العودة   منتديات اهل السنة في العراق > الملتقيات الإدارية > ارشيف المنتدى

ارشيف المنتدى ينقل اليه المواضيع المكررة



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2021-08-15, 09:55 AM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
علي الموصلي
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jun 2021
العضوية: 6270
المشاركات: 1,653 [+]
معدل التقييم: 20
نقاط التقييم: 50
علي الموصلي will become famous soon enough

الإتصالات
الحالة:
علي الموصلي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : علي الموصلي المنتدى : ارشيف المنتدى
افتراضي رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي

طبعا الشيوعيين أنا لا أدافع عنهم ولا عن أفكارهم هم مموقتين من قبل الشعب العراقي بسبب أفكارهم الإلحادية وعدم اعترافهم لا بدين ولا برسول ولا بقرآن لكن لمجرد اهتمامي بالتاريخ لا أترك شاردة ولا واردة

الشاعرة حياة النهر : صلاح يموت والدنيا بعد كمرة

هذوله السجناء جماعة سجن الحلة أكثرهم شيوعيين

كما هنالك سجناء أيام قاسم كانوا معتقلين في نقرة السلمان جراء ثورة الشواف بالموصل تم اعدامهم وقسم هربوا كما يذكر المقال بالنسبة لسجن الحلة

وفي العراق كل حاكم له خصوم من يعارض حكمه عقوبته إما هروب خارج العراق أو إعدام أو سجون


قصة نفق سجن الحلة المركزي
( الحلقة الثالثة )


نعيم الزهيري
الفصـل الثانـي
الحريـــــــــــــــــــة هـــــــذه الكلمــــــــة الجميلــــــــــــــة


مااجملك ايتها الحرية ما أروع حروفك واعذبها لقد تغزك فيك الشاعر والاديب والسياسي ورسمك الفنان بأروع اللوحات، تغزل فيك الجميع كل حسب هواه، وكل يدعي وصلا بليلى او : وكل يبكي على ليلاه... قليلون هم من اتخذوا ومن استعملوا حروفك سيفا يسلط على رقاب الاكثرين لكنك تظلين حلوة حسناء ( ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر!) فمن اجلك تشرب السنون في السجون والمنافي، ومن اجلك تعتلى اعواد المشانق ومن اجلك يتحمل المرء العذابات والجوع والتشريد، أليس هذا مهرا مناسبا لعرسك الجميل؟
لسنا عشاق سجون ومشانق لكننا من اجل حرية شعبنا نتحمل ذلك ونضحي. تلك الكلمات الكبيرة المعنى قالها" فهد " القائد الشيوعي العراقي، امام المحكمة... ويتغنى السجناء السياسيون بنشيدهم المؤثر:

السجن ليس لنا نحن الاباة السجن للمجرمين الطغاة
ولكننا سنصمد سنصمـد وان لنـا مستقبلا سيخلد
لنـا الغـدُ، لنـا الغـد لنـا الغـدُ لنـا الغــد
حيـث تنصـب المشانق للمجـرميـن الطغــاة

لم تثن السجون ارادة الشيوعيين الذين لايفقدون في سجنهم سوى القيود، لم تثن تصميمهم على النضال في سبيالحرية لشعبهم ومستقبله لكنهم مثل الاخرين اناس من دم ولحم ولهم مشاعر وعواطف هي في ارق ماتكون وان ابتعادهم عن عوائلهم واصدقائهم، عن المعمل والحقل والمدرسة، عن المقهى والحارة، عن العمل السياسي بين الناس يضر بهم كثيرا... انهم لايمدون رقابهم كالنعاج لسكين الجزار لذا فهم يغتنمون الفرص للفرار من السجن الى الحرية، الى احضان شعبهم وذويهم الى حزبهم وحركتهم الثورية؛ ولسان حالهم يقول :

من السجون تهفـو القلـوب في حنين وفي اشتياق
رغـم البعـاد، أي حنيــن للنضـال مع الـرفاق
الظلم لا ينهار بغيرالتضحيات فيـــا قــــيود،
طلّي دمانا نحن ابـاة للطغاة نـأبــى السجـود

شهدت السجون السياسية عمليات من الهروب الفردية والجماعية فهرب سلام عادل من سجن الرمادي في اوائل الخمسينات والتحق بالعمل الحزبي في الفرات الاوسط... وهربت مجموعة من السجناء السياسيين من سجن نقرة السلمان مع احد ادلاء الصحراء... وصلاح، صلاح احمد الملازم الاول الشجاع حمل عشرين سنة من الحكم وارسل الى سجن نقرة السلمان، لكن الرجعية، رجعية الموصل لم تكتف بذلك بل دبرت له تهما اخرى وقررت اغتياله في المحكمة. وبذلك تقرر تهريبه من السجن، ففعل، وتم التستر على هروبه ثلاثة ايام وفي اليوم الرابع اكتشف الامر... كان صلاح عارف بالطريق الى النجف، ففي تلك الصحراء اجرى فرضيات عسكرية. كان صلاح يختفي في النهار ويعاود السير ليلا لكن شمس ايلول ساطعة جدا في النهار ويبرد الجو كثيرا في الليل ويبدو انه مرض وقبل ان يفارق الحياة دفن ما اخذه معه للاستعانه به في تحديد اتجاه الطريق... استشهد صلاح في الصحراء وحيدا على الرمال تحرس جثته الطاهرة نجوم السماء وشمس بلاده الساطعة. وقد رثته الشاعرة حياة النهر في قصيدتها ( صلاح يموت والدنيا بعد كمرة )...
وجاءت ام صلاح الى السجن بمعنويات عالية وقالت لرفاقه : مات صلاح في الصحراء وهذا افضل من ان يموت على ايدي رجعية الموصل، ان كل واحد منكم بالنسبة لي هو صلاح فكلكم اولادي... وهرب حامد مقصود وهو من الضباط الاحرار الذين كان لهم دور مميز في ثورة الرابع عشر من تموز/ 1958. وهرب الضابط الطيار عبدالنبي جميل ايضا من سجن الحلة المركزي في عام 1966، وهرب اخرون من معتقل خلف السدة الشرقية في بغداد ..

وتعتبر عملية حفر نفق في سجن بعقوبة في اوائل الخمسينات اول عملية منظمة للهروب الجماعي عن طريق الانفاق... كان السجناء الشيوعيون يتحلون بالانضباط الصارم الناتج عن الالتزام الفكري. فعندما قرروا الحفر كانوا يدركون المخاطر الناجمة عنه لكنهم مستعدون لتحمل النتائج. فكانوا يعالجون اهم مشاكل الحفر وهو التراب بسرية تامة، فكانوا يخفونه تحت الافرشة بدقة متناهية ويعملون من التراب وسائد تحت وسائدهم. وبذلك موهوا على السجان ماعملوا فنجحوا في اكمال الحفر والخروج منه لكن العملية فشلت وتم القبض على الذين تخلصوا من القيد وكان اخرهم ( ارا خاجادور وعمر الشيخ ) حيث قبض عليهما في البساتين. لقد اعيد من قبض عليهم الى السجن ثانية حاملين على كواهلهم سنوات اخرى من الاحكام ونقلوا الى سجن نقرة السلمان...
ليس كل السجناء على مستوى واحد من الصمود وقوة الارادة فمنهم من لم يتحمل القيد فيذهب الى ادارة السجن ويدلي باعترافاته ويتبرأ من حزبه ومن ممارسة العمل السياسي ثمنا لاطلاق سراحه.

عامــر الصـافـــي والبـــــراءة

عامر المعلم الشاب اعتنق الشيوعية مؤمنا بانها تنير دربه في العمل السياسي... عامر من عائلة اقطاعية معروفة في الفرات الاوسط، القي القبض عليه من قبل الشرطة السرية في اواخر عقد الخمسينات وفي التحقيقات الجنائية تحمل التعذيب الجسدي والنفسي فصمد صمود الابطال ولم ينبس ببنت شفه على رفاق دربه واصدقائه الذين إأتمنوه على اسرارهم فأثقل بعدة اعوام من السجن الشديد وسيق الى سجن الكوت...
بدأت الغيوم السوداء تتكاثف في سماء المستقبل الذي كان عامر يصبو اليه ويراه خاليا من كل شائبة فصار كدرا، قاتما، مسدودا بلا نهاية وفقد ثقته بشعبه وبالطبقة التي اعتنق فكرها واهدافها، فعنّ عليه البعد عن العائلة وسرى به الشوق والحنين الى المدرسة والصغار والمقهى فكانت تلك اقوى من البطولة والصمود... وفي ساعة متأخرة من الليل نادى على السجان وطالب بمقابلة مامور السجن مبديا استعداده لاعطاء البراءة من الحزب الشيوعي والتعهد بعدم ممارسة العمل السياسي. تردد السجان ولم يصدق اذنيه ان عامر سيتبرأ من حزبه؛ أ لح عليه فاستجاب وايقظ المأمور واخبره بطلب عامر وبعد تردد حذر حسم المأمور الامر واذا بعامر يكتب بيده ويوقع الكليشه السيئة، لقد وضع عامر بصمته في ذيل ورقة الذل والضعف وبذلك اخرج من ردهة السجن التي كان ينام فيها بين رفاق الدرب، الى مكان اخر بين بابي السجن في انتظار الصباح لتسوية امره...
لم ينم عامر في تلك الليله، كان قلقا وكأن شيئا مقدسا قد انتزع منه، كان يحلم بالحرية ويشعر بالجبن والذل في آن واحد نقيضان في ذهنه، فرط شجاعته السابقة بفرط جبنه الحالي. وبعد اغفاءة، مليئة بالكوابيس، دقت الساعة السادسة صباحا، انه فجر يوم جديد للعراق ونقلة نوعية في تاريخه السياسي والاجتماعي. استيقظ عامـر على صوت المذياع في البيان الاول لثورة الرابع عشر من تموز المجيدة...!!؟

جـــــــــــــــــلال

كان صغير الجسم كعصفور دوري، برزت وجنتاه بنتوئين في وجهه الاسمر الشاحب الذي لوحته رياح الظهيرة في الشوارع المغبّرة لمدينة كركوك. وتدلت خصلات من شعره الفاحم على جبهته التي ناصفت وجهه. وغطت شواربه الكثة فمه الصغير. وصار يلوح لمن يراه ان حنكه قد ارتفع ليحتمي تحت شاربيه كما يحتمي حيوان صغير تحت ظل شجيرة صغيرة في يوم قائظ اما عيناه فكانتا صغيرتين حادتين وفي تقطب دائم... ذلك هو جلال، صباغ الاحذية، الذي ورث الحرفة من والده منذ نعومة اظفاره. كان يجوب الشوارع المزدحمة يحمل صندوقه الصغير الذي يحتوي علبا من الاصباغ والفرشات، ينحني على الاقدام، يغسل الحذاء، يجففه، يضع عليه مقدارا من الصبغ، تبدأ الفرشات تتراقص في كفيه كمكوك نسيج طيار . ان مهنته لاتكلف كثيرا من الاعداد والتأهيل، ولاتحتاج الى رأسمال، فثمن ادواته لا يساوي نصف دينار... ومن عمله في تلك الساعات الطويلة يؤمـن المصاريف اليومية للعائلة المكونة من الاب الشيخ والام والزوجة وطفلته الصغيرة التي اطفأت للتو شمعتها الاولى. لكن ايام جلال ماكانت تسير على وتيرة واحدة، بل، غالبا ما تشوبها المنغصات، طرده من الارصفة وواجهات المحلات، رفس صندوقه وضربه ، الدفع اقل مما يجب ان يدفع ثمنا لصبغ الحذاء، الابتزاز، واقتل من ذلك كله الازدراء، فمهنته من المهن غير المحترمة لدى البعض مما يؤثر على مزاجه كثيرا، ويتحكم في تصرفاته في البيت ..هذا الواقع الطبقي المّر، قاد جلال للبحث عن بصيص يضيء له الدرب الذي يفضي الى عيش افضل والشعور بادميته وتخلصه من الانسحاق والمستقبل المظلم، فلم يجد نفسه الا وهو محشور مع الكثيرين بين جدران المعتقلات يُصلَب اكثر من مرّة في اليوم، يُشدُّ شعره ويضرب حتى على المناطق الحساسة من جسمه والتعليق في المروحة حد الاغماء والحرمان من النوم والاكل والزيارات، حتى بصق على الحياة وكل الدنيا ويوم ميلاده. وبعد هذا العذاب حط به المطاف في سجن العمارة المركزي مثقلا بعشرين عاما سجنا شديدا.

يقع سجن العمارة المركزي في جنوب المدينة وهو اخر بناية فيها قبل ان تمتد الى جواره اكواخ الكادحين... بناية السجن قديمة جدا، ويقال انها بنيت في الزمن العثماني، وعلى الطراز القديم مثله مثل سجون المحافظات الاخرى، حوش كبير يتوسطه خزان من الماء مثبته فيه عدة صنابير... وتشكل القاعات ضلعين ونصف من البناية، هناك ما يشبه الصالة الكبيرة بين البابين الحديديين وجناح اخرمعزول، يسمى المحجر يتكون من غرفتين كبيرتين وساحة ضيقة؛ وزنزانات صغيرة انفرادية معزولة تماما؛ وغرفة خاصة للمشنقة ببئرها النتن المسقف بغطاء من الخشب وهذا الغطاء يتكون من جزأين قابلين للفتح الى الاسفل، والة لفتح او لغلق الغطائين. وفي الاعلى عارضة قوية من الحديد يتدلى فيها حبل المشنقة وكالمعتاد فان غرفة ادارة السجن والسجانين والمشجب والعيادة الطبية، تقع في مدخل السجن... كل ذلك محاط بسياج مرتفع ،وعلى سطح السجن محارس للسجانين ؛ والبناء، كل البناء مشيد من الطابوق الاحمر الردىء النوع.
ان المنطقة التي يقع فيها السجن منخفضة لذا فان بناية السجن محاطة ببرك من الماء الاسن، اهم مكان لتكاثر الحشرات. لذلك فالسجن رطب جدا وتكاد جدرانه تنزُّ ماء"... السجن بلا تدفئة ولا مراوح، برد قارس في الشتاء وحر لاهب في الصيف... يشكل الشيوعيون واصدقاؤهم الاكثرية من السجناء اما الاقلية فهم من السجناء في جرائم غير سياسية... يوجد حمام واحد جماعي... ويجري التعداد الصباحي والمسائي في الساحة حيث ينظم السجناء بطابور مؤلف من أسطر وكل سطر يضم خمسة افراد لسهولة العدّ. اما الزيارات فهي محددة بيوم واحد في الشهر، وبين فترة واخرى يجري احتلال السجن وتفتيشه واخذ كلما هو ممنوع، كالراديو والكتب وغيرها.
نُقلت من الزنزانة رقم (5) الى داخل السجن بعد ان أمضيت فيها شهرا ونصف الشهر، وقد عينوا لي مكانا في القاعة رقم(3). فرشت بطانية صغيرة على الارض، والتحفت الاخرى، وكان حذائي هو وسادتي. وذات ظهيرة لاهبة زاد من حرّها الهواء اللافح من ساحة السجن المعبدة بمزيج من القار والحصى الناعم، جلب انتباهي ذلك الشاب المنزوي باسماله، القليل الاختلاط بالاخرين، لم اشاهد من يزوره او يسأل عنه، وكأنه جاء من مكان مجهول من هذه الدنيا ... كان جلال يكتفي بطعام السجن فقط، وقلما اراه يشرب الشاي خارج وجبتي الطعام في الصباح والمساء، كان يسرح مع افكاره وهمومه وشجونه، وفي يوم ما استدعي الى ادارة السجن ورجع بعد نصف ساعة مضطربا يترنح في مشيته، خشيت انهم عذبوه، لكن الوقت وقت غيابه لم يكن طويلا، ارتمى على فراشه ودفن راسه بين اسماله، واصدر انينا ونشيجا مكتوما. بقيت اراقبه عن كثب، لم يتناول طعام الغداء ولم يذق شيئا في المساء مما زاد في اضطرابي... اقتربت منه، كلمته ، تردد مرات وافصح مرّة، قال:

_ لاشئ لدي غير الحزب، انه الوحيد الذي افكاره في رأسي وحبه في قلبي ولحمي وعظمي، ابوح له كل شئ، له أفضي همومي ومأساتي، لقد جسدت اخلاصي وامانتي انني تحملت التعذيب الجسدي والنفسي والجوع والاهانات والسجن، كما ترى. ولم اعترف على رفاقي. لقد كنت امينا على كل اسراره، والان...
_ والان ماذا ياجلال؟
_ لي زوجة شابة وطفلة في الثانية من عمرها، ولااريد ان اضيف شيئا عن زواجنا وحياتنا العائلية قبل السجن، بل، كلمة واحدة اقولها، هي اننا كنا سعداء. قلت:
_ وماذا ياجلال، قل لي؟
_ ماكنت اريد البوح، ولكن للحزب ابوح... ابلغت هذا اليوم من قبل اخي الكبير الذي زارني، هو ان زوجتي حامل في شهرها الخامس وانا سجين منذ اكثر من سنة..!!
_ وبعد...!!
_ افادت هي في مركز الشرطة انها حامل من والدي، والان فان والدي وهو الشيخ التقي رهن الاعتقال الى حين وضعها الطفل وتحليل الدم، وهي ايضا معتقلة... كم من مصيبة يارفيق، السجن، البعد، التعذيب، تهدم الاسرة، والدي وزوجتي في السجن.
ـ والطفلة..؟
_ الطفلة لدى والدتي...واسترسل:
بعد اعتقالي وعدم تمكنهم على حملي على الاعترافات او اعطاء البراءة من الحزب، اعتقلوا والدي وطلبوا منه التبرؤ مني لكنه رفض ان يوقع على الورقة التي قدموها له والتي تتضمن انني اتبرأ من ولدي جلال... لانه شيوعي والشيوعية كفر والحاد...))
_ وهل والدك سياسي،
_ نعم كان سياسي وقد شارك في حماية اضراب عمال كاورباغي.
_ وهل تعرضت زوجتك للاعتقال...؟
_ بعد اشهر من صدور الحكم عليّ اعتقلوها وطلبوا منها ان تطلب الطلاق مني، لانني شيوعي ومحكوم عشرين عاما، فرفضت، حسب علمي، وانقطعت الاخبار عني.
هدأت من روعه وتعاطفت معه. وحكيت له امثلة كثيره من تلك التي تعترض الرجال واحضرت له بعض الطعام والسكائر. وفي اليوم التالي وبناء على توصية تنظيمنا الحزبي في السجن ابلغته ان ينفصل عنها قانونا وتم ذلك في اليوم التالي بمساعدة ممثلنا لدى ادارة السجن...

ملاحظة.. في صيف 1969 وبعد خروجي من السجن التقيت جلال في كراج النهضة وكان يحمل صندوقه الصغير وفرشا" لصبغ الاحذية حيث مهنته. كان اللقاء حارا" وبكى حين التقاني سالته عن احواله فقال انه في طريقه الى الزواج واوضح لي ان طليقته كان قد اعتدي عليها في مديرية امن كركوك واطلق سراحها فكانت حاملا وركبت التهمه بوالده لتشويه سمعته وسمعة العائلة لان الدم لم يكن مطابقا لدم والد جلال والطفل مات بعد شهرين من وضعه. وقد تزوجت هي من رجل اخر بعد فترة...












عرض البوم صور علي الموصلي   رد مع اقتباس
قديم 2021-08-15, 10:10 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
علي الموصلي
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jun 2021
العضوية: 6270
المشاركات: 1,653 [+]
معدل التقييم: 20
نقاط التقييم: 50
علي الموصلي will become famous soon enough

الإتصالات
الحالة:
علي الموصلي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : علي الموصلي المنتدى : ارشيف المنتدى
افتراضي رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي

اين الحقيقة في عملية الهروب عبر نفق سجن الحلة المركزي .. ؟ في زمن عبد الرحمن عارف حتى لا واحد يقول : ظلم البعثيين
الشيوعيين كل العراقيين يكرهونهم

عبد القادر احمد العيداني

قام السجناء السياسيون من الشيوعيين في السادس من تشرين الثاني عام 1967 بعمل ملحمي بطولي سطر بحروف من ذهب في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي , هذا العمل ارعب الحكام الطغاة , الذين مهما حاولوا سلب الحرية وخنق الانفاس والقاء المناضلين في غياهب السجون لأذلالهم والقضاء على الاهداف النبيلة التي نذروا انفسهم لها الا ان الحكام الفاسدين عادوا خائبين يلحقهم العار والشنار , بعد ان وجه سجناء الحلة لطمة على رؤوس العفنين واشباه الرجال من جلاوزة الحكم العارفي صنيعة الرجعيين و الاستعماريين .


نفق سجن الحلة



وعندما بادر المقبور طاهر يحيى الذي كان رئيساً للوزراء في تلك الفترة بالذهاب فوراً الى موقع النفق في سجن الحلة ذهل من دقة التخطيط والتنفيذ لهذا العمل البطولي الخالد في تاريخ العراق الحديث فدخل وخرج من النفق الى الكراج مستغربا من دقة العمل ,

بعد مضي قرابة اكثر من خمسة عقود على هذه الملحمة البطولية في هروب حوالي 40 سجيناً عبر النفق وكان من المؤمل ان يكون من سيتنفسون الحرية اكثر من ذلك ، ربما مئات السجناء الا ان بعض الاخطاء التكتيكية والعجلة وضعف العلاقة بين السجناء من خلال انشقاق عزيز الحاج حيث اصبح السجناء فريقين غير متفاهمين ادت هذه العوامل السلبية بأكتشاف خطة الهروب وضعف التنفيذ من خلال السجناء الهاربين .



حسين سلطان صبي


عقيل حبش


جاسم المطير


حميد غني جعفر


مظفر النواب
كتب عن هذه الملحمة البطولية كل من السجناء الراحل حسين سلطان عضو اللجنة المركزية السابق وعقيل حبش وجاسم المطير وحميد غني جعفر (جدو) وكذلك على ضوئها ادلى الباحث محمد علي محي الدين بدلوه بالاضافة الى السجين علي عرمش شوكت وآخرين وكتب عنها الاستاذ حسين الهنداوي في الفترة الاخيرة من خلال كتابته سلسلة من المقالات في جريدة المدى لاستعراض حياة الشاعر مظفر النواب وقامت فضائية الحرية قبل عدة سنوات بأنتاج فلم وثائقي عن هذه العملية , كثر الحديث واللغط عنها من خلال الاشخاص المنفذين وكل منهم يدعي البطولة له حتى وصلت مرحلة الزيف هنا وهناك ومن اجل القاء الضوء الساطع على عملية الهروب من نفق سجن الحلة عام 1967 نستعرض ما كتب عنه بعض المخططين والمنفذين لهذا العمل البطولي وغايتنا اجلاء الحقيقة والتوصل الى الحقائق الساطعة لهذه العملية لأنها دخلت في ذمة التاريخ ....

في ذكرياته عن هذه العملية اورد السياسي العصامي الراحل حسين سلطان قصة النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967 م وفي طبعته الاولى عام 2007 من اصدار دار الخالدي للطباعة والنشر والتي اصدرها نجله السيد خالد حسين .

يقول الراحل وقعت عدة محاولات للهروب من السجون السياسية في العراق واتخذت اشكالاً متنوعة من حيث الطرق والاساليب مثل كسر الشباك والهروب من خلاله او ثقب في جدار من جدران السجون او استغفال السجناء والافلات منهم من خلال مراجعة المستشفيات او استخدام المكياج في التمويه والخروج مع عوائل السجناء خلال فترة المواجهات , اما عن اول هروب جماعي من خلال الانفاق تم في سجن الكوت عام 1951 وتلاه سجن بعقوبة في الخمسينيات ايضاً وعقبته عملية الهروب من معتقل الفضيلية في الستينات ومحاولة الهروب من سجن الكاظمية عام 1963 التي لم يكتب لها النجاح ومحاولة لم تكتمل من سجن نقرة السلمان لحفر نفق واخيراً في سجن الحلة المركزي ,

شرح حسين سلطان الظروف البالغة السرية من الدقة وضبط الاعصاب والصبر وطول النفس في العمل والاختيار الدقيق للعاملين في النفق بالاضافة الى التظليل على حرس السجن والكتمان امام السجناء لعدم اكتشاف العمل اما موضوع نفق سجن الحلة في عام 1967 والهروب منه فلو لم يقع الانشقاق داخل الحزب في تلك الفترة لكان بالامكان تحرير اكثر من مائة سجين خلال الليل وحتى الصباح دون ان تشعر ادارة السجن بذلك , ويقول حسين سلطان في اواسط نيسان 1967 تم نقلي من سجن نقرة السلمان الى سجن الحلة على ضوء تقارير طبية اكدت على موتي من خلال بقائي في سجن نقرة السلمان , ويستطرد بالقول قبل مغادرته سجن نقرة السلمان بأيام ومن خلال الاحاديث عن عمليات الهروب اعلمني احد السجناء الذي جاء منقولاً من سجن الحلة الى سجن نقرة السلمان بالقول (اننا سعينا في سجن الحلة قبل نقلنا الى حفر نفق من غرفة الصيدلية بعمق ما يقارب المتر الا اننا اضطررنا الى غلقه صبة من السمنت) وقال لي سوف تلاحظ ذلك اذا وصلت الى سجن الحلة.

وعند وصولي الى سجن الحلة طلب مني اعضاء لجنة تنظيم السجن ان اخفي وجهي عن السجانين اثناء التعداد ولا أذهب الى الادارة السجنية ولا اقترب من السجانة وكل ذلك على الا يتعرفوا على ملامح وجهي وذلك لوجود امكانية هروب رفيق واحد مع المواجهين وعملت بهذه الوصية.

وخلال تلك الفترة الزمنية وصل السجين حافظ رسن منقولاً من السلمان حيث لي معرفة سابقة به عندما كان خارج العراق فتم تشكيل منظمة السجن من جديد من سبعة سجناء كنا انا وحافظ رسن من اعضاءها ومن خلال الحوار بيني وبين حافظ رسن تم اختياره للعمل الحثيث لأنجاز عملية الهروب التي بدأت في اواسط آيار 1967 بالإمكانيات المتوفرة وتدارسنا كل جوانبه نظرياً وعملياً وكل التفاصيل من حيث تحديد المكان وضبط المقاييس وتشخيص العاملين والادوات التي تستخدم وسرية العمل وكيفية التخلص من التراب المستخرج من النفق وتم اختيار الرفاق حميد غني جعفر(جدو) والملازم فاضل عباس وعقيل حبش حيث كان هؤلاء الثلاثة ابطال حقيقينن في الجهاد ونكران الذات كانوا يعملون ليل نهار ويتقدون حماساً من اجل انجاز المهمة المكلفين بها .

مرت علينا في تلك الفترة انتكاسة حزيران 1967 للجيوش العربية امام اسرائيل فتواردت لدينا افكار بالاستيلاء على ادارة السجن وتحرير السجناء من خلال حجز السجانين عند دخولهم في التعداد المسائي الى ساحة السجن , الا ان هذه الفكرة لم يجانبها النجاح لعدة عوامل .

وكان العمل مستمر في حفر النفق حيث يأتيني صباح كل يوم حافظ رسن يزودني بآخر المستجدات والمصاعب التي تواجههم وكيفية حلها , اما العناصر الذين يحملون فكرة عزيز الحاج ولديهم بعض الملاحظات على سياسة الحزب كان اكثرهم حماساً (مظفر النواب , الفريد سمعان , وعناصر آخرى) اما من الناحية الفكرية واخراجها بعد التحليل فكان جاسم المطير الاساس لها الا انه لا يستطيع ان يكون وجهاً لهم لأسباب معروفة من خلال موقفه امام هيئات التحقيق وكذلك لاحظت حافظ رسن في وضع غير طبيعي حيث التنظيم الحزبي اصبح منظمتين احداها مع الحزب والاخرى مع القيادة المركزية الا انهما يبدون موحدين امام ادارة السجن ومن سوء الصدف عند حدوث الانشقاق انحاز الى المنشقين اثنان من اصل ثلاثة رفاق يعملون في حفر النفق وهم حافظ رسن وفاضل عباس وبقى مع الحزب حميد غني جعفر .

في يوم السادس من تشرين الثاني عام 1967 اعلمني حافظ رسن انه في عصر هذا اليوم عندهم اجتماع في القاعة الشمالية قلت له ان هذا امر يخصكم وكانت مهمة تصميم الهويات المزورة من اختصاص مظفر النواب جاءني واعلمني بعد ذلك عن اختيار اصحاب الصور التي زودناه بها لأسماء من عندهم حتى لا ينسوها.

في الساعة السادسة من ذلك اليوم لاحظت بعض العناصر المنشقة تأتي من القلعة القديمة الى القاعة وكل منهم يحمل كيساً من القماش او النايلون فناديت على احد الرفاق وقلت له اذهب الى تلك القاعة وانظر من فيها فذهب وبقيت اتابعه بنظري وعند الباب منعه احد السجناء من المكلفين بالحراسة من الدخول فناديت عليه ان يدخل عنوة وعاد مسرعاً قائلاً لا يوجد احد في القاعة انهم غدروا بنا من خلال السماح للهروب لجماعتهم وقبل كسر الباب الذي يؤدي الى النفق قلت لجدو اطرق الباب عليهم فسأل حسين ياسين من الطارق فقال له انا جدو ويكلمك ابو علي (حسين سلطان) افتح الباب والا كسرت القفل وكانت خطتي ان يكون بداية الهروب عشرة سجناء خمسة منا وخمسة منكم وعند ذلك يخرج من يريد الهروب قال حسين ياسين موافقون فكان جماعة الحزب هم الشهيد عبد الامير سعيد ولطيف الحمامي وحميد غني جعفر وحسين سلطان وخامس لا يتذكره اما من الجماعة المنشقة فهم حسين ياسين وحافظ رسن وملازم فاضل عباس ومظفر النواب وجاسم المطير الا انه حدث هرج في ساحة السجن وحاول الكثير من السجناء الدخول الى النفق فأختل النظام ولم يبقى اي ضبط وذلك من خلال دخول خمسين سجيناً مرة واحدة الى فوهة النفق التي اصبحت مكتظة بالسجناء .

و عند الخروج من النفق لاحظت ان الحفر كان في مكان مناسب وكان طول النفق 14 متر والارتفاع بين متر ومتر وربع وعرضه متر حيث تم الخروج من خلال الكراج الملاصق للسجن مما اصاب حارس الكراج بالذهول من خروج هذه الاعداد الكبيرة من تحت الارض فاسرع الى شرطي المرور المقابل للكراج وبادر الشرطي الى رفع السماعة والاتصال بأدارة السجن .

فتم هروب 40 سجيناً من خلال النفق والقي القبض على 14 منهم داخل مدينة الحلة والبقية تخلصوا من ارهاب الحكام الطغاة ووصلوا سالمين الى الاماكن التي ذهبوا اليها فذهب الراحل حسين سلطان الى النجف واستقر هناك في بيوت حزبية وعين مسؤول لجنة الفرات الاوسط للحزب الشيوعي ومن ثم انتقل الى بغداد.
.....
اما الحكاية الثانية لعملية شق نفق سجن الحلة تناولها السجين عقيل حبش الجنابي في كتابه الصادر عن دار الملاك للفنون و الادب والنشر تحت عنوان الطريق الى الحرية يقول بعد ان تم الحكم عليّ عشر سنوات ونصف من قبل المجلس العرفي العسكري اودعت في سجن الرمادي ونقلت بعد ذلك الى سجن العمارة ومنه الى سجن الحلة المركزي حيث وجدت ان النية في نقطة الشروع للهروب من خلال حفر نفق من المطبخ وبسبب المصاعب وبعد المطبخ عن السياج تم استبدال خطة حسب ما ذكره حسين ياسين وذلك بسبب وجود نقطة حراسة تشرف على المطبخ يقول عقيل انه اتفق مع حسين ياسين وفاضل عباس على ان يكون النفق من خلال الصيدلية بعد ان يتم نقلها الى مكان آخر وتشكلت لجنة التخطيط بالاضافة الى مسؤول التنظيم نصيف الحجاج وكل من حافظ رسن وحسين ياسين ومظفر النواب اما لجنة التنفيذ فتشكلت من عقيل حبش وفاضل عباس وكمال كمالة وحميد غني جعفر وهؤلاء السجناء هم وحدهم يعلمون بأمر النفق من بين (500سجين) حيث تم العمل بتكتم شديد وصنع صندوق خشبي كبير لغرض وضع الاتربة به وكذلك في جسد ثلاجة قديمة وادعا عقيل انه صب باب النفق بمساعدة بعض الاسلاك المعدنية (قبق النفق) وتركه ثلاثة اسابيع ليكتمل جفاف السمنت وصادف يوم العمل هو 14تموز 1967 عندها يقول التقينا فاضل عباس وانا ومظفر وبدأنا بالحفر ونقل الاتربة في جسد الثلاجة القديمة مما حدا في تلك الفترة بحسين ياسين تبليغ كمال كمالة وجدو بالاستغناء عنهم في الحفر وتطرق عقيل حبش عن دوره في تبطين النفق بالبطانيات القديمة من خلال استعمال مسامير واغلفة (قبقات المياه الغازية) وتم انارة النفق بالتيار الكهربائي , يقول عقيل بعد ان ارهقني العمل في حفر النفق ذهبت الى القلعة الرابعة لغرض قضاء فترة من الاستراحة واذا بأحد السجناء يوقظني ويقول بعصبية يريدك مظفر نهضت متعباً وذهبت الى القاعة المجاورة الى النفق فشاهدت السجناء بلا ضوابط يدخلون الى النفق فقلت اين حافظ ومظفر وفاضل وحسين ياسين قالوا كلهم خرجوا فتزاحمت مع السجناء داخل النفق وخرجت مع اخي رياض حبش من خلال النفق .
....
اما الحكاية الثالثة لقصة هروب السجناء السياسيين في سجن الحلة عام 1967 للسجين جاسم المطير تحت عنوان الهروب من نفق مضيء من اصدار دار الرواد المزدهرة للطباعة والنشر .

تحت عنوان معضلة الذاكرة وقصة الهروب من سجن الحلة قدمها الدكتور كاظم حبيب مما جاء فيها .. اعرف الكثير من الشخصيات التي كتب عنها جاسم المطير التقيت بهم او عملت مع بعضهم في فترات مختلفة او سمعت عن البعض الاخر , ولهذا فقد نبش هذا الكتاب في داخلي الكثير من الذكريات التي تراكم عليها الغبار الا انها بقيت حية وشاخصة مرت امام عيني على شكل شريط سينمائي بالصوت والصورة.

يقول جاسم المطير ان الذين ساهموا بالتخطيط والتنفيذ لا يمتلكون الحقيقة كلها عن عملية النفق فما يعرفه حسين سلطان عن الهروب هو جزء من الحقيقة وليس كلها , وما يعرفه مظفر النواب هو ايضاً جزء آخر وكذا القول عن ما يعرفه فاضل عباس او حسين ياسين او جاسم المطير او نصيف الحجاج او عقيل الجنابي او حميد غني او كمال كمالة او حافظ رسن وهذا يعني انه لم يكن اي شخص من السجناء يملك لوحده كل مفاتيح العملية او مغاليقها.

بخصوص اختيار موقع النفق في الصيدلية او في المطبخ يقول ان حافظ رسن كان ميالاً الى الصيدلية التي لم ادخلها قبل ذلك ولا حتى قبل الهروب المرة الوحيدة التي دخلت فيها الى الصيدلية هي ساعة الهروب فقط , تم اختيار كوكبة من اربعة سجناء تنطبق عليهم المواصفات من قبل مظفر النواب وهم الملازم فاضل عباس , عقيل حبش , حسين ياسين , كمال كمالة , حيث تم اختيارهم لتنفيذ خطة العمل وحفر النفق وتم بناءً على اقتراح حسين سلطان اضافة حميد غني .

كان واجبنا العمل بيقظة وحذر وخلال جدلنا نحن مظفر النواب ونصيف الحجاج وحافظ رسن وجاسم المطير وكذلك ضرورة معرفة المسافة بين الصيدلية والكراج والتفكير عن عملية مقبولة لتصريف كميات التراب الناشئة من عملية الحفر حيث ابتدع فريق التنفيذ وسيلة جديدة من وسائل تصريف التراب بعلب فارغة من مسحوق (التايد) والقاءها في تواليتات السجن ويقول جاسم المطير كنت ومظفر نذهب للمرافق الصحية خلال الليل وفي بعض الاحيان كان حافظ رسن ينقل التراب في هذه العلب وكان يشاركنا نصيف الحجاج طول الليل ,وهذا يناقض كلامه انه لم يدخل الصيدلية قط الا يوم الهروب .

خلال المواجهة الشهرية في الاول من تشرين الثاني 1967 كنت منشغلاً مع سميرة محمود (زوجته) لأبلاغ بغداد ان ساعة الصفر ستكون في اليوم الخامس من تشرين الثاني وفي تمام الساعة السادسة مساءً ولم يفصح المطير عن قوله عن بغداد هل هي اللجنة المركزية او القيادة المركزية للحزب .

ان اللمسات الاخيرة للنفق انتهت كلياً فريق التنفيذ انجز كل ما عليه بأسهام فاضل عباس , كمال كمالة , حسين ياسين , عقيل حبش , ولا ننسى الشاب حميد غني جعفر كان قد أسهم مندفعاً في حفر النفق في اول ايام الغبطة المشتركة في حفر النفق في بدايته .

ويوم التنفيذ استلمت كافة الاستعدادات وحال دخولنا الى الصيدلية جرى طرق حاد على باب الصيدلية والقول اخرجوا والا ستكسر الباب على رؤوسكم رد عليهم مظفر وحسين ياسين توقفوا عن الطرق نحن قادمون اليكم ووجدنا تجمع كبير في باب الصيدلية وكان حسين سلطان وجميل منير وحميد غني في مقدمة المتجمهرين وهم في غاية التوتر والعصبية حيث غالبية السجناء المتجمعين ادركوا في الحال ان خلافاً شديداً حصل بين جماعة اللجنة المركزية والقيادة المركزية وتبادل الطرفين الكلام حول النفق وما ان حاولت معاتبة جميل منير حتى ضربني (راشدي) بكل قوة ومنعت من الاخرين بالرد عليه وهنا بادر حافظ رسن بالاتفاق مع حسين سلطان وجميل منير ان يكون عدد الهاربين من اللجنة المركزية بنفس عدد المقرر هروبه من جماعة القيادة المركزية اي 12 سجيناً من كل طرف بالتناوب كان اول النازلين الى النفق حسين سلطان واربع من جماعته تلاه خمسة من المحسوبين على القيادة المركزية وهم حسين ياسين وفاضل عباس وكمال كمالة وجاسم المطير ومظفر النواب .
..........
عن بيت الكتاب السومري اصدر حميد غني جعفر (جدو) كتاب بعنوان الحقائق الناصعة في عملية حفر النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967 وذلك في هذا العام ..

استهل الكتاب بتقديم للباحث محمد علي محي الدين الذي اكد على الامانة والمصداقية في كتابة التاريخ وان يضع الحقائق امام عينيه في ما يكتب او يقول .

ان عملية الهروب من سجن الحلة لم تؤرخ في حينها وتتعلق بالظروف التي تلت الحدث حيث اصدر عقيل حبش عن دوره في العملية وتصدى الاستاذ جاسم المطير للرد على ما كتبته عن عملية الهروب ناسباً لنفسه مضخماً مع اشارة باهتة لأدوار العاملين الحقيقيين في انجاز عملية الهروب ان حميد غني اورد الحقائق الناصعة في هذه العملية حيث اعطى لكل مشارك حقه من خلال التخطيط والتنفيذ .

ان عملية حفر النفق والهروب من سجن الحلة كثرت حوله الاقاويل والادعاءات وكل يدعي البطولة لنفسه علماً ان فكرة حفر النفق تبلورت لدى المنظمة الحزبية بقيادة نصيف الحجاج في منتصف شهر نيسان 1967 وعندما وصل سجن الحلة الراحل حسين سلطان منقولاً من سجن نقرة السلمان كانت لديه معلومات عن حفر النفق من خلال الصيدلية فتم تشكيل لجنة التخطيط متكونة من مظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين اما المنفذين لعملية الحفر اربعة رفاق كنت احدهم مع فاضل عباس , عقيل حبش وكمال كمالة فبدأنا العمل بشكل يومي على مدى ساعتين الى ان اكملنا النفق وعن الليلة الحاسمة يتحدث بأسهاب عن الاساليب الغير الشرعية لمنظمة القيادة المركزية حيث عملوا خدعة لغرض الهروب تحت حجة ان لديهم اجتماع في القاعة المجاورة للصيدلية وذلك في اليوم السادس من تشرين الثاني 1967 فأبلغ حافظ رسن ذلك الى الراحل حسين سلطان فاجابه ابو علي انه امر يخصكم وبعد ان كشفت نيتهم للهروب اشار الرفيق حسين سلطان بحمل (شيش) من الحديد كان مرمي على الارض لغرض كسر الاقفال وناديت من خلف الباب على حسين ياسين وقلت له هل هذه هي الامانة الحزبية التي تربيت عليها وهي الغدر برفاقك بعدها تم الاتفاق على ان يخرج واحد من جانب الى آخر من الجانب الثاني وبعد حوار تم الاتفاق على خمسة من كل طرف فكان الاول حسين سلطان تبعه مظفر النواب وبعده كاتب السطور (حميد غني جعفر) ومن ثم صار الهرج والمرج بين السجناء الا ان علمت ادارة السجن اخيراً من حارس السجن الى عملية الهروب ..
.....
وكتب الباحث محمد علي الدين في اضواء على عملية الهروب من سجن الحلة بين فيها الصدى الواسع لجرس تنامي النهوض الشيوعي وقوته وقدرته على العمل في اصعب الظروف والاحوال حيث كان لها التعجيل في انهاء الحكم العارفي .

يقول الباحث ان عقيل حبش تناول في روايته عن عملية الهروب فأعطى لنفسه فيها حيزاً كبيراً غمط فيه ادوار الاخرين واعطى لنفسه الدور الاكبر في التخطيط والتنفيذ وكذلك كتب جاسم المطير تحت عنوان معضلة الذاكرة ركز على دوره نافياً دور الراحل حسين السلطان والاخرين في هذ الملحمة البطولية حيث قام الاستاذ جاسم المطير بنشر مقالاته في كتاب اطلق عليه (الهروب من نفق مضيء) وصف فيه اللجنة المركزية والقيادات الشيوعية بأبشع الاوصاف متهماً اياها باليمينية والذيلية والارتدادية وما الى ذلك من مصطلحات في قاموس الانتقاص والسب وحفاظاً للأمانة التاريخية انشر ما كتب وما قيل عن عملية الهروب لتكن رداً على الاكاذيب و الاشاعات التي اطلقها المطير .

وقد اثارت كتاباتي في حينها ذاكرة الاستاذ المطير فخرج علينا ببياناته وصواريخه وذكرياته الحبيسة عن الواقعة وخلفياتها مبيناً وجهة نظره علماً ان المطير كان في تلك الفترة بعيداً عن التنظيم بسبب انهياره واعترافه وكشفه لخيوط التنظيم ومفاصله عندما كان مسؤولاً في المنطقة الجنوبية للحزب .

ورد السجين حميد غني جعفر على بعض ادعاءات المطير بما يلي :
1- اني صادق قولاً وفعلاً
2- لست من الباحثين والمتهافتين على تبوء المكانة الحقيقية التي نعتز ونتفاخر بها
3- يتهمني جاسم المطير بالامية اما ادعاءه بأن كتاباتي على طريقة الافلام الهندية فهي مواصفات يمتلكها غيري من المتحذلقين بالكلام
4- اما عطل ذاكرتي فأني والحمد لله في صحة موفورة وذاكرتي لا تزال تحتفظ بأدق الذكريات ولا زالت نشطة ولم يخالطها الاعياء
5- هل قرأ الزميل المطير لقاء كمال كمالة في جريدة ريكاي كوردستان حي ذكر فيه اسماء المساهمين في النفق دون ان يذكر لا المطير ولا غيره , في اي دور الذي يصر عليه المطير ومن هم على شاكلته مما لا زال الحقد يدمي قلوبهم ويعمي عيونهم عن رؤية الحقائق
6- صدرت مذكرات عقيل حبش عام 2004 تحت عنوان الطريق الى الحرية ولم يذكر اي دور في التخطيط والتنفيذ لجاسم المطير
7- وكذلك مذكرات الراحل حسين سلطان لم تذكر اسم المطير لا من قريب ولا من بعيد
8- كتب الكثيرون عن عملية النفق ولم يذكر احدهم اي دور للمطير في التخطيط والتنفيذ و المتابعة

فرد السيد جاسم المطير في مقالة له تحت عنوان (بيان رقم 999) من المجلس المسماري الاعلى قائلاً ان الهجوم الغير متمدن الذي شنه علي حميد غني جعفر انني لا علاقة لي مطلقاً بهروب السجناء من سجن الحلة المركزي عام 1967 لا بالاعداد ولا بالمساهمة اقول بصفاء نية وبإخلاص تام ان قضية الهروب ما زالت تعاني من معضلة الذاكرة مما يحتم على جميع الهاربين ان يتعاونوا تعاوناً اخوياً للوصول الى خلاصة مشتركة دقيقة لعملية الهروب غير ان ما كتبه حميد غني جعفر برهن بشكل قاطع انه يعاني من عطب شديد في الذاكرة وان هذا العطب اوجد عند هذا الرجل (منهج الهندية) في عرض الامور ,

واختتم المطير بالقول اسأل الله جلت قدرته ان يهدي حميد غني جعفر على تنشيط ذاكرته وان يهديني الى طريق العفو عند المقدرة كي لا اضطر بأصدار البيان المسماري رقم (1001) وصواريخ العابد بصدد مقالته المذكورة .

ازاء هذه المساجلة قال الباحث محمد علي محي الدين تحت مقال (البيانات الصاروخية والحقائق المخفية في المسامير المطيرية) اطلب من الاخ جاسم ان لا ينفعل ويرسل علينا راجماته وصواريخه العابرة للقارات فيدك رؤوس ويزهق النفوس ويشحذ مساميره التي اصبحت هذه الايام كالسهام الماحقة تدمي وتصيب حيث الباطل حقاً والحق باطل في منظور المطير .

من خلال هذه المساجلات المتبادلة بين عدة اطراف ضاعت الحقيقة كالإبرة في بحر هائج اتمنى ان يتعظ الجميع للعمل على رسو القارب الى الساحل من خلال الحقيقة الساطعة التي لا تقبل اي زيف او ادعاء او تضخيم الاحداث والرقص على الحبال لغرض التظليل على هذا الانجاز الشيوعي والشيوعي ابداً الذي يسطع كنور الشمس لأنها دخلت التاريخ من اوسع ابوابه وعليه اتمنى من الرفاق الشيوعيين الذين عاشوا في تلك الفترة من عام 1967 في سجن الحلة ان يبدوا آرائهم حول هذه المهاترات لنصل الى الصواب واليقين.












عرض البوم صور علي الموصلي   رد مع اقتباس
قديم 2021-08-15, 10:26 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
علي الموصلي
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jun 2021
العضوية: 6270
المشاركات: 1,653 [+]
معدل التقييم: 20
نقاط التقييم: 50
علي الموصلي will become famous soon enough

الإتصالات
الحالة:
علي الموصلي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : علي الموصلي المنتدى : ارشيف المنتدى
افتراضي رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي

قصة النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967
حوار مع المناضل حميد غني جعفر الاسدي (جدو) , ليروي قصة النفق والهروب من سجن الحلة المركزي عام 1967
حاوره - نبيل عبد الأمير الربيعي


سجلَ الشيوعيون العراقيون، وأصدقائهم، منذ اليوم الأول لتأسيس حزبهم في آذار عام 1934 العديد من المواقف البطولية المشهودة، في صراعهم ضد الأنظمة الدكتاتورية والرجعية، دفاعا عن مصالح العمال والكادحين والفلاحين وجماهير الشعب، بالرغم من البطش والإرهاب الذي رافق مسيرة الحزب على امتداد أكثر من ثمانين عاما ، وارتقى بعضهم من الاحداث إلى مستوي الأسطورة ومنها محاولات الهروب لأكثر من مرة ولأكثر من سجن سواء كان سجن نقره السلمان او سجن بعقوبة عام 1956 وعمليات الهروب الجماعي من منطقة بدرة وجصان ،و سجن الفضيلية في بغداد ، و سجن الكوت عام 1956 , كذلك في شباط الأسود عام 1963، وسجن الحلة عام 1967 , الذي استمر العمل والحفر فيه لمدة (58) يوماً ، وهي أحداث لم يطلع عليها جيل الشباب الثوري المنضوي فى صفوف الحزب إلا الجزء اليسير، الغرض من هذا الحوار لتسليط الضوء على صفحة نضالية من صفحات نضال الشيوعيين فى السجون ، هذه الوثيقة المهمة التي يجب أن نزيح عنها الغشاوة ، ونلتقي بمن هم الاهم فى هذآ المجال ممن عايشوا فترة حفر النفق والهروب من السجن للعودة القمة صفوف الحزب والعمل داخله ، ولكسر شوكة النظام الدكتاتوري الذي كان يتبجح بقدرته وقساوته على كسر شوكة المناضلين من خلال حجزهم وراء القضبان ، لأن عمل الرفاق هذا أصبح جرس إنذار لتنامي المد الشيوعي وقدرته على العمل في الزمن الصعب .
من هذآ ننطلق لكتابة وتوثيق تاريخ ومناضلي الحزب سيما أن كثيراً من صناعه لا زالوا علي قيد الحياة ، ولإماطة اللثام عن أسرار مهمة خشية ضياعها بعد أن ضاعت الكثير من الحقائق عن التاريخ المجيد للشيوعيين العراقيين بسبب الظروف التي مر بها الرفاق والحزب ، يؤكد الرفيق والباحث محمد علي محيي الدين " أن تاريخ والحزب أمانه فى أعناق جميع الشيوعيين من اقصى اليمين إلى اقصى اليسار وعليهم الكتابة " ، لتاريخ الحزب العريق الذي تجاوز عمره الثمانون عاماً وهو ما زال شاباً يافعاً يقدم الخير لأبناء بلاد الرافدين ، كان لنا هذا اللقاء مع المناضل حميد غني جعفر الملقب ( جدو) لصغر عمره داخل سجن الحلة وقتذاك ، وأحد المشاركين فى حفر نفق سجن الحلة عام 1967 للهروب نحو طريق الحرية والعودة لصفوف الحزب المناضل من أجل وطن حر وشعب سعيد .
ولد المناضل حميد غني جعفر عام 1943 في البصرة ، عاد والده بالعائلة إلى مدينته الأصلية ومسقط رأسه بغداد - الكاظمية بسبب وفاة الجد (جعفر) ليستقر في بيت أجداده في محلة - أم النومي - والمعروفة - بموسكو - فكانت نشأته وتربيته في الكاظمية ودراسته في مدرسة المفيد الابتدائية في الكاظمية ، كان الأنضمام للحزب الشيوعي العراقي وهو في التاسعة عشر من العمر أي عام 1962 بعد اطلاعه على أدبيات وسياسة الحزب ، ولدوره المهم في حفر نفق سجن الحلة المركزي كان لنا معه لقاء لنتعرف ونطلع على معاناة السجناء السياسيين الشيوعيين وبطولاتهم للتخلص قيد السجن الرهيب ، ولذا أرى انه آن الأوان اليوم لأطلاع الرأي العام والأجيال الجديدة من الشيوعيين العراقيين على إحدى المآثر البطولية للشيوعيين .. وما أكثرها في السجل الطويل والمشرق لحزب فهد وسلام عادل الخالدين أبدا :

· نتمنى أن نعرف بداية العمل , ومتى تم انضمامك لصفوف الحزب الشيوعي العراقي؟
· كان انتمائي للحزب الشيوعي العراقي وأنا في التاسعة عشر من العمر أي عام 1962 وعن طريق الرفيق الراحل - محمد عبد الأمير الدباش - وكان المسؤول الحزبي هو الرفيق الشهيد - جواد أحمد السلطان - شاركت في كل المهمات والفعاليات النضالية التي يكلفنا بها الحزب والتي اتسمت بالنشاط والحيوية في تلك الفترة بحيث يكاد لا يمر يوم دون فعالية نضالية ابتداءً من توزيع بيانات الحزب بصورة علنية , ثم المشاركة في المظاهرات المستمرة للمطالبة بالسلم في كردستان ، ويشرفني إني لم أتخلف عن أية مهمة أو فعالية نضالية حتى كان انقلاب الثامن من شباط الفاشي الدموي وشاركت مع رفاقي في المقاومة الباسلة للانقلاب الأسود ، وبتوجيه من الحزب كنت قد شاركت بإذاعة بيانات الحزب - يوم الإنقلاب - من جامع الأمير بعد كسر باب المسجد واستخدام جهاز المايكرفون لإذاعة البيانات والنداءات الحماسية الداعية لمقاومة الانقلاب ، كان معي الرفيق سامي احمد السلطان وأخيه الرفيق حسن والرفيق الراحل عبد الوهاب المنذري ، ثم وبتوجيه من الحزب اتجهت إلى مركز شرطة الكاظمية وشاركت مع الرفيق الشهيد سعيد متروك ورسول محمد أمين والرفيق الراحل محمد أمين الأسدي ، وبعد عملية احتلال المركز تم اعتقال كافة الشرطة ورجال الأمن بعد تجريدهم من السلاح ثم كسرنا مشجب السلاح لتوزيعه على رفاقنا المقاومين ومن بينهم الشاعر مظفر النواب وحمدي أيوب والملازم الشهيد خزعل السعدي وغيرهم كثيرون .

· متى تم الاعتقال بعد سيطرة الانقلابين على السلطة؟
· اعتقلت في اليوم الأول للانقلاب مع الرفيق المنذري أي - 8 - 2-1963 - وحكمت بالأشغال الشاقة المؤبدة ثم أرسلت مع رفاق الكاظمية إلى سجن نقرة السلمان ، ثم نقلت إلى سجن الحلة المركزي أواسط العام 1966 بعد أن قضيت ما يقارب الثلاث سنوات في سجن نقرة السلمان , ومن هناك اختارتني المنظمة التي يقودها الراحل حسين سلطان إلى مهمة حفر نفق سجن الحلة وتمت عملية الهروب في ليلة الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر الاشتراكية أي ليلة - 6 - 7 - تشرين ثاني 1967.

· هل كانت هنالك محاولة هروب آخرى قبل محاولة الهروب من سجن الحلة عام 1967؟
· كنت معتقل فى مركز شرطة الكاظمية أواسط حزيران من عام 1963 وردتني رسالة من الرفيق المرحوم فائق جواد الخياط يستفسر فيها عن عدد الرفاق الشيوعيين المعتقلين ويتساءل عن إمكانية الهروب للمشاركة معنا ولم يذكر تفاصيل أخرى سوى التأكيد على ان تكون العملية قبل - 1 - 7 - 1963، وغمرتني الفرحه الكبرى بان رفاقنا يواصلون نضالهم بهمة وشجاعة منقطعة النظير ويتحدون الطغيان الفاشي، وتدارست الرساله مع عدد من الرفاق الجيدين الصامدين واتفقنا علي انة توجد إمكانية للهروب ، إذ أن هناك داخل ساحة الموقف - الهول - ممر ضيق وفي نهايته باب صغير من الخشب وهو مقفل من الداخل ولا توجد حراسة عليه ، ويطل الباب على شارع فرعي بجانب المركز - من جهة اليسار - وساحة الموقف مخصصة للموقوفين العاديين وكذالك الممر الضيق هو الآخر ينزل فيه العاديون أيضا وليس لنا بهم من صلة ، وتلك هي المشكلة التي واجهتنا لكن ولحسن الحظ كان لأحد رفاقنا علاقة صداقة مع أحد هؤلاء النزلاء العاديون، وكان هذا الموقوف - العادي - شقيق لأحد رفاقنا - خارج المعتقل - والمدعو - علي قديفجي - وهو ينزل في الممر قرب الباب المذكور وقد اتفق معه - رفيقنا مهدي السيد نور - على توفير المستلزمات المطلوبة وكانت بسيطة (منشار صغير ودرنفيس وقالب صابون رقي) لغرض وضع الصابون على المنشار عند قطع القفل - كي لا يظهر صوت - واتفقنا على تنفيذ العملية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ، حيث يخلد الجميع الى النوم ، وفي الموعد المحدد من تلك الليلة وكانت أواخر حزيران ، تسلل الرفاق كل من (مهدي السيد نور، رشيد عبود متروك، وأنا) الى الممر لمساعدة الصديق - علي قديفجي - في تنفيذ العملية ، وإذا بأحد الموقوفين العاديين النائمين أو هكذا كان يبدو لنا فى ساحة الموقف ينهض من فراشه ويصرخ بأعلى صوته ... شرطة ... شرطة ...الشيوعيين يريدون ينهزمون حتي عدنا وبسرعة البرق الخاطف الى فراشنا , بحيث دخل افراد الشرطة إلى غرفتنا فلم يلاحظوا شيئا , وكان الهدوء والسكون التام يخيم على غرفتنا فوجد الشرطة الجميع في حالة نوم عميق حتى ظنوا بأن هذا الموقوف الذي ناداهم والذي يدعى - مجيد - ويكنى - قنبلة - كان يغط في حلم عميق فلم يصدقوا به حتى صفعه احد افراد الشرطة على وجهه وشتمه ، وهكذا وللأسف الشديد فشلت ولم تسنح لنا المحاولة الفرصه للمشاركة ونيل الشرف العظيم فى حركه حسن سريع بعد أن عرفنا عن انطلاقها فى الأول من تموز 1963، هذه الحركة الثورية كما لم يتسع لنا الوقت لتكرار المحاولة حيث نقلنا إلى الموقف العام في الباب المعظم - وزارة الصحة حالي- . بعد عام ونصف من الاعتقال والتنقل بين مركز شرطة الكاظمية ومركز شرطة الوشاش والموقف العام في باب المعظم ومعتقل خلف السدة ومواجهتنا لأبشع أساليب التعذيب الهمجية التي تفوق التصور ، تم تسويق أبناء الكاظمية الذين يربو عددهم عن المائة مناضل الى المجلس العرفي العسكري الأول في معسكر الوشاش برئاسة محمد نافع احمد بدعوى مقاومة انقلاب الثامن من شباط الأسود عام 1963.

· متى بدأت محاولاتكم الأولى وساعة الصفر للشروع بحفر النفق في سجن الحلة؟
· كان سجن الحلة يحتوي على قلعتين كبيرتين , القديمة وتسمى الوسطى والجديدة ، وضمت القلعتان المئات من المناضلين الوطنيين من شيوعيين وديمقراطيين تقدميين ومن مختلف الطيف العراقي ، وحين وصولي للسجن نسبت إلى القلعة الجديدة وفي الردهة الأولى ، وتم التعارف بيني وبين المنظمة الحزبية في السجن التي يقودها نصيف الحجاج ، وجرى تكليفي بالعمل في لجنة إعداد النشرة الإخبارية اليومية والتي كانت تقرأ صباح كل يوم على السجناء ، وكانت غرفة الإخبار تقع في بناية صغيرة منعزلة تحتوي على خمس غرف صغيرة ، اثنان على جهة اليمين واثنان على جهة اليسار أما الخامسة فكانت في العمق وبابها قبالة ساحة القلعة ، ويبدو إنها كانت مستشفى للسجناء وتم الغائها فيما بعد ، وتم استخدام ثلاثة منها لنزول السجناء وواحدة لإعداد النشرة الإخبارية والأخرى التي في العمق صيدلية لمعالجة السجناء . استقبل سجن الحلة في نيسان من العام 1967 حسين سلطان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي منقولاً من سجن نقرة السلمان ، وانضم فور وصوله إلى المنظمة الحزبية التي تتكون من (نصيف الحجاج وكمال شاكر ومحمد ملا كريم وحسين ياسين) ورفيقا آخر لا يحضرني اسمه ، وكان الرفاق الثلاثة الأوائل على وشك انتهاء محكوميتهم وما أن مضت فترة وجيزة على مجيء حسين سلطان - أبوعلي - حتى انتهت محكوميات الرفاق الثلاثة وأطلق سراحهم ، ثم تسلم مسؤوليتها فيما بعد الرفيق حسين سلطان وانضم إليهم أيضا الشاعر مظفر النواب وحافظ رسن .

· هل كان للمنظمة الحزبية في سجن الحلة المركزي دور في توجيه الرفاق داخل السجن بالالتزام والتعاون في حفر النفق؟
· كان لدور المنظمة الحزبية في إدارة شؤون السجناء وحياتهم اليومية بكل مفاصلها وخضوع الجميع بلا استثناء لطاعة المنظمة والالتزام بكل توجيهاتها وقراراتها ، بحيث لا يمكن لأي رفيق مهما كانت شخصيته أو درجته الحزبية القيام بأي عمل أو تصرف مهما كان صغيرا دون علم وموافقة المنظمة إدراكاً منهم بأن المنظمة تمثل الحزب وان احترامهم وطاعتهم لها هو احترام وطاعة للحزب الذي وهبوا حياتهم لأجله ، فهم قد تربوا في المدرسة الوطنية الكبرى الحزب الشيوعي العراقي وإيمانا منهم بمبدأ القيادة الجماعية المتجسدة بقيادة الحزب . إذن لا يمكن أن يكون هروب فردياً أو جماعياً دون علم المنظمة الحزبية وموافقتها وهذا يدركه جيدا كل المناضلين في السجون , وعلى هذا فإن عملية هروب كبرى مثل عملية حفر نفق وهروب جماعي من سجن الحلة المركزي عام 1967 ليست إلا من صنع الحزب الشيوعي العراقي تخطيطا وتنفيذا ، وليس من أية جهة أخرى إطلاقا ، كما يزعم البعض في محاولة لإبراز عضلاته على انه المخطط والمنفذ للعملية يسعى لتهميش وإلغاء دور المخطط والمنفذ الحقيقي ، باستغلال الظروف القاهرة والقاسية التي مر بها الحزب حيث ظلت الحقيقة غامضة عن الشارع العراقي وحتى على الكثير من الشيوعيين طيلة هذه الفترة العصيبة من تاريخ الحزب ، بفعل سياسة القمع البوليسي وانعدام حرية الفكر والرأي وحرية الصحافة والنشر إضافة لعدم وجود شبكات الانترنت فقد ظلت الحقيقة حبيسة، وأرى أنه آن الأوان لكشف الحقيقة بأمانة وصدق ، لقطع الطريق على المتقولين والأدعياء ، حفاظا على تاريخ الحزب الناصع المشرق لأنه أمانة بأعناقنا ولن نسمح بالتشويه والتزوير لتاريخ الحزب العريق.


· مَن الرفاق مِنَ صاحب فكرة حفر النفق من سجن الحلة والهروب المركزي؟
· من هنا أرى لزاما عليَّ أن أبين الحقيقة بضمير نقي وبصدق وأمانة الشيوعي المعهودة
, نتحدث عن كيفية بدا العملية ومن هو مصدر الفكرة ، إن فكرة الهروب لابد أن تراود كل مناضل ثوري وهو أمر طبيعي جداً ، وعلى هذا كانت المنظمة الحزبية التي كان يقودها - نصيف الحجاج - تفكر بعملية الهروب الجماعي من موقع - المطبخ - في القلعة القديمة واختارت الشخوص المنفذين للعملية , وبدأت العمل بصنع حاجز خشبي يحجب الرؤيا عن ربية الحراسة فوق السطح - قبالة المطبخ - ، وكان هذآ فى نيسان من العام 1967 قبل مجيء الراحل حسين سلطان منقولا من سجن نقرة السلمان إلى سجن الحلة وذالك في أواسط نيسان من العام ذاته 1967, وبعد إطلاعه على الفكرة ، من قبل المنظمة الحزبية ، وجد فيها مخاطر كبيرة وجدية بفعل موقعها قبالة ربية الحراسة , وقد كان حسين سلطان يحمل مشروعا جديد للهروب الجماعي أيضاً , ولكن من موقع آخر أكثر أمانة وضمانة من الموقع الأول ، وهو غرفة الصيدلية داخل القلعة الجديدة وكان الراحل سلطان قد أخذ فكرة هذآ الموقع من الصيدلية من رفيق كان معة فى سجن نقره السلمان، وكان هذا الرفيق يدعى - سالم - سجيناً في سجن الحلة عام - 1964 .

· من هم المجموعة التي قامت بحفر النفق ، ومن هم المشرفين عليه من سجناء منظمة الحزب؟
· اقتنعت المنظمة الحزبية بمقترح حسين سلطان الذي كان يقودها الرفيق نصيف الحجاج ، وتم الاتفاق على إلغاء فكرة الهروب من الموقع الأول ، والبدء بالعمل من الموقع الثاني وهو الصيدلية في القلعة الجديدة ، وتم اختيار الرفاق المنفذين الأربعة وكنت احدهم , إذ ابلغني حسين سلطان شخصياً بهذه المهمة المشرفة واختار أيضا الملازم فاضل عباس ونحن الاثنين من الكاظمية والاثنان الآخران عقيل عبد الكريم حبش من الناصرية وكمال ملكي من الموصل ، وللأمانة أن اذكر أن عقيل وفاضل كانا قد اختيرا للعمل من الموقع الأول أي المطبخ وعملا فيه فعلا ، والأربعة المذكورين هم فريق التنفيذ ، أما فريق الأشراف كانوا ثلاثه وهم الشاعر مظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين.

· ما هي واجباتكم داخل السجن، وكيف تم ترتيب وقتك بين الواجب وعمل حفر النفق؟
· كنت أقوم إضافة لعملي في لجنة إعداد النشرة الإخبارية ، كان عملي الآخر فى الكشك لبيع المشروبات الغازية والحليب ، و كنت أقرأ النشرة الإخبارية صباح كل يوم في القاووش رقم واحد الذي كنت نزيل فيه , وكذالك أساعد الرفيق حسين سلطان في قراءة أدبيات الحزب أو البريد الحزبي داخل القاعات والغرف التابعة لمنظمتنا ، ثم كنت أعمل ليلا مع الرفاق المكلفين في حفر النفق.

· متى بدأ عملكم الفعلي بحفر النفق داخل سجن الحلة المركزي؟
· بدأت عملية حفر النفق فى أوائل تموز من العام 1967 , وكان عملنا بشكل يومي وعلى مدى ساعتين فى اليوم بسبب شدة الحر وخلو الهواء من الأوكسجين وضيق التنفس تحت الأرض ، ومن اهم الصعوبات والمعوقات التي واجهتنا هي كيفية تسريب وإخفاء التراب ، وقد استخدمنا أكياس السكر أو الطحين لتكديس التراب فيها حتى امتلاء محيط الغرفة بأكياس التراب ، وكان العمل يجري بشكل منتظم والتزامات صارمة وسرية تامة ، وتفانٍ لأنجاز المهمة.


· هل هنالك اتصال بين منظمة السجن ومنظمة الحلة وقيادة الحزب لتقديم المساعدة على الهروب؟
· كان حسين سلطان علي صلة وثيقة بالتنظيم الحزبي خارج السجن , كانت تلك الصلات والمراسلات بينه وبين قياده الحزب حول هذآ الموضوع ، كانت محلية بابل على علم مسبق بعملية الهروب ، وقد هيأت المستلزمات الكاملة لإنجاحه ، فقد أرسل حسين سلطان صبي للحزب عن طريق أحد الرفاق رسالة يطلب فيها تهيئة المستلزمات اللازمة لإنجاح العملية ، وتهيئة السبل الكفيلة بإخفاء الهاربين ، ولكن حدوث الانشقاق الكبير وخروج جماعة القيادة المركزية عن الحزب ، ادي لحدوث خلافات بين المعتقلين المشاركين بالعملية . عند زياره الرفيقة آبلة الشيخ الى السجن لمواجهة أخيها عزيز الشيخ وطلبت اللقاء بحسين سلطان ، أكدت على أن منظمة الحلة للحزب لا يستطيعون إيواء الهاربين من السجن في المدن بل توجد إمكانية لإيوائهم في الريف ، كما أكدت على إمكانية المساعدة المادية في المواجهة الثانية.

· بأية وسائل تم حفر النفق وكيف بدأتم؟
· تم حفر النفق بأدوات بسيطة وبدائية حصلنا عليها من خلال عملنا في السجن ، منها ملاعق و قلم حديد و فأس صغير .

· كم كان طول النفق ، وهل هنالك من الرفاق من ساعدكم باحتساب مسافة طول النفق عن مكان الخروج ، وانا عرفت ان هنالك كان كراج لنقل المسافرين بجانب السجن وكانت النية بالخروج والهروب منه؟
· كان طول النفق ( 17 )مترا أما الارتفاع ( 70-75 ) سم ، و العمل يجري بشكل منتظم وبالتزامات صارمة وسرية تامة وتفان لانجاز المهمة ، وليس هناك أي تفكير أو نوايا سلبية ، وكانت الروح الرفاقية الشيوعية هي السائدة بيننا , وقد واجهنا مواقف خطيرة كادت تعصف بأحلامنا وآمالنا لكن وحدة الإرادة والتماسك الرفاقي تمكنا من تحقيق الهروب .

· هل توقف العمل في حفر النفق، وهل واجهتكم مشاكل مع الرفاق في السجن؟
· ظلت روحية التعاون السامية هي السائدة بيننا ، حتى أواخر أيلول من عام 1967 حيث أعلن الانشقاق الكبير والخطير في الحزب , والذي قاده عزيز الحاج أو ما يسمى بالقيادة المركزية ، فكانت الكارثة إذ انقسم الحزب وتمزقت وتشتت تنظيماته وأضعفته أمام العدو، وكان لهذا الانقسام والتمزق انعكاساته المباشرة بطبيعة الحال على السجناء السياسيين في جميع السجون العراقية ومنها نحن في سجن الحلة ، في وقت كان فيه العمل في النفق على وشك نهايته ، وقف السجن على قدميه في نقاشات ساخنة حادة من الصباح حتى ساعات متأخرة من الليل , واحتدمت المناقشات وتحولت إلى صراعات ومشاجرات اتسمت بالعنف في كثير من الأحيان , وبفعل تلك المشاحنات والتوترات العصبية توقف العمل في النفق ، وسادت الفوضى العارمة في السجن , وغابت الروح الرفاقية , و إزاء هذه الفوضى العارمة وحالة الانفعالات والتوترات العصبية ، اتخذت المنظمة الحزبية بقيادة حسين سلطان قرارا بإجراء استفتاء عام لكل السجناء , وتحديد موقف كل منهم بحرية وقناعة تامة في أن يكون الرفيق مع الحزب ولجنته المركزية أو مع المنشقين ، وكان قرارالاستفتاء من قيادة المنظمة قد وضع حدا للصراعات والمهاترات ، وعاد الهدوء إلى السجن بعد أن انقسمت المنظمة الحزبية الواحدة إلى منظمتين ، وعلى النحو التالي: منظمة الحزب اللجنة المركزية (حسين سلطان ، لطيف حسن الحمامي، عبد الأمير سعيد، جميل منير - حميد غني جعفر) أما المنظمة التي تمثل القيادة المركزية "المنشقين" فهي (الشاعر مظفر النواب، حسين ياسين، حافظ رسن) وبسبب وقوفي مع الحزب مما أثار غضب واستياء المجموعه ضدي ، حتى بذل حسين ياسين عدة محاولات لإقناعي بالانضمام إليهم فرفضت , ولذلك حاول المنشقون إبعادي عن عملية الهروب بأي طريقة . وبعد عودة الهدوء واستتباب أوضاع السجن ، جرى الاتفاق بين منظمة الحزب والمنشقين على العودة إلى العمل في النفق وانجاز ما تبقى منه وكان المتبقي بحدود ثلاثة أمتار , وكان ذالك في أوائل تشرين الأول عام 1967.

· من خلال صغر مكان العمل فى النفق تتكدس كمية كبيره من التراب ، كيف يتم التخلص منها ، وما هي المشاكل التي واجهتكم أثناء حفر النفق؟
· هنالك عقبات ومعوقات كبيره ومنها هو كيفيه التخلص من التراب المستخرج من النفق , فالغرفة صغيرة لا تستوعب كميات التراب ، لأن الضلع من جهة اليسار فيه فوهة النفق والضلع الثاني هو باب الصيدلية الرئيسي ومنها الدخول والخروج بقي ضلعان فقط احدهما امتلأ بالتراب حتى السقف أما الضلع الآخر من جهة اليمين فقد صنعنا له صندوق كبير من الخشب و الفايبر، وكدسنا فيه التراب وظلت هذه المشكلة تواجهنا فترة حفر النفق ، وطرحت على حافظ رسن الذي كان على اتصال يومي بحسين سلطان ليزوده بتقرير شفهي عن آخر التطورات وما يواجه العاملين بالنفق من معوقات ، وتم التنسيق بينهما والاتفاق على الطلب من إدارة السجن ومن خلال ممثل السجناء على جلب ثلاثة أحمال من التراب لاستعمالها في تحصين سقف كابينة المقهى والمكوى لقرب حلول موسم الشتاء , وكان ذالك لغرض التمويه على إدارة السجن والتخلص من التراب , وقمنا فعلا بجلب التراب أنا وكمال وفاضل إلى المقهى في وضح النهار ، وبعد أن خلد الجميع إلى النوم ، قمنا بنقل التراب من النفق إلى المقهى بترتيب خفارة ليلية فاضل وعقيل ساعة وحسين ياسين وجدو ساعة أخرى ، لكن معضلة التراب ظلت قائمة فقمنا بملء العلب الفارغة من التايد أو الحليب ورميها في حاويات الأوساخ لينقلها المنظفون صباح كل يوم خارج السجن في الأماكن المخصصة للقمامة . وكانت وحدة الإرادة والعمل الجماعي والروح الرفاقية والتفاني ونكران الذات، كفيلة بتذليل كل الصعاب والمعوقات , وكنا نتدارس سبل معالجة تلك المعوقات ونطرحها على حافظ رسن وبدوره ينقلها إلى حسين سلطان ، وكنت أشاهدهما يلتقيان يوميا ويأخذان الساحة ذهاباً وإياباً ليناقشا الأمور ليجدان الحل الملائم لها ، بهذه الروحية المتفانية كان يجري العمل حتى أواخر أيلول من العام 1967 , وبحدوث الانشقاق غابت الروح الرفاقية وتغلبت الأنانية وحب الذات كما أوضحنا، لكن العمل هذه المرة لم يكن بذات الروحية الشيوعية التي كنا قد بدأنا بها قبل الانشقاق فقد تغيرت تماماً وتناسى العاملين للأسف شيوعيتهم وباتت النزعات الأنانية وحب الذات والتعامل بروحية - الند للند - وتعرضت للكثير من الضغوطات والمضايقات بهدف إبعادي عن عمل حفر النفق , وتضجرت من ذلك حتى أخبرت الرفيق حسين سلطان مسؤول المنظمة بالأمر ، فأشار علي بضرورة التحلي بالصبر وأني في مهمة حزبية ويجب مواصلة العمل سيما وأنه أوشك على نهايته ، والتزمت برأي حسين سلطان و واصلت العمل ، لقد كانت قيادة أبو علي للمنظمة تتسم بالضبط الحديدي والدقة في تنفيذ لكل مهمات الحزب وتوجيهاته , وكان يحظى بتقدير واحترام كل السجناء.

· هل تم تفتيش قاعات السجن من إدارة السجن كروتين دوري ، أم بسبب علاقاتكم الطيبة مع إدارة السجن كانت تبتعد عن أهمية التفتيش للقاعات؟
· ذات يوم شديد الحرارة فوجئنا بزيارة مدير السجون العامة ، وبعد لقاء لجنة التنظيم معه ، وطرح مطالب السجناء إليه , رفض تلك المطالب وقام بجولة يستطلع فيها أوضاع السجن ، و بصحبه مدير السجن والمأمور وعدد من الحراس ، وعلى غير العادة المتبعة لم يرافقه ممثل السجناء ، و ابتدأ جولته من القلعة الوسطى ثم جاء إلى القلعة الجديدة واتجه إلى الممر الذي تقع فيه غرفة النفق ، وكنا نراقب بقلق شديد ما سيحدث خشية أن يطلب فتح باب الصيدلية فتقع الكارثة وتضيع كل الجهود وتتبدد الآمال في الالتحاق بالحزب ، كانت لحظات من الفزع والخوف ، وما إن لمست يداه القفل على الباب ، حتى كدت اصرخ , لكني تماسكت وكان بجانبي فاضل الذي كان بصراحة أكثر تماسكاً مني ، وسأل المدير مرافقيه عن الغرفة، فأجابه احدهم إنها غرفة تواليت مهجورة فرفع المدير يديه عن القفل وعاد من حيث أتى فكانت فرحة لا توصف غمرت الجميع وكأننا كنا في حالة اشتباك مع العدو وتحقق لنا نصرا عظيما ، ومن فرط فرحتي ناديت السجناء المتواجدين في الساحة وقلت : تعالوا اشربوا الشاي على حسابي، ولم يدرك السجناء سر فرحتي .

· هل تستطيع أن تحدد بالضبط الفترة التي استغرق فيها حفر النفق؟
· انتهى العمل في حفر النفق في نهاية تشرين الأول عام 1967 واستمر العمل لمدة (58) يوماً ، علماً تقديرات السلطة كانت بعد هروبنا واكتشاف آمر النفق بـ(9) أشهر وأن يكون العمل ليل نهار لإتمام الحفر.
· متى تم الانتهاء من حفر النفق ، وكيف تم الاتفاق على الهروب؟
· في نهاية في نهاية تشرين الأول عام 1967 إنتهى العمل فى إكمال و حفر النفق وفى زياره أخي حسين للسجن قبل هروبي بعشرين يوماً طلبت منه أن يجلب لي بعض الحاجيات الضرورية (دشداشة وسترة وحذاء رياضة) مما أثار استغرابه بشكل واضح وقال :
أنت بالبيت متلبس دشداشة ... . شلك بيه ... ولك شغلة الدشداشة مو خالية ....
فأجبته على الفور: مو الدشداشة أروح من البجامة والحذاء أريده للرياضة الصباحية ....
ولم يكن مقتنعاً بما قلته له ، لكنه قد لبى كل طلباتي ، والحقيقة كانت هذه الطلبات باتفاق مع حسين سلطان ، لأني كنت قد أخبرت أبو علي بأني لا اعرف احياء الحلة ولا شوارعها , ولم أراها من قبل , فأين أتوجه عند الهروب ، فقال لي حسين سلطان :
لا عليك سأكون بانتظارك عند الخروج في باب الكراج لأصطحبك معي إلى الريف ، ولذا كانت الدشداشة والسترة هي المناسبة لوضع الريف ، وفي هذه الفترة كنا قد بلغنا بالعمل في النفق نهاياته ، فقد أصبحنا على مقربة من الكراج الملاصق لسياج السجن الرئيسي ، بعد أن تركنا مقدار طابوقتين أو ثلاثة وهي الفوهة التي تتسع لعبور شخص ، وتوقف العمل لحين ورود إيعاز من الحزب .

· هل كان هنالك تنسيق مع منظمة الحلة لترتيب مستلزمات عملية الهروب؟
· كانت منظمتنا الحزبية على اتصال دائم مع منظمة الحلة - محلية الحلة - وكان من المتفق عليه بين منظمة السجن والمحلية، بأن تقوم المحلية بتهيئة المستلزمات الضرورية لتسهيل عملية الهروب , ومنها تهيئة سيارات من داخل الكراج لنقلنا إلى مكان يختاره الحزب , ولم يكن لنا علم بهذا المكان ، ولكن ووفقاً لما قالته الرفيقة وابلة الشيخ لحسين سلطان من أن الحزب يستطيع إيواء الهاربين في الريف ، ولا يستطيع إيواءهم في المدن ، وعلى أن تكون السيارات بحماية عدد من الرفاق من تنظيم الحلة ، على هذا الأساس توقف العمل ولم يكن هناك أي موعد متفق عليه بين مجموعة العاملين في النفق مع منظمتنا الحزبية , لكن الذي اتضح إن المنشقين قد استغلوا فترة توقف العمل ليواصلوا العمل بمفردهم ومن وراء ظهر منظمتنا ودون علمي كشريك في العملية ، إذ قاموا برفع الطابوقتين أو الثلاث ، وقاموا بتغليف النفق بالبطانيات وبسحب سلك كهربائي إلى داخل النفق للإنارة وهذا ما كنا قد اتفقنا عليه مسبقاً ، واتضح لنا هذا الأمر في هذه الليلة الحاسمة ، وعندما أوشك العمل على نهايته حدثت بعض الإشكالات والألتباسات التي توقف العمل بسببها لفترة شهر ، ثم عدنا لأنجاز العملية وقمنا بتغليف ارض النفق والسقف بالبطانيات كي لا يظهر اثر للتراب في ملابسنا - عند الزحف داخل النفق - والخروج من فوهة النفق إلى مرأب السيارات وكانت عملية الهروب في ليلة تاريخية هي ذكرى اليوبيل الفضي لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى ليلة 6-7 تشرين ثاني عام 1967.

· هل حدث خلاف بين الرفاق السجناء داخل السجن لكيفية الخروج من السجن إلى الحرية؟
· هذه الليلة التي أسميناها "بالحاسمة" لأنها كانت مفاجئة لنا ولمنظمتنا الحزبية التي كانت تتهيأ مع كافة السجناء للاحتفال بالذكرى الخمسون لثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى التي اعتاد السجناء السياسيون من شيوعيين وتقدميين الاحتفاء بها وتمجيدها كل عام فهي من التقاليد الثورية ، وفي غمرة الاستعداد للاحتفال بهذه الليلة المجيدة ، لم يدور في خلد أي منا أن يحدث ما حدث في تلك الليلة ، إذ لم يكن هناك أي اتفاق أو موعد محدد مع منظمتنا ، أو بين منظمتنا ومنظمة المنشقين على تنفيذ عملية الهروب ، وكان الجميع بانتظار الإيعاز من الحزب أو محلية الحلة التي كانت تتهيأ لتسهيل عملية الهروب عبر خطة دقيقة ، يمكن من خلالها خروج اكبر عدد من السجناء ، لكن الذي اتضح أن المنشقين كانوا يخططون بمفردهم وحددوا هذه الليلة للهروب لوحدهم من وراء ظهر منظمتنا ، واستخدموا أساليب ملتوية بهدف إبعاد النظر عما يخططون ، إذ جاء صباح يوم 6 / 11 حافظ رسن لحسين سلطان وابلغه بأنهم "المنشقين" سيعقدون اجتماع لهم في القاعة الكبيرة رقم (7) المحاذية لغرفة الصيدلية ، فأجابه أبو علي أنه أمر يخصكم ، وبعد سويعات من صباح ذالك اليوم جاء مظفر النواب ليطلب من أبو علي أيضاً الأسماء المستعارة للرفاق الذين تقرر هروبهم لتثبيتها في هوياتهم على أن يأتي صباح اليوم التالي لاستلامها ، بهذه الأساليب الملتوية حاولوا إبعاد النظر.

· كيف عرفتم بأن المنشقين يحاولون استغلال النفق للهروب بدون علمكم؟
· قبل ساعة من تنفيذهم للعملية ، افتضح أمر المنشقين عن الحزب (القيادة المركزية)، حيث كنت أقف في الكشك لمزاولة عملي لبيع المشروبات الغازية عصر ذلك اليوم السادس من تشرين ثاني ، شاهدت عناصر من المنشقين - من القلعة القديمة - وهم يدخلون القلعة الجديدة ويتجهون إلى القاعة رقم (7) المحاذية لغرفة الصيدلية ، ويحمل كل منهم بيده رزمة أأو تسمى بلهجتنا الدارجة (بقجة) من القماش وكان عددهم بين 12-15 شخصاً وفي مقدمتهم حافظ رسن والشاعر مظفر النواب وحسين ياسين وعقيل حبش وفاضل وأخرون ، كما وشاهدت شخصاً يقف في باب القاعة ، وفجأة انقطع التيار الكهربائي لحظات ، ثم عاد مرة أخرى ، هذه المشاهد الثلاث (البقجة - انقطاع التيار الكهربائي - وقوف شخص في باب القاعة) لفتت نظري وبقيت أراقب هذه الحركات المريبة ، وتبادر إلى ذهني الشك سيما بعد انقطاع التيار الكهربائي ، واتجهت مسرعا إلى حسين سلطان الذي كان هو الآخر ؟ في الساحة يراقب هذا التحرك ، وأخبرته بخطورة الموقف , فقال لي أبو علي محذراً:
(جدو) هل أنت متأكد مما تقول من هذا الكلام الخطير .
فقلت له : نعم , وإلا لماذا قطع التيار الكهربائي يقيناً إنهم سحبوا السلك الكهربائي إلى داخل النفق , والبقجة بأيديهم بالتأكيد يخفون فيها ملابسهم التي يخرجون بها ، ثم قال:
تذكر يا رفيق انك ستكون المسؤول أمام الحزب إذا ظهر خلاف ذالك ,فأجبته على الفور وبقناعة تامة: نعم أنا المسؤول ، فأشار عليَّ أبو علي بحمل شيش من الحديد كان في الكشك استخدمه لكسر الثلج وتوجهت به إلى باب الصيدلية الرئيسي لكسر القفل , أما حسين سلطان (أبو علي) فقد ظل واقفاً في الساحة أمام الممر وإلى جانبه الرفيقين صاحب الحميري وعبد الأمير سعيد لمراقبة الموقف ، وقبل أن أضع الشيش في القفل ، استرق السمع من خلف الباب للتأكد من الحقيقة فسمعت وقع خطوات بطيئة وحذرة وصوت همس يقول :
هل الإنارة جيدة ؟ أيقنت ساعتها أن المنشقين يغدرون بنا وناديت من خلف الباب بصوت منخفض على حسين ياسين قائلا له :
هل هذه هي الأمانة الحزبية التي تربيت عليها ؟ .. الغدر برفاقك , وهنا رفعت القضيب الحديدي (الشيش) لكسر القفل ، وإذا بشخص يحاول أن يجذبني ويأخذ الشيش من يدي و يبدو انه مكلف من المنشقين بحراسة باب الصيدلية ، وتشابكت الأيدي كل منا يحاول جذب اآخر إليه ، وأخيراً انتصرت عليه بجذب الشيش وطرحته أرضا وقبل أن أسدد له الضربة كان الثلاثة "ابو علي وصاحب الحميري وعبد الأمير سعيد" قد جاءوا مسرعين ومنعوني من ضربه إذ كانوا في الساحة يراقبون الموقف ، وعندما شعر حسين ياسين بافتضاح أمرهم ويبدو أنه سمع أصوات مشاجرتنا فناداني بصوت خفيض ومرتعش من خلف الباب قائلا :
جدو جدو ... تعال هنا نتفاهم ، فأجبته :
ليس لي تفاهم معكم , التفاهم مع الحزب , وكان جوابي هذا إلى حسين ياسين.

· كيف تم الاتفاق مع المنشقين على ساعة الهروب بعد أن ظهرت المشاكل في المنظمة الحزبية؟
· أوعز حسين سلطان للرفيقين الحميري وسعيد باتخاذ اجراءات احترازية لأن القضية أصبحت مكشوفة أمام السجناء , وطلب منهما الوقوف في باب القلعة ومنع خروج أو دخول أي من السجناء خشية تسريب خبر النفق إلى إدارة السجن ، فتضيع كل الجهود سدى إضافة لما قد يتعرض له السجناء من أذى ، ثم دعاني أبوعلي للذهاب معه إلى القاعة الكبيرة التي يجتمع فيها المنشقون بعد خروجهم من غرفة النفق ، وكان هناك الشاعر مظفر النواب وحافظ رسن وحسين ياسين وآخرون ، كانت الوجوه متجهمة غاضبة ومرتسمة عليها الانفعالات والتوتر العصبي ، وبدأ الكلام أبو علي وبكل هدوء قائلا:
رفاق نحن جميعا مناضلون شيوعيون وإذا انقسم الحزب اليوم , فلابد أن يتوحد غداً وتجارب الحزب غنية بهذا الشأن ، وهنا انبرى مظفر النواب مقاطعا بانفعال وعصبية شديدة قائلا :
لا .... لا .... انتم يمين ورفع يده اليمنى إلى الأعلى , ونحن اليسار ورفع يده اليسرى , ولا يمكن أن نلتقي أبدا , ولا اقصد هنا الإساءة لشاعرنا الكبير الأستاذ النواب فهو صديق عزيز وأكنَّ له كل التقدير والاحترام فأنا على اتصال وتواصل معه ، وقد أكد هذا الرجل إصالته كمناضل ثوري وما زال يحمل هموم شعبه ووطنه ويعيش قسوة الغربة ، والمهم أن أبو علي قد شعر أن لا جدوى من النقاش بمثل هذا الجو من التوتر والانفعال وليس هناك متسع من الوقت في إطالة الحديث بسبب خطورة الموقف إذ أصبح مكشوفا أمام السجناء ، فاستدرك أبو علي قائلا :
المهم الآن إن نتفق على كيفية تنظيم عملية الهروب ، فأجابه النواب:
واحدا منا وواحد منكم ، فأجابه أبو علي :
إذا كان هذا رأيكم فلا باس، ولكن يجب أن لا يكون الأول منكم فاستغرب النواب كلام أبو علي واستدرك قائلا :
من الأول إذن؟ أجابه أبو علي: الأول جدو , مشيرا بيده لي ، فوافق النواب ، لكني في الحقيقة رفضت أن أكون الأول احتراماً وتقديراً لأبو علي كونه أكبر مني سنا ثم أنه عضو لجنة مركزية وحاجة الحزب إليه اكبر فقلت له:
لا ... أنت الأول وبعد هذا الحوار الساخن المتوتر ، تم الأتفاق على العشرة الأوائل خمسة منا وخمسة منهم وبالتناوب ، أي واحد منا وواحد منهم ، وبدأنا التهيؤ للأنطلاق، وأعطاني أبو علي مبلغ خمسة دنانير ، وهكذا تم التنفيذ بما اتفق عليه فكان أبو علي قد خرج الأول ثم تبعه النواب ومن بعده (جدو) وهكذا وبعد خروج المجموعة الأولى ، حدث الهرج والمرج والتدافع والتسابق بين السجناء ، حتى علمت إدارة السجن أخيرا من حارس الكراج ، كان الحارس خائف من خروج الأشباح أم الجن من حفرة الكراج ، فصاح بصوت علي شرطي المرور الموجود لتنظيم السير قرب السجن ، وأبلغ شرطي المرور حرس السجن عن عملية الهروب . وبذالك حاول المنشقون الإيحاء للرأي العام والشيوعيين العراقيين بأن هذه العملية البطولية هي من انجاز القيادة المركزية - المنشقين - والواقع فإن الذي ساعد المنشقين في تعزيز هذا الانطباع للشارع العام هو عاملين رئيسيين , الأول .هو أن تنفيذ الهروب تم بعد وقوع الإنشقاق بحوالي الشهرين ، والثاني. أن غالبية الهاربين كانوا من المنشقين ، وأن رفاق الحزب كانوا قلة إذ لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ، أما كيف ولماذا كان ذالك ، هذا ما يجهله الشارع والشيوعيين العراقيين الذين غابت عنهما الحقيقة تماماً وعلى مدى أربعة عقود من الزمن بسبب سياسات النظام البوليسي القمعي وإنعدام حرية الصحافة والنشر ، وليس هذا بخافٍ عن شعبنا وقواه الوطنية الذين عانى الأمرين من نار ذلك النظام الفاشي الدموي ولن تسنح فرصة مناسبة لكشف هذه الحقيقة ولذا أرى إنه آن الأوان اليوم لإطلاع الرأي العام والأجيال الجديدة من الشيوعيين العراقيين على إحدى المآثر البطولية للشيوعيين , وما أكثرها في السجل الطويل والمشرق لحزب فهد وسلام عادل الخالدين أبدا.

· هل اتخذتم الاحتياطات اللازمة بعد الهروب من حمل هويات مزورة لتجاوز السيطرات الأمنية ؟
· بداية تموز من العام 1967 كلفت المنظمة ثلاثة رفاق بمهمة الأشراف على عمل الهويات , ثم تهيئة الإعداد للهويات -المزورة -وسحب الصور للرفاق الذين تقرر هروبهم وهم الشاعر مظفر النواب والمعلم حسين ياسين من أهالي الناصرية وحافظ رسن , لكن الهويات المزورة لم تسلم لأعضاء منظمة الحزب واستفرد بها أعضاء القيادة المركزية .

· هل هربت من السجن مع بقية الرفاق , وبعد خروجك من السجن أين اختفيت , وكيف تم اتصالك بالحزب لغرض العودة للنضال؟
· خرجت الثالث عبرَّ النفق كما كان متفق عليه من خلال الكراج , وتنسمت عبير الحرية التي حرمت منها لسنوات , واتجهت بخطوات هادءه إلى باب الكراج وكان الحارس جالساً في باب الكراج ، ألقيت عليه التحية , فرد التحية بطيبة , ثم وقفت أمام باب الكراج انظر يمينا وشمالا بحثاً عن حسين سلطان (ابو علي ) كما هو متفق عليه فلم أجده ، وانتابني شعور بالقلق والحيرة لأنني لا اعرف من أين اتجه وأي طريق اسلك ، فأنا لم أرى مدينة الحلة من قبل , وبينما أنا بهذا الحال ، وإذا بعربة تجرها الخيول (ربل ) تتجه نحوي , ودون أي كلام قفزت إلى داخل العربة وجلست على أحد مقاعدها حتى ذهل الحوذي من فعل المفاجئة والتفت بوجهه نحوي متسائلا ؟...ها عمي وين تريد ...أجبته على الفور :
عمي أريد كراج بغداد , وبعد أن اطمأن قال :
ممنون عمي ...وأخذت الخيول تجر العربة وهي تركض خببا باتجاه كراج بغداد وعند الوصول إلى الكراج ، أعطيت الحوذي أجرته وترجلت على عجل ، الآن أنا حر طليق في عالم الحرية الرحب وبدأت أحث الخطى وعيناي تبحث عن أشخاص كانوا قبل لحظات معي بين أربعة جدران ، فلربما قد سبقني إلى هذا المكان أبو علي لكني لم أجده أيضا .

· كيف تمكنت من الانتقال من مدينة الحلة إلى بغداد , ومع مَنّ من الرفاق الهاربين من السجن؟
· كانت السيارات منتشرة وكثيرة ، لكن الركاب قليلون , الأمر الذي يتطلب الأنتظار لوقت طويل ، وهذا ليس في صالحي بهذا الظرف المحرج ، سيما لم يكن معي المال الكافي لاستئجار سيارة لحسابي الخاص ، وبينما أنا بهذه الحيرة والقلق شاهدت مظفر النواب وحسين ياسين وحافظ رسن وفاضل عباس اتجهوا نحوي وهم ينظرون إلى السيارات أيضا ، ثم اتفقنا على استئجار سيارة لحسابنا الخاص , واتفقنا فعلاً مع أحد السواق لنقلنا إلى بغداد الحبيبة , انطلقت السيارة بنا صوب بغداد ، كان مظفر يرتدي الزي العربي العباءة والعقال وتبدو عليه علامات الهيبة والوقار , ونظر مظفر بطرف عينيه الى السائق وبادره بالسؤال
خوية اسمك بالخير ؟
فأجابه السائق: ...اسمي حسين ..وانت حجي شسمك ؟
فأجابه مظفر بدون تردد: ....آني اسمي زاير ثويني ، ثم سأل مظفر السائق مرة أخرى:
خوية أبو علي هل هناك سيطرة تفتيش في الطريق ؟ وقبل أن يجيبه السائق ، شعر مظفر كما يبدو بأن سؤاله ملفت للنظر فاستدرك قائلا : ...خوية أبو علي ...والله عندي هذا خادمك - مشيرا بيده لي لأني أصغرهم سنا - طالب إعدادية وناسي هويته بالبيت ...وأحنا مستعجلين وجايين لبغداد لاستلام جنازة ،أجابه السائق وهو ينظر لي : ...والله يا زاير ثويني اكو تفتيش بالطريق مو ماكو ...بس أنتوا من توصلون السيطرة ...أقروا آية الكرسي وإنشا الله كلشي ماكو ، وشكره مظفر على نصيحته .
ومرَّ الوقت ثقيلا وكان الجميع متوجسون إلى حد كبير لأنهم يعلمون إني الوحيد بينهم بلا هوية وهذا مصدر القلق ولذا كانوا يخشون من أي طارئ قد يفاجئنا ، وأخذت المسافة تقصر شيئاً فشيئاً حتى أصبحت بغداد على مرمى البصر منا ، وعند الساعة العاشرة ليلا وصلنا إلى بغداد وتوقفت السيارة في ساحة المتحف "علاوي الحلة " فاطمأنت نفوسنا وزال الخطر وترجلنا جميعا من السيارة على عجل ، وبينما كنا نهم بالافتراق كل إلى جهته قال لي حسين ياسين :
تجي ويانة فقلت له ؟....لا أشكرك هذا حدنه وياكم ، وأتجه الأربعة إلى الجهة التي حددوها سلفا ، فيما اتجهت أنا إلى وجهة أخرى , شعرت بفرحة عارمة تغمرني وأنا في الطريق إلى الكاظمية من منطقة علاوي الحلة (مقابل سينما بغداد ) وأنا الآن حرّ طليق وعلى موعد مع حبيبتي مدينة الكاظمية ومع الحزب .

· ماذا كان يجول في خاطرك وأنت حرّ طليق في مدينة الكاظمية ؟
· وصلت إلى (باب الدروازة ) فتواردت إلى ذهني صور المقاومة البطولية أبان انقلاب الثامن من شباط الأسود عام 1963 وارتسمت أمامي صور احتلالنا لمركز الشرطة والتظاهرات والنداءات التي وجهناها إلى الجماهير التي هبت لمقاومة الانقلابيين الفاشست ، وسلكت الأزقة الضيقة المظلمة خشية السير في الشوارع الرئيسة ودخلت (عكد الكنجلي ) كما يسميه الكاظميون وهو من الأزقة القديمة المظلمة ، وتذكرت عريف الأمن (جاسم عفتة ) عندما مسكني يوما ها هنا أواخر عام 1962 , وكان الوقت ليلا أيضا ،وكنا قد خرجنا للتو من اجتماع حزبي وكنت احمل معي محضر الاجتماع الذي كان من ورق الرايز الشفاف وملفوف على شكل قطعة حلوى ، سارعت حينها وبسرعة غير ملحوظة من أحد إلى وضع المحضر بين إصبعي السبابة والإبهام ورفعت يدي إلى الأعلى ليفتشني العريف جاسم ، ولم يجد أي شيء عندي فانصرف ومعه شرطي الأمن (محمد جواد حساني )حتى دهش الرفيقان الذين كانا معي وقالا أين أخفيت المحضر يا رفيق ؟ وواصلت السير مسرعا وكانت الساعة الحادية عشر ليلا باتجاه محلة "البحية وأم النومي " حيث كان يسكن أخي " جعفر " لكني لم اعرف بالضبط أين منزله (كونه مستأجرا ) وذهبت إلى بيت عمه "والد زوجته "وسألته عن بيت جعفر النداف ، وخرج أبو جاسم (عم زوجته )وقد غلب عليه النعاس - كما بدا عليه - فضلا عن كونه كريم العين - ولم يعرفني ، وسألني قائلا: شتريد منه بهذا الوقت ؟أجبته على الفور:
أنا نداف وعندي شغل مستعجل وأريد مساعدته غداً في العمل ، واصطحبني الرجل الطيب إلى بيت أخي ، وتحاشيت الكلام معه طيلة مسافة الطريق كي لا ينتبه ويعرفني من خلال صوتي وبعد ذلك ينشر الخبر في المنطقة ويفتضح أمري ، ثم أشار بيده إلى زقاق ضيق يقع بيت أخي ، وهنا بادرته وطلبت منه الرجوع لداره وشكرته على صنيعه ومعروفه لأنه كان نائماً وربما سببت له الإزعاج بعد عودته لبيته ، توجهت أنا صوب الباب وطرقته بهدوء ، وخرج أخي فأصابه الذهول وكأنه غير مصدق لما يرى أدخلني البيت بسرعة وهو ينظر إلى الشارع ليطمئن لخلوه من المارة والفضوليين وبعد نيل قسط من الراحة قلت لأخي جعفر: لحسن الحظ أن أولادك جميعهم نائمون فلا تخبرهم بشيء وعليك أن تأخذني حالا إلى بيت أخي حسين ، لأنه يسكن في مدينة الحرية (الدولعي ) بعيداً عن محلتنا (أم النومي ) فاصطحبني جعفر على دراجته الهوائية إلى الدولعي وكانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل , وعند وصولنا فوجئ الجميع أيضاً واستيقظ أخي حسين ثم طلب من جعفر أن يأتي في الصباح الباكر لينقلني إلى بيت عمي في الوشاش لحين عودة حسين من الدوام حيث كان قد التحق للخدمة العسكرية جندي مكلف بعد إطلاق سراحه من سجن نقرة السلمان ، وفعلا جاء جعفر مبكراً صباح اليوم التالي لينقلني إلى الوشاش وعلى دراجته الهوائية أيضا وهو يحب الحزب لكنه ليس شيوعيا وكان قد شارك في مقاومة انقلاب الثامن من شباط الأسود عام 1963 أما حسين فقد كان رفيقا شيوعيا .

· هل اتصلت بقيادة الحزب للعودة إلى النضال بعد هروبك؟
· في مساء يوم -7-11-1967 وهو اليوم الثاني للهروب كان أخي حسين قد ابلغ الحزب ، وجاء رفيق من الحزب ليلاً إلى الوشاش ونقلني إلى بيت احد الرفاق , وهكذا التحقت إلى صفوف الحزب من جديد لمواصلة النضال المشرف والطويل , كان مكان هذا البيت في الكاظمية وصاحب البيت رفيق معروف ومكشوف في المنطقة ، ولذا فإن الحزب لم يطمأن حتى نقلني في اليوم التالي إلى بيت آخر وفي منطقة أخرى .

· كما سمعت وانا شاب يافع في تلك الفترة عن عملية هروب السجناء الشيوعيين من سجن الحلة , كم كان عدد الرفاق الهاربين , و كيف كان شعورك عند إعلان حكومة عارف عن عملية الهروب ؟
· الإعلان عن عملية النفق والهروب بعد ثلاثة أيام من الهروب ، جاءني الرفيق أبو علاء (الذي كنت مختفيا في بيته ) بجريدة ( الإعلان )الصادرة حينذاك والتي نشرت تصريحا لمدير السجون العام يعلن فيه عن عملية النفق والهروب من سجن الحلة المركزي وتمكن مجموعة من السجناء السياسيين من الهروب من السجن ، وذكر إن عددهم بلغ أربعين سجينا وأكد مدير السجون بأنه تم إلقاء القبض على (14) سجينا منهم داخل مدينة الحلة كما نشرت أسماء الهاربين والواقع كان هذا الرقم (40) مفاجئا بالنسبة لي ، إذ كنت أتوقع أكثر من هذا الرقم بكثير وكان من المؤمل فعلا أن يكون أكثر ، لو لا عملية الغدر التي قام بها المنشقون كما سبق الإشارة ، هذا وقد ذكرت جريدة (الإعلان )أسماء السجناء السياسيين وسنوات محكومياتهم وكما ياتي :
1- جاسم محمد المطير 20 سنة
2- حمادي عبد الله 20 سنة
3- حسين علي مراد 20 سنة
4- حافظ رسن 5سنوات
5 - حسين ياسين 3سنوات
6- عبد العزيز الحامد 20 سنة
7- عبد الجبار علي الجبر 20 سنة
8- عبد اللطيف حسن 20 سنة
9- عبد الامير سعيد 20 سنة
10- حميد غني جعفر 20 سنة
11- عدنان ابراهيم 20 سنة
12- رياض كريم حبش 10 سنوات
13- عادل عباس زبالة 7 سنوات
14 -عبد الجبار مال الله 20 سنة
15- مظفر عبد المجيد النواب 20 سنة
16- ريحان عبد الله 15 سنة
17- نبيل حسين 15 سنة
18- غانم داود الموصلي 5 سنوات
19-عدنان عبد الله سمعو 20- سنة
20-اسعد عبد العاقولي 20- سنة
21- عقيل عبد الكريم حبش 10- سنوات
22- سعدان فهوي 20- سنة
23- سعد الله ملا محمد 12- سنة
24- جياد تركي 20- سنة
25- كمال مدني 11- سنة
26- محمد حسين حمدي 10- سنوات
27- صدام حميد 20- سنة
28- قحطان عارف 27- سنة
92- محمد موسى كاظم 5- سنوات
30- حزعلي جاسم خلف 20- سنة
31- بشير الزرعو 20- سنة
32- صلاح حسن شاهين 20- سنة
33- هادي صالح 3- سنوات
34- محفوظ يونس 20- سنة
35- جاسم حذو 15- سنة
36- جواد عبد الله 10- سنوات
37- حسين سلطان 9- سنوات
38- عبد الواحد خلف 20- سنة
39- حازم صابر 1- سنة
40- فاضل عباس 17- سنة

· هل هنالك إضافات أو تعليقات رفيقي العزيز أتمنى ذلك لتكون شاهداً و ليسجلها التاريخ ؟
· من هذا المنطلق لإيضاح وتثبيت الحقيقة , كانت كل كتاباتنا وحواراتنا ليس الظهور بمظهر البطولة وإبراز دوري الشخصي كما يسعى إليه المنشقون لأن دوري قد ذكره كل المشاركين في العملية وفي المقدمة منهم عضو اللجنة المركزية للحزب و مسؤول المنظمة الحزبية الراحل حسين سلطان وهذا لوحده مفخرة أعتز بها ، وكذلك ذكره حتى المنشقون أنفسهم مثل الأستاذ المطير والزميل عقيل حبش وكمال ملكي وآخرون والباحث محمد علي محيي الدين (أبو زاهد) ، وتحدثوا عني قبل أن أتحدث أنا عن نفسي ، إذاً دوري لا يحتاج إلى شهادة ، والمهم هو دور الحزب ومنظمته الحزبية ودور الرفيق حسين سلطان وهذا ما حاول المنشقون إلغاءه وتهميشه وهو ما حفزني لتأكيد دور الحزب وقلت منذ البداية إن البطولة كل البطولة والفخر هي للحزب وحده , و نحن إلا جنود منفذين لمهماته النضالية , إن مسؤولية الحفاظ على تاريخ الحزب من التشويه والتزوير والسرقة ، هو أمانة كبرى بأعناقنا ، وها نحن قد ابلغنا الأمانة أمام الحزب والتاريخ ، وأخيرا تبقى كلمة الفصل الأولى والأخيرة هي لقيادة الحزب الحالية في الدفاع عن تأريخ الحزب المشرق والحفاظ عليه من التشويه والتزوير والسرقة .
نبيل عبد الأمير الربيعي












عرض البوم صور علي الموصلي   رد مع اقتباس
قديم 2021-08-15, 12:11 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
علي الموصلي
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jun 2021
العضوية: 6270
المشاركات: 1,653 [+]
معدل التقييم: 20
نقاط التقييم: 50
علي الموصلي will become famous soon enough

الإتصالات
الحالة:
علي الموصلي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : علي الموصلي المنتدى : ارشيف المنتدى
افتراضي رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي

1000 يوم في سجن نقرة السلمان الحلقة السادسة والعشرين
دارت دورة الحياة على شباط الدم والموت عاما واحدا وحل شباط عام 1964 على سجناء نقرة السلمان وكان الفارق بينهما أن الأول كان شعاره القضاء على جمهورية الرابع عشر من تموزعام 1958 الديموقراطية الشعبية بجميع وسائل القمع والعمل للقضاء على كل من ساهم في ارساء دعائمها أما شباط عام 1964 فقد كان حزينا وصامتا ومؤلما لدرجة أنه سلب المغلوبين الأحساس بالواقع والحياة الأعتيادية ولكوني أحد هؤلاء يمكنني أن أنقل أنطباعا واضحا عن عدم الشعور بالوجود وما يحمله من مؤثرات كتأثير المناخ وحالة الجو في مثل هذا الوقت من السنة وأنني لحد الآن أحاول أن أستذكر وأسأل نفسي هل كان الجو غائما وهل كانت الرياح عاصفة وهل كان البرد قارصا وأكثر من كل ذلك لا أتذكر هل أن السماء قد أمطرت وكيف كان حالي وحال الآخرين تحت مطر الصحراء والغريب في الأمر أنني الذي كنت أنتظر المطر ومواسم زخاته المثيرة قد ذكرته في أحدى أمسيات السلمان الأدبية وتحت عنوان(ثم جاء المطر) وهي صورة قلمية لروعة المطر قبل أن يغيب عن بالي في شهر شباط السلمان أن الحدث المهم والمثير الذي ترك أثرا حزينا في نفوسنا نحن سكان مستعمرة المنفيين في صحراء السلمان هو فقداننا للضابط الشجاع صلاح أحمد حمدي الذي أنتهت حياته الحافلة بتراجيديا أشبه ما تكون بنهاية فرسان الحرية الأبطال وخلق حفل تأبينه جوا من الحزن العميق على السجناء المتجمهرين في باحة السجن ومما زاد على ذلك الجو المحزن القصيدة التي القاها شاعر النضال الثوري مظفر النواب
المنايا الما تزورك زورها
خطوة التسلم ذبايح سورها


لقد جمعتني بصلاح علاقة حميمية داخل السجن وبسبب كوني أمارس طقوس محاولة التعرف على الآشخاص المتميزين وقراءة سيرة حياتهم عن كثب لذا فقد صرفت وقنا ليس بالقليل لمصاحبة صلاح والتمشي معه حول القواويش والى وقت متأخر من الليل وهو يحدثني عن محاولات هروبه المتكررة والتي تكللت بالنجاح أحيانا وبسوء الحظ أحيانا أخرى والذي يحول دون أكماله نيل الحرية بشكل تام وسأدون ما اختزنته ذاكرتي من تلك المحاولات والتي سردها لي صلاح وبشكل عفوي وبما لايسمح مجالا للسامع بأدخالها مدخل الشك أو المبالغة لما لديه من حجة وواقعية وهو المعروف بذلك الضابط الصغير الذي وقف أمام رئيس محكمة الشعب العقيد فاضل عباس المهداوي يدلي بأفادته عن كيفية تمرد السرية المسؤولة عن حماية مشروع عين زالة خلال مؤامرة العقيد عبد الوهاب الشواف وقد كانت أفادته أشبه ماتكون بتقرير سباسي شخص بها الوضع العام آنذاك وأسباب قيام المتآمرين بالمهمة التي أسندت لهم ودور القوى الوطنية للتصدي لها واتسمت تلك الافادة بلغة بليغة وسليمة وعبارات متقنة ومتواصلة مما حدا برئيس المحكمة بالقول (أتمنى أن يكون جميع الضباط العراقيين مثل هذا الضابط الشهم)
1-محاولة الهروب الآولى:
القي القبض على صلاح قي وحدته (زوارق الطوربيد) في اليصرة بعد أن حث الجنود والضباط على مقاومة الانقلابين ألا أن روح اليأس وتدني معنويات الجنود والضباط بسبب الصراعات الحزبية والشعارات الاستفزازية وموقف السلطة الوطنية المتشكك أتجاه المخلصين للثورة وأبعادهم عن المراكز المهمة قد حالت دون أفشال الموامرة والقضاء عليها في مهدها.
لقد سفر صلاح الى الموصل لمحاكمته بتهمة قتل آمر سرية عين زالة المشارك بموامرة الشواف أعيد صلاح الى بغداد لوجود قضايا أخرى تستوجب محاكمته وقد سفر بالقطار النازل الى بغداد مع مجموعة أخرى من الضباط فعند وصول القطار الى محطة بغداد عقدت المفاجئة السن زملائه فقد ظهر صلاح أمامهم


بملابسه العسكرية ورتبته ملازم أول ثم أخذ يصدر ألآوامر الى ثلة الآنضباط وبلهجة صارمة وهو يحثهم على مراقبة المجموعة التي معه ويطلب من الحرس أن يشددوا الحراسة عليهم لأنهم عناصر خطرة وأنه سيعود بعد قليل لأستلامهم ثم أستقل سيارة أجرة وأختفى عن ألأنظار اما كيف تسنى له أن ينفذ خطته فقد طلب من أهله أن يجلبوا له ملايسه العسكرية وأخفائها بين رزمة الأمتعة أما كيفية أرتدائها فقد دخل الى مرافق القطار قبل وصوله الى محطة بغداد وتمكن من فتح جامعة اليد الحديدية وخرج من نافذة المرافق ليواجه الحرس وزملائه من طرف آخر مما حقق بهذه الطريقة عنصر المفاجئة وعدم الشك .
2- محاولة الهروب الثانية:
أختفى صلاح في بغداد من أجل العمل ولملمة شمل ما تبقى من العناصر الوطنية وفي أحد المرات التي كان يجري فيها الأتصالات علم بأعتقال والده وزوجته وأيداعمها قصر النهاية فقرر تسليم نفسه أكراما لأبيه وحفاظا على شرف زوجته وقد شكلت عملية تسليم نفسه حالة فريدة وشجاعة فقد كان يعلم أن قائد قوات الحرس القومي هو الطيار منذر الونداوي في النادي الأولمبي في الأعظمية أما كيفية وصوله الى غرفة منذر الونداوي فهي غريبة أيضا حيث تسلق الشجرة المحاذية لسور النادي ثم طوح جسده بواسطة غصن من الأغصان ونزل بواسطته الى باحة النادي وذهب مباشرة الى غرفة قائد الحرس والذي تفاجأ به وهو على عتبة الغرفة وللمعرفة القديمة بين الأثنين خلال وجودهما في دورات عسكرية في لندن تعرف منذر الى صلاح فسرعان ما وجه غدارته الكلاشنكوف اليه الا أن صلاح بادره بالقول ( انني أعزل وقد جئت لأسلم نفسي وبشرط أطلاق سراح أبي وزوجتي وعندها طلب منه منذر ان يجلس ليحاوره وعرض عليه التعاون معه قائلا (صلاح أنت ضابط شجاع وذكي فلماذا لاتتعاون معنا وننسى الماضي وكل مايتعلق بك من تبعات قانونية فسوف أعمل من أجل الغائها فرد عليه صلاح قائلا (أكيد أنكم قد قتلتم الكثيرين منا وانني متهم بقتل أحد مؤيديكم فلو تمكنتم من أعادة الحياة الى من قتلتموهم وكذلك بدورنا نتمكن من ذلك فعندها نتفاهم ) ففهم منذر الرسالة وعرف أن لامجال للتفاهم معه فتم له ما أ راد وأرسل مخفورا الى قصر النهاية ليلقى مصيره المحتوم.
عند قصر النهاية واجه صلاح صنوف التعذيب والعذاب النفسي فلم يبق في جسمه مكانا لم يطله الضرب فاكتسى وجهه بطبقة كثيفة من الدماء لدرجة أضاعت معالمه الا أنه لم يستسلم لليأس ولم يسمح لنفسه بالانهيار فما أن وجد الفرصة مواتية لترك السرداب الرهيب المكتظ بأجساد الموتى والمصابين والمغمى عليهم فأنتقل ببراعة الى سطح قصر النهاية وهناك وجد عددا من ضباط صف القوة الحوية يفترشون السطح وهم في حالة يرثى لها من شدة التعذيب والجوع وأن قسما منهم قد أغمي عليه وقسم آخر قد فارق الحياة فتمكن من أخذ معطف أحدهم ممن فارق الحياة وأندس بينهم وقد صادف أن حضر أحد الجلاوزة ليهددهم بالاعتراف وبعكسه فسيكون مصيرهم كمصير صلاح الذي قتلوه في السرداب لعدم أعترافه .
لقد جرى نقل ضباط صف القوة الجوية وبظمنهم صلاح الى السجن العسكري الرقم واحد وما أن وصلوا الى هناك حتى أستقبلهم مدير السجن حازم الاحمر بالشتائم والضرب وخلال أيداعهم أحدى الزنزانات تطلع الى وجه صلاح وأمعن النظر اليه ومن بعض ملامحه التي تشير اليه بسبب المعرفة الكبيرة بينهما ولكون الاثنان من مدينة الموصل فقد صرخ مدير السجن به (ولك ما انت صلاح؟) لكن صلاح انكر وادعى بانه احد منتسبي القوة الجوية وتحت التعذيب المصحوب بحالة الانتقام تاكدت هوية صلاح ونقل الى معتقل الخيالة لغرض تسفيره الى الموصل لتنفيذ حكم الاعدام به الا ان روح التحدي والاصرار على البقاء لم تفت في عضد صلاح فتمكن من قلع شباك الزنزانة والهروب من معتقله واول شيء اقدم عليه هو الذهاب الى داره التي استاجرتها عائلته بعيدا عن اعين الرقباء وما ان وصل الى الدار حتى وجد مجموعة من النساء تحيط بزوجته الراقدة على السرير وهي في حالة مخاض وما ان شاهدته واقفا على باب الغرفة صرخت واطلقت وليدته البكر الى حياة والدها الحافلة بالمخاطر والموت وعندها اخبرته النسوة ان المولود هي بنت وبعفويته وسرعة بديهيته قال (اسموها رباح) لتكون ربحا لنا في صراعنا مع الباطل.
ثم غادر المكان ليختفي بين الناس الفقراء والذين كانوا يعملون بصمت من اجل ازاحة الكابوس عن الشعب.

تركت هذه الحالة اثرا في نفسي مما حدا بي وانا الذي اتاثر بمثل هذه المواقف ان ارسم صورة لصلاح تمثله خلف القضبان وهو يمد يده الى الخارج ليزرع وردة تتوسطها وجه ابنته رباح.
اختفى صلاح وكان ظهوره عجيبا وفريدا هذه المرة وقد كان من ضمن من نقلوا في قطار الموت وليس كضابط بل رجل اعرابي يعتمر (اليشماغ البالي) والصاية المهلهلة وبلحية كثة وما ان دخل من باب سجن السلمان الحديدي الكبير مع الحشود القادمة بقطار الموت حتى انطلقت بعض الاصوات مرددة اسمه لكن سرعان ما بادرهم باشاره وهي وضع سبابة يده على شفتيه وبما يستدل منها بان نلزم الصمت ولا نذكر اسمه
استمر صلاح يسرد تفاصيل هروبه لي فبين بانه اختفى في احد البيوت الخاصة بتنظيم حركة 3/7/1963 والتي البطل الأسطوري حسن سريع
وقد ورد ذكر بعض التفاصيل والمعلومات عن الدكتور علي كريم بكتابه (البيرية المسلحة) حيث جاء في تلك التفاصيل أن احد الضباط ولم يذكر اسمه قد حضر الى معسكر الرشيد مستقلا دراجة نارية ليلتحق بالثوار وقيادتهم الا انه وصل متاخرا وبعد تصفية الحركة والقضاء عليها ومن اجل بيان الحقيقة وللتاريخ فقد ذكر لي صلاح بانه هو الشخص الذي حضر الى معسكر الرشيد وقد كان حضوره متأخرا بسبب تغيير يوم التنفيذ و ساعة الصفر ولم يبلغ بها

4- الهروب الى الابدية
أحيطت عملية الهروب نلك بسرية تامة لأن فشلها قد يودي بحياة صلاح وان نجاحها توصله الى بر الأمان والخلاص من تنفيذ حكم الأعدام والذي أصبح وشيكا لكن القدر وسوء الطالع كان يلازمه خلال جميع محاولاته فانتهت حياته مثلما تنتهي حياة جميع الثوار الابطال على مر التاريخ وللاسف أن حياة بطلنا العراقي هذا قد طواها النسيان وكان الأجدر بالفقراء والمعدمين والحالمين بغد أفضل أن يثبتوا صورته على قمصانهم ويعلقونها على جدران أكواخهم وحاراتهم المنسية وعلى بيارغهم خلال مسيرات ألأحتجاج مثلما أتخذ الشباب في العالم صورة البطل الثوري( أرنستو تشي جيفار) رمزا لانتفاضاتهم واحتفالاتهم الجماهيرية
تهيأ صلاح لتنفيذ عملية هروبه الأخيرة وأخذ متاعا عبارة عن الخبز والتمر وارتدى ملابس خفيفة وانتعل حذاء رياضة وتمكن من الحصول على(قنباص) للدلالة ومعرفة الاتجاه وتم أخراجه من السجن مساء وأختفى داخل بئر موجودة أمام باب السجن على أن يغادرها عند منتصف الليل لكن الفرصة لم تحالفه في تلك الليلة فقد صادف أن تبقى الدورية مرابطة فوق حافة البئر وبقي داخل البئر في الماء البارد وتحت درجة من برودة شهر شباط الصحراوي القارص والى ليلة ثانية ليجد طريقه عند منتصفها
لكن الفاجعة والمأساة يجب أن تحل وأن تكون النهاية هي واحدة عند جميع الآبطال الآسطوريين فقد أخبرتنا أدارة السجن بأن واحدا من زملاءكم ممن حاول الهرب قد وجد ميتا في وسط الصحراء وعلى مبعدة قليلة من مدينة السماوه وأن الطيور الجوارح والضواري قد أكلت جزء من وجهه فخرج بعض السجناء وبصحبتهم السجين الطبيب ألاخصائي عبد الصمد نعمان وبعودته أنتشر الخبر المفجع فعم الحزن أرجاء سجن نقرة السلمان وبذلك ودعوا أجمل وأشجع رجل وجد ميتا على أديم صحراء الوطن وهو يطبق كفيه على حفنة من الرمل من شدة الألم وجور الزمن وجحود ابناء جلدته الأخوة والأعداء ولم يملك المنفيون في النقرة سوى الآهات والحسرات وهم يصغون لصوت النواب وهو ينشد مؤبنا صلاح الأسطورة:

المنايا الما تزورك زورها خطوة التسلم ذبايح سورها
طافح عله الريح عينه يدورها أملح من ترابها وناعورها
صكر البيدة تعز صكورها وبأثر جدمه تلوذ كل طيورها
وسفه ما حظت صكرها وسلمته بليل عمت ناطورها












عرض البوم صور علي الموصلي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
من ذكريات المسجد الحرام الحياة أمل صوتيات و مرئيات اسلامية 2 2016-07-30 02:14 PM
من لطيف ذكريات الطنطاوي الحياة أمل القصص والامثال 1 2015-07-31 06:06 PM
مؤامرة شيعية لدخول المليشيات تحاك بآمال ومآسي سنة الأنبار مشروع عراق الفاروق مشروع عراق الفاروق 2 2015-04-18 09:25 AM
ذكريات حاج لم يحج - ثروت الخرباوي بنت الحجاز القصص والامثال 4 2013-10-05 05:12 PM
من ذكريات الماضي !!!!! ام عبد المجيد الاسرة والطفل 2 2013-08-29 08:47 AM


الساعة الآن 01:54 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.