المفيد والقول (ج1_ص284), وإعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ج1_ص207).

([8]) القول المفيد على كتاب التوحيد (ج1_ص290). والتمهيد لشرح كتاب التوحيد (ص190و ص197).

([9]) انظر إعانة المستفيد (ج1_ص220).

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/21380812285.pdf)

أبو صديق الكردي
2013-10-03, 05:30 AM
ماشاء الله
رائعة وجميلة ومفيدة
كتب الله أجركما (أبا العبدين ، الحياة أمل)

ابو العبدين البصري
2013-10-03, 03:22 PM
ماشاء الله
رائعة وجميلة ومفيدة
كتب الله أجركما (أبا العبدين ، الحياة أمل)

بارك الله فيك أخي الفاضل.

والشكر وصول للاختنا الكريمة ( الحياة آمل ) لما تقوم به من مجهود.

سائلا المولى أن يجعله في ميزان حسناتها.

الحياة أمل
2013-10-10, 04:27 AM
(15)
باب
قول الله تعالى :{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } [ سبأ : 23 ]


وفي الصحيح([1]) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قال :" إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك, حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ، فيسمعها مسترق السمع, ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض, وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه, فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته ، حتى يلقيها عن لسان الساحر أو الكاهن ؛ فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا : كذا وكذا ؛ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء".

وعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ :"إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي ؛ أخذت السماوات منه رجفة, أو قال رعدة شديدة خوفا من الله _عز وجل_ فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد ، ثم يمر جبريل على الملائكة ، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال الحق وهو العلي الكبير ، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل, فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل" ([2]).

:الشرح:
مُراد الشيخ رحمه الله بهذا الباب:أن يبيّن تفسير هذه الآية، كما جاءت بذلك السنّة عن النبي _صلى الله عليه وسلم_، فإن هذه الآية فسّرتها السنّة بالأحاديث التي ذكرها الشيخ في هذا الباب، والغرض من ذلك إتمام ما سبق في الأبواب السابقة من بيان أدلة بُطلان الشرك, ففي الأبواب السابقة بيّن الشيخ _رحمه الله_ بيان بُطلان عبادة الأنبياء والصالحين من بني آدم، بالأدلة التي سبقت من الكتاب والسنّة.

وفي هذا الباب يبيّن بُطلان عبادة الملائكة، لأن الملائكة عُبدوا من دون الله، فهذا الباب مكمِّلٌ للأبواب السابقة التي قبله في بيان بُطلان عبادة كل من عُبد من دون الله من الأنبياء، والأولياء، والصالحين، والملائكة، لأنهم إذا بطلت عبادة هؤلاء، فبُطلان عبادة من دونهم من باب أولى، وإذا بطل ذلك في حق الملائكة وهم أقوى الخلق خِلقة، ومن أقربهم إلى الله سبحانه وتعالى منزلة فلأن تبطل عبادة من سواهم من الآدميين والجن والإنس من باب أولى، هذا فقه هذه الترجمة([3]).

أي:زال الفزع عنها قاله ابن عباس وابن عمر وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي والحسن وغيرهم, وقال ابن جرير: قال بعضهم: الذين فزع عن قلوبهم: الملائكة. قالوا: وإنما فزّع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله بالوحي.

قوله:{قَالُوا الْحَقَّ} أي قال الله الحق, وذلك لأنهم إذا سمعوا كلام الله صعقوا ثم إذا أفاقوا أخذوا يسألون، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيقولون: قال الحق.

قوله:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}. علو القدر وعلو القهر وعلو الذات، فله العلو الكامل من جميع الوجوه، كما قال عبد الله بن المبارك لما قيل له: بما نعرف ربنا ؟ قال:"بأنه على عرشه بائن من خلقه".

قوله:{الْكَبِيرُ} أي الذي لا أكبر منه ولا أعظم منه تبارك وتعالى العلي:في ذاته وصفاته، والكبير:ذو الكبرياء وهي العظمة التي لا يدانيها شيء، أي العظيم الذي لا أعظم منه.
هذه هي مناسبة الآية للتوحيد: أنه إذا كان منفرداً في العظمة والكبرياء، فيجب أن يكون منفرداً في العبادة ([4]).

والآيات المذكورة في هذا الباب والأحاديث تقرر التوحيد الذي هو مدلول شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن الملك العظيم الذي تُصعق الأملاك من كلامه خوفا منه ومهابة، وترجف منه المخلوقات، الكامل في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته وملكه وعزه، وغناه عن جميع خلقه, وافتقارهم جميعا إليه، ونفوذ تصرفه وقدره فيهم لعلمه وحكمته، لا يجوز شرعا ولا عقلا أن يجعل له شريك من خلقه في عبادته التي هي حقه عليهم، فكيف يجعل المربوب ربا؟! والعبد معبودا؟! أين ذهبت عقول المشركين؟ سبحان الله عما يشركون,

وقال تعالى:{إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً}. فإذا كان الجميع عبيداً: فَلِمَ يعبد بعضهم بعضاً بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الرأي والاختراع والابتداع؟! ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك الشرك وتنهاهم عن عبادة ما سوى الله([5]).

وقوله: ( وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله.........).
فوائد الحديث:
1_ فيه أن السنّة النبوية تفسر القرآن، فهذا الحديث فسر هذه الآية:{حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ}، ففيه رد على الطائفة الخبيثة التي تريد رفض السنّة والاقتصار على القرآن، وإذا اقتصر على القرآن من أين نفسر القرآن؟، القرآن يفسر بأحد أربعة أمور:
أولاً: يفسّر القرآن بالقرآن.
ثانياً: إذا لم يكن فيه تفسير من القرآن يفسر بسنة الرسول _صلى الله عليه وسلم_.
ثالثاً: إذا لم يكن فيه تفسير من الرسول _صلى الله عليه وسلم_ يفسر بأقوال الصحابة، لأنهم تلاميذ الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وعنه تعلموا وتلقوا العلم فهم أدرى النّاس بسنة الرسول _صلى الله عليه وسلم_.
رابعاً: إذا لم يكن هناك تفسير من الصحابة يفسر بمقتضى لغة العرب التي نزل بها، ينظر إلى معنى الكلمة في لغة العرب ويفسر بلغة العرب التي نزل بها.

أما أن يفسر القرآن بغير هذه الطرق فهذا باطل، إما بالقرآن، وإما بالسنّة، وإما بقول الصحابي، وإما بلغة العرب التي نزل بها، ولا يفسر القرآن بغير هذه الوجوه.

نعم، اختلفوا في قول التابعي: هل يفسر به القرآن؟، منهم من يرى ذلك، فيكون وجهاً خامساً: لأن التابعي له خاصية، لأنه تتلمذ على صحابة الرسول _صلى الله عليه وسلم_، فله ميزة على غيره ممن تتلمذ على غير الصحابة.

2_ إثبات صفات الله _سبحانه وتعالى_، فقد أثبت في هذا الحديث علو الله على خلقه، وأنه في السماء _سبحانه وتعالى_، وأثبت أن الله يتكلم بكلام يُسمع، تسمعه الملائكة وترتعد عند سماعه.

3_ وهي التي عقد المصنف _رحمه الله_ بهذا الباب من أجلها: بطلان التعلق على الملائكة، عكس ما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الملائكة، واعتقاد أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً.

ففي هذا بطلان الشرك، لأنه إذا بطلت عبادة الملائكة وهم من هم في القوة والمكانة عند الله والقرب من الله، إذا بطل عبادتهم والتعلق عليهم وطلب الحوائج منهم فلأن يبطل ذلك في حق غيرهم من باب أولى، فالذين يتعلقون على القبور وعلى الأضرحة وعلى الأشجار والأحجار، ويتبركون بها، كل هذا باطل، لأن هذه مخلوقات ليس لها من الأمر شيء، مسخرة ليس لها من الأمر شيء، إنما التعلق يكون بالله عزّ وجلّ، والتوكل على الله، لأن الملائكة مفتقرون إلى الله، وكل المخلوقات مفتقرة إلى الله_سبحانه وتعالى_، وهو الغني الحميد، هو غني عن غيره، وأما غيره فهم فقراء إليه سبحانه وتعالى.

4_ في الحديث إثبات استراق السمع، وأن الشياطين قد يسترقون السمع، وهذا كان في الجاهلية كثيراً، فلما بُعث النبي _صلى الله عليه وسلم_ حُرست السماء بالشُّهب، وقلّ استراق السمع، قال بعضهم لبعض:{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ} يعني: هذا في الجاهلية،{فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ} يعني: بعد بعثة النبي _صلى الله عليه وسلم_:{ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً}.

5_ فيه بُطلان السحر والكِهانة، وأن مصدرهما واحد، التلقي عن الشياطين، فلا يُقبل السحر، ولا خبر الساحر، ولا تُقبل الكِهانة ولا خبر الكاهن لأن مصدرها باطل، وقد جاء في الحديث: "من أتى كاهناً أو عرّافًا لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً" وفي الحديث الآخر: "من أتى كاهناً أو عرّافاُ فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد _صلى الله عليه وسلم_". فهذا فيه بطلان السحر والكِهانة، وأنه لا يجوز تصديق السحرة، ولا تصديق الكُهَّان، ولا الذهاب إليهم.

6 _ إثبات عظمة الله - سبحانه وتعالى -.

7_ إثبات الأجنحة للملائكة.

8_ خوف الملائكة من الله - عز وجل - وخضوعهم له.

9_ أن الملائكة يتكلمون ويعقلون.

10_ أنه لا يصدر عن الله إلا الحق.

11_ أن الله - سبحانه - يمكن هؤلاء الجن من الوصول إلى السماء فتنة للناس، وهي ما يلقونه على الكهان، فيحصل بذلك فتنة، والله - عز وجل - حكيم. وقد يوجد الله أشياء تكون ضلالاً لبعض الناس، لكنها لبعضهم هدى امتحاناً وابتلاءً([6]).

وقوله: ( وعن النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي ؛ أخذت السماوات منه رجفة....).
من فوائد الحديث:
1_ إثبات الإرادة لقوله: (إذا أراد الله )، وهي قسمان: شرعية، وكونية.
والفرق بينهما:
أولاً: من حيث المتعلق، فالإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله - عز وجل ـ سواء وقع أو لم يقع، وأما الكونية، فتتعلق بما يقع، سواء كان مما يحبه الله أو مما لا يحبه.
ثانياً: الفرق بينهما من حيث الحكم، أي حصول المراد، فالشرعية لا يلزم منها وقوع المراد، أما الكونية، فيلزم منها وقوع المراد.
فقوله تعالى:{والله يريد أن يتوب عليكم } [النساء:27]. هذه إرادة شرعية، لأنها لو كانت كونية لتاب على كل الناس، وأيضاً متعلقها فيما يحبه الله وهو التوبة,
وقوله:{ إن كان الله يريد أن يغويكم } [هود: 34]. هذه كونية، لأن الله لا يريد الإغواء شرعاً، أما كوناً وقدراً، فقد يريده,
وقوله:{ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم } [النساء: 2]. هذه كونية، لكنها في الأصل شرعية، لأنه قال:{ ويتوب عليكم } [النساء:26].
وقوله تعالى:{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [البقرة: 185] هذه شرعية، لأن قوله:{ولا يريد بكم العسر } لا يمكن أن تكون كونية، إذ إن العسر يقع ولو كان الله لا يريده قدراً وكوناً؛ لم يقع.

2_ أن المخلوقات وإن كانت جماداً تحس بعظمة الخالق،قال تعالى:{تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده } [الإسراء: 44].

3_ إثبات أن الملائكة يتكلمون ويفهمون ويعقلون لأنهم يسألون:{ ماذا قال ربكم } ؟ ويجابون: قال{ الحق }،خلافاً لمن قال: إنهم لا يوصفون بذلك، فيلزم من قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب.

4_ إثبات تعدد السماوات، لقوله: ( كلما مر بسماء ).

5_ أن لكل سماء ملائكة مخصصين، لقوله: ( سأله ملائكتها ).

6_ فضيلة جبريل عليه السلام حيث إنه المعروف بأمانة الوحي، ولهذا قال ورقة بن نوفل: ( هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى). والناموس بالعبرية بمعنى صاحب السر.

7_ أمانة جبريل عليه السلام، حيث ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله - عز وجل ـ، فيكون فيه رد على الرافضة الكفرة الذين يقولون: بأن جبريل أمر أن يوحي إلى علي فأوحى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويقولون: خان الأمين فصدها عن حيدرة، وحيدرة لقب لعلي بن أبي طالب، لأنه كان يقول في غزوة خيبر، أنا الذي سمتني أمي حيدرة. وفي هذا تناقض منهم، لأن وصفه بالأمانة يقتضي عدم الخيانة.

8_ إثبات العزة والجلال لله - عز وجل ـ، لقوله: ( عز وجل )، والعزة بمعنى الغلبة والقوة، وللعزيز ثلاثة معان:

1_ عزيز: بمعنى ممتنع أن يناله أحد بسوء.

2_ عزيز: بمعنى ذي قدر لا يشاركه فيه أحد.

3_ عزيز: بمعنى غالب قاهر.

قال ابن القيم في النونية:

وهو العزيز فلن يرامَ جنابه ... أَنَّى يُرَامُ جُنَابُ ذِي سلطانِ

وهو العزيز القهار الغلاب لم ... يغلبه شيءٌ هذه صفتانِ

وهو العزيز بقوةٍ هي وصفه ... فالعز حينئذٍ ثلاث معانِ

وأما جل: فالجلال بمعنى العظمة التي ليس فوقها عظمة.

9_ إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى، وهذا بإجماع أهل السنّة والجماعة، لم يخالف فيه إلاّ المبتدعة.

10_ إثبات الإدراك للسماوات والخوف من الله، وأنها تُدرك عظمة الله، وتخافه، وهي جمادات، كما دلّت على ذلك الأدلة الأخرى فإذا كانت السماوات تخافه، فكيف لا يخافه ابن آدم هذا الضعيف المسكين؟، كيف لا يخاف من الله سبحانه وتعالى؟([7]).

فيه مسائل:
الأولى : تفسير الآية .
الثانية : ما فيها من الحجة على إبطال الشرك ، خصوصا ما تعلق على الصالحين ، وهي الآية التي قيل : إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب .
الثالثة : تفسير قوله { قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } .
الرابعة : سبب سؤالهم عن ذلك .
الخامسة : أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله : " قال كذا وكذا " .
السادسة : ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل .
السابعة : أنه يقول لأهل السماوات كلهم ، لأنهم يسألونه .

الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة : ارتجاف السماوات بكلام الله .
العاشرة : أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله .
الحادية عشرة : ذكر استراق الشياطين .
الثانية عشرة : صفة ركوب بعضهم بعضا .
الثالثة عشرة : إرسال الشهاب .
الرابعة عشرة : أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها ، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه .
الخامسة عشرة : كون الكاهن يصدق بعض الأحيان .
السادسة عشرة : كونه يكذب معها مائة كذبة .
----------------------------------
([1]) أخرجه البخاري (4701),(4800),(7481).
([2]) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (1/463),وابن ابي عاصم في السنة (1/227رقم 515),وأبو الشيخ في العظمة (2/501رقم46) , وصححه الألباني في الصحيحة: (1293).
([3]) انظر إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ج1_ص221).
([4]) نظر فتح المجيد ( ص223_ص224),والقول المفيد (ج1_ص307).
([5]) انظر فتح المجيد (ص231).
([6]) انظر القول المفيد (ج1ص315),وإعانة المستفيد (ج1_ص226), بتصرف .
([7]) انظر القول المفيد (ج1_ص320),وإعانة المستفيد (ج1_ص233).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/41381391705.pdf)

الحياة أمل
2013-10-16, 09:31 AM
(16)
باب
الشفاعة

وقول الله تعالى:{وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 51].
وقوله:{قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً} [الزمر: 44]
وقوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} [البقرة: 255].
وقوله:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26].
وقوله:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 22-23].

قال أبو العباس رحمه الله:نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال تعالى: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28]
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن، وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشفاعة أولاً- ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع"([1]).
وقال له أبو هريرة:" من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال صلى الله عليه وسلم:من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"([2]).
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله تعالى، ولا تكون لمن أشرك بالله، وحقيقته: أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود.

فالشفاعة: التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه

: الشرح :
الشفاعة معناها: التوسط في قضاء حاجة المحتاج لدى من هي عنده,
سميت بذلك لأن طالب الحاجة كان منفرداً في الأول، ثمّ لما انضم إليه الشافع صار شفعاً، لأن الشفع ضد الوتر, فلما كان طالب الحاجة منفرداً، ثمّ انضم إليه الواسطة شفعه في الطلب، ولذلك سمّي شافعاً، وسمّي هذا العمل شفاعة، قال الله سبحانه وتعالى:{مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا}، فالذي يشفع عند السلاطين، أو عند الأغنياء، أو عند غيرهم لقضاء حاجة المحتاجين يعتبر عمله شفاعة طيبة يؤجر عليها،
قال صلى الله عليه وسلم:"اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء"([3]).

ذكر المؤلف_رحمه الله_:الشفاعة في كتاب التوحيد، لأن المشركين الذين يعبدون الأصنام يقولون:إنها شفعاء لهم عند الله، وهم يشركون بالله- سبحانه وتعالى- فيها بالدعاء والاستغاثة وما أشبه ذلك. وهم بذلك يظنون أنهم معظمون لله، ولكنهم منتقصون له، لأنه عليم بكل شيء وله الحكم التام المطلق والقدرة التامة، فلا يحتاج إلى شفعاء,ويقولون:إننا نعبدهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله، فيقربونا إلى الله، وهم ضالون في ذلك، فهو سبحانه عليم وقدير وذو سلطان، ومن كان كذلك، فإنه لا يحتاج إلى شفعاء, والملوك في الدنيا يحتاجون إلى شفعاء:
1_ إما لقصور علمهم.
2_ أو لنقص قدرتهم،فيساعدهم الشفعاء في ذلك.
3 _ أو لقصور سلطانهم، فيتجرأ عليهم الشفعاء.
فيشفعون بدون استئذان، ولكن الله- عز وجل- كامل العلم والقدرة والسلطان، فلا يحتاج لأحد أن يشفع عنده، ولهذا لا تكون الشفاعة عنده سبحانه إلا بإذنه لكمال سلطانه وعظمته.
ثم الشفاعة لا يراد بها معونة الله -سبحانه - في شيء مما شفع فيه، فهذا ممتنع كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ولكن يقصد بها أمران، هما:
· إكرام الشافع.
· نفع المشفوع له.
وهي لغة:اسم من شفع يشفع، إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر، قال تعالى:{والشفع والوتر} [الفجر: 3].
واصطلاحاً: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل الجنة بدخولها.
مثال دفعة المضرة: شفاعة النبي-صلى الله عليه وسلم - لمن استحق النار أن لا يدخلها([4]).
والشفاعة:منها ما يكون بين الخلق ومنها ما يكون عند الخالق جل وعلا وكلام المؤلف هنا عن الشفاعة التي عنده تبارك وتعالى وهذه لها شروط وأسباب وأقسام .
والشفاعة في كتاب الله جاءت على قسمين: مثبتة و منفية
فالمثبتة لا بد فيها من شرطين:
1_ الإذن:لقوله:{ إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى }.
2_ الرضا:لقوله:{ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى }.
فلا بد من إذنه تعالى ورضاه عن الشافع والمشفوع وهو لا يرضى إلا عن أهل التوحيد
وفي الشفاعة أمر مهم يدل ويؤكد أن الشفاعة كلها له سبحانه وهو أنه سبحانه بعد إذنه ورضاه يحد حداً([5]). للشافع فتبين وتقرر أن الشفاعة كلها لله كما ذكر تعالى,
فيشترط للشفاعة إذن الله فيها لكمال سلطانه جل وعلا، فإنه كلما كمل سلطان الملك، فإنه لا أحد يتكلم عنده ولو كان بخير إلا بعد إذنه، ولذلك يعتبر اللغط في مجلس الكبير إهانة له ودليلاً على أنه ليس كبيراً في نفوس من عنده، كان الصحابة مع الرسول -صلى الله عليه وسلم - كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار وعدم الكلام إلا إذا فتح الكلام، فإنهم يتكلمون ,
أما أسباب قبول الشفاعة من الملوك وغيرهم فهي:
1_ لحاجتهم إلى ذلك: وذلك لأن الملك أو الرئيس بحاجة إلى الوزراء والمستشارين ليعينوه على أمور الملك، فلو لم يقبل شفاعتهم لنفروا منه، ولم يعينوه، والله جل وعلا غني عن خلقه، ليس بحاجة إلى أن يعينه أحد، بخلاف الملوك والسلاطين فهم بحاجة.
2_ عدم علمهم بحاجة المشفوع لهم: وأيضاً ملوك الدّنيا والسلاطين لا يعلمون أحوال الرّعيّة، فهم بحاجة إلى هؤلاء ليبلغوا حاجات النّاس وأحوال الناس، فإذا بلغهم هؤلاء الوسائط والشفعاء، فقد بلّغوهم ما لم يعرفوا من أحوال رعيتهم، أما الله جل وعلا فإنه يعلم كل شيء، لا تخفى عليه أحوال عباده، يعلم المحتاجين والمرضى والفقراء وأصحاب الحاجات، يعلم ذلك بدون أن يخبره أحد سبحانه وتعالى، فلا يقاس الخالق بالمخلوق.
3_ وأيضاً الملوك والرؤساء ولو علموا بأحوال الناس، فإنهم قد لا يلينون لهم، ولا يلتفتون إليهم، لكن إذا جاءهم هؤلاء الوسطاء، وتكلموا معهم أثّروا فيهم: فقبلوا الشفاعة، أما الله جل وعلا فإنه لا يؤثر عليه أحد، الله جل وعلا يريد الرحمة لعباده، ويريد المغفرة، ويريد قضاء حاجات الناس، وإعطاءهم، ورزقهم، هو مريد لذلك سبحانه وتعالى بدون أن يؤثّر عليه أحد .

ففيه فرق بين الخالق والمخلوق من هذه الوجوه، من ناحية أن الله غني لا يحتاج إلى إعانة الشّفيع، ومن ناحية أن الله عليم لا يحتاج إلى إخبار الشفيع عن أحوال خلقه، ومن ناحية أن الله سبحانه وتعالى مريد للخير والرحمة لعباده، وقضاء حوائجهم، إذا هم طلبوا من الله بصدق، ولجؤا إليه بالإخلاص قضى حوائجهم، بدون أن يكون هناك واسطة.
فتبيّن لنا إذاً الفرق بين الخالق والمخلوق، فغلِط المشركون في ذلك حيث سووا الخالق بالمخلوق، واتخذوا الشفعاء عنده كما يتخذون الشفعاء عند الملوك والرؤساء.

أما الشفاعة المنفية : هي الشفاعة التي تطلب من غير الله, هذه الشفاعة منفية، لأن الشفاعة ملك لله، لا تطلب إلاّ منه، وكذلك الشفاعة التي تطلب فيمن لا تقبل فيه، وهو الكافر، فالكافر والمشرك لا تقبل فيه الشفاعة:{مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ}، وقال الله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ}([6]).

قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في الكلام على هذه الآيات:" وَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ جَمِيعًا، قَطْعًا يَعْلَمُ مَنْ تَأَمَّلَهُ وَعَرَفَهُ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا، أَوْ شَفِيعًا، فَهُوَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ فَقَالَ تَعَالَى{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:23].
فَالْمُشْرِكُ إِنَّمَا يَتَّخِذُ مَعْبُودَهُ لِمَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ، وَالنَّفْعُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِمَّنْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ:
1_ إِمَّا مَالِكٌ لِمَا يُرِيدُهُ عِبَادُهُ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا.
2_ كَانَ شَرِيكًا لِلْمَالِكِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا لَهُ.
3_ كَانَ مُعِينًا لَهُ وَظَهِيرًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعِينًا وَلَا ظَهِيرًا.
4_ كَانَ شَفِيعًا عِنْدَهُ.
فَنَفَى سُبْحَانَهُ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ نَفْيًا مُتَرَتِّبًا، مُتَنَقِّلًا مِنَ الْأَعْلَى إِلَى مَا دُونَهُ، فَنَفَى الْمِلْكَ، وَالشِّرْكَةَ، وَالْمُظَاهَرَةَ، وَالشَّفَاعَةَ،الَّتِي يَظُنُّهَا الْمُشْرِكُ، وَأَثْبَتَ شَفَاعَةً لَا نَصِيبَ فِيهَا لِمُشْرِكٍ، وَهِيَ الشَّفَاعَةُ بِإِذْنِهِ. فَكَفَى بِهَذِهِ الْآيَةِ نُورًا، وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً، وَتَجْرِيدًا لِلتَّوْحِيدِ، وَقَطْعًا لِأُصُولِ الشِّرْكِ وَمُوَدَّاهُ لِمَنْ عَقَلَهَا، وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ أَمْثَالِهَا وَنَظَائِرِهَا، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْعُرُونَ بِدُخُولِ الْوَاقِعِ تَحْتَهُ، وَتَضَمُّنِهِ لَهُ، وَيَظُنُّونَهُ فِي نَوْعٍ وَفِي قَوْمٍ قَدْ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يُعْقِبُوا وَارِثًا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَبَيْنَ فَهْمِ الْقُرْآنِ. وَلَعَمْرُ اللَّهِ إِنْ كَانَ أُولَئِكَ قَدْ خَلَوْا، فَقَدْ وَرِثَهُمْ مَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ، أَوْ شَرٌّ مِنْهُمْ، أَوْ دُونَهُمْ، وَتَنَاوُلُ الْقُرْآنِ لَهُمْ كَتَنَاوُلِهِ لِأُولَئِكَ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ" ([7]).

ثم قال_ رحمه الله _: وَمِنْ أَنْوَاعِهِ: (أي الشرك) طَلَبُ الْحَوَائِجِ مِنَ الْمَوْتَى، وَالِاسْتِغَاثَةُ بِهِمْ، وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهِمْ, وَهَذَا أَصْلُ شِرْكِ الْعَالَمِ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ قَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا، فَضْلًا عَمَّنِ اسْتَغَاثَ بِهِ وَسَأَلَهُ قَضَاءَ حَاجَتِهِ، أَوْ سَأَلَهُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ إِلَى اللَّهِ فِيهَا، وَهَذَا مِنْ جَهْلِهِ بِالشَّافِعِ وَالْمَشْفُوعِ لَهُ عِنْدَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ لَمْ يَجْعَلِ اسْتِغَاثَتَهُ وَسُؤَالَهُ سَبَبًا لِإِذْنِهِ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ لِإِذْنِهِ كَمَالُ التَّوْحِيدِ.
فَجَاءَ هَذَا الْمُشْرِكُ بِسَبَبٍ يَمْنَعُ الْإِذْنَ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنِ اسْتَعَانَ فِي حَاجَةٍ بِمَا يَمْنَعُ حُصُولَهَا، وَهَذِهِ حَالَةُ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَالْمَيِّتُ مُحْتَاجٌ إِلَى مَنْ يَدْعُو لَهُ، وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ، كَمَا أَوْصَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا زُرْنَا قُبُورَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ نَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ، وَنَسْأَلَ لَهُمُ الْعَافِيَةَ وَالْمَغْفِرَةَ،فَعَكَسَ الْمُشْرِكُونَ هَذَا،وَزَارُوهُمْ زِيَارَةَ الْعِبَادَةِ، وَاسْتِقْضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ بِهِمْ، وَجَعَلُوا قُبُورَهُمْ أَوْثَانًا تُعْبَدُ، وَسَمَّوْا قَصْدَهَا حَجًّا، وَاتَّخَذُوا عِنْدَهَا الْوَقْفَةَ وَحَلَقَ الرَّأْسِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ الشِّرْكِ بِالْمَعْبُودِ الْحَقِّ، وَتَغْيِيرِ دِينِهِ، وَمُعَادَاةِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَنِسْبَةِ أَهْلِهِ إِلَى التَّنَقُّصِ لِلْأَمْوَاتِ، وَهُمْ قَدْ تَنَقَّصُوا الْخَالِقَ بِالشِّرْكِ، وَأَوْلِيَاءَهُ الْمُوَحِّدِينَ لَهُ، الَّذِينَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا بِذَمِّهِمْ وَعَيْبِهِمْ وَمُعَادَاتِهِمْ، وَتَنَقَّصُوا مَنْ أَشْرَكُوا بِهِ غَايَةَ التَّنَقُّصِ، إِذْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ رَاضُونَ مِنْهُمْ بِهَذَا، وَأَنَّهُمْ أَمَرُوهُمْ بِهِ، وَأَنَّهُمْ يُوَالُونَهُمْ عَلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَعْدَاءُ الرُّسُلِ وَالتَّوْحِيدِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَمَا أَكْثَرَ الْمُسْتَجِيبِينَ لَهُمْ! وَلِلَّهِ خَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيْثُ يَقُولُ {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} [إبراهيم: 35 - 36].
وَمَا نَجَا مِنْ شَرَكِ هَذَا الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ إِلَّا مَنْ جَرَّدَ تَوْحِيدَهُ لِلَّهِ، وَعَادَى الْمُشْرِكِينَ فِي اللَّهِ، وَتَقَرَّبَ بِمَقْتِهِمْ إِلَى اللَّهِ، وَاتَّخَذَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلِيَّهُ وَإِلَهَهُ وَمَعْبُودَهُ، فَجَرَّدَ حُبَّهُ لِلَّهِ، وَخَوْفَهُ لِلَّهِ، وَرَجَاءَهُ لِلَّهِ، وَذُلَّهُ لِلَّهِ، وَتَوَكُّلَهُ عَلَى اللَّهِ، وَاسْتِعَانَتَهُ بِاللَّهِ، وَالْتِجَاءَهُ إِلَى اللَّهِ، وَاسْتِغَاثَتَهُ بِاللَّهِ، وَأَخْلَصَ قَصْدَهُ لِلَّهِ، مُتَّبِعًا لِأَمْرِهِ، مُتَطَلِّبًا لِمَرْضَاتِهِ، إِذَا سَأَلَ سَأَلَ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَانَ اسْتَعَانَ بِاللَّهِ، وَإِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ، فَهُوَ لِلَّهِ، وَبِاللَّهِ، وَمَعَ اللَّهِ([8]).
فَهَذِهِ حَالُ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا، يَزْعُمُ أَنَّهُ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمَا أَعَزَّ مَنْ يَخْلُصُ مِنْ هَذَا؟ بَلْ مَا أَعَزَّ مَنْ لَا يُعَادِي مَنْ أَنْكَرَهُ! وَالَّذِي فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَسَلَفِهِمْ أَنَّ آلِهَتَهُمْ تَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، وَهَذَا عَيْنُ الشِّرْكِ، وَقَدْ أَنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَأَبْطَلَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ كُلَّهَا لَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ، وَرَضِيَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، وَهُمْ أَهْلُ التَّوْحِيدِ،الَّذِينَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَأْذَنُ لِمَنْ شَاءَ فِي الشَّفَاعَةِ لَهُمْ، حَيْثُ لَمْ يَتَّخِذْهُمْ شُفَعَاءَ مِنْ دُونِهِ، فَيَكُونُ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ مَنْ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ صَاحِبُ التَّوْحِيدِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ شَفِيعًا مِنْ دُونِ اللَّهِ رَبِّهِ وَمَوْلَاهُ.
وَالشَّفَاعَةُ:الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ هِيَ الشَّفَاعَةُ الصَّادِرَةُ عَنْ إِذْنِهِ لِمَنْ وَحَّدَهُ، وَالَّتِي نَفَاهَا اللَّهُ هِيَ الشَّفَاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ، الَّتِي فِي قُلُوبِ الْمُشْرِكِينَ، الْمُتَّخِذِينَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ، فَيُعَامَلُونَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ مِنْ شُفَعَائِهِمْ، وَيَفُوزُ بِهَا الْمُوَحِّدُونَ.
وَتَأَمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لِأَبِي هُرَيْرَةَ - وَقَدْ سَأَلَهُ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:"أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ"([9]).
كَيْفَ جَعَلَ أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُنَالُ بِهَا شَفَاعَتُهُ تَجْرِيدَ التَّوْحِيدِ، عَكْسَ مَا عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ الشَّفَاعَةَ تُنَالُ بِاتِّخَاذِهِمْ أَوْلِيَاءَهُمْ شُفَعَاءَ، وَعِبَادَتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَقَلَبَ النَّبِيُّ_ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مَا فِي زَعْمِهِمُ الْكَاذِبِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ سَبَبَ الشَّفَاعَةِ هُوَ تَجْرِيدُ التَّوْحِيدِ، فَحِينَئِذٍ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلشَّافِعِ أَنْ يُشَفَّعَ.

وَمِنْ جَهْلِ الْمُشْرِكِ اعْتِقَادُهُ أَنَّ مَنِ اتَّخَذَهُ وَلِيًّا أَوْ شَفِيعًا أَنَّهُ يَشْفَعُ لَهُ، وَيَنْفَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، كَمَا يَكُونُ خَوَاصُّ الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ تَنْفَعُ شَفَاعَتُهُمْ مَنْ وَالَاهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَأْذَنُ فِي الشَّفَاعَةِ إِلَّا لِمَنْ رَضِيَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255].
وَفِي الْفَصْلِ الثَّانِي {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28].
وَبَقِيَ فَصْلٌ ثَالِثٌ، وَهُوَ: أَنَّهُ لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ إِلَّا التَّوْحِيدَ، وَاتِّبَاعَ الرَّسُولِ، وَعَنْ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ يَسْأَلُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَلِمَتَانِ يُسْأَلُ عَنْهُمَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ: مَاذَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ وَمَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ؟
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ، تَقْطَعُ شَجَرَةَ الشِّرْكِ مِنْ قَلْبِ مَنْ وَعَاهَا وَعَقَلَهَا لَا شَفَاعَةَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَأْذَنُ إِلَّا لِمَنْ رَضِيَ قَوْلَهُ وَعَمَلَهُ، وَلَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ إِلَّا تَوْحِيدَهُ، وَاتِّبَاعَ رَسُولِهِ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ شِرْكَ الْعَادِلِينَ بِهِ غَيْرَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1]. وَأَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُمْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمَحَبَّةِ، كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 98]. وَكَمَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}[البقرة: 165].

وَتَرَى الْمُشْرِكَ يُكَذِّبُ حَالَهُ وَعَمَلَهُ قَوْلُهُ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا نُحِبُّهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ، وَلَا نُسَوِّيهِمْ بِاللَّهِ، ثُمَّ يَغْضَبُ لَهُمْ وَلِحُرُمَاتِهِمْ- إِذَا انْتُهِكَتْ- أَعْظَمَ مِمَّا يَغْضَبُ لِلَّهِ، وَيَسْتَبْشِرُ بِذِكْرِهِمْ، وَيَتَبَشْبَشُ بِهِ،سِيَّمَا إِذَا ذُكِرَ عَنْهُمْ مَا لَيْسَ فِيهِمْ مِنْ إِغَاثَةِ اللَّهَفَاتِ،وَكَشْفِ الْكُرُبَاتِ، وَقَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَأَنَّهُمُ الْبَابُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، فَإِنَّكَ تَرَى الْمُشْرِكَ يَفْرَحُ وَيُسَرُّ وَيَحِنُّ قَلْبُهُ، وَتَهِيجُ مِنْهُ لَوَاعِجُ التَّعْظِيمِ وَالْخُضُوعِ لَهُمْ وَالْمُوَالَاةِ، وَإِذَا ذَكَرْتَ لَهُ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَجَرَّدْتَ تَوْحِيدَهُ لَحِقَتْهُ وَحْشَةٌ، وَضِيقٌ، وَحَرَجٌ وَرَمَاكَ بِنَقْصِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَهُ، وَرُبَّمَا عَادَاكَ([10]).

فكل من سأل ميتاً الشفاعة فقد حرم نفسه الشفاعة؛ لأنه أشرك بالله -جل وعلا- والشفاعة المثبتة إنما هي لأهل الإخلاص، ليس لأهل الشرك فيها نصيب.
وهاهنا سؤال: لمَ لم يتفضل الله عليهم بأن يغفر لهم بدون واسطة الشفاعة؟
والجواب: عن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية هنا بقوله:ليكرمه:أي إظهاراً لفضل الشافع، وإكرام الله -تعالى- له في ذلك المقام، فإن من المعلوم أن الشافع -الذي قبلت شفاعته- ليس في المقام مثل المشفوع له، فالله -جل وعلا- يُظهر إكرامه لمن أذن له أن يشفع، ويظهر رحمته بالشافع، فقد تكون للشافع قرابةٌ، أو أحباب يريد أن يشفع لهم، ولذلك فإن الشفاعة يوم القيامة لأهل الكبائر ليست خاصة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- بل يشفع -أيضاً الأنبياء، والملائكة، والصالحون.
فهذه شفاعات مختلفة في أهل الكبائر جعلها الله إكراماً للشافع، ورحمة به، وأيضاً رحمة بالمشفوع له، وإظهاراً لفضل الله -جل وعلا- على الشافع، والمشفوع له.

فالحاصل:أن حقيقة الشفاعة تكون بتفضل _الله تعالى- على المأذون له بالشفاعة ليشفع وإكرامه بذلك، ثم تفضله على المشفوع له ورحمته بقبول الشفاعة فيه. وهذا كله دال -لمن كان له قلب- على عظم الله -جل وعلا- وتفرده بالملك، وتفرده بتدبير الأمر وأنه -سبحانه- الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي له الشفاعة كلها، وهو الذي له ملك الأمر كله، ليس لأحد منه شيء، وإنما يُظهر -سبحانه- فضله، وإحسانه ورحمته، وكرمه لتتعلق به القلوب، فبطل -إذاً- أن يكون ثَمَّ تعلق للقلب بغير الله -جل وعلا- لأجل الشفاعة, وبطل -أيضاً- صنيع الذين تعلقوا بالأولياء، أو تعلقوا بالصالحين، أو بالأنبياء، أو بالملائكة لأجل الشفاعة، فإذا تبين هذه الشفاعة، وحقيقتها، وأنها محض فضل من الله _سبحانه وتعالى_ إكرام، أوجب ذلك تعلق القلوب به سبحانه في طلب الشفاعة، ورجائها، فالله تعالى هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها، لا يبتدئون بالقول، ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلون،ويخافون، ويثنون على الله، ويحمدون، حتى يؤذَن لهم بالشفاعة.

فثبت بذلك أن المستحقين للشفاعة هم الذين أنعم الله عليهم بالإخلاص، ووفقهم لتعظيمه، وتعلقت قلوبهم به وحده دون ما سواهم، بخلاف الذين حُرموها من المشركين بالله الشرك الأكبر، فلا نصيب لهم منها؛ لأن الشفاعة فضل من الله لأهل الإخلاص, فتبين بهذا الباب أن الشفاعة التي تعلقت بها قلوب أولئك الخرافيين المشركين باطلة: وأن قولهم:{هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18] قول باطل؛ إذ الشفاعة التي تنفع إنما هي لأهل الإخلاص، ثم إن طلبها وسؤالها من غير الله تعالى مؤذنٌ بحرمانهم إياها، ما داموا طلبوها من غير الله، ووقعوا في الشرك الصريح.


أنواع الشفاعة

وقد قسم أهل العلم _رحمهم الله_ الشفاعة إلى قسمين رئيسيين، هما:
القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الْخَاصَّةُ بِنَبِيِّنَا _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. روى البخاري في صحيحه ( 3340 ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فِي دَعْوَةٍ،«فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً» وَقَالَ: أَنَا سَيِّدُ القَوْمِ يَوْمَ القِيَامَةِ،هَلْ تَدْرُونَ بِمَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ:أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، إِلَى مَا بَلَغَكُمْ؟ أَلاَ تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ:أَبُوكُمْ آدَمُ فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الجَنَّةَ، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فَيَأْتُونِي فَأَسْجُدُ تَحْتَ العَرْشِ، فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ ".
النوع الثاني: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها، لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع له، فيشفع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، ويشير إلى ذلك قوله تعالى:{حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها } [الزمر: 73]، فقال:{وفتحت} فهناك شيء محذوف أي: وحصل ما حصل من الشفاعة، وفتحت الأبواب، أما النار، فقال فيها:{حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها..} الآية.
وروى الإمام مسلم: (333) وغيره عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ _صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_:"آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ:بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ ".
النوع الثالث: شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب وهذه مستثناة من قوله تعالى:{ فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [المدثر: 48]، وقوله تعالى:{ يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً } [طه: 109]، وذلك لما كان لأبي طالب من نصرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ودفاع عنه، وهو لم يخرج من النار، لكن خفف عنه حتى صار - والعياذ بالله - في ضحضاح من نار، وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وهذه الشفاعة خاصة بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا أحد يشفع في كافر أبداً إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك لم تقبل الشفاعة كاملة، وإنما هي تخفيف فقط .
هذه الثلاثة خاصة به صلى الله عليه وسلم .

القسم الثاني: الشفاعة العامة له - صلى الله عليه وسلم - ولجميع المؤمنين.
وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وقد تواترت بها الأحاديث وأجمع عليها الصحابة، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين، وهما: المعتزلة والخوارج، فإنهم ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقاً لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ومن استحق الخلود، فلا تنفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخولها أن يخرجوا منها، لكن قولهم هذا باطل بالنص والإجماع. عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي" ([11]).

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَنَزِيُّ، قَالَ: اجْتَمَعْنَا نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَذَهَبْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَذَهَبْنَا مَعَنَا بِثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ إِلَيْهِ، يَسْأَلُهُ لَنَا عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَإِذَا هُوَ فِي قَصْرِهِ، فَوَافَقْنَاهُ يُصَلِّي الضُّحَى، فَاسْتَأْذَنَّا، فَأَذِنَ لَنَا وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقُلْنَا لِثَابِتٍ: لَا تَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ أَوَّلَ مِنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، هَؤُلَاءِ إِخْوَانُكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، جَاؤُوكَ يَسْأَلُونَكَ عَنْ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ:اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ، فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى، فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّهِ، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، لَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى، فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْتُونِي،فَأَقُولُ:أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي.
فَيُقَالُ:انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ:يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ" .
قَالَ:فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ أَنَسٍ، قُلْتُ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا لَوْ مَرَرْنَا بِالْحَسَنِ، وَهُوَ مُتَوَارٍ فِي مَنْزِلِ أَبِي خَلِيفَةَ، فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَأَتَيْنَاهُ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، جِئْنَاكَ مِنْ عِنْدِ أَخِيكَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَ مَا حَدَّثَنَا فِي الشَّفَاعَةِ، فَقَالَ:هِيهْ؟ فَحَدَّثَاهُ بِالْحَدِيثِ، فَانْتَهَى إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ: هِيهْ؟ فَقُلْنَا لَمْ يَزِدْ لَنَا عَلَى هَذَا، فَقَالَ:لَقَدْ حَدَّثَنِي وَهُوَ جَمِيعٌ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا أَدْرِي، أَنَسِيَ أَمْ كَرِهَ أَنْ تَتَّكِلُوا؟ فَقُلْنَا: يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَحَدِّثْنَا، فَضَحِكَ وَقَالَ: خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا! مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ،حَدِيثِي كَمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ، قَالَ:" ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) فَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي، لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، قَالَ:"فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: شَفَعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ"([12]). الْحَدِيثَ

النوع الثاني: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال - صلى الله عليه وسلم - في أبي سلمة: "اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه"([13]) والدعاء شفاعة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً، إلا شفعهم الله فيه"([14]).
إشكال وجوابه:
فإن قيل:إن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه، فكيف يسمى دعاء الإنسان لأخيه شفاعة وهو لم يستأذن من ربه؟
والجواب:إن الله أمر بأن يدعو الإنسان لأخيه الميت، وأمره بالدعاء إذن وزيادة([15]).

وخلاصة:الباب أن تعلق أولئك بالشفاعة عاد عليهم بعكس ما أرادوا، فإنهم لما تعلقوا بالشفاعة حرموها؛ لأنهم تعلقوا بشيء لم يأذن الله -جل وعلا- به شرعاً؛ حيث استخدموا الشفاعات الشركية، وتوجّهوا إلى غير الله، وتعلقت قلوبهم بهذا الغير([16]).

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى، وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أُذن له شَفَع.
السادسة: من أسعد الناس بها؟.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
-----------------------------
([1]) أخرجه البخاري (3340) ومسلم (194).
([2]) أخرجه البخاري (6570).
([3])هذا لفظ البخاري ورواه الإمام أحمد (19584) بلفظ:حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّهُ سَأَلَهُ سَائِلٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ " وأخرجه البخاري برقم: (1432) .
([4]) انظر القول المفيد: (ج1_ص329), وإعانة المستفيد: (ج1_ص236).
([5])روى البخاري في صحيحه: (4476) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:" يَجْتَمِعُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ:أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ(1) وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحِي، ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَيَسْتَحِي، فَيَقُولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُوسَى، عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ، فَيَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ، فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، وَكَلِمَةَ اللَّهِ وَرُوحَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنَ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ، فَأَقُولُ مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الخُلُودُ ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرْآنُ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {خَالِدِينَ فِيهَا} [البقرة: 162].
(1) (لست هناكم) لست أهلا لهذه المرتبة وهذا العمل.
([6]) انظر إعانة المستفيد : (ج1_ص 237_ص238).
([7])انظر مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ( ج1_ص601), ط دار طيبة.
([8])مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ( ج1_ص607 ) .
([9]) البخاري كتاب العلم باب الحرص على الحديث ( 99 ).
([10]) مدارج السالكين : ( ج1_ص 595_ص599 ).
([11]) رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ( 13222), و والترمذي (2435), وأخرجه أبو داود (4739) ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم على شرط الشيخين.
([12]) رواه مسلم: (302).
([13])رواه مسلم: كتاب الجنائز باب في إغماض الميت: (2/634) .
([14]) رواه مسلم كتاب الجنائز باب في إغماض الميت: (2/655).
([15]) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد: (ج1_ص 331_ص334).
([16]) انظر التمهيد : (ص214_ص216).

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/61381901445.pdf)

الحياة أمل
2013-10-20, 08:03 AM
(17)
باب
قول الله تعالى:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[القصص: 56]

وفي الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة ، جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمةً أحاج لك بها عند الله فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فأعاد عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فأعادا،
فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب،وأبى أن يقول:لا إله إلا الله،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم:لأستغفرن لك، ما لم أُنه عنك, فأنزل الله عز وجل:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [التوبة: 113].
وأنزل الله -تبارك وتعالى- في أبي طالب:{إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}[القصص: 56] ([1]).

~: الشرح :~
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد:
أن الهداية من أعز المطالب ، وأعظم ما تعلق به المتعلقون بغير الله؛أن يحصل لهم النفع الدنيوي والأخروي من الذين توجهوا إليهم ، واستشفعوا بهم.
ولما كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ وهو أفضل الخلق ، وسيد ولد آدم قد نفى الله عنه أن يملك الهداية - وهي نوع من أنواع المنافع - دل ذلك على أنه عليه الصلاة والسلام ، ليس له من الأمر شيء ، كما جاء فيما سبق في باب قول الله تعالى:{ أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } [ الأنعام :191] في سبب نزول قول الله تعالى:{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } [ آل عمران : 128 ]
فإذا كان النبي-عليه الصلاة والسلام - ليس له من الأمر شيء،ولا يستطيع أن ينفع قرابته ،كما جاء في قوله:"يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا"([2]).
أقول:إذا كان هذا في حق المصطفى_ صلى الله عليه وسلم_ ، وأنه لا يغني من الله -جل وعلا - عن أحبابه شيئا ، وعن أقاربه شيئا ولا يملك شيئا من الأمر وليست بيده هداية التوفيق ، فإنه أن ينتفي ذلك، وما دونه،عن غير النبي_ صلى الله عليه وسلم_ من باب أولى, فبطل - إذا - كل تعلق للمشركين - من هذه الأمة - بغير الله جل وعلا ؛ لأن كل من تعلقوا به هو دون النبي عليه الصلاة والسلام بالإجماع،
فإذا كانت هذه حال النبي عليه الصلاة والسلام ،وقد نفى الله عنه ملك هذه الأمور ، فإن نفي ذلك عن غيره من باب أولى, وهذا الحديث يقطع وسائل الشرك بالرسول _صلى الله عليه وسلم_ وغيره; فالذين يلجئون إليه _صلى الله عليه وسلم_:ويستنجدون به مشركون; فلا ينفعهم ذلك لأنه لم يؤذن له أن يستغفر لعمه، مع أنه قد قام معه قياما عظيما، ناصره وآزره في دعوته; فكيف بغيره ممن يشركون بالله؟!([3]).

قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -:
يقول تعالى لرسوله:إنك يا محمد لا تهدي من أحببت، أي ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ والله يهدي من يشاء. وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، كما قال تعالى:{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.وقال تعالى:{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}.

قلت:والمنفي هنا هداية التوفيق والقبول فإن أمر ذلك إلى الله، وهو القادر عليه,
وأما الهداية المذكورة في قول الله تعالى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.فإنها هداية الدلالة والبيان، فهو المبيِّن عن الله، والدالُّ على دينه وشرعه,

فإن قلت:أليس الله جل وعلا قال في الآية الأخرى:{وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فأثبت في هذه الآية أن الرسول يهدي إلى صراط مستقيم؟
فالجواب:عن ذلك:أن الهداية هدايتان: هداية يملكها الرسول _صلى الله عليه وسلم_، وهداية لا يملكها,
أما الهداية التي يملكها الرسول فهي: هداية الإرشاد والدعوة والبيان ويملكها كل عالم يدعو إلى الخير,
أما الهداية المنفيّة فهي: هداية القلوب، وإدخال الإيمان في القلوب، فهذه لا يملكها أحد إلاّ الله _سبحانه وتعالى_ فنحن علينا الدعوة، وهداية الإرشاد والإبلاغ، أما هداية القلوب فهذه بيد الله سبحانه وتعالى، لا أحد يستطيع أن يوجد الإيمان في قلب أحد إلاّ الله عزّ وجلّ، هذا هو الجواب عن الآيتين الكريمتين.

قوله:{وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} فلا يضع هداية القلب إلاّ فيمن يستحقّها،أما الذي لا يستحقّها فإن الله يحرمه منها، والله عليم حكيم جلّ وعلا، ما يُعطي هداية القلب لكل أحد، وإنما يُعطيها سبحانه من يعلم أنه يستحقّها، وأنه أهل لها، أما الذي يعلم منه أنه ليس أهلا لها، ولا يستحقّها، فإن الله يحرمه منها، ومن ذلك حرمان أبي طالب، حرمه الله من الهداية لأنه لا يستحقّها، فلذلك حرمه منها،
والحرمان له أسباب:
منها:التعصّب للباطل، وحميّة الجاهلية تسبّبان أن الإنسان لا يوفّقه الله جل وعلا، فمن تبيّن له الحق ولم يقبله فإنه يعاقب بالحرمان -والعياذ بالله-، يعاقب بالزّيغ والضلال، ولا يقبل الحق بعد ذلك، فهذا فيه الحثّ على أن من بلغه الحق وجب عليه أن يقبله مباشرة، ولا يتلكّأ ولا يتأخر، لأنه إن تأخر فحريّ أن يُحرم منه:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}([4]).

مناسبة هذا الباب لما قبله:
مناسبته أنه نوع من الباب الذي قبله، فإذا كان لا أحد يستطيع أن ينفع أحدا بالشفاعة والخلاص: من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدا; فيقوم بما أمر الله به.

وقوله:{ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ }. ظاهره أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ يحب أبا طالب; فكيف يئول ذلك؟
والجواب:
1_ إما أن يقال:إنه على تقدير أن المفعول محذوف، والتقدير من أحببت هدايته لا من أحببته هو.
2_ أو يقال: إنه أحب عمه محبة طبيعية كمحبة الابن أباه ولو كان كافرا.
3_ أو يقال: إن ذلك قبل النهي عن محبة المشركين.
والأول أقرب; أي: من أحببت هدايته لا عينه، وهذا عام لأبي طالب وغيره ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أحب أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله([5]).

قوله:{مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى}
أي ما ينبغي لهم ذلك وهو: خبر بمعنى النهي,والظاهر أن هذه الآية نزلت في أبي طالب,فإن الإتيان بالفاء المفيدة للترتيب ,في قوله ( فأنزل الله ) بعد قوله ( لاستغفرن لك ما لم أنه عنك) يفيد ذلك.

واعلم:أن ما كان أو ما ينبغي أو لا ينبغي ونحوها إذا جاءت في القرآن والحديث; فالمراد أن ذلك ممتنع غاية الامتناع; كقوله تعالى:{ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ }، وقوله:{ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً }، وقوله:{ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ }
وقوله:_ صلى الله عليه وسلم_:" إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام "([6]).

وقوله (أن يستغفروا); أي: يطلبوا المغفرة للمشركين

قوله:{ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى } أي: حتى ولو كانوا أقارب لهم، ولهذا لما اعتمر النبي _صلى الله عليه وسلم_: ومر بقبر أمه استأذن الله أن يستغفر لها فما أذن الله له، فاستأذنه أن يزور قبرها فأذن له; فزاره للاعتبار وبكى وأبكى من حوله من الصحابة([7])
فالله منعه من طلب المغفرة للمشركين; لأن هؤلاء المشركين ليسوا أهلا للمغفرة إذا دعوت الله أن يفعل ما لا يليق; فهو اعتداء في الدعاء([8]).

قوله (قل لا إله إلا الله) أمره أن يقولها لعلم أبي طالب بما دلت عليه من نفي الشرك بالله وإخلاص العبادة له وحده، فإن من قالها عن علم ويقين فقد برئ من الشرك والمشركين ودخل في الإسلام؛ لأنهم يعلمون ما دلت عليه، وفي ذلك الوقت لم يكن بمكة إلا مسلم أو كافر. فلا يقولها إلا من ترك الشرك وبرئ منه.
وفي هذا القدر من الحديث فائدة، وهي أن هذه الكلمة (لا إله إلا الله) ليست كلمة مجردة عن المعنى، تنفع من قالها، ولو لم يُقرّ بمعناها, والعرب كانوا لصلابتهم، وعزتهم، ورجولتهم، ومعرفتهم بما يقولون- إذا تكلموا، أو خوطبوا بكلام يعون كل حرف، وكل كلمة خوطبوا بها، أو نطقوا بها، ولذلك لما قيل لهم: قولوا: لا إله إلا الله -مع أنها كلمة يسيرة- أبوا؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة معناها إبطال آلهة من سوى الله -جل وعلا- ولهذا قال جل وعلا:{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} الآيات [الصافات: 37].

وكذلك قول الله جل وعلا مخبراً عن قولهم في أول سورة (ص):{أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً}[ص: 5] استنكروا قول: (لا إله إلا الله) وهذا هو الذي حصل مع أبي طالب لما قال له النبي _صلى الله عليه وسلم_: قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله. فلو كانت مجردة من المعنى عندهم، أو يمكن أن يقولها المرء دون اعتقاد ما فيها، ورضىً بما فيها ويقين وانتفاء الريب لقالها، ولكن ليس هذا هو المقصود من قول (لا إله إلا الله) بل المقصود هو قولها مع تمام اليقين بها، وانتفاء الريب، والعلم، والمحبة، إلى آخر الشروط المعروفة ([9]).

ومن حكمة الرب تعالى في عدم هداية أبي طالب إلى الإسلام ليبين لعباده أن ذلك إليه وهو القادر عليه دون من سواه, فلو كان عند النبي _صلى الله عليه وسلم_ الذي هو أفضل خلقه من هداية القلوب وتفريج الكروب ومغفرة الذنوب والنجاة من العذاب ونحو ذلك شيءٌ:لكان أحق الناس بذلك وأولاهم به عمه الذي كان يحوطه ويحميه وينصره ويؤويه، فسبحان من بهرت حكمته العقول! وأرشد العباد إلى ما يدلهم على معرفته وتوحيده، وإخلاص العمل له وتجريده.

فإذا كان الله _عز وجل_ نهى الرسل، والأنبياء، والأولياء، وغيرهم من أهل الصلاح في حال حياتهم- عن الاستغفار لهؤلاء المشركين، فهذا يدل أنه لو فرض أنهم يقدرون على الاستغفار في حال حياتهم البرزخية فإنهم لن يستغفروا للمشركين، ولن يسألوا الله لمن توجه إليهم -حال موتهم- لطلب الاستشفاع، أو لطلب الإغاثة، أو غيرها من العبادات، وأنواع التوجهات. والله أعلم([10]).

وكان من قول أبي طالب:
ولقد علمت أن دين محمَّد ... من خير أديان البرية ديناً
لو لا الملامة أو حذار مسبة ... لرأيتني سمحاً بذاك مبيناً

ومما قاله أيضاً حمية للنبي _صلى الله عليه وسلم_:
كذبتم وبيت الله نبزي محمداً ... ولما نطاعن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

إلى أن قال:
ولقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطل


إلى أن قال:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي إلهاً ليس عنه بغافل

إلى أن قال:
فو الله لولا أن أجي بمسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدًّا غير قول التهازل

وقال في قصيدته النونية معترفاً بدينه الحق:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا

إلى أن قال:
ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبينا([11])

ومع هذا كله لم ينتفع لأنه لم يأتي بالتوحيد منقادا له معترفا فيه اعتراف مستسلم منقاد, ففيه ردٌ على المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان مجرد المعرفة.

: إشكال وجوابه :
قوله لما حضرت أبا طالب الوفاة يشكل مع قوله تعالى:{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ } وظاهر الحديث قبول توبته والجواب عن ذلك من أحد وجهين:
الأول:أن يقال لما حضرت أبا طالب الوفاة، أي ظهر عليه علامات الموت ولم ينزل به، ولكن عرف موته لا محالة، وعلى هذا; فالوصف لا ينافي الآية.
الثاني:أن هذا خاص بأبي طالب مع النبي صلى الله عليه وسلم ويستدل لذلك بوجهين:
أ- أنه قال: (كلمة أحاج لك بها عند الله)، ولم يجزم بنفعها له،ولم يقل: كلمة تخرجك من النار.
ب- أنه سبحانه أذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالشفاعة لعمه مع كفره، وهذا لا يستقيم إلا له، والشفاعة له ليخفف عنه العذاب
ويضعف الوجه الأول أن المعنى ظهرت عليه علامات الموت: بأن قوله: ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ). مطابقا تماما لقوله تعالى:{ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ }. وعلى هذا يكون الأوضح في الجواب أن هذا خاص بالنبي _صلى الله عليه وسلم_ مع أبي طالب نفسه([12]).

ويؤكد ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح في:بَاب ُ( إِذَا قَالَ الْمُشْرِكُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَه إِلَّا الله ).
قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ لَمْ يَأْتِ بِجَوَابِ إِذَا لِأَنَّهُ _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لَمَّا قَالَ لِعَمِّهِ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا قَالَهَا وَقَدْ أَيْقَنَ بِالْوَفَاةِ لَمْ يَنْفَعْهُ([13]).

فيه مسائل:
الأولى: تفسير {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
الثانية: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}.
الثالثة:وهي المسألة الكبرى تفسير قوله (قل لا إله إلا الله) بخلاف ما عليه من يدَّعي العلم.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قال للرجل: (قل لا إله إلا الله) فَقَبَّح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
الخامسة: جِدُّه -صلى الله عليه وسلم- ومبالغته في إسلام عمه.
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه صلى الله عليه وسلم استغفر له فلم يُغفر له، بل نُهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
العاشرة: استدلال الجاهلية بذلك.
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم؛ لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين؛ لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته صلى الله عليه وسلم وتكريره، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها.
_____________________
([1]) أخرجه البخاري (1360) و(3884) و(4675) و(4772) و(6681) ومسلم (24).
([2]) أخرجه البخاري (4770) ومسلم (208).
([3]) انظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد: (ص219),والقول المفيد: (ج1_ص353).
([4]) انظر فتح المجيد: (ص241),و إعانة المستفيد: (ج1_ص258).
([5]) انظر القول المفيد: (ج1_ص349).
([6]) من حديث أبي موسى, رواه مسلم _كتاب الإيمان_ باب في قوله :_عليه الصلاة والسلام_: "إن الله لا ينام" (1/160).
([7]) رواه مسلم _كتاب الجنائز_, باب استئذان النبي _صلى الله عليه وسلم _:ربه عز وجل زيارة أمه,( 2/671).
([8])ينظر فتح المجيد (ص246), و القول المفيد: (ج1_ص352).
([9]) ينظر فتح المجيد: (ص 242_243), والتمهيد لشرح كتاب التوحيد: (ص222).
([10]) انظر فتح المجيد: (ص244),و التمهيد (ص224).
([11]) ينظر فتح الله الحميد المجيد في شرح كتاب التوحيد.
([12]) انظر القول المفيد: (ج1_ص354).
([13]) انظر فتح الباري: (ج3_ص 282), ط دار السلام .ومختصر البخاري للألباني: (ج1_398) حديث رقم: (1360) في الأصل وفي المختصر برقم: (652) .


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/01382241742.pdf)

الحياة أمل
2013-10-23, 10:45 AM
(18)
باب
ما جاء أن سبب كفر بني آدم
وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين


وقول الله تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ }[ النساء:171 ].
وفي الصحيح عن ابن عباس - رضي الله عنهما – قال في قول الله تعالى:{ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا }[ نوح:23 ]. قال:هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم:أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت([1]).
وقال ابن القيم:قال غير واحد من السلف:لما ماتوا عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم.
وعن عمر أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال:« لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد ، فقولوا:عبد الله ورسوله» أخرجاه([2]).
وقال:قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_:« إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو»([3]).
ولمسلم:عن ابن مسعود أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم _قال:« هلك المتنطعون قالها ثلاثا »([4]).

الشرح:
يعني: ما ورد من الأدلة من أن: ( سبب كفر بني آدم..... ).
والغلو في الصالحين هو: الزيادة في مدحهم، ورفعهم فوق مكانتهم؛ بأن يُجعل لهم شيءٌ من العبادة.
أراد المصنف - رحمه الله تعالى - بيان ما يئول إليه الغلو في الصالحين من الشرك بالله في الإلهية الذي هو أعظم ذنب عُصي الله به،وهو ينافي التوحيد الذي دلت عليه كلمة الإخلاص:شهادة أن لا إله إلا الله([5]).
وقد بين الشيخ - رحمه الله - فيما سبق من الأبواب أصولا عظيمة ،وأقام البراهين على التوحيد وبين ما يتعلق به المشركون وأبطل أصول اعتقادهم بالشريك ،أو الظهير ،أو الشفيع ،ونحو ذلك.
فإذا كان التوحيد ظاهرا والأدلة عليه من النصوص بينة، فكيف - إذا - دخل الشرك ؟ وكيف وقع الناس فيه والأدلة على انتفائه وبطلانه وعدم جوازه ظاهرة ؟ مع أن الرسل جميعا بعثوا، ليعبد الله وحده دون ما سواه، كما قال تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ } [ النحل: 36] ، فما سبب الغواية ؟ وما سبب الشرك؟
فإذا كانت قضية التوحيد من أوضح الواضحات والأبواب السالفة دالة بظهور ووضوح على وجوب إحقاق عبادة الله وحده ، وعلى إبطال عبادة كل من سوى الله - جل جلاله وتقدست أسماؤه - فما سبب وقوع الشرك إذا ؟ وكيف وقعت فيه الأمم ؟ وللأجوبة على هذه الأسئلة أورد الشيخ - رحمه الله - هذا الباب وما بعده؛ليبين أن سبب الشرك وسبب الكفر هو:الغلو الذي نهى الله - جل وعلا - عنه، ونهى عنه رسوله _صلى الله عليه وسلم_، سواء في هذه الأمة أو في الأمم السابقة، فأحد أسباب وقوع الكفر والشرك هو:الغلو في الصالحين،بل هو سببهما الأعظم.
قال هنا: (باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين). هذا ذكر للأسباب ، بعد ذكر الأصول والعقائد.
قوله (هو الغلو في الصالحين ) الغلو:مأخوذ من غلا الشيء:يغلو ، غلوا:إذا جاوز به حده وقد جاء في الحديث:« أن النبي_صلى الله عليه وسلم_ لما رمى الجمرات بحصيات قال: بمثل هذه فارموا وإياكم والغلو»([6]). يعني:لا تجاوزوا الحد حتى في حجم تلك الحصاة ، ومقدارها ولذلك أرشدهم إلى الحجم الذي ينبغي أن تكون عليه بقوله:« بمثل هذه فارموا » فإذا جاوز في المثلية،بأن رمى بكبيرة:فإنه قد غلا،يعني:جاوز الحد الذي حد له في ذلك فالغلو - إذا – هو: مجاوزة الحد.
والمقصود بـ ( الغلو في الصالحين ) الذي هو سبب كفر بني آدم ، وتركهم دينهم الذي أمروا به:أنهم تجاوزوا الحد الواجب في تعظيمهم حتى آل بهم الأمر إلى الشرك.
فالحد المأذون به شرعا في حقهم مطلوب،وهذه هي الحالة الأولى. والغلو مذموم شرعا، ومنهي عنه وهذه هي الحالة الثانية،ويقابلها:الجفاء في حقهم وهي الحالة الثالثة. وهذا الجفاء له صور منها:عدم موالاتهم،وبخسهم حقهم ،وترك محبتهم ،فالحاصل:أن كل تقصير في حقهم يعد جفاء، وكل زيادة فيه يعد غلو.
قوله (سبب كفر بني آدم) السبب في اللغة:ما يتوصل به إلى غيره، ومنه قوله تعالى:{ فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع } [الحج: 15]، أي: بشيء يوصله إلى السماء, ومنه أيضاً سمي الحبل سبباً، لأنه يتوصل به إلى استسقاء الماء من البئر, وأما في الاصطلاح عند أهل الأصول:فهو الذي يلزم من جوده الوجود ومن عدمه العدم. أي: إذا وجد السبب وجد المسبب، وإذا عدم عُدِمَ المسبب، إلا أن يكون هناك سبب آخر يثبت به المسبب, والصالح: هو الذي قام بحق الله وحق العباد([7]).
والشاهد من هذه الآية قوله:{ لا تغلو في دينكم }، فنهى عن الغلو في الدين، لأنه يتضمن مفاسد كثيرة، منها:
1_ أنه تنزيل للمغلو فيه فوق منزلته إن كان مدحاً، وتحتها إن كان قدحاً.
2_ أنه يؤدي إلى عبادة هذا المغلو فيه كما هو الواقع من أهل الغلو.
3_ أنه يصد عن تعظيم الله- سبحانه وتعالى-:لأن النفس إما أن تنشغل بالباطل أو بالحق، فإذا انشغلت بالغلو بهذا المخلوق وإطرائه وتعظيمه، تعلقت به ونسيت ما يجب لله تعالى من حقوق.
4_ أن المغلو فيه إن كان موجوداً، فإنه يزهو بنفسه، ويتعاظم ويعجب بها، وهذه مفسدة تفسد المغلو فيه إن كانت مدحاً،وتوجب العداوة والبغضاء وقيام الحروب والبلاء بين هذا وهذا إن كانت قدحاً([8]).
قوله ( إنما أنا عبد) أي: ليس لي حق في الربوبية، ولا مما يختص به الله - عز وجل - أبداً.
قوله: ( فقولوا عبد الله ورسوله) هذان الوصفان أصدق وصف وأشرفه في الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فأشرف وصف للإنسان أن يكون من عباد الله، قال تعالى:{ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً }[الفرقان: 63]. وقال تعالى:{ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} [الصافات:171].
فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن كونهم عباداً لله - عز وجل - أشرف وأعظم، وأشرف وصف له وأحق وصف به، ولهذا يقول الشاعر في محبوبته:
لا تدعني إلا بيا عبادها **** فإنه أشرف أسمائي

أي: أنت إذا أردت أن تكلمني قل: يا عبد فلانة، لأنه أشرف أسمائي وأبلغ في الذل,
فمحمد - صلى الله عليه وسلم - عبد لا يعبد،ورسول لا يكذب، ولهذا نقول في صلاتنا عندما نسلم عليه ونشهد له بالرسالة:وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فهذا أفضل وصف اختاره النبي عليه الصلاة والسلام لنفسه.
واعلم أن الحقوق ثلاثة أقسام، وهي:
الأول: حق لله لا يشرك فيه غيره:لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
الثاني: حق خاص للرسل، وهو إعانتهم وتوقيرهم وتبجيلهم بما يستحقون.
الثالث: حق مشترك، وهو الإيمان بالله ورسله، وهذه الحقوق موجودة في الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:{لتؤمنوا بالله ورسوله}، فهذا حق مشترك،{وتعزروه وتوقروه} هذا خاص بالرسول - صلى الله عليه وسلم -:{وتسبحوه بكرة وأصيلاً} [الفتح: 9]. هذا خاص بالله - سبحانه وتعالى- والذين يغلون في الرسول - صلى الله عليه وسلم - يجعلون حق الله له، فيقولون:{وتسبحوه}،أي:الرسول، فيسبحون الرسول كما يسبحون الله، ولا شك أنه شرك، لأن التسبيح من حقوق الله الخاصة به،بخلاف الإيمان، فهو من الحقوق المشتركة بين الله ورسوله([9]).
قوله: ( المتنطعون ) المتنطع: هو المتعمق المتقعر المتشدق، سواء كان في الكلام أو في الأفعال، فهو هالك، حتى ولو كان ذلك في الأقوال المعتادة، فبعض الناس يكون بهذه الحال، حتى إنه ربما يقترن بتعمقه وتنطعه الإعجاب بالنفس في الغالب، وربما يقترن به الكبر، فتجده إذا تكلم يتكلم بأنفه، فتسلم عليه فتسمع الرد من الأنف إلى غير ذلك من الأقوال([10]).
ونبيّن هنا ما يُستفاد من هذه الأحاديث باختصار:
المسألة الأولى: التحذير من الغلو في مدحه _صلى الله عليه وسلم_، لأن ذلك يؤدي إلى الشرك، كما أدى بالنصارى إلى الشرك.
المسألة الثانية: فيه الرد على أصحاب المدائح النبوية التي غلوا فيها في حقه صلى الله عليه وسلم،كصاحب البردة، وغيره.
المسألة الثالثة: فيه النهي عن التشبه بالنصارى لقوله:"كما أطرت النصارى ابن مريم".
ومن الغلو في حقه _صلى الله عليه وسلم_:إحياء المولد كل سنة، لأن النصارى يحيون المولد بالنسبة للمسيح على رأس كل سنة من تاريخهم، فبعض المسلمين تشبّه بالنصارى فأحدث المولد في الإسلام بعد مضي القرون المفضلة،لأن المولد ليس له ذكر في القرون المفضلة كلها، وإنما حدث بعد المائة الرابعة، أو بعد المائة السادسة لما انقرض عهد القرون المفضلة، فهو بدعة، وهو من التشبه بالنصارى.
المسألة الرابعة: فيه مشروعية مدحه صلى الله عليه وسلم بصفاته الكريمة:عبد الله، ورسوله، الداعي إلى الله، بلّغ البلاغ المبين، جاهد في الله حق جهاده، كل هذا من صفاته صلى الله عليه وسلم؛ فذكره طيّب.
المسألة الخامسة: يُستفاد من ذلك:كمال شفقته _صلى الله عليه وسلم_ على أمته، وأنه حذّرها من الإطراء في حقه صلى الله عليه وسلم، وحذّرها من الغلو، وحذّرها من التنطع.
ثلاثة أساليب جاء بها صلى الله عليه وسلم:الإطراء والغلو والتنطع. نوّعها _صلى الله عليه وسلم_ من باب التأكيد والتحذير من الغلو.
المسألة السادسة: فيه أن من نهى عن شيء فإنه يذكر البديل الصالح عنه إن كان له بديل، فإنه صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن الإطراء قال:"إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله". هذا البديل الصالح.
المسألة السابعة: في الحديث:النهي عن الغلو في العبادات، ومنها حصى الجمار، قال فيها صلى الله عليه وسلم:"إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو". والغلو في العبادات، هو:الزيادة فيها عن الحد المشروع:كميّة وكيفيّة ووقتاً، إلى غير ذلك، نحن لا نُحدث شيئاً من عند أنفسنا.
والبدعة تنقسم إلى قسمين: بدعة حقيقية، وبدعة إضافية.
البدعة الحقيقية: إذا أُحدث شيء لا أصل له، مثل المولد والتبرك بالآثار.
والإضافية: أن نُحدِث للعبادة المشروعة وقتاً أو صفة لم يشرعها الله ورسوله، كما لو قلنا: ليلة النصف من شعبان يصلون النّاس ويتهجّدون، أو نصوم النصف من شعبان. فالصيام مشروع، وقيام الليل مشروع، لكن إذا حدّدناه بوقت لا دليل عليه فهذا بدعة إضافية، لأن أصل العبادة مشروع، ولكن تقييدها بوقت محدّد، منه إضافة إلى العبادة وهي غير مشروعة، فهذه بدعة تسمى إضافية. ذكر الله مشروع؛ التسبيح والتهليل والتكبير، لكن إذا قلنا للناس: سبِّحوا ألف تسبيحة، كبروا ألف تكبيرة، قولوا: كذا ألف مرة بدون دليل. فهذا يُعتبر بدعة إضافية.
المسألة الثامنة: فيه التحذير من التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة، وعرفنا بماذا يكون التنطع في الكلام، والتنطع في الاستدلال، والتنطع في العبادة.
المسألة التاسعة: فيه تكرار النصيحة حتى ترسخ وتثبت، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كرّر قوله:"هلك المتنطعون". قالها ثلاثاً، من أجل أن ترسخ هذه النصيحة، وتثبت في قلوب السامعين.والله تعالى أعلم([11]).

س/ ما الفرق بين التنطع والغلو والاجتهاد؟
الجواب: الغلو مجاوزة الحد. والتنطع معناه: التشدق بالشيء والتعمق فيه، وهو من أنواع الغلو. أما الاجتهاد: فإنه بذل الجهد لإدراك الحق، وليس فيه غلو إلا إذا كان المقصود بالاجتهاد كثرة الطاعة غير المشروعة، فقد تؤدي إلى الغلو، فلو أن الإنسان مثلاً أراد أن يقوم ولا ينام، وأن يصوم النهار ولا يفطر، وأن يعتزل ملاذ الدنيا كلها، فلا يتزوج ولا يأكل اللحم ولا الفاكهة وما أشبه ذلك،فإن هذا من الغلو،وإن كان الحامل على ذلك الاجتهاد والبر، ولكن هذا الخلاف هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -([12]).

خلاصة الباب: بيان أن الغلو في الصالحين من أسباب الكفر، وليس هو السبب الوحيد للكفر, وأن خطر الغلو عظيم ونتائجه وخيمة، فالواجب تنزيل الصالحين منازلهم، فلا يستوي الصالح والفاسد، بل ينزل كل منزلته، ولكن لا نتجاوز به المنزلة فنغلو فيه، فدين الله وسط لا يعطي الإنسان أكثر مما يستحق، ولا يسلبه ما يستحق، وهذا هو العدل([13]).

فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده ؛ تبين له غربة الإسلام ، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض أنه بشبهة الصالحين.
الثالثة: أول شيء غير به دين الأنبياء وما سبب ذلك مع معرفة أن الله أرسلهم.
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله: مزج الحق بالباطل فالأول محبة الصالحين.
والثاني: فعل أناس من أهل العلم شيئا ، أرادوا به خيرا ، فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف ، أن البدع سبب الكفر .
التاسعة: معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه.
________________________
([1])أخرجه البخاري (4920).
([2])أخرجه البخاري (3445) (6830) ومسلم (1691).
([3])أخرجه أحمد: ( 1 / 215 ، 347 ), وابن ماجه (3064).
([4])أخرجه مسلم (2670).
([5]) فتح المجيد: (ص247),
([6])رواه أحمد في المسند (1 / 215 - 347) والنسائي (5 / 268) ابن ماجه (3064) وصححه الذهبي والنووي وابن تيمية في الاقتضاء: ( ص106) .
([7]) انظر التمهيد: (ص228_ص231),والقول المفيد: (ج1_ص362).
([8]) انظر القول المفيد: (ج1_ص365).
([9]) انظر القول المفيد: (ج1_ص370_372).
([10]) انظر القول المفيد: (ص377).
([11]) إعانة المستفيد: (ج1_ص282).
([12]) القول المفيد: (ج1_ص392).
([13]) القول المفيد: (ج1_ص391).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://up.iraq3.com/do.php?id=802)

نعمان الحسني
2013-10-23, 06:19 PM
أثابكم الله وزادكم من فضله ,
وشكر الله لكم على هذه الجهد الكبير ,
وجعله في ميزان حسناتكم ..

الحياة أمل
2013-10-26, 09:20 AM
أثابكم الله وزادكم من فضله ,
وشكر الله لكم على هذه الجهد الكبير ,
وجعله في ميزان حسناتكم ..



اللهم آمين وإيآكم
جزآكم الله خيرآ ...~

الحياة أمل
2013-10-26, 10:11 AM
(19)
باب
ما جاء من التغليظ
فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عبده؟


وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أن أم سلمة ذكرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال:"أولئك شرار الخلق عند الله، أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله"([1]).
فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها قالت:"لما نزل برسول الله طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمّ بها كشفها، فقال -وهو كذلك- لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا ولولا ذلك أُبرز قبره غير أنه خشي أن يُتخذ مسجدا" أخرجاه([2]).
ولمسلم عن جندب بن عبد الله قال:سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بخمس وهو يقول:"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك"([3]).
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في السياق- من فعله.
والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبن مسجد، وهو في معنى قولها:"خشي أن يتخذ مسجداً" فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً،بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، كما قال _صلى الله عليه وسلم_:"جعلت الأرض لي مسجداً وطهورا"([4]).
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود -رضي الله عنه- مرفوعاً:"إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". رواه أبو حاتم في صحيحه([5]).

:الشرح:
في هذا الباب مع الأبواب بعده بيان أن النبي_صلى الله عليه وسلم_ كان حريصا على هذه الأمة وأنه كان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ومن تمام حرصه على الأمة أن حذرهم كل وسيلة تصل بهم إلى الشرك وسد جميع الذرائع الموصلة إلى ذلك وغلظ في ذلك وشدد فيه وأبدى وأعاد حتى إنه بين ذلك خشية أن يفوت تأكيده وهو يعاني سكرات الموت عليه الصلاة والسلام, فهذه الأبواب في بيان وسائل الشرك الأكبر وما ينبغي سده ومنعه من الذرائع الموصلة إليه رعاية وحماية للتوحيد لأن النبي:- عليه الصلاة والسلام - غلظ على من يفعلون شيئا من تلك الوسائل أو الذرائع الموصلة إلى الشرك.
قوله: (التغليظ) التشديد.
قوله: (من عبد الله عند قبر رجل صالح) أي: عمل عملا تعبد لله به من قراءة أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك.
قوله (فكيف إذا عبده؟) أي: يكون أشد وأعظم، وذلك لأن المقابر والقبور للصالحين أو من دونهم من المسلمين أهلها بحاجة إلى الدعاء; فهم يزارون لينفعوا لا لينتفع بهم إلا باتباع السنة في زيارة المقابر، والثواب الحاصل بذلك، لكن هذا ليس انتفاعا بأشخاصهم، بل انتفاع بعمل الإنسان نفسه بما أتى به من السنة. فالزيارة التي يقصد منها الانتفاع بالأموات زيارة بدعية. والزيارة التي يقصد بها نفع الأموات والاعتبار بحالهم زيارة شرعية([6]).

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:" وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع _صلى الله عليه وسلم_ عن اتخاذ المساجد على القبور؛ لأنها هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك.
فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك؛ فإن الشرك بقبر الرجل الذي يُعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر, ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد؛ فلأجل هذه المفسدة حسم النبي_صلى الله عليه وسلم_مادتها, حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا، وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها؛ لأنها أوقات يقصد فيها المشركون الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون; سدا للذريعة.
وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة فهذا عين المحادّة لله ولرسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله؛ فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين الرسول_صلى الله عليه وسلم_ أن الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه _صلى الله عليه وسلم_ لعن من اتخذها مساجد، فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك:الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها, وقد تواترت النصوص عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ بالنهي عن ذلك والتغليظ فيه. وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة, وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك, وطائفة أطلقت الكراهة والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم; إحسانا للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ لعن فاعله والنهي عنه"([7]).

ومن غربة الإسلام أن هذا الذي لعن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فاعليه- تحذيرا لأمته أن يفعلوه معه صلى الله عليه وسلم ومع الصالحين من أمته- قد فعله الخلق الكثير من متأخري هذه الأمة، واعتقدوه قربة من القربات، وهو من أعظم السيئات والمنكرات، وما شعروا أن ذلك محادة لله ورسوله. والعجب أن أكثر من يدعي العلم ممن هو من هذه الأمة لا ينكرون ذلك، بل ربما استحسنوه ورغّبوا في فعله، فلقد اشتدت غربة الإسلام وعاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير.

قال القرطبي في معنى الحديث:" وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام".
وقال أيضاً:"ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره _صلى الله عليه وسلم_ ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا يمكنوا أحدا من استقبال قبره"([8]).
فتبين بهذا أن اتخاذ القبور مساجد له معنيان:
الأول:أن تبنى عليها مساجد.
الثاني:أن تتخذ مكانا للصلاة عندها وإن لم يبن المسجد، فإذا كان هؤلاء القوم مثلا يذهبون إلى هذا القبر ويصلون عنده ويتخذونه مصلى; فإن هذا بمعنى بناء المساجد عليها، وهو أيضا من اتخاذها مساجد([9]).

( الرد على شبهة أن النهي عن الصلاة للقبور أو عليها لأجل نجاستها ) !
وقد حدث بعد الأئمة الذين يعتد بقولهم أناس كثر في أبواب العلم بالله اضطرابهم، وغلظ عن معرفة ما بعث الله به رسوله من الهدى والعلم حجابهم، فقيدوا نصوص الكتاب والسنة بقيود أوهنت الانقياد، وغيّروا بها ما قصده الرسول _صلى الله عليه وسلم_ بالنهي وأراد, فقال بعضهم:النهي عن البناء على القبور يختص المقبرة المسبلة، والنهي عن الصلاة فيها لتنجسها بصديد الموتى، وهذا كله باطل من وجوه:
منها:أنه من القول على الله بلا علم, وهو حرام بنص الكتاب.
ومنها:أن ما قالوه لا يقتضي لعن فاعله والتغليظ عليه، وما المانع له أن يقول:من صلى في بقعة نجسة فعليه لعنة الله, ويلزم على ما قاله هؤلاء أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يبين العلة، وأحال الأمة في بيانها على من يجيء بعده _صلى الله عليه وسلم_ وبعد القرون المفضلة والأئمة، وهذا باطل قطعا وعقلا وشرعا؛ لما يلزم عليه من أن الرسول صلي الله عليه وسلم عجز عن البيان أو قصر في البلاغ، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ بلغ البلاغ المبين، وقدرته في البيان فوق قدرة كل أحد، فإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
ويقال أيضا:هذا اللعن والتغليظ الشديد إنما هو فيمن اتخذ قبور الأنبياء مساجد، وجاء في بعض النصوص ما يعم الأنبياء وغيرهم، فلو كانت هذه هي العلة لكانت منتفية في قبور الأنبياء، لكون أجسادهم طرية لا يكون لها صديد يمنع من الصلاة عند قبورهم، فإذا كان النهي عن اتخاذ المساجد عند القبور يتناول قبور الأنبياء بالنص، علم أن العلة ما ذكره هؤلاء العلماء الذين قد نقلت أقوالهم، والحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله([10]).

قال العلامة ابن القيم_رحمه الله تعالى_:"وفي هذا إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول _صلى الله عليه وسلم_ وهو باطل من عدة أوجه:
منها:أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما يقوله المعللون بالنجاسة.
ومنها:أنه_صلى الله عليه وسلم_لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة فإن ذلك لا يختص بقبور الأنبياء ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع وليس للنجاسة عليها طريق ألبتة فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون.
ومنها:أنه نهى عن الصلاة إليها.
ومنها:أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر ونحوها أولى من ذكر القبور.
ومنها:أن موضع مسجده_صلى الله عليه وسلم_كان مقبرة للمشركين فنبش قبورهم وسواها واتخذه مسجدا ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها وصلى فيه كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال:لما قدم النبي_صلى الله عليه وسلم_ المدينة فنزل بأعلى المدينة في حي يقال لهم:بنو عمرو بن عوف فأقام النبي_صلى الله عليه وسلم_ فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بني النجار فجاءوا متقلدي السيوف وكأني أنظر إلى النبي_صلى الله عليه وسلم_ على راحلته وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ بني النجار فقال:يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا:لا والله ما نطلب ثمنه إلا إلى الله فكان فيه ما أقول لكم:قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي_صلى الله عليه وسلم_ بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون"([11]). وذكر الحديث.
ومنها:أن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلي فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى واستغاثتهم وطلب الحوائج منهم واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله فأين التعليل بنجاسة البقعة من هذه المفسدة ومما يدل على أن النبي _صلى الله عليه وسلم_ قصد منع هذه الأمة من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم.
ومنها:أنه لعن المتخذين عليها المساجد ولو كان ذلك لأجل النجاسة لأمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر فتزول اللعنة وهو باطل قطعا.
ومنها:أنه قرن في اللعن بين متخذي المساجد عليها وموقدي السرج عليها فهما في اللعنة قرينان وفي ارتكاب الكبيرة صنوان فإن كل ما لعن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فهو من الكبائر ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليه المشركون كما هو الواقع فهكذا اتخاذ المساجد عليها ولهذا قرن بينهما فإن اتخاذ المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها ولهذا حكى الله سبحانه وتعالى عن المتغلبين على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) [ الكهف:21].
ومنها:أنه _صلى الله عليه وسلم_ قال:اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فذكره ذلك عقيب قوله:اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم وهو توصلهم بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد"([12]).

اعتراض وجوابه:
إذا قال قائل:نحن الآن واقعون في مشكلة بالنسبة لقبر الرسول صلى الله عليه وسلم الآن، فإنه في وسط المسجد; فما هو الجواب؟
قلنا: الجواب على ذلك من وجوه:
الوجه الأول:أن المسجد لم يبن على القبر، بل بني المسجد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
الوجه الثاني:أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدفن في المسجد حتى يقال: إن هذا من دفن الصالحين في المسجد، بل دفن في بيته.
الوجه الثالث:أن إدخال بيوت الرسول _صلى الله عليه وسلم_ ومنها بيت عائشة مع المسجد ليس باتفاق من الصحابة بل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل وذلك عام ( 94هـ ) تقريبا فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه، مع أن بعضهم خالف في ذلك، وممن خالف أيضا سعيد بن المسيب من التابعين; فلم يرض بهذا العمل.
الوجه الرابع:أن القبر ليس في المسجد، حتى بعد إدخاله; لأنه في حجرة مستقلة عن المسجد; فليس المسجد مبنيا عليه، ولهذا جعل هذا المكان محفوظا ومحوطا بثلاثة جدران وجعل الجدار في زاوية منحرفة عن القبلة، أي مثلث، والركن في الزاوية الشمالية، بحيث لا يستقبله الإنسان إذا صلى لأنه منحرف. فبهذا كله يزول الإشكال الذي يحتج به أهل القبور ويقولون هذا منذ عهد التابعين إلى اليوم، والمسلمون قد أقروه ولم ينكروه; فنقول: إن الإنكار قد وجد حتى في زمن التابعين، وليس محل إجماع، وعلى فرض أنه إجماع; فقد تبين الفرق من الوجوه الأربعة التي ذكرناها([13]).

وخلاصة الباب:
أنه يجب البعد عن الشرك ووسائله، ويغلظ على من عبد الله عند قبر رجل صالح. وكلام المؤلف_رحمه الله_ في قوله ( فيمن عبد الله) يشمل الصلاة وغيرها والأحاديث التي ساقها في الصلاة، لكنه رحمه الله كأنه قاس غيرها عليها، فمن زعم أن الصدقة عند هذا القبر أفضل من غيره; فهو شبيه بمن اتخذه مسجدا لأنه يرى أن لهذه البقعة أو لمن فيها شأنا يفضل به على غيره; فالشيخ عمم، والدليل خاص.
فإن قيل:لا يستدل بالدليل الخاص على العام؟
أجيب:إن الشيخ أراد بذلك أن العلة هي تعظيم هذا المكان; لكونه قبرا، وهذا كما يوجد في الصلاة يوجد في غيرها من العبادات; فيكون التعميم من باب القياس لا من باب شمول النص له لفظا([14]).

فيه مسائل:
الأولى:ما ذكر الرسول فيمن بنى مسجداً يُعبد الله فيه عند قبر رجل صالح، ولو صحت نية الفاعل.
الثانية:النهي عن التماثيل وغِلظ الأمر في ذلك.
الثالثة:العبرة في مبالغته -صلى الله عليه وسلم- في ذلك كيف بين لهم هذا أولاً، ثم قبل موته بخمسٍ، قال ما قال، ثم لما كان في السياق لم يكتف بما تقدم.
الرابعة:نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر.
الخامسة:أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم.
السادسة:لعنه إياهم على ذلك.
السابعة:أن مراده تحذيره إيانا عن قبره.
الثامنة:العلة في عدم إبراز قبره.
التاسعة:في معنى اتخاذها مسجداً.
العاشرة:أنه قرن بين من اتخذها، وبين من تقوم عليه الساعة، فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته.
الحادية عشرة:ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما أشر أهل البدع بل أخرجهم بعضُ أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة،وهم:الرافضة والجهمية. وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد.
الثانية عشرة:ما بُلي به صلى الله عليه وسلم من شدة النزع.
الثالثة عشرة:ما أُكرم به من الخُلّة.
الرابعة عشرة:التصريح بأنها أعلى من المحبة.
الخامسة عشرة:التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة.
السادسة عشرة:الإشارة إلى خلافته.
______________________________________
([1]) أخرجه البخاري (427) و(434) و(1341) و(3878) ومسلم (528).
([2]) أخرجه البخاري (435) و(1330) و(1390) و(3453) و(4443) و(5815) ومسلم (531).
([3]) أخرجه مسلم (532).
([4]) أخرجه البخاري (335) و(438) و(3122) ومسلم (521).
([5]) أخرجه أحمد (5316) وابن خزيمة (879) وابن حبان (15/260رقم 6847) والطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد (2/27) وقال: إسناده حسن.
([6]) انظر التمهيد: (ص242) والقول المفيد: (ج1_393).
([7]) اقتضاء الصراط المستقيم: (ج2_ص674) بواسطة فتح المجيد: (ص261).
([8]) انظر فتح المجيد: (ص262_263_ص269).
([9]) انظر القول المفيد: (ج1_ص411).
([10]) انظر فتح المجيد: (ص273).
([11]) البخاري: (428),ومسلم: (524).
([12]) إغاثة اللهفان: (ج1_ص353_ص356).
([13]) القول المفيد على كتاب التوحيد: (ج1_ص398).
([14]) القول المفيد: (ج1_ص407).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/11382767884.pdf)

الحياة أمل
2013-10-29, 07:53 AM
( 20 )
باب
ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا
تُعبد من دون الله تبارك وتعالى


روى مالك في الموطأ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"([1]).
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم:19] قال:كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره, وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: كان يلت السويق للحاج ([2]).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال:"لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" رواه أهل السنن([3]).

:: الشرح ::

قوله _رحمه الله_: (باب ما جاء....)
أي: من الوعيد, هذا الباب له صلة بما قبله، وهو أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله, أي:يؤول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها.
والغلو:مجاوزة الحد مدحاً أو ذماً، والمراد هنا مدحاً.
والقبور لها حق علينا من وجهين:
· أن لا نفرط فيما يجب لها من الاحترام، فلا تجوز إهانتها ولا الجلوس عليها، وما أشبه ذلك.
· أن لا نغلو فيها فتتجاوز الحد.
وقد عظمت الفتنة بالقبور لتعظيمها وعبادتها، كما قال عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_:"كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير،وينشأ فيها الصغير،تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غُيّرت قيل:غيرت السنة"([4]).

فقه الصحابة في التعامل مع القبور
ولخوف الفتنة نهى عمر عن تتبع آثار النبي_صلى الله عليه وسلم_. قال ابن وضاح([5]):سمعت عيسى بن يونس يقول:"أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي _صلي الله عليه وسلم_ فقطعها؛ لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها; فخاف عليهم الفتنة"([6]).

وقال المعرور بن سويد:"صليت مع عمر بن الخطاب بطريق مكة صلاة الصبح, ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال:أين يذهب هؤلاء؟ فقيل:يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه النبي _صلي الله عليه وسلم_ فهم يصلون فيه، فقال:إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها"([7]),
وفي مغازي ابن إسحاق: (ص66) _من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة خالد بن دينار_:حدثنا أبو العالية قال:"لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر; فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قراه من العرب، قرأته مثل ما أقرأ القرآن, فقلت لأبي العالية:ما كان فيه؟ قال:سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد. قلت:فماذا صنعتم بالرجل؟ قال:حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة, فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنُعميّه على الناس لا ينبشونه. قلت:وما يرجون منه؟ قال:كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون, فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال:رجل يقال له: دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت:ما كان تغيّر منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض"([8]),([9]).
قال ابن القيم -رحمه الله-:"ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار -رضي الله عنهم- من تعمية قبره لئلا يفتتن به،ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به; ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيف ولعبدوه من دون الله فهم قد اتخذوا من القبور أوثانا من لا يداني هذا ولا يقاربه وأقاموا لها سدنة وجعلوها معابد أعظم من المساجد"([10]),
وقال أيضاً:"فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسرا واللات إنما كانت من تعظيم قبورهم ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي_صلى الله عليه وسلم_.
قال شيخنا:وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع عن اتخاذ المساجد على القبور هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وتماثيل يزعمون أنها طلاسم للكواكب ونحو ذلك فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر.
ولهذا نجد أهل الشرك كثيرا يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدونهم بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها لأنها أوقات يقصد المشركون الصلاة فيها للشمس فنهى أمته عن الصلاة حينئذ وإن لم يقصد المصلي ما قصده المشركون سدا للذريعة"([11]).

قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله ......)
هذا دعاء ورغبة منه -صلى الله عليه وسلم- إلى الله تعالى ألا يقع ذلك بقبره، ولو كان ذلك لا يقع أصلاً، ولا يمكن أن يقع لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك الدعاء العظيم، وهو أن يجعل قبره وثنا يعبد، كما جعلت قبور غيره من الأنبياء والمرسلين - عليه الصلاة والسلام- فإن عددا من قبور الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام اتُخذت أوثانا تعبد من دون الله. وقد استجاب الله دعاءه كما قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:في الكافية الشافية:
فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى غدت أرجاؤه بدعائه ... في عزة وحماية وصيان
وفي:"القِرَى لقاصد أم القرى" للطبري من أصحاب مالك عن مالك: أنه كره أن يقول:زرت قبر النبي _صلى الله عليه وسلم_ وعلل ذلك بقوله _صلى الله عليه وسلم_:"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد". الحديث.
كره إضافة هذا اللفظ إلى القبر؛ لئلا يقع التشبه بفعل أولئك، سدا للذريعة,
قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-:"ومالك قد أدرك التابعين، وهم أعلم الناس بهذه المسألة، فدل ذلك على أنه لم يكن معروفا عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي _صلى الله عليه وسلم -.

ومناسبته للترجمة:أنهم غلوا فيه لصلاحه حتى عبدوه وصار قبره وثنا من أوثان المشركين([12]).

قوله: ( لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور....)
اللعن:هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعنى:لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أي: دعا عليهم باللعنة.

قوله (زائرت القبور) زائرت:جمع زائرة، والزيارة هنا معناها الخروج إلى المقابر،
وهي أنواع:
منها: ما هو سنة، وهي زيارة الرجال للاتعاظ والدعاء للموتى.
ومنها: ما هو بدعة، وهي زيارتهم للدعاء عندهم وقراءة القرآن ونحو ذلك.
ومنها: ما هو شرك، وهي زيارتهم لدعاء الأموات والاستنجاد بهم والاستغاثة ونحو ذلك,
وزائر:اسم فاعل يصدق بالمرة الواحدة، وفي حديث أبي هريرة:"لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- زوارات القبور". بتشديد الواو، وهي صيغة مبالغة تدل على الكثرة أي كثرة الزيارة.

قوله: (والمتخذين عليها المساجد) هذا الشاهد من الحديث، أي:الذين يضعون عليها المساجد، وقد سبق أن اتخاذ القبور مساجد له صورتان:
· أن يتخذها مصلى يصلى عندها.
· بناء المساجد عليها.

قوله: ( والسرج)، جمع سراج، توقد عليها السرج ليلاً ونهاراً تعظيماً وغلواً فيها([13]).

فيه مسائل:
الأولى:تفسير الأوثان.
الثانية:تفسير العبادة.
الثالثة: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يستعذ إلا مما يُخاف وقوعه.
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها: صفة معرفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
التاسعة: لعنه زوّارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
___________________________
([1]) أخرجه مالك في الموطأ: (261). قال الشيخ علي الحلبي:هكذا جزم المؤّلف _يعني ابن القيم_ بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم: مشيرا بذلك إلى صحته وهو كما قال.... وانظر تتمة كلامه في إغاثة اللهفان: (ج1_ص355) الحاشية.
([2]) انظر ابن جرير في التفسير: ( 27/58).
([3]) أبو داود: (3236) والترمذي: (320) وقال: حديث حسن. قال الشيخ علي الحلبي:انظر النصيحة: (66) والسلسلة الضعيفة: (525) فالفقرة الثانية لا تصح. حاشية إغاثة اللهفان: (ج1_ص352).
([4]) صحيح. أخرجه الدارمي (1/ 60). والحاكم (4/ 514)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/ 188). وصححه الألباني في صلاة التراويح ص (50). وقال: وهذا الأثر وإن كان موقوفا فهو في حكم الرفع؛ لأن ما فيه من التحدث عن أمور غيبية لا تقال إلا بالوحي، فهو من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم فقد تحققت كل جملة فيه.. والحديث في مصادره مطول وقد اختصر هنا المصنف.
([5]) البدع والنهي عنها: (42).
([6]) قال الحافظ في الفتح (7/ 448): "وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت". ا هـ .
([7]) رواه ابن ابي شيبة في مصنفه: (2_376) وابن وضاح في البدع والنهي عنها: (42) قال شيخ الإسلام في التوسل والوسيلة: ( 220) إسناده صحيح.قال الشيخ ربيع القصة صحيحة.
([8]) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (2_37) وهذا إسناد صحيح إلى أبي العالية. ولكن إن كان تأريخ وفاته محفوظا من ثلاثمائة سنة فليس بنبي بل هو رجل صالح. وأخرجه نُعيم بن حماد في الفتن رقم: (37) مختصرا. قال شيخ الإسلام في الإغاثة: (287) وهذا من فعل أهل الكتاب لا من فعل المسلمين. فليس فيه حجة فلا يحتج به محتج. قال شيخنا على الحلبي: وظاهر إسناد هذه القصة الصحة وفي بعض ألفاظها شيء من النكارة !
([9]) ينظر فتح المجيد: (ص276) والقول المفيد: (ج1_ص419).
([10]) إغاثة اللهفان: (ج1_ص377).
([11]) إغاثة اللهفان: (ج1_ص349).
([12]) انظر فتح المجيد: (ص277_ص278).
([13]) انظر القول المفيد: (ج1_ص427).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/61383022379.pdf)

أم سيرين
2013-11-11, 02:01 PM
اللهم بارك اللهم بارك

سعيدة جدا بهذا الشرح وبهذا الموضوع

أسعدكم الله وجزاكم خير الجزاء

الحياة أمل لا اجد ما أصفكِ به انت رائعة بحق، وأني أحبك في الله غاليتي

محب العراق
2013-11-11, 02:05 PM
جهدٌ مبارك بارك الله فيكم

صقر العتيبي
2013-11-14, 10:06 PM
الله يعزكم ويعظم لكم الاجر في كل عمل صالح

الحياة أمل
2013-11-14, 10:13 PM
جزآكم الرحمن خيرآ
على كرم المرور والتعليق
~...~
مرحبآ بالأخ [ صقر العتيبي ]
ونفع بكم ...~

محمد المحلاوي
2013-11-15, 11:13 PM
شكر الله لكم ، وبارك في سعيكم

ابو العبدين البصري
2013-11-17, 11:18 AM
اللهم بارك اللهم بارك

سعيدة جدا بهذا الشرح وبهذا الموضوع

أسعدكم الله وجزاكم خير الجزاء

الحياة أمل لا اجد ما أصفكِ به انت رائعة بحق، وأني أحبك في الله غاليتي
جهدٌ مبارك بارك الله فيكم
الله يعزكم ويعظم لكم الاجر في كل عمل صالح
شكر الله لكم ، وبارك في سعيكم

جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم على مروركم الطيب.

والشكر موصول لاختنا الكريمة على الجهد المبذول في ترتيب الموضوع.

نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتها, ويجزيها عنا خير الجزاء.

الحياة أمل
2013-11-26, 07:02 AM
(21)
باب
ما جاء في حماية المصطفى -صلى الله عليه وسلم- جناب التوحيد
وسده كل طريق يوصل إلى الشرك([1])
وقول الله عز وجل:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}[التوبة:129].
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:قال رسول الله_صلى الله عليه وسلم_:"لا تجعلوا بيوتكم قبوراً،ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات([2]).
وعن علي بن الحسين -رضي الله عنه-:أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال:ألا أحدثك حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني حيث كنتم" رواه في المختارة([3]).

الشرح:
هذا الباب عقده الشَّيخ _رحمه الله_ في بيان حماية المصطفى _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ لجناب التّوحيد، والأبواب التي قبله- أيضاً- هي في حماية التّوحيد، لكن الأبواب التي قبله عامة، وما في هذا الباب أمور خاصة، وإلاَّ كل الأبواب السابقة:الغلو في الصالحين، وبناء المساجد على القبور، والغلو في القبور، كل هذا من الوسائل المُفضية إلى الشرك، وقد نهى النبي_صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_عنها سدّاً للطريق الموصِّل إلى الشرك، وهذه الأبواب كلها في موضوع واحد, ولا تعجبوا من كون الشَّيخ كرّر هذه الأبواب واحداً بعد واحد،لأن هذه المسألة عظيمة، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب الفتنة في القبور والغلو فيها، وبسبب الغلو في الصالحين، والغلو في الرسول_ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب هذه الأمور، منذ أن بُنيت المساجد على القبور، ومنذ أن ظهر التصّوف في هذه الأمة، والشرك يكثر ويتعاظم في هذه الأمة،إلا من رحم الله عزّ وجلّ، فالأمر خطير جدًّا، ولذلك كرّر الشَّيخ _رحمه الله_ في هذا الموضوع، وأبدى وأعاد، لأنه هو المرض الذي أصاب الأمة في أجل أن ينبه العلماء، وينبه المسلمين على هذا الخطر الشديد ليقوموا بعلاجه، والدعوة إلى التّوحيد، ونفي الشرك من هذه الأمة، وإلاَّ إن سكت العلماء عن هذا الأمر فإنه يتعاظم، وبالتالي في النّهاية يكثر الجهل.

قوله: (حماية) من حمى الشيء، إذا جعل له مانعا يمنع من يقرب حوله، ومنه حماية الأرض عن الرعي فيها، ونحو ذلك,
والتوحيد:تفعيل من الوحدة، وهو إفراد الله تعالى بما يجب له من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.

قوله: (الجناب) هو الجانب,والمراد حمايته عما يقرب منه أو يخالطه من الشرك وأسبابه, لأن الشرك أعظم الذنوب، قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.
قال ابن كثير -رحمه الله-: يقول الله تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم -عليه السلام-:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ}. وقال تعالى:{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ}. وقال تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} أي منكم، كما قال جعفر ابن أبي طالب للنجاشي([4]);
والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى:"إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته"([5]). وذكر الحديث.
قال سفيان بن عيينة: عن جعفر بن محمد عن أبيه,في قوله تعالى:{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ}. قال:"لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية".
قال:وقال النبي _صلى الله عليه وسلم_:"إني خرجت من نكاحٍ، ولم أخرج من سفاح"([6]).

وقوله:{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي:يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها، ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه_صلي الله عليه وسلم_ أنه قال:"بعثت بالحنيفية السمحة "([7]). وفي الصحيح:"إن هذا الدين يسر"([8]). وشريعته كلها سمحة سهلة كاملة، يسيرة على من يسرها الله عليه.

قوله:{حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} أي:على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم, وعن أبي ذر _رضي الله عنه_ قال:"تركنا رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما". أخرجه الطبراني.
قال:وقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_:"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته لكم"([9]).

وقوله:{بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}،كما قال تعالى:{وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}. وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة، وهي قوله:{فَإِنْ تَوَلَّوْا} أي عما جئتم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.
فمن حرصه علينا عليه الصلاة والسلام، ومن كونه يعز عليه عنتنا، أن حَمى حِمى التوحيد، وحمى جناب التوحيد، وسد كل طريق قد نصل بها إلى الشرك،وهذا وجه الاستدلال من الآية على الباب, فاقتضت هذه الأوصاف التي وصف بها رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ في حق أمته أن أنذرهم وحذرهم الشرك الذي هو أعظم الذنوب،وبيّن لهم ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها، والصلاة عندها وإليها، ونحو ذلك مما يوصل إلى عبادتها كما تقدم، وكما سيأتي في أحاديث الباب([10]).

الفرق بين الرسول والنبي
الرسول هو:من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه, وأما النبي فهو:من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه, هذا التعريف المشهور عند أهل العلم، ويذكره المفسرون عند قوله تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ}، يذكرون هناك تعريف الرسول وتعريف النبي،والفرق بينهما، وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتبه،وأشهرها كتابه: (النبوات),الرسول من أوحي إليه بشرع، بخلاف النبي فإن النبي يبعث بشريعة من قبله، كأنبياء بني إسرائيل، يُبعثون بالدعوة إلى التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام, وقد يوحى إلى النبي وحي خاص في بعض القضايا، لكن الغالب أنه يُبعث بشريعة سابقة، كأنبياء بني إسرائيل، أما الرسول فإنه يُبعث بشريعة مستقلّة,
والمراد بتبليغه هنا:الجهاد والإلزام، أي: أُمر أن يُلزم النّاس بإتباعه، ويجاهدهم على ذلك، خلاف النبي فإنه يؤمر بالتبليغ، بمعنى:تعليم النّاس شرع من قبله وإفتائهم فيه. وهذا مأمور به غير الأنبياء، حتى العلماء, فالتبليغ الذي معناه التعليم والإفتاء، وبيان الحلال والحرام والحق من الباطل، هذا مأمور به كل من عنده علم، إنما المراد بالتبليغ هنا: التبليغ الخاص الذي هو الإلزام، والجهاد على ذلك. والنبي أيضاً يجاهد. لكن يجاهد على شرع من قبله.

فهذه الآية الكريمة مناسبة إيراد الشَّيخ _رحمه الله_ لها في هذا الباب:أنه إذا كان الرسول _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ متصفاً بهذه الصفات التي هي أنه: عربي، يتكلم بلساننا ونفهم لغته، وأنه يشق عليه ما يشق علينا، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يليق بمن هذه صفاته أن يترك الأمة تقع في الشرك الذي يُبعدها عن الله، ويُسبب لها دخول النار؟، هل يليق بمن هذه صفاته أن يتساهل بأمر الشرك؟، أو أن يتركه ولا يهتم بالتحذير منه ؟ لأن هذا هو أعظم الخطر على الأمة؟ وهذا هو الذي يشق على الأمة، لأنه يفسد عليها حياتها، ولا يجعل لها مستقبلاً عند الله عزّ وجلّ، لأن المشرك مستقبله النار، ليس له مستقبل إلاَّ العذاب، فهل يليق بهذا الرسول الذي هذه صفاته أن يتساهل في أمر الشرك؟، لا، بل اللاّئق به أن يبالغ أشد المبالغة في حماية الأمة من الشرك، وقد فعل _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ فقد سد كل الطرق الموصلة إلى الشرك بالأحاديث التي مرت في الأبواب السابقة([11]).

قوله: ( قبورا ) مفعول ثان لتجعلوا، وهذه الجملة اختلف في معناها; فمنهم من قال:لا تجعلوها قبورا; أي:لا تدفنوا فيها، وهذا لا شك أنه ظاهر اللفظ، ولكن أورد على ذلك دفن النبي _صلى الله عليه وسلم_ في بيته, وأجيب عنه بأنه من خصائصه_صلى الله عليه وسلم_ فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ دفن في بيته لسببين:
1- ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه سمع النبي_ صلى الله عليه وسلم_ يقول:" ما من نبي يموت إلا دفن حيث قبض "([12]). وهذا ضعفه بعض العلماء.
2- ما روته عائشة رضي الله عنها:" أنه خشي أن يتخذ مسجدا"([13]).
وقد تقدم الجواب عن دفن النبي_صلى الله عليه وسلم_ في بيته.

فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة.
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يُصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليله ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه _صلى الله عليه وسلم_ في البرزخ تُعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه .
----------------------------
([1]) وفي الأبواب الأخيرة من هذا الكتاب: (باب ما جاء في حماية النبي - صلى الله عليه وسلم - حمى التوحيد وسده طرق الشرك).
([2]) أخرجه أبو داود: (2042) وصححه الألباني في صحيح الجامع: (7226).
([3]) أخرجه الضياء المقدسي في المختارة: (428),وفي صحيح مسلم رقم: (528) باب _النَّهْىِ عَنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَاتِّخَاذِ الصُّوَرِ فِيهَا وَالنَّهْىِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ_. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ - فِيهَا تَصَاوِيرُ - لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
([4]) أخرجه أحمد: (290), وأبو نعيم في دلائل النبوة: (194),وفي الحلية: (1_115), والبيهقي في السنن: (9_9) والتيمي في الدلائل: (100), من حديث أم سلمة, قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (6_24), رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع.
([5]) أخرجه الطبري في التأريخ: (3_523),وأبو نعيم في دلائل النبوة: (476).
([6]) ينظر تفسير ابن جرير الطبري: (17505),والبيهقي في السنن الكبرى: (14077).
([7]) أخرجه أحمد: (22291), وانظر الصحيحة للعلامة الألباني: (2924) وهو مما تراجع الألباني عن تضعيفه وانظر غاية المرام: (8).
([8]) أخرجه البخاري: (39_5673_6463_7235) من حديث أبي هريرة.
([9]) أخرجه الطبراني في الكبير: (1647),قال الهيثمي في مجمع الزوائد: (8_264) ورجال الطبراني رجال الصحيح غير يزيد بن محمد بن عبد الله المقري وهو ثقة. وجود اسناده الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد: (349).
([10]) ينظر إعانة المستفيد: (ج1_ص309),وانظر فتح المجيد: (288),والتمهيد: (ص265).
([11]) انظر إعانة المستفيد: (ج1_ص311_ص113).
([12]) رواه أحمد: (1_7) وأبو داود: (3_394) وفي الشمائل: (390) وابن ماجه: (1_521) قال الحافظ في الفتح: "إسناده صحيح لكنه موقوف". وقال الشيخ محمد صبحي حلاق: صحيح لغيره الشمائل المحمدية (ص293), وفي (ص299) قال: صحيح.
([13]) انظر صحيح البخاري, والقول المفيد: (ج1_ص397).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ (http://www.albdoo.info/up/2013/34976/41385438491.pdf)

نعمان الحسني
2013-11-26, 07:35 AM
تقبل الله منكم هذا الجهد المتميز ,
وجعله في ميزان حسناتكم ..

ابو العبدين البصري
2013-12-04, 04:52 PM
تقبل الله منكم هذا الجهد المتميز ,
وجعله في ميزان حسناتكم ..

اللهم آمين بارك الله فيكم أخي الفاضل.
وجزاكم الله خيرا.

ابو العبدين البصري
2013-12-04, 08:41 PM
فائدة:

(( ما من باب من أبواب_ كتاب التوحيد_ إلا وهو ثابت بآية أو حديث, وما وقع فيه مما تُكلم فيه, فيخرج مخرج الشواهد والمتابعات التي يستأنس بذكرها, كما هو فعل الأئمة من قبل كابراً عن كابر.
وقد كان كتاب التوحيد شجى في حلق المبتدعة والخرافيين والمشركين, وسيبقى, فاربعوا على أنفسكم أيها الأغمار)).

الدر النضيد تخريج كتاب التوحيد: (ص:5).

اللحيدان
2014-03-15, 08:38 PM
بارك الله فيكم .

ابو العبدين البصري
2014-05-16, 06:09 AM
بارك الله فيكم .

بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا.

سلام_عادل
2015-01-07, 10:56 AM
شكرا علموضوع

الفهداوي
2015-03-13, 04:32 PM
احسنت الاختيار شيخ ابو العبدين
بارك الله فيكم ونفع بكم
:111: