المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نقطة تأمل (أو ربما تحوّل!) في ظاهرة الزهد عند بعض الدعاة !!


ابو الزبير الموصلي
2013-09-18, 12:40 AM
نقطة تأمل(أو ربما تحوّل!) في ظاهرة الزهد عند بعض الدعاة!!
بقلم ياسين نزال

كانَ زهدُ سلفنا الصالح، وشوقهم إلى ما عند الله تعالى من النعيم الذي لا ينفد، والعيش الذي لا ينقطع مِنْ أقوى مَفاتيح الخير التي بها تمكنوا مِنَ القيام بالدعوة حق القيام؛ ففتحوا مشارق الأرض ومغاربها، وأخضعوا لهم أعظم الدول، وتركوا لنا ميراثا عظيمًا، وتاريخًا فخمًا!
فَهكذا كان علمهم بالآخرة، وفهمه للدنيا؛ الغني يواسي الفقير، والعالم يعلّم الجاهل، والسليم يعود المريض، والجار يسأل عن جاره، والمقيم يعين الغريب؛ في صور بديعة، وأمثلة فريدة لم نعد نراها إلا في بطون الكتب!
ولمّا تمكّنتْ الدّنيا من قلوبنا، وتحكّمتْ في تفكيرنا؛ فشا الجهل، وقلّ العمل وتكالبتْ علينا الأمم الفاجرة مِن كلّ حدب وصوب، وصرنا غثاء كغثاء السيل نعجزُ من دونهم عن القيام بشؤوننا، كحال الرضيع مع مرضعته، مع أننا نفوقهم عدة، ونتفوق عليهم عَتادًا؛ فحالنا كما وصفه نبينا صلى الله عليه وسلّم: (يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ ، كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا " ، فَقَالَ قَائِلٌ : أَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : " بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ " ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ ؟ قَالَ : " حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ " ,)! والشاهد: قوله صلى الله عليه وسلم (حبّ الدنيا وكراهية الموت).
فلعلّ قائل يقول: ما دخل هذا في ذاك؟
والجواب تجده في هذا السّؤال –على سبيل المثال!-: كم يَهدر المسلم من الأوقات، ويضيّع الأموال في تشييد قصرٍ واحد؟! من عقود، وتفكير، ومعاينة وترتيب ولا سيما إذا كانت الزوجة – في مثل هذه المشاريع - هي العقل المدبِّر. وقس على ذلك إذا تعدّدت القصور والمركوبات، وتنوّعت الحدائق والمتنزهات. فهلْ سيجد المسلمُ الوقت الكافي كي يتصدّى بعلمه أوماله لهجمات أعداء الله تعالى سواء الثقافية أو الاقتصادية أو العسكرية ؟! أو: تنمية مقدّرات وقدرات بلده المسلم، والعطف على إخوانه المسلمين؟!!
...
بعضُ المشايخ –الدّعاة- يتقطع قلبُه (لا قلبك!) وهو يتكلم في زهد علماء السلف، وكيف طلقوا الدنيا الطلاق البائن! وأقصد بالزهد -هنا- البعد عن التّوسع الزائد عن حاجة النفس الجهولة الظلومة -كما وصفها الله تعالى في كتابه!- ولا يقف هذا الصنف عند حدّ وصفِ زهد سلفنا المُشْرق والمُشَرّف بل -كذلك- يدْعو النّاسَ إلى ذلك، وإلى لزوم مراقبة النفس وحملها على عدم الإسراف حتى لا نزيد الفقراء فقرًا، والضعفاء ضعفًا... وقلبُه يكاد ينفجر، ودموعه - من أجله- تكاد تنهمر! وبالمقابل تجده مِن مترفي أهل الدنيا وساكني قصورها: مساحات بمئات الأمتار، وصالات فارهة، ومطابخ مختلفة، وحمامات متنوعة، وأعمدة -عند المدخل و بعده- وبعد المخرج وقبله- شامخة ، يخيّم عليها هدوء المقابر، تبث فيك الشعور بالرّهبة، يخيّل إليك كأنّك تنظر إلى قطعة أثرية مِنْ تلكم المعابدِ! لا أحد يفكّر في الاقتراب فضلاً عن الدّخول!
وهنا قد يسأل سائل: عن أيّ زهد هؤلاء الدعاة يتكلمون؟! وإلى أي زهد يدعون؟!
فدَعني أردّ عليْكَ أيها السائل بما يشبه جوابهم من غير جمجمة: (كان في الصحابة و التابعين أغنياء! والشرع لم يحرم التمتع! و...و....)!
ونحن نوافقهم على هذا الجواب من غير ارتياب؛ لكنْ! :
هلاّ فتحوا أبوابهم للفقراء كما أمَر شرعنا، وكما كان يفعل أغنياء الصحابة والتابعين الأجلاء؟!
وهلا خصصوا أجزاء من قصورهم لاستقبال المنقطعين وعابري السبيل؟!
وهلا دعوا المحدودين إلى ولائمهم في صالات قصورهم؟!
وهلا مسحوا الدموع عن الثكالى، ورسموا البسمة في وجوه اليتامى، وأعانوا المستضعفين كما كان يفعل الصحابة والتابعين؟!!
وغير ذلك جدًّا كثير...ممّا نعاينه في واقعنا المرير...!
وخلاصة كلامي: أني أدعو لهم بالبركة، وأدعوهم أن يحفظوا أوقاتهم من تضييعها في الكلام في الزّهد، كما قدْ ضيعوا أموالهم في تحقيق معاني (الزّهد)! والله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)!