آخر 10 مشاركات
اغتيال الشيخ قاسم حبيب المشهداني في الغزالية ببغداد           »          لا تعلق فشلك بظروف أبيك           »          من نفائس العتاب           »          الهجر المشروع           »          سلسلة لطائف قرآنية           »          برنامج (أنوار الأرض) للداعية ماجد أيوب           »          طلاق أمامة           »          أعظم النفقات           »          اختصارات لوحة المفاتيح على تويتر           »          اسم الله الكبير


منتديات أهل السنة في العراق

آل البيت والصحابة محبة وقرابة فضائل , سيرة , مصاهرة , قرابة, ال البيت و الصحابة



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2014-06-09, 12:50 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(حديث الإفك)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


إن من شناعة الجرم وبشاعته أن يتناول المنافقون بيت النبي الكريم وعرضه الطاهر الشريف بالإفك، وهو عليه الصلاة والسلام أكرم إنسان على الله، وعرضَ صاحبه الصدِّيق رضي الله عنه أكرم إنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم .وعرض رجل من الصحابة هو صفوان بن المعطل، يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يعرف عليه إلا خيراً.

هذا الإفك الذي شغل المسلمين في المدينة شهراً كاملاً.. كان هذا ثقيلاً جداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين.. هذا الإفك الذي كاد يعصف بالمجتمع المسلم، لولا فضل الله تعالى الذي أعاد إلى قلب رسوله الطمأنينة والسكينة ولجَمِ أفواه المنافقين ومن انجرف معهم من المسلمين الذين ثابوا بعد ذلك إلى رشدهم، وعرفوا عظم ما جنَوه، في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق أهل بيته الطاهرات..
هذا الحادثةُ.. حادثةُ الإفك، قد كلّفتْ أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاماً لا تطاق، وكلّفتِ الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وعلَّق قلب رسول الله ، وقلب زوجته التي يحبها، وقلب أبي بكر الصدَّيق وزوجته، وقلب صفوان بن المعطل، شهراً كاملاً، علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق.

فلندعْ عائشة رضي الله عنها تروي قصة هذا الألم، وتكشف عن سر هذه الآيات.
عن الزهري عن عروة وغيره عن عائشة – رضي الله عنها – قالت:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهنَّ خرج سهمها خرج بها معه؛ وإنه أقرع بيننا في غزاة فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أُحمل في هودج، وأنزل فيه. فسِرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل راجعاً، ودنَونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته،فحبسني ابتغاؤه؛ وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أني فيه؛ وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم؛ وإنا نأكل العلقة من الطعام؛ فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه؛ وكنتُ جارية حديثة السن؛ فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس أحد منهم، فتيممت منزلي، الذي كنت فيه. وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي؛ فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، قد عرس وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمَّرتُ وجهي بجلبابي؛ والله ما يكلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه؛
وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتُها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعدما نزلوا معرسين. قالت: فهلك في شأني مَن هلك. وكان الذي تولى كبر الإثم عبدَ الله بن أبي بن سلول؛ فقدمنا المدينة؛ فاشتكيت بها شهراً؛ والناس يُفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر. وهو يَريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: (( كيف تيكم؟)) ثم ينصرف. فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قِبَل المناصع - وهو متبرزنا- وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكُنف، وأمْرُنا أمرُ العرب الأول في التبرز قِبَل الغائط. فأقبلت أنا وأم مسطح – وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي اله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطلب – حين فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مِسطَح،
فقلت لها: بئسما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟
فقالت: يا هِنتاه ألم تسمعي ما قال؟
فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (( كيف تيكم؟))
فقلت: ائذن لي أن آتي أبوِيَّ. وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبَر من قبلهما. فأذن لي، فأتيت أبويَّ، فقلت لأمي: يا أمَّتاه ماذا يتحدث الناس به؟
فقالت: يا بنية هوني علي نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قَطُّ وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ ثم أصبحت أبكي. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله.
قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لَمْ يضيِّقِ الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تخبرْك. قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال لها: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئا يريبك؟ فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا. إنْ رأيت منها أمرا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول، فقال وهو على المنبر: (( من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي )).
قالت: فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلْنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة رضي الله عنه، وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حضير رضي الله عنه، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلّنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل. وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً، أظن أنَّ البكاء فالقٌ كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنتْ امرأة من الأنصار، فاذنتُ لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهَّد حين جلس، ثم قال: (( أما بعد فقد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله تعالى عليه )). فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال،
قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال،
قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن،
فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثاً تحدث الناسُ به، واستقر في نفوسكم، وصدقتم به.
فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني منه بريئة لتصدقُنَّني، فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال: { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)}(يوسف) ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مبرِّئي ببراءتي، ولكن -والله- ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحْياً يتلى؛ ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيَّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها. فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، فسُرِّيَ عنه، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: (( يا عائشة احمدي الله تعالى فإنه قد برَّأك )).
فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ .. (11)}(النور) ((العشر الآيات)). فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه – وكان ينفق على مِسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره – والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد ما قال لعائشة رضي الله عنها. فأنزل الله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ .. ) إلى قوله ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}(النور)، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله لأحب أن يغفر الله لي، فرجَعَ إلى مسطح النفقة التي كان يُجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: ((يا زينب! ما علمت وما رأيت؟))
فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً، وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ، فعصمها الله تعالى بالورع،
قالت: فطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك .
وتعال نَعِش أخي الحبيب في ظلال هذه القصة بقلم الشهيد الأستاذ سيد قطب – فقد أجاد التعبير والفهم ، رحمه الله - إذ يقول في تفسير آياتها في سورة النور ما يلي:
وهكذا عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وعاش أبو بكر رضي الله عنه وأهل بيته، وعاش صفوان بن المعطل، وعاش المسلمون جميعاً هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق، وفي ظل تلك الآلام الهائلة، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه هذه الآيات.
وإن الإنسان ليقف متململاً أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الآلام العميقة اللاذعة لشأن زوجه المقربة، وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة، تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة، والرفرفة الشفيفة.
فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة، ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها، ونظافة تصوراتها، ها هي ذي تُرمى في أعز ما تعتز به، ترمى في شرفها، وهي ابنة الصدّيق، الناشئة في العش الطاهر الرفيع، وتُرمى في أمانتها، وهي زوج محمد بن عبد الله من ذروة بني هاشم. وترمى في وفائها، وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير .. ثم ترمى في إيمانها، وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة، وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ها هي ذي تُرمى، وهي بريئة غارة غافلة، لا تحتاط لشيء، ولا تتوقع شيئاً؛ فلا تجد ما يبرئها إلا أن ترجو في جناب الله، وتترقب أن يرى رسول الله رؤيا، تبرئها مما رميت به. ولكن الوحي يتلبَّثُ لحكمة يريدها الله، شهراً كاملاً، وهي في مثل هذا العذاب.
ويا لله لها!! وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح، وهي مهدودة من المرض، فتعاودها الحمى، وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ وفي رواية أخرى تسأل: وقد علم به أبي؟ فتجيب أمها: نعم! فتقول: ورسول الله ؟ فتجيبها أمها كذلك: نعم!

ويا الله!! ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- نبيُّها الذي تؤمن به، ورجُلُها الذي تحبه، يقول لها: (( أما بعد، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألمَمْت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه )).. فتعلم أنه شاك فيها، لا يستيقن من طهارتها، ولا يقضي في تهمتها. وربُّه لم يخبره بعد، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمُها ولكن لا تملك إثباتها؛ فتمسي وتصبح وهي تهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها، وأحلّها في سويدائه!
وها هو ذا أبو بكر الصديق في وقاره وحساسيته وطيب نفسه يلذعه الألم، وهو يُرمى في عرضه، في ابنته زوج محمد صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل، لا يطلب دليلاً من خارجه.. وإذا الألم يفيض على لسانه، وهو الصابر المحتسب القويُّ على الألم، فيقول: والله ما رُمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل، حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
قال في مرارة هامدة: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله .
وأم رومان زوج الصديق رضي الله عنهما، وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء، المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالق كبدها: يا بنية هوِّني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها .. ولكن هذا التماسك يتزايل
وعائشة تقول لها: أجيبي رسول الله ، فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم !
والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله صفوان بن المعطل، وهو يُرمى بخيانة نبيه في زوجه، فيُرمى بذلك في إسلامه، وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حمِيَّته، وفي كل ما يعتز به صحابي، وهو من ذلك كله بريء، وهو يفاجأ بالاتهام الظالم، وقلبُه بريء من تصوره، فيقول: سبحان الله! والله ما كشفت كتف أنثى قط. ويعلم أن حسان بن ثابت يروِّج لهذا الإفك عنه، فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف ضربة تكاد تودي به، ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم- وهو منهي عنه- أن الألم قد تجاوز طاقته، فلم يملك زمام نفسه الجريح!.
ثم ها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو رسول الله، وهو في الذروة من بني هاشم .. ها هو ذا يرمى في بيته، وفي من؟ في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الابنة والزوج والحبيبة، وها هو يُرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يُرمى في صيانة حرمته، وهو القائم على الحرمات في أمته، وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له، وهو الرسول المعصوم من كل سوء.

ها هو ذا يُرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة رضي الله عنها، يُرمى في كل ما يعتز به عربي، وكلِّ ما يعتز به نبي.. ها هو ذا يرمى في هذا كله؛ ويتحدث إلى الناس به في المدينة شهرا كاملا، فلا يملك أن يضع لهذا كله حدا، واللهُ يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهراً كاملاً لا يبين فيه بياناً. ومحمدٌ الإنسان في هذا الموقف الأليم، يعاني من العار، ويعاني فجيعة القلب؛ ويعاني فوق ذلك الوحشة المؤرقة، الوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق.. والشكُّ يعمل في قلبه مع وجود القرائن، والفِرْية تفوح في المدينة، وقلبه الإنساني المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك؛ فلا يملك أن يطرد الشك، لأنه في النهاية بشر، ينفعل في هذا انفعالات البشر، وزوج لا يطيق أن يُمس فراشه، ورجل تضخُم بذرة الشك في قلبه متى استقر، ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم.

وها هو ذا يثقل عليه العبءُ وحده، فيبعث إلى أسامة بن زيد، حِبِّه القريب إلى قلبه .. ويبعث إلى علي بن أبي طالب، ابن عمه وسنده، يستشيرهما في خاصة أمره، فأما علي فهو من عصب محمد، وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب، ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد، ابن عمه وكافله، فهو يشير بأن الله لم يضيق عليه، ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الود لأهله، والتعب لخاطر الفراق، فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين، وكذب المفترين الافاكين.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم في لهفة الإنسان، وفي قلق الإنسان يستمد من حديث أسامة، ومن شهادة الجارية مدداً وقوة يواجه بهما القوم في المسجد، فيستعذر ممن نالوا عرضه، ورمَوا أهله، ورموا رجلاً من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء. فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور، وهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم
، ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة، وقد خُدِشت قداسة القيادة، ويحز هذا في نفس الرسول ، والنور الذي اعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها، يصارحها بما يقول الناس؛ ويطلب منها هي البيان الشافي المريح!
وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو، يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآنُ ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع؛ فيكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم.
ولقد قالت عائشة عن القرآن الذي تنزَّل: ((وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله تعالى مبرِّئي ببراءتي، ولكني والله ما كنت أظن أن يُنزِّل الله تعالى في شأني وحْياً يتلى، ولَشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يُتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها)).

ولكن الأمر – كما يبدو من ذلك الاستعراض – لم يكن أمرَ عائشة رضي الله عنها، ولا قاصراً على شخصها، فلقد تجاوزها إلى شخص الرسول صلى الله عليه وسلم ووظيفته في الجماعة يومَها، بل تجاوز إلى صلته بربه ورسالته كلها، وما كان حديثُ الإفك رمية لعائشة وحدها، إنما كان رميا للعقيدة في شخص نبيها وبانيها.. من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصل في القضية المبتدعة، ويردَّ المكيدة المدبرة، ويتولى المعركة الدائرة ضد الإسلام ورسول الإسلام؛ عن الحكمة العليا وراء ذلك كله؛ وما يعلمها إلا الله:
{ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}(النور).
فهم ليسوا فرداً ولا أفراداً؛ إنما هم "عصبة" مجتمعة ذات هدف واحد، ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحده هو الذي أطلق الإفك، إنما هو الذي تولى معظمه، وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين، الذين عجَزوا عن حرب الإسلام جهرة؛ فتوارَوا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خِفية، وكان حديثُ الإفك إحدى مكائدهم القاتلة. ثم خُدع فيها المسلمون فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش؛ وحسان بن ثابت؛ ومسطح بن أثاثة. أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة، وعلى رأسها ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة، ولم يقل علانية ما يؤخذ به، فيقاد إلى الحد، إنما كان يهمس به بين ملئِه الذين يطمئن إليهم، ولا يشهدون عليه، وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ترجف به المدينة شهراً كاملاً، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها!
وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين، هذا الكيد الدقيق العظيم اللئيم.
ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد:
{ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (11)}(النور).
{ خَيْر } .. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف، وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله؛ ويبيّن مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، فهي عندئذ لا تقف عند حد، إنما تمضي صعداً إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء.
وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة بهذه المناسبة عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم.
أما الآلام التي عاناها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهلُ بيته والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن تجربة، وضريبة الابتلاء، الواجبة الأداء!.

أما الذين خاضوا في الإفك، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة:
{ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ..(11))(النور)، ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله. ما اكتسبوا، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى:
{ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)}(النور)، يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم.
والذي تولى كبره، وقاد حملته، واضطلع منه بالنصيب الأوفى، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول، رأس النفاق، وحامل لواء الكيد. وقد عرف كيف يختار مقتلاً، لولا أن الله كان من ورائه محيطاً، وكان لدينه حافظاً، ولرسوله عاصماً، وللجماعة المسلمة راعياً..
ولقد روي أنه لما مرَّ صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال: مَن هذه؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها .. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها!.
وهي قولة خبيثة راح يذيعها عن طريق عصبة النفاق بوسائل ملتوية، بلغ من خبثها أن تموج المدينة من الفرية التي لا تصدق، والتي تكذبها القرائن كلها، وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين، وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهراً كاملاً، وهي الفرية الجديرة بأن تنفى وتستبعد للوهلة الأولى.
وإن الإنسان ليدهش حتى اليوم كيف أمكن أن تَروج فريةٌ ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة حين ذاك، وأن تُحدِث هذه الآثارَ الخضمة في جسم الجماعة، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق.
لقد كانت معركة خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله ، وخرج منها منتصراً كاظماً لآلامه الكبار، محتفظاً بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره، فلم تؤثَرْ عنه كلمة
واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله، والآلام التي مرت به في حياته، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها تاريخه.
ولو استشار كلُّ مسلم قلبَه يومه لأفتاه؛ ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه، والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا النهج في مواجهة الأمور، بوصفه أول خطوة في الحكم عليها: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)}(النور).

نعم، كان هذا هو الأولى.. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا، وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في ظل هذه الحمأة.. وامرأة نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد هما من أنفسهم، فظنُّ الخيرِ بهما أولى، لكن ما لا يليق بهم، لا يليق بزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيرا ..
كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما، كما روى الإمام محمد بن إسحاق: أن أبا أيوب قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أتسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها؟
قال: نعم، وذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟
قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك ..
ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: "الكشاف" أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟
فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم سوءاً؟
قال: لا، قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة رضي الله عنها ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعائشة خير مني، وصفوانٌ خير منك..
وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة، وما نسب إلى رجل من المسلمين: من معصية لله وخيانة لرسوله ، وارتكاس في حمأة الفاحشة، لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة!

هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور، خطوة الدليل الباطني الوجداني.
فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي:
{ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}(النور)، وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات، وأطهرَ الأعراض، ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة، وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بيِّنة؛ وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكَها الأفواه دون شاهد ولا دليل:
{ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ }! وهم لم يفعلوا، فهم كاذبون إذن، كاذبون عند الله الذي لا يبدَّل القولُ لديه، والذي لا يتغير حكمه، ولا يتبدل قراره، فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي لا براءة لهم منها، ولا نجاة لهم من عقابها.
هاتان الخطوتان: خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير، وخطوة التثبت بالبينة والدليل.. غفَل عنهما المؤمنون في حادث الإفك، وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أمر عظيم، لولا لطف الله لَمَسَّ الجماعة كلها البلاءُ العظيم، فالله يحذرهم أن يعودوا لمثله أبدا بعد هذا الدرس الأليم:
{ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}(النور).
لقد احتسبها الله للجماعة المسلمة الناشئة درساً قاسياً، فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسهم بعقابه وعذابه، فهي فعلة تستحق العذاب العظيم، الذي يتناسب مع العذاب الذي سبَّبوه للرسول صلى الله عليه وسلم وزوجه وصديقه وصاحبه الذي لا يعلم عنه إلا خيراً، والعذابِ الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع، ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجامعة، والعذابِ الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تُزلزل ثقة المؤمنين بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل، حافلٍ بالقلق والقلقلة والحَيرة بلا يقين! ولكنَّ فضل الله تدارك الجماعة الناشئة، ورحمتَه شمِلت المخطئين، بعد الدرس الأليم.

والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام؛ واختلت فيها المقايسس، واضطربت فيه القيم، وضاعت فيها الأصول:
{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)}(النور)، وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج، وتتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام:
{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبر ولا فحص ولا إمعان نظر، حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب!
{ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } .. بأفواهكم لا بوَعيِكم ولا بقلبكم، إنما هي كلمات تقذف بها أفواه، قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاه العقول..
{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا } أن تقذفوا عرض رسول الله ، وتدَعوا الألم يعتصر قلبه وقلب زوجه وأهله؛ وأن تلوِّثوا بيت الصديق الذي لم يُرْمَ في الجاهلية، وأن تتهموا صحابيا مجاهدا في سبيل الله، وأن تمسوا عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلته بربه، ورعاية الله له ..
{ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا .. وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } .. وما يعظم عند الله إلا الجليلُ الضخم الذي تَزلزَلُ له الرواسي، وتضِج منه الأرض والسماء.
ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه، من مجرد النطق به، وأن تنكر أن يكون هذا موضعاً للحديث؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا، وأن تقذف بهذا الإفك بعيداً عن ذلك الجو الطاهر الكريم:
{ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)}(النور).
وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزُّها هزاً؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت .. عندئذٍ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم: { يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)}(النور)،

{ يَعِظُكُمَ } في أسلوب التربية المؤثر، في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار، مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان،
{ يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا }، ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة:
{ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }، فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون،
{ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ } على مثال ما بين في حديث الإفك، وكشف عما وراءه من كيد؛ وما وقع فيه من خطايا وأخطاء،
{ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف، ويعلم مداخل القلوب، ومسارب النفوس، وهو حكيم في علاجها، وتدبير أمرها، ووضْعِ النُّظُم والحدود التي تصلح بها.
ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك؛ وما تخلَّفَ عنه من آثار؛ مكرراً التحذير من مثله، مذكراً بفضل الله ورحمته، متوعداً من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة. ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض، وإعادة الصفاء إليها والإشراق، كما تتمثل في موقف أبي بكر رضي الله عنه من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض:
{ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)}(النور).

والذين يرمون المحصنات – وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم – إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها، بذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع.
من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

وذلك جانبٌ من منهج التربية، وإجراءٌ من إجراءات الوقاية، يقوم على خبرةٍ بالنفس البشرية، ومعرفة بطريقة تُكيِّفُ مشاعرها واتجاهاتها، ومن ثم يعقب بقوله: { وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ }، ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها؟ ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن، ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير؟
ومرة أخرى يذكر المؤمنين بفضل الله عليه ورحمته: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20 )}(النور).

إن الحدث لعظيم، وإن الخطأ لجسيم، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء. ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته، ذلك ما وقاهم السوء، ومن ثَمَّ يذكرها به المرة بعد المرة؛ وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين.
فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكاً أن يصيبهم جميعاً، لولا فضل الله ورحمته، صور لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان، وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم، وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور).
وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبعَ المؤمنون خُطاه، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقاً غير طريقه المشؤوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن، ويرتجف لها وجدانه، ويقشعر لها خياله! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في أنفسهم اليقظة والحذر والحساسية:
{ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ }، وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه، وهو نموذج منفر شنيع.
وإن الإنسان لضعيف، مُعرَّض للنزعات، عرضة للتلوث، إلا أن يدركه فضلُ الله ورحمته، حين يتجه إلى الله، ويسير على نهجه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)}(النور).
فنور الله الذي يشرق في القلب يُطهِّره ويزكيه، ولولا فضل الله ورحمته لم يزكُ من أحد ولم يتطهر، والله يسمع ويعلم، فيزكي من يستحق التزكية، ويطهر من يعلم فيه الخير والاستعداد { وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
وعلى ذكر الدعوة والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض – كما يرجون غفرانَ الله لما يرتكبونه من أخطاءٍ وذنوب - :
{ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)}(النور).
نزلت في أبي بكر رضي الله عنه بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة، وقد عرف أن مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه؛ قريبَه، وهو من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فآلى على نفسه لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً.

نزلت هذه الآية تذكِّر أبا بكر، وتذكر المؤمنين، بأنهم يُخطؤون ثم يحبون من الله أن يغفر لهم، فليأخذوا أنفسهم بعضَهم مع بعض بهذا الذي يحبونه، ولا يحلفوا أن يمنعوا البِّرَّعن مستحقيه، إن كانوا قد أخطأوا وأساءوا.
وهنا نطَّلعُ على أفق عال من آفاق النفوس الزكية، التي تطهرت بنور الله، أفقٍ يشرق في نفس أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أبي بكر الذي مسّه حديث الإفك في أعماق قلبه، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه، فما كاد يسمع دعوة ربه إلى العفو؛ وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي:
{ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ } حتى يرتفع على الآلام، ويرتفع على مشاعر الإنسان، ويرتفع على مناطق البيئة، وحتى تشِفَّ روحه وترف وتشرق بنور الله، في طمأنينة وصدق يقول: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، ويحلف: والله لا أنزعها منه أبدا، ذلك في مقابل ما حلف: والله لا أنفعه بنافعة أبداً.
بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير، ويغسله من أوضار المعركة، ليبقى أبداً نظيفاً طاهراً زكياً مشرقاً بالنور.
ذلك الغفران الذي يُذكر الله المؤمنين به، إنما هو لِمَن تاب عن خطيئة رمْيِ المحصنات وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فأما الذين يرمون المحصنات عن خبث وعن إصرار، كأمثال ابن أبيّ فلا سماحة ولا عفو، ولو أفلتوا من الحد في الدنيا، لأن الشهود لم يشهدوا، فإن عذاب الله ينتظرهم في الآخرة، ويومذاك لن يحتاج الأمر إلى شهود:
{ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)}(النور).

ويجسِّم التعبيرُ جريمة هؤلاء ويبشِّعُها؛ وهو يصورها رمياً للمحصنات المؤمنات، وهن غافلات غارّات، غير آخذات حذرهن من الرمْية، وهن بريئات الطوايا مطمئنات لا يحذرن شيئاً، لأنهم لم يأتين شيئاً يحذرنه! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة، ومن ثم يعاجل مقترفيها باللعنة. لعنة الله عليهم، وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة، ثم يرسم ذلك المشهد الأخاذ:
{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ }، فإذا بعضهم يتهم بعضاً بالحق، إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإفك! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة، على طريقة التناسق الفني في التصوير القرآني.
{ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ }، ويجزيهم العدل، ويؤدي لهم حسابهم الدقيق، ويومئذ يستيقنون مما كانوا يستريبون { وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ }.

ويختم الحديث عن حادثة الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركَّبه في الفطرة، وحققه في واقع الناس، وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة، وأن تمتزج النفس الطيبة بالنفس الطيبة، وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج، وما كان يمكن أن تكون عائشة رضي الله عنها كما رموها، وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض:
{ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)}(النور).

ولقد أحبت نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة حبا عظيما، فما كان يمكن أن يحببها الله لنبيه المعصوم، إن لم تكن طاهرة، هذا الحب العظيم.

أولئك الطيبون والطيبات { مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } بفطرتهم وطبيعتهم، لا يلتبس بهم شيء مما قيل: { لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }، مغفرة عما يقع مهم من أخطاء، ورزق كريم، دلالة على كرامتهم عن ربهم الكريم.

بذلك ينتهي حديث الإفك: ذلك الحادث الذي تعرضت فيه الجماعة المسلمة لأكبر محنة: إذ كانت محنةَ الثقة في طهارة بيت الرسول، وفي عصمة الله لنبيه أن لا يجعل في بيته إلا العنصر الطاهر الكريم، وقد جعلها الله مَعرِضا لتربية الجماعة المسلمة، تشِفُّ وترف؛ وترتفع إلى آفاق النور في سورة النور.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-06-12, 12:07 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة/ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم/د. عثمان قدري م

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم }

الدكتور عثمان قدري مكانسي




قال عبد الله بن الزبير لخالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما: يا خالة هل كانت بيوتكم في أول حياتكم في المدينة المنورة عامرة بما لذَّ وطاب.

قالت: لا والله يا بني، إن كنا لننتظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقِد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نارٌ قط.

قال: يا خالة إذا لم تكونوا تطبخون فما كان طعامُكم؟

قالت: الأسودان، التمر والماء.

قال: والخبز وما يطبخ من القمح؟

قالت: يا ابن أختي ما شبع آلُ محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتاليين حتى لحق بالرفيق الأعلى، فما نقول في خبز القمح؟

قال: سبحان الله إنْ كانت حياتكم لحياة شظف وجهد.

قالت: ولقد كان لنا جيران من الأنصار – أكرمهم الله وأثابهم – يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ألبان الإبل فيسقينا.

وانطلق عبد الله متأثراً مما عرف عن حياة بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، فرآه أنسٌ رضي الله عنه فسأل عما به، فقص عليه عبد الله ما جرى من حوار بينه وبين خالته أم المؤمنين.

فقال: صدقت الصدِّيقة بنت الصدِّيق، وقد كنت خادمه صلى الله عليه وسلم فما رأيته أكل خبزاً مرققاً حتى مات.

قال عبد الله: إذنْ كان طعام آل محمد قوتاً (بما يقيم أوده ويسدُّ رمقه).

قال أنس: صدقت يا عبد الله، ولا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاة صغيرة يسمط شعرها وتشوى، فهذا يفعله المرفهون الأغنياء، وهنا دخل النعمان بن بشير رضي الله عنهما وسمع الحديث فأدلى بدلوه قائلاً:

لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من التمر الرديء ما يملأ به بطنه.

قال أبو هريرة رضي الله عنه، وقد سمع ما قاله النعمان فانضم إليهم، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قائظ على غير عادته بعد صلاة الظهر فرأى أبا بكر رضي الله عنه خارجاً من بيته، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما الذي أخرجك من بيتك في هذه الساعة يا أبا بكر )).

قال الصدّيق: خرجت للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنظر في وجهه، والسلام عليه ولا أكتمك يا رسول الله أن الجوع منعني من النوم فخرجت على وجهي، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزد.

ثم جاء عمر رضي الله عنه، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله: (( ما الذي أخرجك من بيتك في هذه الساعة يا عمر؟)).

قال عمر وقد نظر إليهما: الجوع أخرجني يا رسول الله ومنع عينيَّ الرقاد، فقلت: أسلي نفسي بالمسير والسلام على المسلمين، فحظيت بك يا رسول الله وبصاحبك الصدِّيق، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (( أتدرون ما الذي أخرجني؟)).

قالا: الله ورسوله أعلم.

قال: (( والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما )).

ثم قال: ((قوما)) فقاما معه فانطلق بهما إلى بيت رجل من الأنصار، فسلموا عليه، فلم يجب، فخرجت امرأته فلما رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه قالت: أهلاً وسهلاً ومرحباً برسول الله صلى اله عليه وسلم وصاحبيه الكريمين.

قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : (( فأين زوجك؟)).

قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، وقد حان مجيئه، فهلم يا رسول الله فادخلوا، فما أسعدنا اليوم بزيارتكم.

وما إن أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه مكانهم حتى دخل الأنصاري فسلم عليهم، ورحب بهم وقال: الحمد لله ،ما أحد اليوم أكرم أضيافاً مني، وانطلق فجاءهم "بعذقٍ" (غصن نخيل) فيه "بُسْرٌ" و"رُطَبٌ" و"تَمْرٌ"، فالأول حلوه قليل، والثاني حلوٌ وهو جديد، والثالث حلو وهو يابس، وقال: اختاروا يا أكرم ضِيفان أتَوني أيَّ نوع من التمر، وكلوه هنيئاً مريئاً.

ثم أخذ مُديته (سكينه) يريد ذبح شاةٍ يَقري بها أضيافه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصحاً: (( اختر شاة لا لبن لها واذبحها، وإياك والحلوب فلا تقربنَّها )).

فلما أكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشبعوا وشربوا من الماء وارتَوَوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمضيفه أبي التيهان الأنصاري:
(( بارك الله لك في مالك، وزاد في رزقك ووهبك الجنة ))، ثم التفت إلى أبي بكر وعمر فقال:
(( والذي نفسي بيده لتُسألن عن هذا النعيم يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوعُ، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم )).

رياض الصالحين: باب الجوع وخشونة العيش

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-06-18, 09:38 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة /(بركة النبي)/د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(برَكة النبي صلى الله عليه وسلم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



انطلق جيش المسلمين بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك – وهي بلدة صغيرة تقع في بلاد الشام شمالي المدينة المنورة بسبعمائة كيلو متر – للقاء جيش الروم الذي هدد باجتياح مدينة الرسول الكريم صلوات الله عليه ، فزرع الله تعالى الرعب في قلوبهم لما سمعوا بقدوم رسول الله إليها، فانسحب جيشهم إلى داخل الأردن خوفاً من لقاء المسلمين، على الرغم من أن جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتعد ثلاثين ألف مجاهد، وجيش الروم يشارف على مئتي ألف مقاتل، ولا غروَ فالرسول صلى الله عليه وسلم بطل الأبطال يقول: (( ونُصرت بالرعب مسيرة شهر )).
كان هذا في السنة التاسعة للهجرة، وزادُ المسلمين قليل، والطريق طويل لكن الإسلام يجِب أن ينتصر، والدينَ ينبغي أن تعلو شمسه، ويمتدَّ ضياؤه، وينيرَ جَنباتِ الأرض، مشارقَها ومغاربَها، فاستنفر الله تعالى المسلمين للقتال فقال عزّ من قائل:{ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)}(التوبة).

وأصاب الناس مجاعةٌ، فقالوا: يا رسول الله، قلّ الزاد، ونحلت أجسادنا ووهنت قوانا، وهذه إبلنا ما عدنا نحتاج إليها، فلا ميرة نرفعها عليها، ولا أحمال نشدها إليها، فلو أذنتَ لنا فنحرناها، فأكلنا وادَّهنّا.

كان أدباً منهم أن يستأذنوا القائد في الاستغناء عن خدمة الدواب التي يستعينون بها في القتال، فلربما رأى مصلحة في الاحتفاظ بها فمنعهم ذلك، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح لهم قائلاً: (( افعلوا )).
سمع الفاروق عمر بن الخطاب باستئذانهم وموافقة رسول الله إياهم، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشتد فلما لقيه قال: يا رسول الله إن ذبحوا إبلهم لم يبق لهم ما يركبونه، ويحملون عليه متاعهم، فتباطأت حركاتهم وأصابهم جهد ومشقة في سيرهم.

ولكني يا رسول الله أرى أن تأمرهم بإحضار ما تبقى من أزوادهم فإذا جمعوها دعوتَ الله لهم عليها بالبركة، وأنت يا رسول الله مبارك قريب إلى الله حبيبٌ إليه، ولعل الله يجعل في ذلك البركة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( نِعْم ما أشرت به يا عمر )).

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببساط من جلد متسع، فمُدَّ على الأرض وأمر المسلمين أن يأتوا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يأتي بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة خبز، حتى اجتمع على البساط من ذلك شيء يسير، ثم رفع يديه الشريفتين إلى رافع السماوات بغير عمد وباسط الأرض على ماء جمد، يسأله البركة والفضل العميم، وارتفعت معه أكف المسلمين مؤمنة راجية.

وكان العجب العجاب أن النبي المبارك صلى الله عليه وسلم : أمرهم أن يملؤوا أويتهم مما على هذا الأديم (البساط) فما تركوا في المعسكر وعاء إلا ملؤوه وأكلوا حتى شبعوا، وفضل فضلة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ))
وردد المسلمون وراءه: نشهد أن لا إله إلا اله وأنك رسول الله،
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يلقى اللهَ عبدٌ موقن بما شهد، مطمئنٌّ بما قال، إلا وجبت له الجنة )).
فارتج المعسكر بالنغم الأبدي السرمدي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

رياض الصالحين: باب الرجاء

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-05, 12:45 AM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة/(بالمؤمنين رؤوف رحيم)/د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(بالمؤمنين رؤوف رحيم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



قال الولد لأبيه: مَن أهل الصفّة يا أبت؟ إنني أقرأ عنهم كلمات لا توضح صفاتهم.
قال الأب: هم المسلمون الذين لا يأوون على مال ولا أهل، ولا يملكون من حطام الدنيا شيئاً، ويُقبلون على الآخرة.
قال الولد: ولم دُعوا أهل الصفّة يا والدي؟
قال الأب: لأنهم كانوا يأوون إلى بناء في مؤخر المسجد النبوي يرتفع عن الأرض قليلاً.
قال الولد: كم عددهم يا والدي؟
قال الأب: يذكر بعض المؤرخين أنهم في حدود أربع المئة، وقد استشهد منهم في موقعة بئر معونة سبعون رجلاً، رضي الله عنهم وأرضاهم.
قال الولد: فكيف يعيشون وماذا يلبسون؟
قال الأب: أما لباسهم فلم يكن أحد يلبس رداءً مخيطاً يستر بدنه كله لفقره الشديد، ولكن ترى على أحدهم إزاراً يحوط جسمه أو كساءً ربطه بعنقه، لمّا يبلغ نصف الساقين أو الكعبين، ولعل أحدهم إذا ركع جمع كساءه أو إزاره بيده كراهية أن تبدو عورته.
أما طعامهم فمما يجود به المسلمون من زكاة وصدقة أو هدية، والظاهر من أحوالهم غلبة الفقر عليهم، وإيثار القلة، واختيارهم لها، فلم يجتمع لأحدهم ثوبان، ولا حضرهم من الطعام لونان.
قال الولد: فلم اختاروا هذه الحياة الغليظة ليس فيها من متاع الحياة الدنيا ما يسرّ؟
قال الأب: إن أحدهم قال للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: والله إني أحبك.
فقال: (( إن كنت تحبني فأعدّ للفقر قبولاً في نفسك، فإن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل يتدفق من الجبل مسرعاً نحو الوادي، ولأن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام، ولقد قمت على باب الجنة، فكان عامّة من دخلها من المساكين، والأغنياء ينتظرون الإذن لهم بدخول الجنة )).
قال الولد: من أشهر أهل الصفة يا والدي؟
قال الأب: من أكثرهم شهرة، أبو هريرة – عبد الرحمن بن صخر الدوسي – رضي الله عنه أكثرُ أصحاب الحديث رواية، وأدقهم حفظاً.
قال الابن: أفلا تحدثني يا والدي عن بعض معاناته حين كان بين أهل الصفّة؟
قال الأب: حبّاً وكرامةَ يا ولدي ويا فلذة كبدي، عسى الله أن يجعلك من عباده الصالحين وحملة دينه الصادقين.
فقد أقسم أبو هريرة رضي الله عنه أنه كان يعيش اليوم أو اليومين أو أكثر من ذلك لا يذوق طعاماً، وكثيراً ما سقط بين منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحجرة عائشة رضي الله عنها مغشياً عليه، يهذي من الجوع والناس يحسبون هذيانه نوعاً من الجنون، فقد كان يلصق بطنه بالأرض أو يشد الحجر على بطنه ليُسكن ألمَ الجوع، ويُخمدَ نارَه.
ولقد جلس يوماً حين اشتد به الجوع في طريق الصحابة يسألهم الآية، وهو يعرفها ويعرف معناها لعلهم يدعونه إلى بيوتهم فينالَ شيئاً من طعامهم، فمر به النبي صلى الله عليه وسلم ونظر إليه، وعرف ما في وجهه وما في نفسه فكفاه مؤونة السؤال حين قال: ( يا أبا هرّ
فأجابه: لبيك يا رسول الله.
قال له: ( الحق بي
فتبعه أبو هريرة إلى أحد أبياته، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم بيته، ثم أذن لأبي هريرة فدخل وجلس، ورأى النبي صلى الله عليه وسلم لبناً في قدح فقال: (من أين هذا اللبن؟).
قالوا: أهداه لك فلان.
قال: ( إن كان هدية فقد جاز لي أن أشرب منه )، ثم أردف قائلا: (يا أبا هر ).
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: ( اذهب إلى أهل الصفّة فادعهم لي ).
قال أبو هريرة في نفسه: وماذا يكفي هذا القدحُ أهلَ الصفّة، وأنا أولى أن أصيب منه شَربةً أتقوى بها، إنه لا يكفي سوى اثنين، رسولِ الله وأنا، ولكن لا بد من طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطاعته من طاعة الله، فأسرع إليهم، فدعاهم إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا هرٍ ).
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: ( خذ هذا القدح فأعطهم يشربون ).
فجعل أبو هريرة يعطيه الرجل فيشرب حتى يرتوي ثم يعيده إلى أبي هريرة، فيدفعه إلى رجل آخر فيشرب حتى يروى ثم يعيده إلى أبي هريرة .. وهكذا حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، النبي العظيم، الرحيم بأمته الرؤوف بها، لم يتصدر للشرب أولاً، إنما اطمأن إلى أن أصحابه شربوا جميعاً وارتووا، فأراد أن يداعب أبا هريرة، فأمسك بالقدح كأنه يريد الشرب، وأبو هريرة ينظر إليه عطشان جائعاً فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي هريرة مبتسماً ثم قال: ( يا أبا هرّ ).
قلت: لبيك يا رسول الله.
قال: ( بقيت أنا وأنت ).
قلت: صدقت يا رسول الله.
قال: ( اقعد فاشرب ).
قال أبو هريرة في نفسه: لأشربن فما عدت أملك نفسي، وشرب أبو هريرة حتى روي وأعاد القدح لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اشرب )، فعاد يشرب، وما زال يأمره بالشرب حتى قال له: لا والذي بعثك بالحق لا أجد مسلكاً، لقد امتلأتُ وفاضت نفسي وتضلَّعت حتى كدت أنفجر شبعاً ورياً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فأرني القدح )، وأعطيته إياه فحمد الله تعالى على نعمائه وسمى، وشرب الفضلة.

ما أرحم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وما أكثر بركتَه! إن قدحاً واحداً يروي العشرات بين يديه الشريفتين.

قال أبو هريرة:
لقد جرت معي قصة أخرى في تكثير الطعام مع أهل صفّة، فقد أتت عليّ ثلاثة أيام لم أطعَم فيها، فجئت أريد الصفّة، فجعلت أسقط، فكان الصبيان يقولون: جن أبو هريرة، حتى انتهيت إلى الصفّة فإذا بقصعة من ثريد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل منها أهل الصفّة، فجعلت أتطاول كي يراني رسول الله فيدعوني، حتى قاموا وليس في القصعة إلا شيء في نواحيها، فجمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصار لقمة، فوضعها على أصابعه الشريفة، فقال لي: ( كل باسم الله ).
قال أبو هريرة: فوالذي نفسي بيده ما زلت آكل منها حتى شبعت.

رياض الصالحين: باب فضل الزهد في الدنيا
باب فضل الجوع وخشونة العيش

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-06, 03:40 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(وليمة جابر بن عبد الله)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



لما أراد المشركون من قريش وأحزابهم حرب المسلمين واستئصالهم من الجزيرة العربية جمعوا عشرة آلاف مقاتل في السنة الخامسة للهجرة، وقصدوا المدينة لا ينثنون عنها، وسمع المسلمون بمجيئهم فقاموا يستعدون لقتالهم، وكانت جهة المدينة الغربية دون سور يحميها، والوقت لا يتسع لبنائه، فأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق حول المدينة من هذه الجهة، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ المسلمون وهم ألف بحفره، وجعلوه بعرض خمسة أمتار وعمق أربعة.

وبدأ العمل المرهق يصل الليل بالنهار، والمسلمون لا يبرحون المكان، طعامهم يصل إليهم من بيوتهم – وما أقله – لكنّ شعلة الإيمان والإصرار على الجهاد كفيلان بشحذ الهمة وانتشال النصر، وكان سيدهم وقائدهم يحفر معهم، لم يميّز نفسه عنهم، ولم يسع إلى الراحة دونهم، فهو قدوتهم ومثالهم الأعلى، له ما لهم، وعليه ما عليهم. والنفس الإنسانية ترتاح في خضم الإرهاق والتعب حين تجد القائد في المقدمة، فتبذل الجهد العظيم دون أن تشعر بالكلل أو الملل أو تحس بالظلم، فالجميع على قدم وساق، كبيرهم وصغيرهم، غنيهم وفقيرهم، وجيهُهم وساقتهم، متساوون، يعملون ويرجون من الله السداد والتأييد والعون والنصر.
وكلما حزبهم نشز من الأرض قاسٍ استعانوا ببطل الأبطال وسيد المجاهدين فيأتيهم يهدهدها، ويحيلها حصى، ويستمرون في حفرهم ويشتدون في نشاطهم.
عرضت لهم قطعة صخرية أبت أن تستجيب لمعاولهم أو أن تهون لضرباتهم فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينون به عليها، فقال: ( أنا لها
وقام إليها فضربها الضربة الأولى فلمعت، فقال: ( الله أكبر، فُتحت خيبر
وخيبر هذه على بعد مئة ميل شمال المدينة، يتحصن بها اليهود في قلاعهم الضخمة، ويهددون المدينة والمسلمين منها، فصاح المسلمون: الله أكبر، وضربها الضربة الثانية فلمعت، فقال: ( الله أكبر، فتحت فارس
تلك البلاد المجوسية التي يعبد أهلها النار، فهتف المسلمون: الله أكبر، وضربها الضربة الثالثة فلمعت الصخرة تحت معوله، وتفتت، فنادى: ( الله أكبر، فتحت الروم
بلاد الشام التي يحكمها النصارى الضالون الذين اتخذوا من نبي الله عيسى عليه السلام إلهاً حاشاه أن يدّعي هذا، فهتف المسلمون: الله أكبر.
وسرت في المسلمين روح النصر وقوة الإرادة فقويت عزيمتهم، ونسُوا تعبهم فراحوا ينشدون:
لئن قعدنا والنبي يعمل*لذاك منا العمل المضلّل
وارتفع صوت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة،فاغفر للأنصار والمهاجرة )
فردد المسلمون وراءه هذا الدعاء العظيم ورددته الملائكة معهم، ورددته جنبات المدينة، سهولُها ووديانها وجبالها وآكامُها.

كان قد مضى من الوقت – إذ ذاك – ثلاثة أيام بلياليها وبطنُ النبي صلى الله عليه وسلم معصوب بحجر يخفف لهيب الجوع، والمسلمون مثله، لم يذوقوا ما يسد رمقهم. فقام جابر بن عبد الله يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذهاب إلى بيته، لأمرٍ بدا له، فأذن له، فأتى امرأته فقال لها: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم عصب بطنه بحجر من الجوع فهل عندك ما نقدمه له؟ فوالله ما إن رأيته خُمصان حتى ضاق صدري ونفد صبري.
فقالت: عندي قليل من الشعير، وسخلة، فأنا أعجن الشعير، وأنت تذبح السخلة.
قلت: فهيّا بارك الله فيك من امرأة صالحة ملبية، وهكذا تكون نساء المسلمين، وطحنت المرأة الشعير وعجنته، فاختمر.
وذبح جابر السخلة وقطعها، ووضعها في القدر وأشعل النار تحتها ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى طعامه، فقالت له زوجته: لا تفضحنا يا جابر، سارِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع معه رجلين أو ثلاثة.
قلت: نعم.. وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دنوت منه همست في أذنه: يا رسول الله؛ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعال أنت ونفر معك.
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر إليّ بعين المحبة والودّ، ثم التفت إلى المسلمين فنادى: ( يا معشر المسلمين ).
قالوا: لبيك وسعديك يا رسول الله.
قال: ( فإن جابراً قد صنع طعاماً، فقوموا إلى بيته
ثم التفت إليّ فقال: ( مُرِ امرأتك أن تغطي العجين فلا تخبزْ وأن تغطي القدر، فلا تغرفْ منها، حتى آتيكم ).
قلت: فانطلقت مهموماً، لا ألوي على شيء، فكيف لي بإطعام هؤلاء، والخبزُ واللحم لا يكفيان عدد أصابع اليد الواحدة.
فلما وصلت إلى البيت وأخبرت زوجتي أسمعتني قارص الكلام، ظناً منها أنني دعوت الناس جميعهم، فلما أخبرتها حقيقة الأمر، قالت: إذاً رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفل بهم. وغطت العجين واللحم، فلما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع الغطاء عن العجين وقرأ عليه، ثم نفخ فيه وقال لامرأتي: ( استعيني بأخرى واخبِزي )، ورفع الغطاء عن اللحم وقرأ عليه ونفخ فيه وغطاه، وقال للمسلمين: ( ادخلوا جماعات جماعاتٍ ولا تتزاحموا ).
وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدّ يده إلى التنور فيأخذ الخبز ويغطي التنور، ثم يرفع غطاء القدر ويأخذ اللحم فيضعه في الخبز ويعيد غطاء القدر فوقه، ويوزع على المسلمين.

وظل يفعل هذا حتى استوفى الناس جميعاً، فعادوا إلى مكانهم في الخندق ثم أكل عليه الصلاة والسلام، أكل بعدما أكل المسلمون كلهم، واطمأن إلى أنهم شبعوا!
لم يبدأ بنفسه، فسيُّدُ القوم يتابعهم، ويرعى أمورهم ثم يلتفت إلى نفسه .. هكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهكذا يفعل القائد الرحيم.
ثم قال لزوجتي: ( كلي وأهدي الناس فقد أصابهم مجاعةٌ ) فَفَعلتْ، ورفعت الغطاء عن الخبز وعن القدر، فكأنهما هما لم ينقصا .. صلى الله على رسوله العظيم، البرّ، الرحيم، وجزاه عن أمته خير الجزاء.

رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-07, 12:20 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(سمك العنبر)

الدكتور عثمان قدري مكانسي


في السنة الثامنة للهجرة كان المسلمون والمشركون في هدنة صلح الحديبية لا يتعرض فريق لفريق، بل اتفقوا على حفظ الأمن، كل في سلطانه. وفي شهر رجب من تلك السنة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى أرض جهينة يتلقوا عيراً لقريش يحفظونها من اعتداء قد تقوم بها جهينة على القافلة، وأمر عليها أبا عبيدة بن الجراح، وكان مع كل منهم زادُه الخاص، وزوّدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جراباً (وعاءً من جلد) كبيراً من تمر لم يجد غيره إذ ذاك، فكنا نأكل من أزوادنا حتى فنيت، وكنا ثلاث مئة رجل.
ثم أخذ أبو عبيدة يعطينا من الجراب بضع تمرات – أول الأمر – فلما خشي سرعة فنائه، بدأ يعطينا كل يوم تمرة واحدة كنا نمصّها كما يمصّ الصبيّ، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا إلى الليل.
فلما طال علينا هذا، ضربنا بعصيِّنا الخبطَ (ورق شجر معروف تأكله الإبل) فيتناثر الورق، فنبله بالماء ليخضر وتذهب خشونته فنستيسغه فنمضغه، وكان هذا طعامنا، ولا بد من الصبر وجهاد النفس فهما عدة النصر.
ثم انطلقنا إلى ساحل البحر الأحمر فرأينا على الماء كثيباً من الرمل ضخماً فأتيناه فإذا هو سمكة ضخمة جداً طولها خمسون ذراعاً، قذفها البحر فماتت، وتدعى حوت العنبر.
فلما دنونا منها وقد أخذ الجوع منا كل مأخذ منعنا عنها أميرنا لأنها ميتة، فأرشده الله تعالى للصواب فقال: لا تحرم الميتة للضرورة، ثم أردف قائلاً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عن البحر حين سئل: ( هو الطهور ماؤه، الحل ميتته )، ونحن هنا في طاعة الله وفي جهاد أعدائه وأعداء نبيّه، وهذا رزق ساقه الله إلينا، { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ }

اتق الله سائر الأزمان * لا تخفْ من طوارق الحدَثان
يرزق الله متّقيه ويكفيه * فهذا قد جاء في القرآن

فأقمنا نأكل منه شهراً حتى سمنّا، وظهرت النضارة في وجوهنا، وبدت القوة في أجسادنا.
وكنا لضخامته نغرف من عينه الدهن بالجرار، ونقطع قطعة اللحم الضخمة في حجم الثور، فنشويها، فتكون لذيذة الطعم، سهلة الهضم، طيبة المذاق.
وقد جلس ثلاثة عشر رجلاً في نقرة عينه فوسعتهم، ورفعنا عظماً من عظامه – والعظم محدودب – فمرّ من تحته أعظم بعير كان معنا عليه رحلُه، وتزودنا من لحمه القديد وانطلقنا بعد ذلك إلى المدينة فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثناه بما رأينا وما أكلنا منه، فكفانا فقال: ( هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟).
فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فأكله.

رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-09, 04:24 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,878 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي


رضي الله عنهم وأرضآهم
بآرك الرحمن فيكم على جهودكم ...~












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-13, 07:34 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أَقِطُ أم سُلَيْم)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



أنس بن مالك كان فتىً أنصارياً، لم يبلغ العاشرة من عمره حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخذت أمه "أم سليم" بيده وذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله هذا أنسٌ يخدمك.
فلازم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إلى أن لحق بالرفيق الأعلى ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث دعوات: ( اللهم بارك له في عمره وبارك له في رزقه، وبارك له في ذريته ).
فعاش قرابة مئة العام، وكان له حائط نخيل يثمر في السنة مرتين، ورأى ثمانين من ذريته.

وقال أنس: خدمت رسول الله عشر سنين فما رأيته قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء تركته، لم تركته.
أخلاق نبوية عالية، ربّاه ربه فأحسن تربيته وجعله قدوة للبشرية ومعلماً لها، فلا غرو أن يكون هذا المعلم كاملاً في صفاته، عظيماً في معاملته صلى الله عليه وسلم وبارك،
اللهم اجعلنا تحت لوائه وارزقنا شفاعته واجعلنا من أهل خاصته.

قال أنس: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فوجدته جالساً مع أصحابه، وقد عصب بطنه بعصابة، فقلت لبعض أصحابه، لم عصب رسول الله صلى الله عليه وسلم بطنه؟
فقالوا: ما يفعل ذلك إلا من الجوع، وانظر إلى أصحابه ترَ الجميع في فاقة وعوز، والأيام دول، يوم لك ويوم عليك، فمن شبع شكر الله، ومن جاع حمد الله، فهو في اتصال دائم مع ربه.
قال أنس: فذهبت إلى زوج أمي (أبي طلحة) فقلت له: يا أبتاه – ومن رعى ربيبه فأكرمه واعتنى به فهو خير من أبيه حين يتركه – قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقالوا: من الجوع، وإني لأتألم حين أراه هكذا، فماذا نفعل يا أبتِ؟ فذهب أبو طلحة إلى مجلس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، ثم عادَ فدخل على أمّي مسرعاً، وهو يحمل مثل همّي فنادها: يا أمَّ سُلَيم؟!
قالت: نعم يا أبا طلحة، هل تريد شيئاً؟
قال: قد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفاً، أعرف فيه الجوع وهذا ابنك أنس نبهني إلى ذلك.
قالت: نعم، عندي كِسَرٌ من خبز، وتمراتٌ، فإن جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أشبعناه، وإن جاء آخر معه قلَّ عنهما.
قال: فماذا نفعل يا أمَّ سُليم؟
قالت – وقد التفتت إليَّ -: قم يا أنس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فادعُه ولا يشعرَنَّ بك أحد- يا بني- فإن عرف أحدهم ما أنت قائله لرسول الله صلى الله عليه وسلم أوقعتنا في حرج...
قال أنس: فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدته ما يزال جالساً في المسجد بين أصحابه، فبدأت أتخطاهم لأصل إليه، فرآني رسول الله ، فعرف أنني أحمل إليه كلاماً.
فقال: ( يا أنس، لعلَّ أبا طلحة أرسلك إليَّ ).
قلت: نعم يا رسول الله.
قال: ( ألطعامٍ يدعوننا؟).
قلت: نعم يا رسول الله .. وقلت في نفسي: لا أكذب على رسول الله، كما أن المسلم لا يكذب.
وسمع القوم ما قاله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجابتي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قوموا معي يا معشر المسلمين إلى دار أبي طلحة ) فقاموا يتقدمهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وانطلقت مسرعاً بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته بما كان وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلبث أن يصل إلينا، فدهش، وعنّفني أول الأمر، فلما استجلاه قال مستنجداً بوالدتي: يا أم سُليم، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء بالناس، وليس لدينا ما يطعمهم.
قالت مستسلمة: الله ورسوله أعلم، وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم، فهو يتكفّل بهم.
فانطلق أبو طلحة يتلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما لقيه أظهر السرور والترحيب، وعاد به وبأصحابه إلى البيت حتى وصلوا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة إلى الدار، والناس خارجها.
فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: ( أحضري ما عندكِ يا أم سليم ).
قالت: سمعاً وطاعةَ يا رسول الله.
فجاءت بالخبز ففتَّته وبالتمر ففلقته، وأخرجت النوى ثم عصرت عليه عُكّة السمن فكان إداماً طيباً، ومزجت الخبز والتمر والسمن جميعاً، فلما انتهت تقدّم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ما شاء الله أن يقرأ، ودعا بالبركة، وسأل الله من فضله وخيره.
ثم قال لأبي طلحة: ( ائذن لعشرة منهم بالدخول )، فأذن لهم، فاستداروا حول القصعة وقالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، ... وأكَلوا حتى شبعوا، وخرجوا.
ثم قال: ( ائذن لعشرة آخرين )، فدخل هؤلاء.. حتى دخل القوم كلهم جميعاً وأكلوا وشبعوا وحمدوا الله تعالى، ثم انصرفوا والقوم سبعون رجلاً أو يزيدون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليهم ويباسطهم ويدعو لهم بالخير واليمن وطيب المأكل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الآن يا آل أبي طلحة، هلموا إلى طعامكم يرحمكم الله )، ومد يده الشريفة ، فأكل وأكلنا معه حتى شبعنا، ثم جمع ما بقي في الصحفة (القصعة) ودعا بالبركة، فإذا بها تعود ممتلئة كما كانت قبل أن تمتد إليها يد أحد.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن توزع أم سليم على جيرانها، ففعلت، ونال مَنْ حولنا من هذه الصحفة.
قلت لأبي طلحة: فلماذا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عشرة عشرة ولم يدعهم جميعاً، والبيت يتسع لهم.
قال: الله ورسوله أعلم، ولعله فعل ذلك:
1- لأنها كانت قصعة واحدة لا قصعتين، فلا يتصور تحلق ذلك العدد الكبير.
2- ولعل الحكمة في ذلك العدد أن لا يقع نظر الكل على الصحفة بطعامها القليل فيزداد حرصهم، ويظنون أنه لا يشبعهم فتذهب بركته.
3- ولعلهم إن كانوا كثيرين اكتفوا بسد الرمق، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يريد أن يأكلوا فيشبعوا.
والذي أريده يا بني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل مبارك، أرسله الله لهدايتنا إلى الطريق المستقيم، وأجرى على يديه آيات عظاماً، فكن دائماً على قدميه تنل الخير العميم والفضل المقيم، قلت من قلبي: لا إله إلا الله محمد رسول الله.

يا رب أرسلت النبي محمداً * بالدين والشرع القويم مؤيَّدا
فله من الأعماق حب خالص * ينمو ويربو صافياً متجددا (1)
رياض الصالحين: باب فضل الجوع وخشونة العيش
.................................................. ................
1- البيتان للمؤلف

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-26, 10:03 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(التواضع يرفع صاحبه)

الدكتور عثمان قدري مكانسي



مرَّ أنس بن مالك رضي الله عنه على صبيان يلعبون في أحد أزقة المدينة المنورة فقال لهم – وهو الرجل الكبير –: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له أحد مرافقيه: كيف تسلم عليهم وأنت الصحابي المعتبر وهم صغار لا يراعون ذلك؟
فقال له: كيف لا أفعل شيئاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وأنا أرجو أن أكون رفيقه في الجنة، ومن تشبّه بقوم وسار على نهجهم كان منهم؟!
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتواضع لهم ويعاملهم برأفة ورحمة ويَلين لهم ويبتسم بوجوههم وهو الذي كان يقول:
( إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد ).

لقد كانت الفتاة الصغيرة تستوقفه – عليه الصلاة والسلام – وتكلمه، فيجيبها، وتأخذ بيده فينقاد لها، وتذهب به لحاجتها أي مكان كان قريباً أو بعيداً.

قال أبو هريرة رضي الله عنه: صدقتَ يا أنس، فقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ما من نبي بعثه الله إلا رعى الغنم ).
قال أصحابه: وأنت يا رسول الله، هل رعيت الغنم مثلهم؟
قال دون حرج: ( نعم أرعاها بأجر زهيد لأهل مكة ).
قال أنس: ليس من المعيب أن يعمل الإنسان بأجر زهيد ومهنة بسيطة، إنما العار أن يمد يده يتكفف الناس وهو قادر على العمل.
قال أبو هريرة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية خطيرَها وحقيرَها فقد قال: ( لو أهدي إلي ذراعٌ أو كُراعٌ لقبلت )، والكراع ساق البقر أو الغنم لا لحم فيها.

قال أنس: ولقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقة تدعى "العضباء" كانت لا تُسبق أو لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابي بقَعودٍ "جمل" فسبقها فشق على المسلمين أن يسبق جملُ الأعرابي ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظهر الغضب على وجوههم، فما كان منه عليه الصلاة والسلام – لحسن خلقه وشدة تواضعه - وليذهب غضبهم – إلا أن قال: ( حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلّا وضعه ). وهذه سنة الله في خلقه.
قال أبو هريرة: وفي قوله هذا صلى الله عليه وسلم تنبيه إلى عدم المباهاة وترك المفاخرة وإلى هوان الدنيا على الله، وأنها ناقصة لا ينبغي الاهتمام بها والركون إليها.

قال الأسود بن يزيد: ومِن تواضعه عليه الصلاة والسلام ما قالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألها أحدهم: ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته؟
قالت: كان في خدمة أهله يُفَلّي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويعلف ناقته، وينظف البيت، ويأكل مع الخادم لا يتكبر عليها، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السوق .. وإذا أراد أحدهم أن يحمل عنه قال: ( صاحب الحاجة أحق بحملها
وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخير خلقه، أفلا نتخذه أسوة وقدوة فنفعل ما يفعل؟

وهنا قال رفاعة بنُ تميم بن أسيد: تعلمون أنني رجل من الأعراب الذين إذا رأوا رأياً، أو بدا لهم بداء قالوه دون أن يستأذنوا، ولو كان الموقف غير مناسب يتطلب الأناة والانتظار، فقد وصلتُ المدينة المنورة يوم الجمعة ظهراً، ودخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب، ولم أكن أعرف خطأ الحديث والإمام يخطب، لقد كان المسلمون جميعاً سكوتاً كأن على رؤوسهم الطير ينصتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فناديت من وراء: يا رسول الله، أنا رجل غريب جاء إليك يعلن إيمانه بهذا الدين الجديد، لا يعرف كيف يدخل الإسلام، ولا أركان الإيمان، ولا يدري شيئاً من أصول هذا الدين سوى أنه كره الكفر ورغب في ملّة التوحيد والدين الحنيف. قلت هذا بصوت عال بملء فمي، فالتفت الناس إليّ وتعجبوا مما فعلت وظهر على أغلبهم الضيق والتأفف..

أتدرون ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ بأبي وأمي يا رسول الله ما أحلمك وما أعظمك، لقد ترك خطبته، وأقبل إليّ، فلما أصبح أمامي توقف وأشار إلى بعضهم فجاء بكرسي فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله، فكان كلامه حِكماً، ونطقه عظاتٍ، ونظرته بلسماً لنفسي وروحي، ثم عطف إلى منبره صلى الله عليه وسلم فأتم خطبته، وكأن شيئاً لم يكن.

اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك، وملائكتك والناس جميعاً أنني أحبه وأرجو شفاعته يوم ألقاك، فاكتبني من عبادك الصالحين المحبين.. اللهم آمين.

رياض الصالحين: باب التواضع

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2014-07-30, 10:48 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,458 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 66
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : آل البيت والصحابة محبة وقرابة
افتراضي سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي

سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ )

الدكتور عثمان قدري مكانسي



قال التلميذ لشيخه: ذكرت لنا – يا أستاذنا الجليل – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرّ عليه الأيام الكثيرة لا يوقد في بيته نار يَطبخ فيها طعامه، وأنه كثيراً ما كان يعصب بطنه بحجر كي يسكن جوعه، أفهذه عن قلة المال؟ أم عن اهتمامات أولية يصرف إليها المال قبل توجيهه قِبَل الطعام؟
قال الشيخ: بارك الله فيك، إن سؤالك ينم عن ذكاء وبصيرة، فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً وصحابته الكرام، وتركوا أموالهم ودورهم في مكة فراراً بدينهم، وحين قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وبين الأنصار، فقسم هؤلاء بينهم أموالهم، ولم يكن الأنصار أغنياء، وكان جلُّ اهتمام المجتمع المسلم بناءَ المجتمع الإسلامي في المدينة، وحمايتَه من بحر الكفر الذي يحيط بهم، ويتربص بهم الدوائر، فانطلقت منها السرايا والغزوات لتحقيق ذلك، وهذا كلفهم وقتهم، وأموالهم، فعاشوا سنوات طويلة في عسر وفقر.
قال التلميذ: صدقت يا أستاذي، فقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهوديّ
قال الشيخ: وكان المسلمون إذ ذاك يرون ضمن توجيهات قائدهم ومربيهم، أن على المسلم التخفيفَ من الطعام ليبقى الجسم خفيف الحركة، فقال صلى الله عليه وسلم :
( بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه )، وأكد على هذا حين قال:
( طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية
أما الإكثارُ من الطعام وتعدُّدُ الأصناف فيدل على الركون إلى الدنيا والانغماس في ملذاتها.. والبعد عن الجهاد والإعداد له.
قال التلميذ: نعم، لا يجتمع في قلب رجل حب الدنيا وحب الآخرة. والجهادُ مشقة ينأى عنها راغب الدنيا المتثاقل إليها.
وتابع الشيخ: وعلى الرغم من قلة الزاد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يملك الكثير من السلاح الذي يرهب عدو الله وعدونا، فقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده تسعة أسياف، وسبعة أرماح، وثلاث دروع وخوذتان ومغفران (والمغفر غطاء الوجه) وقوسان ونبّالة، وهكذا يكون المسلم الذي يريد أن ينشر الإسلام في بقاع الدنيا، ويحافظ على مكانة أمته تحت الشمس، وفي مقدمة الركب، دون أن يُكره الناس على الإسلام، إنما ليمنع الأعداء أن يستخِفّوا بنا، لقد تركنا الجهاد فتداعت علينا الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، وهانت علينا أنفسنا فهُنَّا على الآخرين.
قال التلميذ: لعلك يا سيدي تريد أن تصور لي بعد هذه الإضاءة حب المسلمين بعضِهم بعضاً؟
قال الشيخ: أجل يا بني، إن الأشعريين وهم قبيلة من اليمن أفرادُها متحابون متكاتفون إذا خرجوا للغزو ففني زادهم أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة تنادوا، فجمعوا ما كان عندهم من طعام في ثوب واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم بالسوية، أفرأيت إيثاراً كهذا الإيثار؟
قال التلميذ: لا والله، فهذه قمة التوادِّ والتراحم والتكافل.
قال الشيخ: ولهذا أحبهم النبي صلى الله عليه وسلم ومدحهم فقال: ( فهم مني وأنا منهم ).
قال التلميذ: يا سبحان الله ما أعظم هؤلاء وأكرمَهم، إن مجتمعهم لفاضلٌ، وإن حياتهم لسعيدة، أهناك صورة أخرى للإيثار يا شيخي الجليل؟
قال الشيخ: أعِرْني سمعك وقلبك وأقبل علي بكليّتك.
قال التلميذ: سمعاً وطاعة ها أنا بين يديك، مقبل عليك.

قال الشيخ: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده بين أصحابه يفقههم في الدين ويبث فيهم الإيثار وبناء المجتمع الفاضل فيقول:
(من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) ويوضح الآثار الإيجابية لهذا الخلق الفاضل، ويدخل رجل، فيدنو منه صلى الله عليه وسلم ويخاطبه في خجل تلمحه من نبرته فيقول: يا رسول الله إني مجهود أصابتني فاقة ولزمني الفقر وسوء العيش.
فينظر إليه الكريم الرحيم ويبتسم ويقول له بلسان الحال لا المقال: أبشر فستجد الطعام والمأوى إن شاء الله، ثم يلتفت إلى انس قائلاً:
( يا أنس؛ قم إلى بيت أم المؤمنين عائشة، فالتمس لهذا الرجل طعاماً أو تمراً )
فيقوم أنس مسرعاً إلى بيتها ويسألها ما عندها فتقول: لا والذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق ما عندي إلا الماء.
فيعود أنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله ما وجدت عندها إلا الماء، فهي إذاً بحاجة إلى الذي يحتاجه هذا الرجل!! زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأحب نسائه إليه، وابنة صاحبه وحبيبه الصدَّيق، لا تجد في بيتها إلا الماء؟! يا ويح المسلمين الآن! إن بيوتهم مليئة بأطايب الطعام، ولذائذ الشراب وأصناف المأكولات، لكن قلوبهم سوداء خالية من الإيمان، وعقولهم لا تعرف التفكير إلا في توافه الأمور، يسهرون فيما يغضب المولى وينامون على اللهو، ويَغُطون في مستنقعات الغفلة، وينحدرون في متاهات الضلال.
ويرسل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه كلهن على التتابع يسألهن قِرى هذا الضيف الجائع التعب، فيجبنه بما أجابته الأولى: لا والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء! إلا الماء!
وليس يجد بداً من الاستعانة بأصحابه هؤلاء الذين خلفوا الجاهلية وراء ظهورهم، ولازموه ليرتفع بهم إلى سماء الخير والبر، فيقول:
( من يَضيفُ الرجل هذه الليلة؟)
فيقوم رجل من الأنصار – رضي الله عن الأنصار، فقد كانوا قادة الإسلام وحماته – فيقول: أنا يا رسول الله، إنه ضيفي، وسترى ما تَقرُّ به عينُك، ويستأذن هذا الصحابي الجليل رسول الله، فيأذن له، وينطلق بضيفه إلى بيته، حتى إذا وصل قال لزوجته: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإكرامه من إكرامه، وضيف العزيز عزيز.
قالت المرأة: أهلاً وسهلاً ومرحباً..
قال الرجل هامساً: هل عندك شيء نقدّمه له؟
قالت المرأة: لا إلّا قوت صبياني.
قال: أو لم يتعشوا الليلة؟
قالت: بلى ولكنهم اعتادوا أن ينالوا شيئاً قبل النوم.
قال: فعلليهم هذه الليلة بشيء، وإذا أرادوا شيئاً فنوميهم، لا يضيّقوا على الضيف.
قالت: أفعل إن شاء الله تعالى.
وشاغل الأنصاري ضيفَه بأنواع الحديث حتى نام الأولاد فقامت المرأة إلى الطعام وكان قليلاً لا يكفي سوى الرجل؛ ولكن كيف له أن يستسيغ الطعام – على جوعه – وهو قليل؟!، وأنّى له أن يقبل عليه وصاحب الدار لا يمد إليه يده؟!
وتفتقت للأنصاري فكرة رائعة إذا نفذها زال الحرج، وأكل الضيف وشبع.. ما الذي فكر فيه يا ترى؟!
لقد قال لزوجته: إذا وضعْتِ الطعام ودخل الضيف فأطفئي السراج، وكأن زيته قد نفد ونمد في الظلام أيدينا إلى الطعام نوهمه أننا نأكل، فيقبل عليه.
وهكذا فعلتْ، وجلس الضيف، وتصنَّع الرجل وزوجته صنيع الآكلين، مِنْ مدِّ يدٍ وتحريك فم ومضغٍ، فأكل الرجل حتى شبع، وبات الزوجان خاويين جائعين لم يأكلا.
فلما أصبح الصباح غدا الأنصاري بضيفه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآهما تبسم صلى الله عليه وسلم وقال له:
( لقد علم الله – وهو العليم الخبير – ما صنعتما بضيفكما الليلة، ورضي بما فعلتما وأثابكما عليه الثواب الجزيل ).

قال التلميذ لشيخه: ما أعظم هؤلاء الرجال وما أعظم نفوسَهم وما أشد كرمهم.
قال الشيخ: إنهم تعلموا ذلك من سيدهم وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ضرب لهم في الإيثار والكرم أروع الأمثلة فتشربوها وعملوا بها.
قال التلميذ: أفلا قصصت عليّ واحدة يا سيدي؟
قال الشيخ: حبّا وكرامةً يا بني..

فقد جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بثوب جميل مخطط نسجته بإتقان، وخاطته ببراعة، فقالت: يا رسول الله، هذا الثوب هديتي إليك، فقد والله سهرت الليالي وأمضيت الأيام في صنعه ليكون هدية تليق بك يا رسول الله.
فقال: ( جزاك الله عن نبيه خيراً، إنه وايم الله ثوب جميل، وهدية غالية أحتاجها
ودخل إلى بيته فلبس هذا الثوب وخرج به على أصحابه، فنال استحسانهم، وقال أحدهم: ما أحسن هذا الثوب يا رسول الله اكسُنيه.
فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بينهم قليلاً ثم عاد إلى بيته فخلع الثوب وطواه، ثم أرسل به إلى الذي طلبه.
فقال له القوم مؤنبين: كيف تطلب ثوباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لبسه محتاجاً إليه؟ وكيف تطيب نفسك به فتأخذه وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلاً؟
شعر الرجل بأنه أخطأ حين سارع إلى استهداء الثوب، ولكنه اعتذر قائلاً: والله لم أطلبه لألبسه ولكنه حين لامس جسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت أنه ثوب مبارك رجوت أن يكون لي كفناً.. ...ومات الرجل وكفنوه به. .

رياض الصالحين: باب الإيثار والمساواة

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مكانسي, الصحابة, سلسلة, عثمان, قصص

سلسلة قصص رواها الصحابة /د. عثمان قدري مكانسي


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
فرج إلهي عن حلب / د.عثمان قدري مكانسي
أمر بني قينقاع /د. عثمان قدري مكانسي
سلسلة أولو الألباب / الدكتور عثمان قدري مكانسي
سلسلة إنه ـ سبحانه ـ ينادينا/د.عثمان قدري مكانسي
{ وَأَعِدُّواْ } / د. عثمان قدري مكانسي


الساعة الآن 06:47 PM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML