منتديات أهل السنة في العراق

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2020-08-05, 11:51 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
Post من مقاصد وتأصيلات السور المكية

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةالسور المكية جاءت ببيان ان ما ترك شيئاً النبي  بمكة الا لما هو أصلح منه(مقتبس من عنوان شيخنا فتحي الموصلي)
تارك الواجب: إمَّا أن يتركه تهاوناً وكسلاً، فيذم على تركه ويكون ظالماً لنفسه، وإما أن يتركه لعذر شرعي ،كأن يكون عاجزاً عن أدائه ،أو لرجحان مصلحة الترك على مصلحة الفعل؛ إذ الشرع لا يأذن للمكلف أن يترك واجباً إلَّا لما هو أوجب منه أو لعذر شرعي فلا يكون والحال هذه تاركاً للواجب على الحقيقة ،ولكنه قد فعل ما أوجبه الله عليه من التَّرك ؛إذ التَّرك الممدوح نوعان : أحدهما : ترك السيئات ، والثاني ترك ما أوجب الله تركه لعذر شرعي؛ كترك المرأة الحائض للصلاة ،والامتثال يكون بهذا وبهذا ؛فالأول من باب هجر السيئات ،والثاني من باب الامتثال وفعل الطاعات،والنبي  ماترك واجباً في مكة من الواجبات إلَّا لمصلحة راجحة ،وما سكت عن أمر من الأمور إلَّا حيث يكون السكوت أولى، وماترك الكلام إلَّا لمصلحة السامع ، وما أمسك عن الجواب إلَّا لمنفعة السائل .
قال تعالى: ((فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ))(هود - 112)،وقال تعالى: (( فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ )) (الشورى – 15)،وقوله تعالى )) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)) (الانعام - 68).
قد دلت هذه النصوص المكية انها لا تأمر بترك شيء إلَّا لما هو أصلح وأنفع من المتروك.
وقال السعدي – رحمه الله - : عن الآية " وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ، مما يزيد الموعوظ شرا إلى شره، إلى أن تركه هو الواجب لأنه إذا ناقض المقصود، كان تركه مقصودا" (تيسير الكريم : 1/260).
وقوله تعالى: )) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ(( (هود - 76)،
فأمر إبراهيم بترك السؤال في نجاة قوم لوط ؛لان الأمر بعذابهم قد بُتَّ ،فلا طائل من السؤال فيه " فلما علم مراد الله فيهم، قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة"( نظم الدرر : (9/334).
وقال تعالى: ))وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)) (هود 46)،
(فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) أي: ما لا تعلم عاقبته، ومآله، وهل يكون خيرا، أو غير خير،{إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} أي: أني أعظك وعظا تكون به من الكاملين، وتنجو به من صفات الجاهلين، فحينئذ ندم نوح، عليه السلام، ندامة شديدة، على ما صدر منه، و {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (تيسير الكريم : 1/382).
و"قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذِهِ زِيَادَةٌ مِنَ اللَّهِ وَمَوْعِظَةٌ يَرْفَعُ بِهَا نُوحًا عَنْ مَقَامِ الْجَاهِلِينَ، وَيُعْلِيهِ بِهَا إِلَى مَقَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْعَارِفِينَ" (الجامع لأحكام القرآن – القرطبي: 9/48. ).
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ((وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا)) (الإسراء: 110) قَالَ: " نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ  مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ، كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا سَمِعَهُ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ} أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ {وَلَا تُخَافِتْ بِهَا} عَنْ أَصْحَابِكَ فَلاَ تُسْمِعْهُمْ، {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} (صحيح البخاري: كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}:برقم (4722)6/87 )"
،هذا الترك كان سداً للذَّريعة.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)) [النساء: 77] ،
قال الإمام ابن كثير– رحمه الله -:" كَانَ الْمُؤْمِنُونَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ وَهُمْ بِمَكَّةَ مَأْمُورِينَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وإن لم تكن ذات النصب، وكانوا مَأْمُورِينَ بِمُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ وَكَانُوا مَأْمُورِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَالصَّبْرِ إِلَى حِينٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّقُونَ وَيَوَدُّونَ لَوْ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ لِيَشْتَفُوا مِنْ أَعْدَائِهِمْ وَلَمْ يَكُنِ الْحَالُ إِذْ ذَاكَ مُنَاسِبًا لِأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: قِلَّةُ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ عَدَدِ عَدُّوِهِمْ، وَمِنْهَا: كَوْنُهُمْ كَانُوا فِي بلدهم، وهو بلد حرام، أشرف بِقَاعِ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ فِيهِ ابتداء كما يقال، فَلِهَذَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْجِهَادِ إِلَّا بِالْمَدِينَةِ لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ دَارٌ وَمَنَعَةٌ وَأَنْصَارٌ"( تفسير القرآن العظيم: 2/315).
قال ابن القيم – رحمه الله - : "أَنَّهُ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ فِي مَكَّةَ عَنْ الِانْتِصَارِ بِالْيَدِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ انْتِصَارُهُمْ ذَرِيعَةً إلَى وُقُوعِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً مِنْ مَفْسَدَةِ الْإِغْضَاءِ وَاحْتِمَالِ الضَّيْمِ، وَمَصْلَحَةُ حِفْظِ نُفُوسِهِمْ وَدِينِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ الِانْتِصَارِ وَالْمُقَابَلَةِ" (إعلام الموقعين :3/111 )




المصدر : منتديات اهل السنة في العراق - من : المنتدى الاسلامي العام











توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-06, 02:34 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 29,462 [+]
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2725
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية



بآرك الرحمن فيكم أستآذ
وجزآكم خيرآ للطرح المفيد ...~












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-07, 06:09 PM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

جزاكم الله خيرا ونفع بكم












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-15, 10:59 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

العلاقة والمناسبة بين السورة المكية و المدينة.
إن تناسب السور في القرآن الكريم أمر حاصل لا مشاحة فيه، وأسباب ذلك التناسب، ترجع في الأساس إلى قضية الإعجاز الحاصل فيه، وهذا الاعجاز قد يكون في صور متعددة ومتنوعة، فقد يكون في النظم القرآني أو في المعاني القرآنية أو في التركيب النحوي والصرفي....وله أوجه متعددة كما هو معروف، ولا شك أن هذا الاعجاز شامل لجميع آيات القرآن وسوره، سواء كان الرابط بين السور –أي بين سورة وسورة- وبين الآيات أي بين آية وأخرى- واضحا جليا أم غامضا خفيا(مقال بعنوان: التناسب الموضوعي في السور المكية والمدنية ، الدكتور: رياض عميراوي(ص1) ).
ومن المعلوم أن من خصائص الشريعة الإسلامية أنها جاءت متدرجة في تشريع الأحكام. ثم إن سور القرآن الكريم وآياته تابعة في النزول لمراحل تدرج الشريعة في تكوينها، فكل مرحلة من هذه المراحل تقتضي صنفا معينا من بلاغ القرآن. وكل مرحلة من هذه المراحل تعدّ أصلا وأسّا للمرحلة التالية التي تنبني عليها، وعلى هذا المنوال كانت سور القرآن في التنزيل، حيث ينبني فهم لاحقها على فهم سابقها .
وفي بيان ذلك يقول الشاطبي:" الْمَدَنِيُّ مِنَ السُّوَرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا فِي الْفَهْمِ عَلَى الْمَكِّيِّ، وَكَذَلِكَ الْمَكِّيُّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، وَالْمَدَنِيُّ بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِ فِي التَّنْزِيلِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْخِطَابِ الْمَدَنِيِّ فِي الْغَالِبِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَكِّيِّ، كَمَا أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى مُتَقَدِّمِهِ، دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِقْرَاءُ، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِبَيَانٍ مُجْمَلٍ، أَوْ تَخْصِيصِ عُمُومٍ، أَوْ تَقْيِيدِ مُطْلَقٍ، أَوْ تَفْصِيلِ مَا لَمْ يَفَصَّلْ، أَوْ تَكْمِيلِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَكْمِيلُهُ،وَأَوَّلُ شَاهِدٍ عَلَى هَذَا أَصْلُ الشَّرِيعَةِ؛ فَإِنَّهَا جَاءَتْ مُتَمِّمَةً لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَمُصْلِحَةً لِمَا أُفْسِدَ قَبْلُ مِنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَيَلِيهِ تَنْزِيلُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ؛ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ مُبَيِّنَةً لِقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ وَأُصُولِ الدِّينِ الْعُلَمَاءُ مِنْهَا قَوَاعِدَ التَّوْحِيدِ الَّتِي صَنَّفَ فِيهَا الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَوَّلِ إِثْبَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ إِلَى إِثْبَاتِ الْإِمَامَةِ، هَذَا مَا قَالُوا، وَإِذَا نَظَرْتَ بِالنَّظَرِ الْمَسُوقِ فِي هَذَا الْكِتَابِ؛ تَبَيَّنَ بِهِ مِنْ قُرْبٍ بَيَانُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ، الَّتِي إِذَا انْخَرَمَ مِنْهَا كُلِّيٌّ وَاحِدٌ انْخَرَمَ نِظَامُ الشَّرِيعَةِ، أَوْ نَقَصَ مِنْهَا أَصْلٌ كُلِّيٌّ،ثُمَّ لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - إِلَى الْمَدِينَةِ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَهِيَ الَّتِي قَرَّرَتْ قَوَاعِدَ التَّقْوَى الْمَبْنِيَّةَ عَلَى قَوَاعِدِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ؛ فَإِنَّهَا بَيَّنَتْ مِنْ أَقْسَامِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ جُمْلَتَهَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ فِي غَيْرِهَا تَفَاصِيلُ لَهَا كَالْعِبَادَاتِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ الْإِسْلَامِ، وَالْعَادَاتِ مِنْ أَصْلِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْمُعَامَلَاتِ مِنَ الْبُيُوعِ وَالْأَنْكِحَةِ وَمَا دَارَ بِهَا، وَالْجِنَايَاتِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّمَاءِ وَمَا يَلِيهَا، وَأَيْضًا؛ فَإِنَّ حِفْظَ الدِّينِ فِيهَا، وَحِفْظَ النَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسْلِ وَالْمَالِ مُضَمَّنٌ فِيهَا، وَمَا خَرَجَ عَنِ الْمُقَرَّرِ فِيهَا؛ فَبِحُكْمِ التَّكْمِيلِ، فَغَيْرُهَا مِنَ السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَيْهَا، كَمَا كَانَ غَيْرُ الْأَنْعَامِ مِنَ الْمَكِّيِّ الْمُتَأَخِّرِ عَنْهَا مَبْنِيًّا عَلَيْهَا، وَإِذَا تَنَزَّلْتَ إِلَى سَائِرِ السُّوَرِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ فِي التَّرْتِيبِ؛ وجدته كَذَلِكَ، حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ؛ فَلَا يَغِيبَنَ عَنِ النَّاظِرِ فِي الْكِتَابِ هَذَا الْمَعْنَى؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَسْرَارِ عُلُومِ التَّفْسِيرِ، وَعَلَى حَسَبِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ تَحْصُلُ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِكَلَامِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ)( الموافقات، الشاطبي (ت 790هـ)،تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن، دار ابن عفان،ط1( 1417هـ/ 1997م):4/258 ).
إن الهدف الذي قصد إليه الشاطبي – رحمه الله- في هذه المسألة هو إبراز التناسب بين بعض القرآن وبعض، وذلك من خلال أن السورة القرآنية مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد مرتبط أوله بآخره، وآخره بأوله، ومن خلال تعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة، وأنه لا غنى لمستفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية.
وعدّ الشاطبي هذا ضابطا يعول عليه في فهم سور القرآن، وحذر من الإغراق في النظر في الآيات على أنها منفصلة تماما عن غيرها فمن فعل هذا؛ فلن يحصل له إلا فهم الظواهر بحسب الوضع اللغوي فقط، لا بحسب مقصود المتكلم .... .
قال: " لا بدّ من ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم، والقول في ذلك أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان. فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها .. فإن القضية وإن اشتملت على جمل؛ فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف. فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده، فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض، إلا في موطن واحد، وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية؛ رجع إلى نفس الكلام".
ثم ضرب مثلا آخر مطوّلا بسورة" المؤمنون"، حيث نزلت في قضية واحدة، وإن اشتملت على قضايا متعددة، فهي سورة مكية، وغالب القرآن المكي يقرر ثلاثة معان (ترجع في حقيقتها إلى معنى واحد، هو" الدعوة إلى عبادة الله"):
أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق، ونفي الشركاء عنه.
والثاني: تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
والثالث: إثبات البعث، وأنه حق لا ريب فيه.
فهذه هي المعاني الثلاثة التي عليها مدار القرآن المكي، أما بيان ذلك بالتفصيل في سورة المؤمنون؛ فيرى الشاطبي" أن المعاني الثلاثة موجودة فيها على أوضح الوجوه، إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنيين السابقين، وإنما أنكروا ذلك ترفعا منهم أن يرسل الله عزّ وجلّ إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم .. فجاءت السورة مبينة كمال البشرية، وكيف أنها تستحق الاصطفاء والرفعة، فافتتحت بثلاث جمل: بيان من أفلح من المؤمنين وصفاتهم، ثم انتقلت إلى بيان أصل الإنسان، ثم ذكرت نعم الله التي أعطاها للإنسان وسخرها له تكريما وتشريفا، ثم ذكرت قصص من تقدم من الأمم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم لكونهم بشرا. ففي قصة نوح مع قومه: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [سورة المؤمنون: 24]، ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم فقالوا: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ [سورة المؤمنون: 33]، وفي نفس السورة يخبرنا القرآن الكريم برد فرعون وملئه على موسى وأخيه هارون- عليهما السلام- لما دعواهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، فكان جوابهم: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (سورة المؤمنون:47)
وكل هذه القصص التي وردت في سورة المؤمنون هي تسلية للنبي ؛ ليعلم أنه ليس بدعا من الرسل، وأن طريقة التكذيب واحدة، وهي" الغض من رتبة النبوة بوصف البشرية" ،وبعد هذا البيان الإجمالي لسورة المؤمنون يقول الشاطبي:" فسورة المؤمنون قصة واحدة في شيء واحد. وبالجملة .. فحيث ذكر قصص الأنبياء- عليهم السلام- كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد- عليه الصلاة والسلام- وتثبيت لفؤاده، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة .. فتذكر القصة على النحو الذي يقع له مثله، وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف الأحوال، والجميع واقع لا إشكال في صحته. وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة يحتذى في النظر في القرآن لمن أراد فهم القرآن" (الموافقات:4/274).
وصفوة القول أن الشاطبي يدعو إلى النظر في السورة القرآنية نظرة كلية عامة، وذلك .. بربط آخر الكلام بأوله، فكل سورة من سورة تمثل كما يقول الأستاذ الجليل الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله-" وحدة متماسكة، تشدها خيوط خفية .. تجعل أولها تمهيدا لآخرها، وآخرها تصديقا لأولها، وتدور السورة كلها على محور ثابت" (محمد الغزالي،نحو تفسير موضوعي، ص 5، وعلوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه الموافقات، محمد سالم أبو عاصي ، دار البصائر – القاهرة، ط1( 1426 هـ - 2005 م)ص154).












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-16, 06:40 PM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
Icon1 رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

السور المكية جاءت بالتدرُّج في التشريع.
( بتصرف، المقدمات العلمية في تأصيل الاحكام المكية ،فتحي بن عبدالله الموصلي ).
لا تكاد تجد حُكماً من الأحكام الشرعية أو الكونية إلَّا وله صلة بين التشريع وبين
التدرُّج،وهذا التدرُّج أصل عام في خطاب التَّكوين وخطاب التشريع،ويعدُّ سُنَّة عامة وقاعدة مطَّردة ،لا تقوم المصالح إلَّا به ،ويجري على وفق المقاصد والحِكَم البالغة.فكان مبعث عيسى – عليه السلام – تمهيداً لبعثة النبي  فبشر به بني إسرائيل ؛كما قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ))(سورة الصف- 6)،وكانت واقعة أصحاب الفيل تمهيدا لبعثة النبي ونبوته  تمهيد لرسالته، وكان ظهور الروم على فارس تدريجاً لظهور الإسلام ثم كانت دعوته السرية بمكة تمهيداً للجهر بها، والعهد المكي تمهيداً للعهد المدني، ودعوة المشركين بمكة هي تمهيداً لدعوة أهل الكتاب بالمدينة ،وصلح الحديبية كان تمهيداً لفتح مكة ...... .
أولاً التدرج في التنزيل: نزل القرآن مفرَّقاً مُنَجَّماً في ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً قضى رسول الله  أكثرها بمكَّة ،وكان ينزل تارة على حسب الحوادث والوقائع ،و تارة ينزل من غير أنْ يتقدم نُزوله سبب يقتضيه (البرهان في علوم القرآن للزركشي نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة1/228). )؛ قال تعالى: ((وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا))(الإسراء: 106)، و قال تعالى: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا )) (الفرقان:32) ، وقد دلَّ هذان النصَّان المكيَّان على الحكمة من نزول القرآن مفرَّقاً ،فكان نزوله لتثبيت قلوب النبي  ،وللتدرج في كل ما يحتاجون إليه من أحكام ؛لهذا قالت ام المؤمنين : عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا " ....إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لاَ تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّا وَأَنَا عِنْدَهُ " (صحيح البخاري، كِتَابُ فَضَائِلِ القُرْآنِ، بَابُ تَأْلِيفِ القُرْآنِ،برقم(4993):6/185، دار طوق النجاة،ط1(1422هـ ).
قال الشاطبي : " وَمِنْ هُنَا كَانَ نُزُولُ الْقُرْآنِ نُجُومًا فِي عِشْرِينَ سَنَةً، وَوَرَدَتِ الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ فِيهَا شَيْئًا فَشَيْئًا وَلَمْ تَنْزِلْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ لِئَلَّا تَنْفِرَ عَنْهَا النُّفُوسُ دَفْعَةً وَاحِدَةً،وَفِيمَا يُحْكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ لَهُ: "مَا لَكَ لَا تُنَفِّذُ الْأُمُورَ؟ فَوَاللَّهِ مَا أُبَالِي لَوْ أَنَّ الْقُدُورَ غَلَتْ بِي وَبِكَ فِي الْحَقِّ". قَالَ لَهُ عُمَرُ: " لَا تَعْجَلْ يَا بُنَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْخَمْرَ فِي الْقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَحَرَّمَهَا فِي الثَّالِثَةِ، وَإِنَّى أَخَافُ أَنْ أَحْمِلَ الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملة، ويكون من ذا فتنة" وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ فِي الِاسْتِقْرَاءِ الْعَادِيِّ، فَكَانَ مَا كَانَ أَجْرَى بِالْمَصْلَحَةِ وَأَجْرَى عَلَى جِهَةِ التَّأْنِيسِ، وَكَانَ أَكْثَرُهَا عَلَى أَسْبَابٍ وَاقِعَةٍ، فَكَانَتْ أَوْقَعَ فِي النُّفُوسِ حِينَ صَارَتْ تَنْزِلُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ، وَكَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى التَّأْنِيسِ حِينَ كَانَتْ تَنْزِلُ حُكْمًا حُكْمًا وَجُزْئِيَّةً جُزْئِيَّةً؛ لِأَنَّهَا إِذَا نَزَلَتْ كَذَلِكَ، لَمْ يَنْزِلْ حُكْمٌ إِلَّا وَالَّذِي قَبْلَهُ قَدْ صَارَ عَادَةً، وَاسْتَأْنَسَتْ بِهِ نَفْسُ الْمُكَلَّفِ الصَّائِمِ عَنِ التَّكْلِيفِ وَعَنِ الْعِلْمِ بِهِ رَأْسًا، فَإِذَا نَزَلَ الثَّانِي كَانَتِ النَّفْسُ أَقْرَبَ لِلِانْقِيَادِ لَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ.
وَلِذَلِكَ أُونسوا فِي الِابْتِدَاءِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا يُؤْنَسُ الطِّفْلُ فِي الْعَمَلِ بِأَنَّهُ مِنْ عَمَلِ أَبِيهِ، يَقُولُ تَعَالَى: (( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ)) (الْحَجِّ: 78).
((ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِي)) (النَّحْلِ: 123).
((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوه)) (آلِ عِمْرَانَ: 68) ،إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ: فَلَوْ نَزَلَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَتَكَاثَرَتِ التَّكَالِيفُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، فَلَمْ يَكُنْ لِيَنْقَادَ إِلَيْهَا انْقِيَادَهُ إِلَى الحكم الواحد أو الاثنين.َحْمِلَ الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ جُمْلَةً، فَيَدْفَعُوهُ جملة، ويكون من ذا فتنة" (الموافقات : (2/148- 149).
ثانياً تشريع التدرج في العبادات: التدرج في فرض الصلاة: إن من أوائل ما نزل من القرآن قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا )) (المزمل: 1، 2).
ذكر المفسرون أن الله تعالى فرض قيام الليل على المسلمين عامًا كاملاً، ثم نزل التخفيف في آخر السورة بعد عام كامل في قوله تعالى: ﴿ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ﴾(المزمل: 20)،فنسخ قيام الليل للمسلمين، وظل الأمر فرضًا على النبي  ( تفسير ابن كثير ص 434، ص 438 ).
وذكر البخاري - رحمه الله تعالى - قول عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرت صلاة السفر، وزِيدَ في صلاة الحضر).
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةإنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة إلا ما كان وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، وذكر الشافعي أن صلاة الليل كانت مفروضة، ثم نُسخت فصار الفرض قيام بعض الليل، ثم نسخ بالصلوات الخمس)( فتح الباري جزء 1 ص 369).
وكان فرض الصلوات الخمس في ليلة الإسراء، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء: 78]،يقول القرطبي - رحمه الله تعالى -: (وهذه الآية بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة)( تفسير القرطبي ص 3919 جزء 6).
ومن هذا يتبين أن الصلاة فُرضت على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: فرض قيام الليل ثم نسخ.
المرحلة الثانية: صلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
المرحلة الثالثة: فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء.
ومن هنا تتضح سنة التدرج في فرض الصلاة، وهي أول عبادة، بل هي العبادة الوحيدة التي فُرضت بمكة.

[/i]
[/FONT][/SIZE]












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-18, 11:46 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

من مميزات السور المكية
من المعلوم أن ما نزل من القرآن في مكة كان يخاطب مجتمعا وثنيا فشا فيه الشرك، وانتشرت فيه الأصنام، ولم يتلق الدعوة الإسلامية بالقبول والتسليم، بل أخذ يناوؤها العداء، ويضطهد أتباعها، ويحارب رسولها.
وفي المدينة كان القرآن الكريم غالبا يخاطب أتباعه المؤمنين يأمرهم فينقادون إليه، وينهاهم فينتهون عما نهى عنه.
وإذا كان الأمر كذلك فلا شك أن البلاغة تقتضي الاختلاف في الأسلوب والاختلاف في المعاني والموضوعات بين ما نزل في مكة، وما نزل في المدنية، فمن مميزات السور المكية:
أ- قصر الآيات، والإيجاز الشديد، كثرة القسم بمشاهد الكون، تتخلل مقاطعها صيغ الإنشاء المختلفة من أمر ونهي واستفهام وتمنٍّ ورجاء، مما يضفي على الأسلوب طابع القوة والحرارة.
ب- الألفاظ والكلمات في الآيات المكية منتقاة يسري جرْسها في الأحرف المهموسة تارة والمجهورة أخرى، والشديدة أحياناً والرخوة أحياناً حسب الموضوع المتحدث عنه، والفواصل الموزونة المقفاة تنساب أحياناً وتتموج أخرى وتقصف مرة وتدمر أخرى، والحكمة في هذا الأسلوب الشديد أن القرآن نزل يخاطب قوماً غافلين، تبلّد حسهم على موروثات الآباء والأجداد والتقاليد والعادات الجاهلية والتفاخر بها واطمأنوا إلى حياة الرغد والرفاه والبطر وبلهنية العيش، فهزّهم هذا الأسلوب هزاً عنيفاً لشد انتباهم إلى حقائق الكون وما يحيط بهم، وإثارة التساؤلات في أنفسهم حول الحكمة من وجودهم في الحياة ومآلهم بعد الموت، لإدراك واقعهم المنحرف المصادم للفطرة والعقل.
جـ- تجسيم المعنويات وتشخيص الجوامد وعرضها في صور ومشاهد تتسم بالحركة والحوار وإضفاء الحياة على الأشياء الصامتة، كل ذلك يحيل المشاهد إلى لوحات تعبيرية خلابة تترك الأثر العظيم في النفس وتنمي ملكة التذوق والإحساس وتسمو بالمشاعر الإنسانية وتهذبها. أما الموضوعات الرئيسة التي عولجت في هذه المرحلة فهي قضايا العقيدة الأساسية وهي:
1- قضية الألوهية: من خلال إثارة حملة عنيفة على المعتقدات الموروثة في اتخاذ الآلهة التي لا تملك لنفسها ولا لعابديها ضراً أو نفعاً بل لا حقيقة لها:
﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى ﴾ [النجم: 23].
ولإزالة قدسية الأصنام من نفوسهم وصفها بأنها رجس تستقذر وتجتنب: ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴾ (الحج: 30).
وهي عاجزة عن كل مظاهر الحياة لأنفسهم أو لغيرهم فلا تطعم ولا تشفي ولا تجيب الدعاء:﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الشعراء: 69 – 77).
بل إن هذه الآلهة المزعومة المقدسة في نظرهم عاجزة عن مقاومة أضعف المخلوقات وأحقرها:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ﴾ (الحج: 73).
إنَّ هذه الأصنام التي تعبد من دون الله تعالى تعطل الطاقات العقلية لدى عابديها وتسف بالمشاعر الإنسانية لديه وتحط بها إلى دركات البهيمية، فهم كالأنعام بل هم أضل.﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا * إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: 41 - 44]. إن مصير هذه المعبودات المزيفة ومصير عابديها إلى النار.
﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ * لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 98 - 100] بهذه الأساليب العقلية والأساليب التهكمية والأساليب التهديدية أزال القرآن الكريم عن نفوس المؤمنين آثار الشرك والوثنية، والأصنام، وزعزع مكانتها في نفوس المشركين أنفسهم. وإلى جانب ذلك وفي الوقت نفسه، كانت الآيات تنزل لتبني عقيدة التوحيد الصافية المشرقة، وتَذْكر الله جلَّ جلاله بصفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، وتقيم الحجج العقلية من خلال الآيات الكونية ومن خلال المشاعر الإنسانية النبيلة ومن الفطرة السليمة المهتدية، تقيم من خلال كل ذلك الأدلة والبراهين على وحدانية الله عزَّ وجلّ.
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الأنعام: 95 – 103).
بمثل هذا العرض الشامل لصفات الجلال والجمال والكمال من خلال الاستعراض الكوني في السماوات والأرض وفي الجماد والنبات والحيوان والإنسان، ومن خلال بيان العلم المحيط بكل شيءٍ ومن خلال القدرة والتصرف في شؤون المخلوقات تبرز عقيدة التوحيد الفاعلة المؤثرة في تصحيح المفاهيم، المقومة للسلوك، المثيرة للعواطف والمشاعر النبيلة لدى الإنسان.
ومن خلال المقارنة بين عجز آلهتهم المطلق وإثبات القدرة التي لا يعجزها شيء لله عزَّ وجلّ رسخ القرآن الكريم عقيدة التوحيد بالبراهين العقيدة المعتمدة على المحسوسات المشاهدة  قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  (النمل: 59 – 64)،وبمثل هذا التنويع في الأدلة والبراهين الدامغة أقام القرآن صرح عقيدة التوحيد النقية..
2- اليوم الآخر والبعث بعد الموت:عرض القرآن الكريم في العهد المكي عقيدة البعث بعد الموت وما يسبقها من أحداث عظام تخل بالنظام الكوني بأسلوب مؤثر مفزع تقشعر له الأبدان ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴾ [التكوير: 1 - 14] إن هذه الأحداث العظام التي تقضي على مقومات الحياة على هذه الكرة الأرضية تضع نهاية لهذه الحياة الدنيا على الأرض فما المصير بعد ذلك؟!!.﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ [الانفطار: 1 - 5].
إنه يوم البعث للحساب، فما الذي أحضرته النفس معها في هذا اليوم وما الذي قدّمته في حياتها الدنيا لمثل هذا الموقف، إنه يوم الحساب ووزن الأعمال ﴿ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ﴾ [القارعة: 6 - 11].ولما كان البعث بعد الموت لا يتكرر في حياة الناس، ولم يتقدم له مثيل في حياتهم فقد تنوعت الأساليب القرآنية لإقناع الناس بإمكان ذلك فمن هذه الأساليب:
أ- التشبيه بإحياء النبات، فالدورة النباتية تتكرر أمام ناظر الإنسان كل عام، فالذي أحيا الأرض بعد موتها وبث فيها الزرع قادر على بعث الحياة في العظام، ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ ﴾ [فاطر: 9].﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 57].﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الزخرف: 11].﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فصلت: 39].
ب- الاستدلال العقلي عن طريق قياس الإعادة على الخلق أول مرة: فإنَّ إعادة الشيء على مثيل سابق أهون في عرف الناس وعاداتهم من الابتداء من غير مثيل، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الروم: 27].﴿ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا * يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 49 - 52]، ﴿ وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا * فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ﴾ [مريم: 66 - 68]﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ (يس: 79).
ج- الاستدلال بأنَّ القادر على الأكبر قادر على الأصغر﴿ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [يس: 81] ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [غافر: 57] ﴿ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا ﴾ (الإسراء: 98 – 99).
د- قدرة الله التي لا يقف أمامها شيء فإذا تعلقت إرادته وأمره بشيء فليس إلا أن يقول له كن فيكون ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82].
هـ- تنزيه الله عز وجل عن صفات النقص عامة ومنها تنزيهه عن العبث المترتب على القول بعدم البعث والجزاء،يقول جل ثناؤه: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون: 115 - 116].وتنزيهه عن العجز عن الإعادة بعد الموت للحساب والجزاء: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ * فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ (الروم: 16 – 19).
و- سرد قصص إحياء الموتى على يد أفراد بقدرة الله تعالى مما يعطي نموذجاً على الإحياء الجماعي عندما يأذن الله بذلك:﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ (الكهف: 19)،﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ [الكهف: 25] وتستوفي الصورة آثارها في النفس وتؤدي دورها التربوي كاملاً بعرض القرآن الكريم صوراً لمصير المكذبين باليوم الآخر الذين خسروا ما أعدَّ الله لأهل الإيمان والتصديق بوعد الله في جنات النعيم، وخسروا عقولهم عندما ظنوا أنهم خلقوا عبثاً وأنهم لا يرجعون إلى الله، وخسروا أنفسهم وأهليهم عندما خلدوا في دار الشقاء ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ (المؤمنون: 115).
﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾(الأنعام: 31 – 32)،﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ (الزمر: 15 – 16).
3- الإيمان بالنبوات والرسالات: لقد بيَّن القرآن المكي سنّة الله في الرسالات وإرسال الرسل بأسلوب إقناعي في غاية الإحكام ولم يترك شبهة من الشبهات التي أثارها المشركون إلا وفنّدها وبيّن الحق.
أ- فالرسالات واحدة والهدف من إرسال الرسل واحد هو توحيد الله سبحانه وتعالى وترك عبادة الطواغيت. ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [النحل: 36]، إن الرسالة ضرورية لمعرفة الإنسان الأمانة التي حملها. ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]، ولتحقق الحكمة التي خلق لأجلها الإنسان. ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 - 58] إن الإنسان لا يستطيع أن يتعبد الله حسب اجتهاده، كما لا يستطيع أن يتصور صفات الكمال بعقله لينسبها إلى الله تعالى، ولا يستطيع أن يحدد صفات النقص لينزه الله تعالى عنها. فالرسالة ضرورية لرسم المعالم في التوحيد والعبادة.
ب- شمول الرسالات للأقوام والأمم كافة: إن رحمة الله بالعباد واسعة ولطفه بهم عظيم، فلم يترك أمة أو قوماً إلا وأرسل فيهم الرسل...﴿ ... وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ [فاطر: 24].
﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴾ [الشعراء: 208].﴿ ... وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 15].
جـ- إرسال الرسل من البشر: وذلك للقيام بمهمتهم خير قيام، ليكون أدعى لقبول القوم من الرسل المرسلين إليهم، فلو كانوا من غير جنس البشر لما أمكن اللقاء والفهم والإدراك ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]،إنّ العقائد والأحكام والمزايا الخلقية تحتاج إلى نموذج عملي يتمثلها سلوكاً في حياته ليكون قدوة للناس في كل ذلك. فكون الرسل من البشر يحقق هذا الأنموذج المثالي للالتزام والتطبيق،﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: 20]،فسنَّة الله جلَّ جلاله في الرسالات أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا * قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 94 - 95].
د- إرسال الرسل من القوم وبلسانهم: يقول جلَّ شأنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4].
إن الإنسان مجبول على إثارة الشكوك في الغريب البعيد والاطمئنان إلى المخالط القريب، ولذلك كانت الجهود التي يبذلها الأنبياء والمرسلون وهم بين أقوامهم تجد فرصاً أكثر حظاً في النجاح، وذلك أن القوم عندما يخاطبون بلغاتهم على لسان من عرفوا نشأته وأمانته وفطنته واستقامة سلوكه وسلامة تفكيره، هذه المعرفة حول الرسول ونشأته تدخل الطمأنينة على قلوب الناس إن لم يتخذوا موقف الإعراض والمقاومة عناداً، فإن وجدت الطمأنينة حول شخص الرسول وأخذ التفكير حظه من تدبر الوحي الذي جاء به الرسول، اكتملت مقومات الاستجابة للدعوة في نفوس المدعوين، ولذلك أمر القرآن الكريم أن يطالب رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم أن يتفكروا في واقعه من جهة ويتفكروا في دعوته من جهة ثانية إذا كانوا يريدون الحق ويبحثون عنه. ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 46].
﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [يونس: 15 - 17].
هـ- مهمة الرسل: البلاغ والبيان:والبلاغ بشقيه الرئيسين (الإنذار والبشارة).
﴿ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 188].
﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44].
﴿ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾ [الحجر: 89]،﴿ ... لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: 46].
و- عموم رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ [سبأ: 28]،﴿ ... إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [الرعد: 7]،إن الإيمان بالرسل والرسالات من الأساسيات التي نزل القرآن المكي لترسيخها وتوضيحها ورد الشبهات حولها، وبيان سنن الله فيها وأن العاقبة لهم ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171 - 173]،ويشكل موضوع الرسالة والرسل ومعجزاتهم محاور كثيرة من السور المكية.
4- الدعوة إلى أمهات الأخلاق وأصول العبادات:دعا القرآن المكي - إلى جانب ترسيخ أصول العقيدة - دعا إلى الالتزام بأمهات الأخلاق والتخلي عن مرذولها.
ونظرة القرآن الكريم إلى الأخلاق منسجمة مع الشخصية الإسلامية المتميزة في العقيدة، وما الأخلاق الفاضلة إلا ثمراتٍ للعقائد ونتائج للالتزام السلوكي بأحكام القرآن الكريم، لذا فإن الهدايات القرآنية في العقائد ترافقها الدعوة إلى التحلي بالأخلاق وذلك لأن المنهج القرآني في تربية الشخصية الإسلامية منهج متكامل، فالله الذي خلق الإنسان وأودع فيه الفطرة المستقيمة أودع فيه أيضاً العواطف والمشاعر والأشواق الروحية والحاجات العضوية، ووضع المنهج الأمثل الذي يحافظ على استقامة الفطرة وينمي فيها نوازع الخير ويحدّ من أهواء النفس والشهوات ويهذب الغرائز ويسمو بها ويوجهه إلى الكمالات الإنسانية.
فيأتي الأمر الصريح بالأخذ بأمهات الأخلاق كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [النحل: 90 - 91].
وتأتي أحياناً آيات جمعت بين أصول العقيدة وأصول العبادات وأمهات الأخلاق في سياق واحد، لبيان أنها كلها من الهدايات التي أنزلها الله تعالى ولا فلاح بغيرها، كما نجدها في الوصايا العشر في سورة الأنعام، يقول جلَّ من قائل:
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 151 - 153]،هذه هي الأسس والمبادئ الأربعة التي لم تخل منها سورة مكية وربما اشتملت السورة - وبخاصة السور الطويلة - على جانب أو أكثر من هذه القضايا. فإذا أراد الباحث أن يحدد محور سورة من السور المكية فلينظر أولاً إلى المساحة التي شغلتها هذه القضايا منفردة أو مجتمعة وهل يمكن تناول السورة من خلال أحد هذه المواضيع وجعله محوراً للسورة؟.
إننا نجد كثيراً من السورة المكية ركزت على أصل من أصول العقيدة فمثلاً سورة الأنعام تناولت جانب التوحيد وإقامة الحجج والبراهين عليها وخاصة من خلال أدلة الخلق والإبداع في الكائنات، وسورة النحل تناولت قضية التوحيد من خلال أدلة العناية حيث ذكرت نعم الله تعالى على العباد ما ظهر منها وما بطن في مختلف مجالات الحياة. وسورة يونس وهود وإبراهيم تناولت جانب الرسالة والنبوة من خلال قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمناقشات التي دارت بينهم وبين أقوامهم. للوصول إلى إثبات رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ونجد أن سورة يس وسورة (ق) والقيامة من السور التي أقامت الحجج والبراهين على ثبوت اليوم الآخر والبعث بعد الموت للحساب والجزاء.
(بحث بعنوان( مزايا الآيات المكية) أ. د. مصطفى مسلم.).












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-20, 01:28 PM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

مراتب الدعوة في السور المكية جارية مع مقاصد الدين ومصالح الشرع.
ترتيب الدعوة الى الله تعالى في السور المكية ترتيباً رُتَبيَّا جارياً على وفق المقاصد والمصالح الدينية ،وفيه مراعاة لأحوال المخاطبين ،واعتبار لقدراتهم على فعل الواجبات في حال التمكن ، أو حالة الاستضعاف ،وتبليغ الدين : إما بالبلاغ العام أو بالبلاغ الخاص ،والبيان إما أن يتقدم وإما أن يتأخر ،والمقصود قد لا يتحصل : إما لعجز المتكلم عن البيان ،و إما لعجز السامع عن الفهم ؛فتنوعت الأحكام لتنوع الأوصاف والأحوال ،وتقسيم الدعوة الى مراتب ومراحل يجري مع مقاصدها ،ويُمكَّن المجتهد من تعليق الأحكام لتنوع الأوصاف و الأحوال.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله مؤصّلاً لهذا التقسيم:" فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ الدَّعْوَةِ وَلَهَا مَرَاتِبُ
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: النُّبُوَّةُ.
الثَّانِيَةُ: إِنْذَارُ عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ.
الثَّالِثَةُ: إِنْذَارُ قَوْمِهِ.
الرَّابِعَةُ: إِنْذَارُ قَوْمٍ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِهِ وَهُمُ الْعَرَبُ قَاطِبَةً.
الْخَامِسَةُ: إِنْذَارُ جَمِيعِ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ.
وَأَقَامَ  بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُسْتَخْفِيًا، ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ ((فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)) (الحجر: 94) فَأَعْلَنَ  بِالدَّعْوَةِ وَجَاهَرَ قَوْمَهُ بِالْعَدَاوَةِ، وَاشْتَدَّ الْأَذَى عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ لَهُمْ بِالْهِجْرَتَيْنِ" (زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن قيم الجوزية (ت 751هـ) ، مؤسسة الرسالة، بيروت - ط: السابعة والعشرون ( 1415هـ /1994م):1/84.).
ونلحظ هاهنا أنَّ مراتب الدعوة تقوم على ثلاث ركائز:
الأولى: إنَّ مراتب الدعوة تكون على وفق التدرج.
الثانية: إنَّ تلك المراتب تتنوع بحسب المصلحة الشرعية.
الثالثة: إنَّها قائمة على الامتثال.
إذ كان امتثال النبي وأصحابه لهذه المراتب امتثالاً تاماً.
وقال ابن القيم مفصّلاً لهذا التقسيم:" وَكَانَ النَّبِيُّ  مَعَ النَّاسِ فِي الدَّعْوَةِ مَرَاتِبَ، فَإِنَّهُ أُمِرَ أَوَّلًا أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِ رَبِّهِ، ثُمَّ أُمِرَ ثَانِيًا أَنْ يَقُومَ نَذِيرًا فَأُمِرَ بِإِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ وَدَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ أُمِرَ بِإِنْذَارِ النَّاسِ وَالصَّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالْهَجْرِ لِمَنْ آذَاهُ ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْجِهَادِ الْعَامِّ، ثُمَّ بِضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فَضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْمَجُوسَ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ مِنْ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ قَدْ دَخَلُوا كُلُّهُمْ فِي الدِّينِ وَكَانَ  يُقِرُّ النَّاسَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ بِمَا يَأْخُذُهُمْ بِهِ وَيَفْعَلُهُ مَعَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُ أَمْرُهُ بِالْهِجْرَةِ بَادَرَ إِلَى امْتِثَالِهِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِالْجِهَادِ فَقَامَ بِهِ حَقَّ الْقِيَامِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْكُفَّارِ فِي النِّكَاحِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِصُلْحِ الْكُفَّارِ بِتَوَادُعِهِمْ، ثُمَّ جَاءَهُ الْأَمْرُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ وَإِقْرَارِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ مَا لَمْ يَنْقُصُوهُ شَيْئًا مِمَّا شَرَطَ عَلَيْهِمْ" (أحكام أهل الذمة:1/198؛والمقدمات العلمية في تأصيل الأحكام المكية، الشيخ فتحي الموصلي ،دار الألوكة ،ط1(1433هـ- 2013م):36-37 ).












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-08-22, 12:08 PM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

السور المكية جاءت بمقصد إقامة العدل والإنصاف مع جميع المخالفين .
ا العدل مع المخلفين من أهل الشرك وغيرهم مقصد جليل ومقام عزيز وحثت الشريعة عليه وألزمت بالعمل به لاسيما السور المكية.
والعدل مع المخلفين وإنصافهم يكونان بأداء واجب العدل معهم ورفع الظلم عنهم فلا يُتعدى عليهم بزيادة على المشروع في بغضهم أو ذمّهم أو الإنكار عليهم ،وان يحكم بينهم في عقائدهم وأموالهم وخصوماتهم بالعدل، وان يقبل الحق الذي معهم قبولاً لا يؤدي إلى الاغترار بباطلهم ،ويرد ما معهم من الباطل ؛فدين الإسلام يُحرس بالعلم والعدل ،لا بالجهل والظلم.( المقدمات العلمية في تأصيل الأحكام المكية).
وقد تكرر الأمر بالعدل والحث عليه في كثير من الآيات المكية؛ كما قال تعالى: ((فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) (الشورى - 15)،و قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل -90)، و قال تعالى : ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) (الانعام - 152)، و قال تعالى)): وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (((الانعام -115)، يقول الطبري – رحمه الله - : " وقوله: (وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ) يقول تعالى ذكره: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي أن أعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعا بالحق الذي أمرني به وبعثني بالدعاء إليه، و...عن قتادة، قوله: (وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ) قال: أمر نبي الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أن يعدل، فعدل حتى مات صلوات الله وسلامه عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدّق الله الصادق، ويكذّب الكاذب، وبالعدل يردّ المعتدي ويوبخه(جامع البيان في تأويل القرآن، الطبري (ت 310هـ)،تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة،ط1( 1420 هـ - 2000 م):21/517).
قال ابن عاشور – رحمه الله - :"أَيْ أُمِرْتُ أَنْ أُقِيمَ بَيْنَكُمُ الْعَدْلَ بِأَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَلَا أَظْلِمَكُمْ لِأَجْلِ عَدَاوَاتِكُمْ وَلَكِنِّي أُنَفِّذُ أَمْرَ اللَّهِ فِيكُمْ وَلَا أَنْتَمِي إِلَى الْيَهُودِ وَلَا إِلَى النَّصَارَى. وَمَعْنَى بَيْنَكُمُ أَنَّنِي أُقِيمُ الْعَدْلَ بَيْنَكُمْ فَلَا تَرَوْنَ بَيْنَكُمْ جَوْرًا مِنِّي، فَ (بَيْنَ) هُنَا ظَرْفٌ مُتَّحِدٌ غَيْرُ مُوَزَّعٍ فَهُوَ بِمَعْنَى وَسَطَ الْجَمْعِ وَخِلَالَهُ، بِخِلَافِ (بَيْنَ) فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: قَضَى بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ أَوْ قَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَ الْعُفَاةِ، فَلَيْسَ الْمَعْنَى: لِأَعْدِلَ بَيْنَ فِرَقِكُمْ إِذْ لَا يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ كَوْنِهَا نَازِلَةً فِي مَكَّةَ فِي زَمَنِ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ إِعْجَازٌ بِالْغَيْبِ يَدُلُّ عَلَى أَن الرّسول نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةسَيَكُونُ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى يَهُودِ بِلَادِ الْعَرَبِ مِثْلِ أَهْلِ خَيْبَرَ وَتَيْمَاءَ وَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ وَبَنِي قَيْنُقَاعَ، وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ حَتَّى ظَاهَرُوا عَلَيْهِ الْأَحْزَابَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ" (التحرير والتنوير: 25/59 ).
قال ابن القيم– رحمه الله – معلقاً على آية الشورى : " ثمَّ أمره أَن يُخْبِرهُمْ بِأَنَّهُ أَمر بِالْعَدْلِ بَينهم وَهَذَا يعم الْعدْل فِي الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال والآراء والمحاكمات كلهَا فنصبه ربه ومرسله للعدل بَين الْأُمَم فَهَكَذَا وَارثه ينْتَصب للعدل بَين المقالات والآراء والمذاهب ونسبته مِنْهَا إِلَى الْقدر الْمُشْتَرك بَينهمَا من الْحق فَهُوَ أولى بِهِ وبتقريره وبالحكم لمن خَاصم بِهِ ثمَّ أمره أَن يُخْبِرهُمْ بِأَن الرب المعبود وَاحِد فَمَا الْحَامِل للتفرق وَالِاخْتِلَاف وَهُوَ رَبنَا وربكم وَالدّين وَاحِد وَلكُل عَامل عمله لَا يعدوه إِلَى غَيره، ثمَّ قَالَ لَا حجَّة بَيْننَا وَبَيْنكُم وَالْحجّة هَهُنَا هِيَ الْخُصُومَة أَي للخصومة وَلَا وَجه لخصومة بَيْننَا وَبَيْنكُم بَعْدَمَا ظهر الْحق وأسفر صبحه وَبَانَتْ أَعْلَامه وانكشفت الْغُمَّة عَنهُ وَلَيْسَ المُرَاد نفي الِاحْتِجَاج من الطَّرفَيْنِ كَمَا يَظُنّهُ بعض من لَا يدرى مَا يَقُول وَأَن الدّين لَا احتجاج فِيهِ كَيفَ وَالْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره حجج وبراهين على أهل الْبَاطِل قَطْعِيَّة يقينية وأجوبة لمعارضتهم وإفسادا لأقوالهم بأنواع الْحجَج والبراهين وإخبارا عَن أنبيائه وَرُسُله بِإِقَامَة الْحجَج والبراهين وَأمر لرَسُوله بمجادلة الْمُخَالفين بِالَّتِي هِيَ أحسن " (مفتاح دار السعادة:2/58).
أنَّ السور المكية قد دلَّت بالتضمن ،والتلازم ،أو بطريق قياس الأولى على وجوب العدل مع أهل البدع المسلمين ؛فإقامة العدل مع أهل البدع أَوْلى من إقامتها مع المشركين وأهل الكتاب .
قال ابن تيمية – رحمه الله – مؤصلاً هذا المقصد الجليل:" قد ذكرنا غير مرة أن من حكم الشريعة إعطاء كل ذي حق حقه كما في السنن عن عائشة – رضي الله عنها- قالت أمرنا رسول الله نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة (أن ننزل الناس منازلهم) وأن من كان منهم أقرب إلى الحق والسنة عرفت مرتبته، ووجب تقديمه في ذلك الأمر على ما كان أبعد عن الحق والسنة منه قال تعالى عن نبيه نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة((وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)) ، وقال تعالى(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ ))(النساء 135)،
وقال في حق أهل الكتاب(( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ))(المائدة 42)،
وقال(( فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ)) (المائدة 48) ،
فكيف الحال بين طوائف أهل القبلة بل الحكم بين من فيه فجور ومن فيه بدعة بالعدل ووضعهم مراتبهم وترجيح هذا من الوجه الذي هو فيه أعظم موافقة للشريعة، والحق أمر واجب ومن عدل عن ذلك ظاناً أنه ينبغي الإعراض عن الجميع بالكلية فهو جاهل ظالم، وقد يكون أعظم بدعة وفجوراً"
(بيان تلبيس الجهمية:4/316).












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-09-22, 12:48 PM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

السور المكية جاءت بحفظ الضرورات والمصالح العامة التي لا تنتظم مصلحة بني آدم إلا بالتعاقد والتخالف بين الناس

المقصود من هذا الأصل هو إباحة التعامل مع المشركين في الأمور المشتركة بين الناس ،والتي لا تقوم مصالح المجموع إلَّا بها ؛كالتعاقد والتحالف على تحصيل المنافع ودفع المضار، وهي الأمور التي اتَّفق عليها العقلاء في كل زمان ومكان.
قال تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا)) (الفرقان -54)،
قال الإمام ابن عاشور – رحمه الله- " وَقَدْ أَشَارَ إِلَى مَا فِي هَذَا الْخَلْقِ الْعَجِيبِ مِنْ دَقَائِقِ نِظَامِ إِيجَادٍ طَبِيعِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ بِقَوْلِهِ: وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً، أَيْ عَظِيمَ الْقُدْرَةِ إِذْ أَوْجَدَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ خَلْقًا عَظِيمًا صَاحِبَ عَقْلٍ وَتَفْكِيرٍ فَاخْتُصَّ بِاتِّصَالِ أَوَاصِرِ النَّسَبِ وَأَوَاصِرِ الصِّهْرِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَصْلَ نِظَامِ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ لِتَكْوِينِ الْقَبَائِلِ وَالشُّعُوبِ وَتَعَاوُنِهِمْ مِمَّا جَاءَ بِهَذِهِ الْحَضَارَةِ الْمُرْتَقِيَةِ مَعَ الْعُصُورِ وَالْأَقْطَارِ قَالَ تَعَالَى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا)) (الحجرات: 13)" (التحرير والتنوير، لابن عاشور (ت 1393هـ)، الدار التونسية للنشر – تونس ( 1984 م):19/56) .
وقال تعالى: (( وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)) (النساء -1)، قال ابن كثير : " وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي بِهِ تَعَاقَدُونَ وَتَعَاهَدُونَ، وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَلَكِنْ بِرُّوهَا وصِلُوها، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ"( تفسير القرآن العظيم: 2/206).
وقال تعالى: ((الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)) (البقرة -27) ، فالتحالف والتعامل الذي فيه إقرار بالحق ،أو رد للباطل أو كان قائماً على حفظ مصالح الخلق ،فالشريعة تقرُّه ،كما جاء في عَاصِمٌ بن سليمان ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة قَالَ: «لاَ حِلْفَ فِي الإِسْلاَمِ» فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي" (صحيح البخاري، كتاب الكفالة، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)،برقم(2294):3/96).
وجاء عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة، قَالَ: " شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلامٌ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ، وَأَنِّي أَنْكُثُهُ "( مسند الإمام أحمد بن حنبل، برقم(1655):3/193).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- عند كلامه على صحة العقود : " فَإِنَّ الْعُقُودَ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا، وَلَا الْجِنَايَاتِ الَّتِي يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، بَلْ هِيَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ وُجُوبِ الْخُلُقِ، فَإِنَّ الْعُهُودَ وَالْوَفَاءَ بِهَا أَمْرٌ لَا يَتِمُّ مَصْلَحَةُ الْآدَمِيِّينَ إلَّا بِهَا، لِاحْتِيَاجِ بَعْضِ النَّاسِ إلَى بَعْضٍ فِي جَلْبِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ" (الفتاوى الكبرى : 4/205.).
إذا قواعد التحالف والتعاقد مع المشركين ،وأهل الكتاب مبناها على تحقيق المصالح ،ودفع المفاسد بحسب الإمكان ،وما كان فيه مَصْلَحَةُ للناس في كل زمان ،فلابد أن تشهد له الشريعة ،لكن أحياناً قد يغفل عن هذه المصالح ؛لكونها قد جاءت عن طريق التعامل مع كافر ،وأن أحد طرفيها مشرك فاجر ، من غير نظر إلى ما يتولد من تلك المعاملات من منافع ومصالح ،وقد تجرُّ الغفلة عن نوع المصلحة ومحلها ومواردها إلى آراء شاذة تفضي إلى تفويت منافع الدين وتضييع مقاصده ( المقدمات العلمية في تأصيل الاحكام المكية ،فتحي بن عبدالله).












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
قديم 2020-09-26, 11:59 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
أحمدعباس الزبيدي
اللقب:
:: عضو برونزي ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: May 2015
العضوية: 2723
العمر: 47
المشاركات: 71 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 69
نقاط التقييم: 250
أحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the roughأحمدعباس الزبيدي is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
أحمدعباس الزبيدي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : أحمدعباس الزبيدي المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: من مقاصد وتأصيلات السور المكية

الأصل في الدعوة الى الله في السور المكية ان يدعى الأقرب فالأقرب
يتعلق هذا الأصل بقاعدة الأولويات في الدعوة إلى الله ،والابتداء في كل مرتبة بما حقُّه التقديم ،وتفضيل الراجح من المصالح على المرجوح ،وتعليق الدعوة بالأقرب هو تعليقٌ بالمصلحة الراجحة؛ إذ حقُّه مقدم على الأبعد ،وهو أرجى لقبول الإسلام من غيره .
قال تعالى: ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)) (الشعراء214) ،
قال السعدي –رحمه الله-:
" ولما أمره بما فيه كمال نفسه، أمره بتكميل غيره فقال: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ} ،الذين هم أقرب الناس إليك، وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي، وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس، كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان، ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " فيكون هذا خصوصا دالا على التأكيد، وزيادة الحق، فامتثل نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة، هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش، فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم يُبْق صلى الله عليه وسلم من مقدوره شيئا، من نصحهم، وهدايتهم، إلا فعله، فاهتدى من اهتدى، وأعرض من أعرض" (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن السعدي (ت 1376هـ)تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط (1 1420هـ -2000 م):1/598).
وقد امتثل النبي نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة لهذا الأمر على الفور ؛عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ((وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)) ، صَعِدَ النَّبِيُّ نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلةعَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: «يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ» - لِبُطُونِ قُرَيْشٍ - حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ» فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ((تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ)) )المسد: "( صحيح البخاري،كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ، بَابُ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ} تحقيق: محمد زهير الناشر: دار طوق النجاة ،الطبعة: الأولى( 1422هـ):برقم(4770)،6/111).
قال ابن تيمية- رحمه الله-: " أَكْثَرَ مَا ذُكِرَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ النَّصَارَى، فَإِنَّ هَذِهِ (أي سورة البقرة) نَزَلَتْ أَوَّلَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ الْيَهُودُ جِيرَانَهُ، وَآلُ عِمْرَانَ تَأَخَّرَ نُزُولُهَا إِلَى آخِرِ الْأَمْرِ، لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَفِيهَا فُرِضَ الْحَجُّ، لَمَّا طَهَّرَ اللَّهُ مَكَّةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِلْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ لِلْيَهُودِ؛ لِأَنَّهُمْ جِيرَانُهُ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ لِلنَّصَارَى؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَبْعَدَ عَنْهُ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ، وَالْمَجُوسِ - أَيْضًا - لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَبْعَدَ عَنْهُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الْمُنَاسِبُ، يَدْعُو الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ فَالْأَقْرَبَ، ثُمَّ يُرْسِلُ رُسُلَهُ إِلَى الْأَبْعَدِ،وَهُوَ نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة كَانَ - أَوَّلًا - مَشْغُولًا بِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ، فَلَمَّا صَالَحَ الْمُشْرِكِينَ صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَحَارَبَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَقِيبَ ذَلِكَ، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَقَسَّمَهَا بَيْنَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ: الَّذِينَ شَهِدُوا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ، تَفَرَّغَ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهُ، فَأَرْسَلَ رُسُلَهُ إِلَى جَمِيعِ مَنْ حَوَالَيْهِ مِنَ الْأُمَمِ" (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح،ابن تيمية (ت 728هـ)،تحقيق: علي بن حسن، دار العاصمة، السعودية،ط1( 1419هـ / 1999م):5/68.).
ويدل كلام شيخ ابن تيمية رحمه الله- على أن الدعوة لها مقامات ،وأنه يتعين على الداعية أن يفرّق بينها ، فيدعُو الْأَقْرَبَ إِلَيْهِ فَالْأَقْرَبَ.
( المقدمات العلمية في تأصيل الاحكام المكية ،الشيخ فتحي بن عبدالله الموصلي).












توقيع : أحمدعباس الزبيدي

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صَلى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم - فَتْحي بِن عَبدِ الله المَوْصِليِّ.

عرض البوم صور أحمدعباس الزبيدي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

من مقاصد وتأصيلات السور المكية


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
هل تعرف ما هي السور المُقَشْقِشَة ؟!
المرتضى يقول أن السورة المكية تخبر وفيها إخبار عن المستقبل ولها نظائر كثيرة في القرآن
اسباب نزول سور القران الكريم و فضائل السور وتفسيرها=شاركوناو لكم من الله الاجر
ينبغي للمسلم تأمل الآيات المكية
ما هي السور التي يُسنُّ قراءتها قبل النوم ؟ الشيخ عبد العزيز الطريفي


الساعة الآن 07:56 AM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML