المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ( ذكر حكمة الفعل في القران الكريم لا يلزم منه نفي غيرها ) قاعدة مهمة في فهم القران ..


ابوالحارث التلكيفي
2013-09-12, 04:27 PM
قاعدة مهمة في فهم القرآن الكريم ...الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ؛ أما بعد :-
من قواعد فهم القرآن الكريم التي نبه عليها شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه العجاب ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ) ولقد حوى هذا الكتاب كثيراً من الفوائد والدرر العلمية ، ولم أرى حسب علمي من أشار إلى هذه الفائدة من كلام ابن تيمية في هذا الباب ...
قال شيخ الاسلام ابن تيمية {{ إذا ذكر حكمة للفعل لم يلزم أن لا تكون له حكمة أخرى ، لكن لا بد لتخصيص تلك الحكمة بالذكر في ذلك الموضع من مناسبته }} ( الجواب الصحيح ج1/ ص255)
وقرر في نفس الموضع كثرة ذلك في القرآن الكريم قال {{ ومثل ذلك كثيرٌ في كلام الله - عز وجل - وغير كلام الله }} ...
وذكر رحمه الله أمثلة وتطبيقات كثيرة من القرآن الكريم في تقرير وتوضيح ما سبق ويقاس عليه ما لم يذكر ...
فتأمله فإنه نفيس غاية النفاسة !!
قال ابن تيمية {{ ...وأنزل الله إذ ذاك آيات بين فيها أنه رسول إليهم ، ولم يذكر فيها أنه لم يرسل إلى غيرهم . فقال تعالى في سورة القصص (( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ))

وقال في سورة السجدة (( أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ))
وقال في سورة يس ((يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ))

ذكر تعالى في هذه الآيات الثلاث نعمته على هؤلاء ، وحجته عليهم بإرساله ، وذكر بعض حكمته في إرساله وذلك لا يقتضي أنه لم يرسل إلا لهذا ، بل مثل هذا كثير معروف في لسان العرب وغيرهم .

قال تعالى ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون )

ومعلوم أن في هذه الدواب منافع غير الركوب ..
وقال تعالى :((يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون ))
فقد أخبر أنه ينزل الملائكة بالوحي على الأنبياء ; لينذروا يوم القيامة ، وذلك لا يمنع أن يكونوا نزلوا بالبشارة للمؤمنين والأمر والنهي بالشرائع .

وقال تعالى ((الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ))
فأخبر تعالى أنه خلق العالم العلوي والسفلي ; ليعلم العباد قدرته وعلمه ، ومع هذا ففي خلق ذلك له من الحكمة أمور أخرى غير علم العباد .
ومثل ذلك قوله تعالى ((جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم )) ومعلوم أن في جعل الكعبة قياما للناس والهدي والقلائد حكما ومنافع أخرى .

وقال تعالى (( ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ))
ومعلوم أن في ملك الله حكما أخرى غير جزاء المحسن والمسيء ، وكذلك قوله : وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون .

وقال تعالى (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح . إلى قوله : رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )
ومعلوم أن في إرسال الرسل سعادة من آمن بهم ، وغيرها حكم أخرى غير دفع حجة الخلق على الله ،
وكذلك قوله تعالى (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم )
ومعلوم أن في تسخيرها حكما ومنافع غير التكبير .
وقوله ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم )

وقال تعالى (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار .)

ومعلوم أن لله حكما في خلق الشمس والقمر ، والليل والنهار ، غير انتفاع بني آدم ،
وكذلك قوله : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه .

وقوله : وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا .

وفيها حكم أخرى .

وقال (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .)

وفي إنزال الكتاب من هدى من اهتدى به واتعاظه وغير ذلك مقاصد غير الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه .

وقال تعالى ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين )

ومعلوم أن في مبعث الخلق يوم القيامة مقاصد غير بيان المختلف في علم هؤلاء ، ومما يبين ذلك أنه قال في الآية التي احتجوا بها : لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم .

ومعلوم أنه لم يبعث لمجرد الإنذار ، بل وليبشر من آمن به ، ولأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وتحليل الطيبات ، وتحريم الخبائث ، وغير ذلك من مقاصد الرسل ، كما قال تعالى : رسلا مبشرين ومنذرين .

وقوله : وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين . لا ينافي كونه لم يصفهم في موضع آخر إلا بالإنذار ، وقد قال : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا .

وكان المسلمون مرة صلوا صلاة العيد بحضرة حصار النصارى فقام خطيبهم فخطب بهذه الآية ، ولما قرأ قوله ( ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات )
أشار إلى جند الإيمان .
ولما قرأ قوله : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا أشار إلى جند الصلبان .
وقال تعالى ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط )

وفي إنزال الكتاب والميزان حكم أخرى من البشارة والإنذار وغير ذلك
وكذلك قوله ( ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا )
وفي بعثهم حكم أخرى بدليل قوله (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها )

وقال تعالى ( فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم )

ومعلوم أن في ذلك مقاصد أخرى من هداية الخلق ، وقيام الحجة على من بلغهم وغير ذلك ،
وقوله ( كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب )

وفيه حكم أخرى من قيام الحجة على الخلق وضلال من ضل به ، ومثله قوله ( هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب )

ومعلوم أن في ذلك مقاصد أخرى من البشارة والأمر والنهي وغير ذلك ،
وكذلك قوله ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله )

ومعلوم أن في جزاء المؤمنين مقاصد أخرى غير علم أهل الكتاب وما معه ،
وقال تعالى ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها )

ومعلوم أن فيه حكما أخرى مثل تبشير من آمن به ، والأمر والنهي ، وإنذار غير هؤلاء من العرب .

وقال تعالى ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبين لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين )

ومعلوم أن فيه حكمة أخرى غير الإنذار .

وقال تعالى : ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين .

ومعلوم أن فيه حكمة أخرى من إنذار الخلق كلهم ، وأمرهم بالمعروف ، ونهيهم عن المنكر ، وتبشير المؤمنين ،
- فقال تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظاليسأل الصادقين عن صدقهم )

ومعلوم أن في أخذ الميثاق حكما أخرى .

وقال تعالى ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما )

وقوله ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى )

وقوله : لنريه من آياتنا .

وكذلك قوله ( وجعلنا الليل والنهار آيتين إلى قوله : لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب .)

وكذلك قوله ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب )

وفي ذلك كله حكم أخرى ...

وكذلك قوله ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) وإن كانت هذه لام العاقبة ، فليست العاقبة منحصرة في ذلك ، بل في ذلك من الإحسان إلى موسى وتربيته وغير ذلك حكم أخرى ، ومثل قوله : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم .

وقال تعالى ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله )

وفي إرساله حكم أخرى ،
وكذلك قوله ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله )

وفي إنزاله تبشير وإنذار وأمر ونهي ووعد ووعيد،
وكذلك قوله في عيسى ابن مريم ( هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا )

وكذلك قوله ( الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله )

وفيه حكم أخرى كما قال في الآية الأخرى ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها )

وقال ( وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون )

وقال تعالى ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك إلى قوله : ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون )

وكذلك قوله ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )

وفي كونهم وسطا حكم أخرى .

وقوله ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا )
وفيهما حكم أخرى ،
وكذلك قوله ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا )

وفي ذلك حكم أخرى من البشارة والأمر والنهي .

وقال تعالى ( وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء )

وفي ذلك حكم أخرى ،
ومثل ذلك كثير في كلام الله عز وجل وغير كلام الله إذا ذكر حكمة للفعل لم يلزم أن لا تكون له حكمة أخرى ، لكن لا بد لتخصيص تلك الحكمة بالذكر في ذلك الموضع من مناسبته ،
وهذا كالمناسبة في قوله ( لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم )
فإن هؤلاء كانوا أول المنذرين ، وأحقهم بالإنذار ، فكان في تخصيصهم بالذكر فائدة لا أنه خصهم لانتفاء إنذار من سواهم .

وقال تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين )
ومعلوم أنه نزل به ليكون بشيرا ، وليأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويحل الطيبات ، ويحرم الخبائث ، ويضع الآصار والأغلال }}
( الجواب الصحيح -ج 1- من ص247الى ص 255)

الأثري العراقي
2013-09-12, 05:34 PM
جزاك الله خيراً على هذه النفائس
وبارك الله فيك

سعيد المدرس
2013-09-12, 06:39 PM
رحم الله الإمام ابن تيمية ..
وجزاك الله خيراً .