آخر 10 مشاركات
سلسلة لطائف قرآنية           »          هل ثبتت أحاديث في المهدي وما هي - الشيخ مقبل بن هادي الوادعي           »          مـــلامـــــح الخـيـانـــــة           »          من أجمل ابيات الغزل           »          الناس كثير والتّقيّ منهم قليل           »          تواضع العلماء           »          عدد الأحاديث إذا جُمعت من الكتب كلها - الشيخ مقبل بن هادي الوادعي           »          ركاكة استعمال (بالتّالي) في الكلام           »          الواجب تجاه النعم           »          معركة حارم


منتديات أهل السنة في العراق
العودة  

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2014-02-08, 12:56 AM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
Ss70013 تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري [تم بحمد الله]

الأكاديمية الإسلامية المفتوحة
الدورة العلمية الأولى لعام 1433 هـ

شرح متن الورقات لمعالي الدكتور/ سعد الشثري
تفريغ الدرس (1)


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فأرحب بكم, وأهلًا وسهلًا في هذا اللقاء الأول من لقاءات الدورة العلمية الأولى, نتباحث فيها بإذن الله -عز وجل- مباحث من علم أصول الفقه من خلال كتاب الورقات للعلامة الجويني.

ما هو علم أصول الفقه؟ ما الفرق بين علم أصول الفقه وعلم الفقه؟
علم الفقه: يُراد به العلم بأحكام العباد العملية, ما حكم صلاتك, ما حكم زكاتك, ما حكم حجك, ما حكم البيع, ما حكم عقد النكاح, ما أحاكم الجنايات, ما أحكام القضاء. هذه أحكام عملية, تُبحَث أين؟ في علم الفقه.
بينما علم أصول الفقه يُبحَث فيه ثلاثة أشياء, أو أربعة أمور:
الأمر الأول: ما هي الأدلة؟ وما الذي يصح أن نستدل به؟ وما الذي لا يصح أن نستدل به؟
لو ذكرتُ لك قصة وحكاية حصلت في إحدى الدول, فأخذت منها حكمًا شرعيًا؛ هل يصح الاستدلال بالقصص والحاكيات أو لا يصح؟ أين تُبحَث هذه المسألة؟ في علم أصول الفقه.
المنامات, أقوال التابعين وأفعالهم, الكرامات التي حصلت لبعض علماء الأمة أو أوليائها, هل يصح الاستدلال به أو لا يصح؟ هذا نبحثه في علم الأصول.
هناك مباحث من علم الكتاب, من السنة, ما هي شروط الاستدلال؟ هذه تُبحَث في هذا العلم, علم أصول الفقه.
كذلك كيف نفهم الكتاب والسنة؟ يسمونها: قواعد الاستنباط, وكيف نأخذ الأحكام من الأدلة؟
إذا قال الله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6], {اغسلوا} هنا فعل أمر.
الأمر ماذا يفيد؟ الوجوب؟
أين نبحث هذه القاعدة؟ نبحثها في هذا العلم, علم أصول الفقه, قاعدة "الأمر يفيد الوجوب".
إذن القسم الثاني من أقسام هذا العلم: ما يتعلق بقواعد الفهم والاستنباط.
كذلك في علم الأصول نبحث الاجتهاد والتقليد, مَن هو العالم الذي يستخرج الأحكام من الأدلة؟ ومَن هو الذي لا يجوز له أن يستخرج الأحكام من الأدلة ويجب عليه أن يرجع إلى علماء الشريعة؟ هذا نبحثه في هذا العلم.
إذن علم الأصول: قواعد نستخرج بواسطها الأحكام الشرعية من الأدلة بمثابة الآلية التي تمكِّن الإنسان من استخراج الأحكام من الأدلة.
هذا العلم -علم الأصول- هو الذي يُنتج لنا علماء يطبقون الأدلة الشرعية على الأحكام.

ما هي فائدة تعلم علم الأصول؟ اكتبوا فوائد تعلم علم الأصول.
الفائدة الأولى: فهم الكتاب والسنة. إذا عرفت قواعد الاستنباط تتمكن من فهم القرآن, وفهم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-, إذا جاءك لفظ, هل هو لفظ عام أو لفظ خاص, كيف نفهم؟ وكيف نعرف أنه لفظ خاص أو عام؟ نعرفه من خلال قواعد علم الأصول.
الأمر الثاني: معرفة أن هذه الشريعة لا تتناقض, لأن فيه مرات يأتي أدلة تُشكِل على أفهام بعض الناس فيظنون أنها متعارضة متناقضة, لكن إذا فهمت الدليل فهمًا صحيحًا تبيَّن لك أن هذا الدليل الأول في محل, وأن الدليل الثاني في محل آخر. ومن ثمَّ تعرف أن الشريعة لا يوجد فيها تناقض ولا تعارض.
الفائدة الثالثة من فوائد تعلم علم الأصول: فهم المصطلحات العلمية. نحن نقرأ في كتب السنة, في شروح السنة, في كتب تفسير القرآن مصطلحات, لا نفهم هذه المصطلحات إلا بتفسيرها الذي يكون في هذا العلم -علم الأصول-
تجد مرات بعض العلماء يقولون: هذه الآية تدل بطريق التنبيه على كذا, ومرات مثلًا يقولون: تحقيق مناط المسألة كذا, تحرير محل النزاع كذا. ما معنى هذه الألفاظ وما هي دلالتها؟
مرات يقول: هذا حكم واجب, حكم هذه المسألة الوجوب, ما هو الوجوب؟ وما هي الآثار المترتبة عليه؟ تعرفونها في هذا العلم.
يأتيك ويقول: هذه سنة آحادية. ما معنى "سنة آحادية".
والإجماع السكوتي, قياس عكس, هذه نجده في كتب التفسير, في كتب شروح الحديث, إذا لم تعرف هذه المصطلحات لن تفهم الكتب العلمية في أي فن شرعي.
الفائدة الرابعة: أن معرفة هذا العلم يؤهلك لاستخراج الأحكام من الأدلة بحيث تستخرج الحكم من القرآن, من السنة, أي مسألة تعرض لك تقوم باستخرج حكمها من الكتاب والسنة.
علم الأصول أيضا يفيد في فهم كلام الناس, مثلًا: إذا كان عند جدك وصية, كتب وصيةً, كيف نفهم هذه الوصية من القواعد الأصولية؟ هناك قواعد لتفسير الألفاظ.
الوقف الذي عندكم, هناك صك للوقفية, كيف نفهم هذا الصك؟ صكوك الاختلاف وصكوك الحكم والقضاء نعرفها من قواعد هذا العلم.
في أزمنتنا هذه هناك حوادث جديدة تحدث, هذه الجوالات جاءت, هذه وسائل التواصل الاجتماعي لا تحتاج إلى أحكام جديدة في جزئياتها, كيف نعرف هذه الأحكام؟ نعرفها من خلال تطبيق القواعد الأصولية على الكتاب والسنة, بواسطة هذا العلم يترقى الإنسان إلى درجة الاجتهاد ويصبح من علماء الشريعة.
كذلك من فوائد تعلم علم الأصول: أن نعرف أن اجتهادات العلماء ليست أمور اعتباطية أو جاءت جزافًا, لا, اجتهادات الأئمة السابقين مبنية على قواعد وعلى أصول, حتى اختلافاتهم, الاختلافات التي بينهم لم تأتِ اعتباطًا مجرد ذهن فقط؛ لا, جاء بناء على قواعد, هذا يرى قاعدة وهذا لا يراها.
مثال ذلك: مفهوم المخالفة, علماء الحنفية لا يرون حجيته, والجمهور يرون أن مفهوم المخالفة حجة شرعية يُستدل بها, ومن ثَمَّ قد يقول الجمهور بحكم بناءً على مفهوم المخالفة, وفقهاء الحنفية لا يقولون به.
مثال ذلك: عند جمهور علماء الشريعة أنه لا بد من السلام في الصلاة, فالسلام في آخر الصلاة من الواجبات, من أركان الصلاة, لماذا؟ قالوا: لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن الصلاة «وتحليلها السلام», قالوا: "تحليل" مبتدأ معرفة, لأنه نكرة إذا أُضيفت إلى معرفة, والمبتدأ المُعرَّف ينحصر في الخبر, وبالتالي لا يمكن أن تنهي الصلاة إلا بالسلام.
طيب.. عند الحنفية يقولون: هذا حصر, والحصر من مفهوم المخالفة, وهم لا يرون حجية مفهوم المخالفة, ومن ثَمَّ قالوا: بأن التسليم ليس شرطًا, وليس ركنًا في الصلاة, وأن الإنسان يتمكن من إنهاء الصلاء بأي فعل يختاره.

طيب.. ننتقل إلى طرائق العلماء في التأليف في علم الأصول.
هناك طريقة الحنفية, بأن جعلوا القواعد الأصولية مأخوذة من فروع أئمتهم, ولهم مصطلحات يستقلون بها ويخالفون بها الجمهور.
والطريقة الثانية: طريقة الجمهور: بأن يأخذوا القواعد من أثولها وأدلتها, ولا يلتفتون إلا للفروع إلا على جهة التفريع والتطبيق, ولذلك لهم أصول مستقلة لهم.
من أمثلة ذلك: عند الجمهور يقسمون الواجب إلى واجب موسَّع وواجب مضيق.
الواجب الموسع: الذي لا يتسع الوقت فيه لفعل الواجب إلا لمرة واحدة, مثل الصوم, كم يمكن أن تصوم في اليوم الواحد من مرة؟ عشر مرات؟ مرة واحدة. بخلاف الصلاة, فصلاة الظهر وقتها طويل, تتمكن من أداء صلاة الظهر في مرات متعددة.
الأول يسمى واجب مضيق, لأنك لا تتمكن من فعله إلا مرة واحدة.
والثاني: واجب موسع.
الحنفية يقولون: هذا ظرف وهذا معيار, ما يقولون واجب موسع وواجب مضيق.
إذن الاختلاف هنا اختلاف ي الاصطلاحات, ولا يترتب عليه ثمرة, ولذلك هؤلاء لهم مصطلحات, الحنفية والجمهور لهم مصطلحات أخرى.

علم الأصول موجود في النصوص الشرعية كتابًا وسنة.
مثال ذلك: قاعدة "الأمر بالوجوب" مأخوذ من قوله -عز وجل- {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63], وهو مأخوذ من لغة العرب, لأن العرب يفهمون من صيغ الأمر أنها للإلزام والإيجاب.
بعد ذلك, كان الصحابة يعرفون هذه القواعد, علماء الشريعة يعرفونها, لما دخلت العجمة على الناس خفيت عليهم بعض هذه القواعد, ومن ثمَّ احتاجوا إلى التأليف ووضع مؤلفات لضبط هذه القواعد.
وكان من أوائل مَن ألَّف الإمام الشافعي, متى توفي الإمام الشافعي؟ سنة 204 أو خمسة.
طيب.. ثم بعد ذلك وجدت مؤلفات كثيرة. من المؤلفات التي ألِّفت: كتاب الورقات, وقد نُسبَ إلى الجويني, والجويني من علماء الأصول الذين لهم باع عظيم في العلم, وله مؤلفات كثيرة, منها كتاب التلخيص, كتاب التقريب والإرشاد, كتاب البرهان, إلى غير ذلك من الكتب.
كتاب الورقات هذا من الكتب التي اهتم بها العلماء, واعتبروها مبدأ لهذا العلم من أزمنة متعددة, ولذك أُلِّف على هذا الكتاب -كتاب الورقات- شروح عديدة كثيرة من العصور الأولى, أكثر من ألف شرح, من أواخرها شرحنا, شرح الورقات في أصول الفقه, وهو شرح لطيف, ونأخذ منه بعض الفوائد.
علم الأصول, هناك دعايات لبعض الناس يحاولون تزهيد الطلاب في دراسة علم الأصول, لماذا؟ نأخذ بعض هذه الدعايات المغرضة تجاه علم الأصول.
الدعاية الأولى: قالوا: علم الأصول علم مبتدع, علم فيه مؤلفون ليست عقائدهم صافية, علم أهل البدع.
طيب.. نقول: مَن أول مَن ألف في هذا العلم؟ الإمام الشافعي. ما عقيدته؟ سني سلفي, إمام من أئمة السنة, هل يمكن نصفه ببدعة؟
إذن هو الأصل, غاية هذا العلم بيد هذا الإمام, وهذا العلم مأخوذ من القرآن والسنة, مأخوذ من لغة العرب التي نزل بها, جاء القرآن والسنة بها, فحينئذ هل يمكن أن نتهم هذه القواعد المأخوذة من الكتاب والسنة أنها قواعد ابتداع أو قواعد مبتدعة؟
طيب.. كون بعض المبتدعة ألَّف في هذا العلم لا يعني أن هذا العلم علم بدعي, وجد هناك من المبتدعة من ألف في تفسير القرآن, هل يكون تفسير القرآن علم بدعي؟!!
وجد في شرح الأحاديث من كتب فيها وهو من أهل البدع, نقول: هذه علوم بدعة؟!!
إذن هذه الدعاية غير مقبولة.
طيب.. يأتينا بعض الناس ويقول: علم الأصول مبني على علم الكلام.
علم الكلام, ما هو علم الكلام؟

علم الكلام يُطلق على معنيين:

الأول: علم العقيدة.
والثاني: بناء المعتقد على القواعد المأخوذة من الأمم الأخرى, من اليونايين وغيرهم.
إذن هذه قواعد, عقائد, ليس هذا العلم هو نفس ذلك العلم, هذا علم مغاير, علم الأصول.
يقول بعض الناس: هذا العلم علم ليس فيه شيء جديد؛ بل هو علم مأخوذ من بقية العلوم, بعضهم يقول: من لغة العرب وقواعد النحو, وبعضه مأخوذ من البلاغة, وبعضه مأخوذ من المصطلح, ثم يزهدون الناس في مثل هذه الدعايات.

فنقول: نظرة الأصولي تخالف نظرة أولئك, لأن الأصولي ينظر في هذه القواعد, بين عينيه أخذ الأحكام الشرعية من الأدلة.
عندما نتكلم عن الحقيقة والمجاز, بحثنا فيها نحن يا أهل الأصول يغاير بحث أهل البلاغة, أهل البلاغة لهم مقاصد, إثبات بلاغة الكلام, بينما نحن نبحث في الحقيقة والمجاز من أجل التمهيد لاستخراج الأحكام من الأدلة.

بعضهم يقول: هذا العلم مبني على علم المنطقو وقد زهد العلماء في علم المنطق.
ونقول: علم المنطق فيه مصطلحات يستفيد منها الباحث في أي علم, وقد يُراد به قواعد يستخرج بها معرفة الأشياء مجردة, أو معرفة النسبة بينها, وهذه القواعد ليست جزءًا من علم الأصول.
بعض الناس يقول: علم الأصول هذا علم صعب, وعلم معقد, وكلام الأصوليين غير سهل الفهم, ولا يتبين المراد به إلا بعد تمحيص وتدقيق وتقليب نظر, ونحتاج فيه إلى أزمان طويلة حتى نفهمه, وبالتالي نبحث في العلوم الأخرى التي ليس فيها هذه الصعوبة.
فنقول: الصعوبة هذه في مؤلفات متأخرة, ليست الصعوبة في القرآن ولا السنة, ولا في مؤلفات المتقدمة, وإنما من أجل الاختصار أصبح فيه نوع صعوبة, وبالتالي لا يصح ان نقدح في العلم كله من أجل بعض المؤلفات الموجودة في هذا العلم. فإذا كان بعض الكتب فيها صعوبة فتوجه إلى كتب أخرى ليس فيها صعوبة.

طيب.. قدرنا أن هذا علم صعب, لكنه مهم ومفيد -كما تقدم- وبالتالي لا بد أن ندرسه حتى ولو كان صعبًا؛ بل العلم الصعب أولى بالعناية من العلم السهل, لأن هذا العلم الصعب تحتاج إلى فهمه ومعرفته بخلاف العلم السهل فيكفي منه الوقت اليسير؛ بل العلم الصعب تحتاج فيه إلى معلم, ومن ثَمَّ لا بد تأتي إلى مثل هذه الحلقات وتضع ركبتك برُكَب أهل العلم حتى تعرف هذا العلم, بخلاف العلم السهل المبني على هذا العلم.

هذا العلم لا يمكن أن تعرفه إلا بدراسته, لكن المسائل الفقهية إذا عرفت الأصول -علم القواعد الأصولية- وعرفت الأدلة الشرعية يمكن أن تستخرج الأحكام من الأدلة بواسطة هذه القواعد, ومن ثَمَّ لا تحتاج إلى قراءة كتب كثيرة في المسائل الفقهية, لأن هذا العلم بمثابة القاعدة التي تؤسس عليها.

علم الأصول وعلم الفقه مثل علم الطب والصيدلة, الصيدلي عنده أدوية لكنه ما يعرف ما هو الدواء المناسب لهذا المريض, بخلاف الطبيب يعرف الدواء المناسب, لكن قد يكون الدواء غير موجود عنده, لكنه يرشده إليه, وبالتالي إذا جاء الطبيب للصيدلية يتمكن من استخراج الدواء المناسب للمريض بخلاف الصيدلي إذا جاء لعيادة ليتمكن من كتاب وصفة للمريض. هكذا بالنسبة لعلم الأصول والفقه.
لعلنا نقرأ هذا الكتاب, وابتدأ المؤلف بحمد الله -عز وجل- والصلاة والسلام على نبيه, قال:
(وبعد:
هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه).
واضح المقدمة التي تقدمنا بها؟

الآن يبدأ المؤلف في تعريف كلمة "أصول الفقه".
كلمة "أصول الفقه" مبنية من كلمتين: "أصول" و"فقه".
"أصول" ما معناها؟ الأصل في اللغة: الأساس, يُقال: أصول البنيان أساسه, نقول: "فلان ما له أصل ولا فصل". ما معنى "أصل"؟ ليس له أباء لهم شرف وعمل طيب.
"ولا فصل" ما معناها؟ ليس له لسان فصيح يتكلم به, هذا معنى قولهم "لا أصل له ولا فصل", هذا معنى "أصل" في اللغة.
و"الأصل" في اصطلاح العلماء: مرة يُطلق على القواعد, ومرة يُطلق على الأدلة, ومرة يُراد بكلمة "الأصل" ما يُقاس عليه, وهناك إطلاقات أخرى لـ"الأصل" في الاصطلاح.
أما "الفقه" فيُراد به, "الفقه" في اللغة: الفهم الدقيق, ولذلك قال الله -عز وجل-, قال الله -جل وعلا- مبينًا {وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء: 44], يعني لا تفهمونه ولا تعرفونه, في تسبح الحيوانات.
إذا تقرر هذا, فالفقه في الاصطلاح يُراد به عدد من المعاني:
المعنى الأول: أن يُراد بالفقه: جميع أحكام الدين, يُقال لها فقه, ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «من يرد الله به خير يفقهه في الدين», ما معنى يفقه في الدين؟ العلم في جميع الفنون, ليس في العلم الاصطلاحي, الفقه الاصطلاحي فقط, ما يأتينا واحد يقول: هذا الحديث لا يُراد به علم السنة, أو لا يراد به علم تفسير القرآن! لا؛ هذا يشمل الجميع.
ومنه قوله -عز وجل- {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} [التوبة: 122], ما معنى {لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ}؟ هل هو علم الفقه بحسب الاصطلاح المتأخر؟ نقول: لا, جميع أحكام الشريعة, يدخل فيه تفسير القرآن, يدخل فيه علم السنة, يدخل فيه القواعد الأصولية, وهذا هو المراد, لما قالوا: أصول الفقه, ليس المراد به العلم الخاص, بينما المراد بأصول الفقه: أي أدلة الشريعة ويشمل جميع العلوم.

ولذلك من قواعد علم الأصول ما نستفيد منه في العقائد, وما نستفيد منه في تفسير القرآن, وفي الحكم على الأحاديث, وفي شرح سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-, وفي معرفة أحكام النوازل والوقائع الفقهية, وغير ذلك.
قد يُراد بكلمة الفقه معرفة الأحكام العملية, سواء كانت قطعية أو كانت ظنية.
وقد يُراد بالفقه: القدرة على فهم الأحكام, يعني يمونها "المَلَكَة" التي توجد عند الإنسان, ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «تجدون خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا», يعني إذا كان عندهم ملكة يتمكنون بها من استخراج الأحكام من الأدلة.

جاء المؤلف بتعريف الأصل فقال: (ما ينبنى عليه غيره).
هذا أحد التعريفات اللغوية لكمة "الأصل", وإن كان بعضهم لا يرتضي هذا التعريف, يقول: السقف مبني على الجدار, ومع ذلك, لا يقال: الجدار أصل للسقف, مع أن الجدار يُبنى عليه غيره.
الأصل: ما يبنى عليه غيره.

قال: (والفرع ما يبنى على غيره).

قلنا: أن الصواب أن الأصل: هو في اللغة: الأساس.
ثم عرف الفقه بحسب الاصطلاح المتأخر, ولم يعرفه بحسب الاصطلاح الشرعي,

فقال: (الفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ).
هذا التعريف للجويني -رحمه الله- يستقل به عن أكثر علماء الشريعة, حيث قصر الفقه على الأحكام الاجتهادية فقط, بينما أكثر علماء الشريعة يرون أن الفقه يشمل الأحكام العملية, ولذلك أي كتاب فقهي تجده في مؤلف الفقه, تجد فيه أحكام قطعية, يذكرون وجوب الصلاة, وجوب الصلاة اجتهادي أم قطعي؟ قطعي, ومع ذلك يذكرونه في علم الفقه.
ومن ثمَّ قوله (التي طرقها الاجتهاد) فيه ما فيه.

طيب.. قال المؤلف: (أنواع الأحكام الشرعية).
الحكم في لغة العرب: يراد به المنع, ومن هنا يقال للحبس قد يسمونه حكم, يعني يحبس ويمنع من دخل فيه من الخروج.
والحكم في الاصطلاح العام: إثبات أمر لآخر, إذا قلت: أنتم جالسون, نسبت الجلوس إليكم فهذا يسمى حكمًا.
طيب.. أنتم غير فاهمين, هذا حكم أم ليس بحكم؟ لماذا؟ ارفع الصوت.. أو غير مقتنعين به!
مقتنعون بأنكم غير فاهمين, طيب فهمتم ما ذكرنا سابقًا أم لم تفهموا؟!! واضح؟
طيب.. الحكم إذن: إثبات أمر لآخر أو نفيه عنه, عندما تقول: فلان طويل. عندما تقول: فلاتن صادق, هذا حكم.
طيب.. في الاصطلاح الأصوليين يُراد بالحكم: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع, سجلوه.

تعريف الحكم الشريع: هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
حتى نفسره كلمة واحدة, كلمة كلمة.
خطاب: معروف كلمة خطاب, يلزم على ذلك أن يكون هناك مُخاطِب, وهو الله -جل وعلا-, وأن يكون هناك مُخاطَب يتوجه إليه الخطاب وهو المكلَّف, أنتم مخاطَبون أم لا؟ إن كنتم عقلاء فأنتم مخاطَبون.
الشرط الثالث: لا بد أن يكون هذا الخطاب متعلق بأفعال المكلفين, قصص الأنبياء وما ذكر من خلق الله -عز وجل- للكون, هذا لا يسمى حكم شرعيًا.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1], هذا من صفات الله -عز وجل-, ليس من أفعال المكلفين, ومن ثَمَّ لا يسمى حكمًا شرعيًا, هذا حكم معتقد.

طيب.. لا بد أن يكون هذا الفعل من أفعال المكلفين, أفعال الحيونات لا تدخل معنا, أفعال المجانين لا تدخل معنا, أفعال الصبيان لا تدخل معنا, ليست من الأحكام الشرعية؛ لكن ما يتعلق بالمكلف كما لو كان للمجنون ولي يجب عليه القيام على شئون المجنون, يجب عليه ضمان ما أتلفه المجنون من مال المجنون, هذا تعلق بفعل ولي, والولي حينئذ من المكلفين.

قال: (بالاقتضاء).

الاقتضاء المراد به: الطلب: كلمة "الاقتضاء" الطلب, سواء طلب فعل أو طلب ترك.
{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الإنفطار: 13], حكم شرعي؟
خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين, أليس مكلفين الأبرار؟ إذن هو حكم شرعي لكن ليس بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع, وبالتالي لا يكون من الأحكام الشرعية.
إذن الخلاصة: أن الحكم الشرعي عند الأصوليين: هو ذات خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.

الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين:
- أحكام تكليفية: وهي التي فيها الطلب.
- وأحكام وضعية: وهي التي فيها ربط حكم بآخر.
مثال ذلك: قال الله -عز وجل- {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78], {أقم} هذا طلب, هذا حكم تكليفي.
{لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} هنا جعلنا دلوك الشمس وهو زوال الشمس وانتقالها من وسط السماء إلى جهة المغرب, هذا يسمى الزوال, الدلوك, هو سبب وجوب صلاة الظهر, فكون سببًا هذا يسمى حكم وضعي.

قال المؤلف: (والأحكام سبعة: ).
يعني قسَّم الأحكام الشرعية إلى سبعة أقسام:
القسم الأول: الواجب, مثاله..
{الصلاة}.
الصلاة! غلط. نقول ماذا؟ الصلوات الخمس, يعني الصلاة يشمل صلاة الليل, ويشمل السنن الرواتب, إذن إجابتك بـ"الصلاة" هذا ما يصح, فإذن نقول ماذا؟ الصلوات الخمس هي الواجبة متعينة.
وهناك مندوب, مثل ماذا؟ المندوب هو السنن, ما جئت بشيء جديد!
الصلوات الرواتب, صلوات السنن الرواتب, فهذا هو المندوب.
الثالث: المباح, وهو الذي يجوز فعله ويجوز تركه.
إذن الواجب لا بد من فعله, ومَن فعله فإنه يؤجر متى نوى التقرب لله -عز وجل-, ومتى تركه فإنه يستحق العقوبه ويأثم, مثل صيام شهر لرمضان لمن وجدت عنده شروط الصيام.
وأما المندوب: فإنه طلبه الشارع, لكن طلبه غير جازم, وبالتالي من فعله فإنه مأجور, ومن تركه فإنه لا يعاقب.
طيب.. القسم الثالث: المباح, وهو الذي يجوز فعله ويجوز تركه, ولا مدح ولا ذم لا في فعله ولا في تركه. أنا الآن جالس على الكرسي بهذه الطريقة, هذا الجلوس ما حكمه؟ مباح, ليس فيه طلب ولا.., طلب للفعل ولا طلب للترك, فيكون مباحًا.
ما حكم الذهاب؟ ما حكم الجلوس؟ كل هذه نقول: لا يوجد فيها طلب لا للفعل ولا للترك, فيكون مباحًا.
القسم الثالث: المحظور, وهو ما طلب الشارع تركه...
الحكم الرابع: ما طلب الشارع تركه على سبيل الإلزام, هذا المحظور, وبالتالي من فعله.., فمن فعله عالمًا به فإنه آثم يستحق العقوبة, ومن تركه تقربًا لله -عز وجل- فإنه يؤجر.
مثال ذلك: الزنا, مثال ذلك: النظر الحرام, من فعله فإنه يعاقب, من تركه, إن تركه لله فهو مأجور, تركه لغير الله لا يؤجر.
طيب.. القسم الخامس: المكروه, وهو ما نهى عنه الشارع نهيًا غير جازم, ففاعله تقربًا لله له أجر.
كان لازم يختلف اللفظ حتى تنتبهوا.
إذن: المكروه فاعله لا يأثم, وتاركه تقربًا لله يؤجر, من يمثل له؟
الشرب قائمًا, من تركه لله -عز وجل- فإنه يؤجر عليه, من فعله فإنه لا عقاب عليه ولا ثواب له.
مثال آخر..., موطن خلاف.

طيب.. قال المؤلف: (الحكم السادس: الصحيح).
ما هو الحكم السادس؟ الصحيح, الصحيح هو: الحكم الذي تترتب عليه آثاره, إذا كان هناك فعل تترتب عليه آثاره فغنه يعد صحيحًا.
مثال ذلك: ما هي الآثار الشرعية المترتبة على البيع؟ انتقال الملك بين البائع والمشتري في الثمن والمبيع, لو لم يحصل انتقال للبيع فهذا دليل على أن البيع لم يصح.
مثال ذلك: هذه العمالة الكبيرة التي بجوار المسجد بعتها على زميلك بثلاثمئة ريال, هذا البيع صحيح أم ليس بصحيح؟
هل يتقل الملك وتصبح مالكًا للعمارة؟ نقول: أصلًا البائع لم يملك العمارة, فمن ثمَّ هذا بيع فاسد, بيع باطل, ومن ثمَّ لا تترتب عليه آثاره فلا يتقل الملك, ولا يملك المشتري هذه العمارة.
إذن عرفنا أن الصحيح: هو ما يثمر الآثار المترتبة عليه.
وأن الباطل: ما لا يثمر الآثار المترتبة عليه.
هناك أحكام أخرى لم يذكرها المؤلف مثل: الشرط, الطهارة شرط للصلاة, لو صلى بدون طهارة.., لماذا؟ لأنه لم يوجد أحد الشروط وهو الطهارة.
وهناك: موانع, مثال ذلك: صلى وفي أثناء الصلاة قهقه ورفع صوته بالضحك عاليًا, نقول: تبطل صلاته, لماذا؟ وجد عنده مانع من موانع صحة الصلاة وهو القهقهة.
وهناك: سبب, مثل ما مثلنا قبل قليل بزوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر.
هناك أيضًا: أداء, وهو فعل العبادة في وقتها, لما صليت الظهر في وقتها, قيل هذا أداء.
وهناك إعادة: كما لو وجدت جماعة بعد ذلك فكررت الصلاة معهم, تسمى إعادة.
لو قُدر أنك لما خرج وقت الظهر تبين أنك لم تصلِّ وأنت على طهارة, نقول لك: أعِدْ الصلاة, إعادة الصلاة هذه إعادة, وفي نفس الوقت تسمى قضاء.
إذن القضاء: فعل الشيء بعد خروج وقته المقدر شرعًا.

قال المؤلف: (أقسام الحكم التكليفي).
القسم الأول: الواجب, عرفنا الواجب فقلنا: هو ما طلبه الشارع طلبًا جازمًا.
الواجب له صيغ, من أمثلة هذه الصيغ: لو قال الشارع "واجب", لو قال: "حتم عليكم".
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183], {كتب} يعني فُرِضَ وأصبح واجبًا.
قال: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} [آل عمران: 97], إذن هذه الصيغة من صيغ الوجوب, دالة على الواجب.
مثل أيضًا فعل الأمر: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ} [النحل: 90], هذا للوجوب.
أيضًا صيغة "افعل": {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6], (اغسلوا) هذا فعل أمر يدل على الوجوب.
إذن هناك صيغ خاصة تدل على الوجوب, من الذي يعرف الصيغ الدالة على الوجوب؟ هم علماء الشريعة, وهناك قواعد معينة.
مثال ذلك: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29] (يطوفوا) فعل مضارع مسبوق بلام الأمر يفيد الوجوب.
{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185], (يصم) فعل مضارع مسبوق بلام الأمر فيفيد الوجوب.

إذن هناك قواعد معروفة عند العلماء.
إذا كان الفعل واجبًا ماذا يترتب عليه؟ يثاب الإنسان على فعله بشرط أن ينوي التقرب لله, وينوي الأجر الأخروي لو أنه صلى رياءً وسمعة, قال: طيب.. أنا فعلت الواجب, وأنتم تقولون: ما فعله يثاب, نقول لك: أنك لم تفعله تقربًا لله -عز وجل-
وكذلك لا يثاب عليه إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه.
قال: أنا الحمد لله صليت, أستحق الأجر, قلنا: لا, أنت صليت وأنت على جنابة عامدًا؛ بل أنت آثم بهذه الصلاة.
ولذلك قد يفعل الإنسان الفعل ولا يؤجر عليه؛ بل مرات يفعل الفعل بشروطه وأركانه ثم يحبط أجره وثوابه كما لو ارتدَّ أو أتى بمبطل من مبطلات العمل.
فتارك الواجب قد بعفو الله -عز وجل- عنه, قال: (ويعاقب على تركه), يعني أن من ترك الواجب فعليه عقوبة, مستحق للعقوبة, قد يعفو الله -عز وجل- عن تارك الواجب فضلًا منه -جل وعلا-
قلت من الواجبات -قبل قليل- صلاة الجماعة, لو كان تاركًا لهذا الواجب قلنا: هو مستحق للعقوبة, إذا تاب تاب الله عليه, لو قُدِّر أنه مات قبل أن يتوب؛ نقول: هو تحت المشيئة, إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له ورحمه.
قد يترك الإنسان الواجب نسيانًا فلا يعاقب عليه, لأن الله قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان.
الحكم الثاني, قال: المندوب, مثلت للمندوب بأي شيء؟ سنن الروتب, صلاة الليل, صلاة التراويح, صلاة الوتر عند الجمهور, صلاة الضحى.
في الصيام: صيام الاثنين, صيام الخميس, هذا مندوب. ما معنى مندوب؟ طلبه الشارع طلبًا غير جازم.
ماذا يترتب عليه؟ أن فاعله تقربًا لله مأجور, مثاب, ومن تركه فإنه لا يعاقب على تركه.
وتلاحظون أنه لا بد من أن ينوي الإنسان بعمله وجه الله والدار الآخرة, لو نوى بعمله غير وجه الله فهذا رياء وسمعة.

بعض الناس قد يفعل العمل لوجه الله لكن يريد به الدنيا, مثال ذلك: بعض الطلاب يصلي ويحافظ على صلاة الليل من أجل أن يوفقه الله في دروسه الدنيوية, فنقول: هذا لا يؤجر, لأنه لم يقصد بصلاته هذه الأجر الأخروي, والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى» هذا ما نوى أجر الآخرة, ما يكون له أجر الآخرة, ولكن ليس عليه عقوبة, لأنه قصد بعمله وجه الله.
مثال ذلك: في صلاة الاستستقاء, لماذا صليت؟ قال: لله, ليُنِيلَنِي الأجر الأخروي, هذا مأجور مثاب.
الثاني قال: صليت حتى يشاهدونني في الجماعة, رياء وسمعة, شرك أصغر, يستحق عليه العقوبة, يأثم.
الثالث قال: صليت صلاة الاستسقاء لله لينزل لنا المطر, نقول: ليس له أجر في الآخرة, لماذا لم ينوِ أجر الآخرة, لكنه ليس عليه عقوبة.

طيب.. النوع المندوب, قد يسمى مرة باسم السنة, يسمة المستحب, يسمى المُرغَّب فيه, وله أسماء أخرى, وله صيغ تدل عليه.
من أمثلة ذلك: ما لو رتب الشارع الأجر والثواب على عمل فهذا يدل على أنه مطلوب وأنه مندوب, مَن يُمثِّل لذلك؟
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر», صيام رمضان ورد في الدليل الآخر أنه واجب في قوله {فَلْيَصُمْهُ}, صيام الست لم يرد دليل بإيجابه, ومن ثَمَّ نقول: هذا مندوب لأن الشارع قد رتب عليه الأجر والثواب.

الحكم الثالث, قال: المباح, ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.
إذن المباح لا ثواب فيه لذاته, ولا عقوبة فيه, لا بالفعل ولا بالترك.
المباح قد يوجد من بعض الناس, من يمثل للمباح؟ النوم, تحبون النوم؟ نعم, الجلوس.
طيب.. بعض الناس..., الأكل, يأكل أرز, يأكل فاكهة, هذا مباح, بعض الناس قد ينوي التقرب بأكله, لأنه يتقوى به على طاعة الله -عز وجل- فيؤجر عليه, لا لأنه مباح؛ وإنما لأنه انتقل من كونه مباحًا إلى كونه مندوبًا, لأن تلاحظون أن الأفعال الشرعية تكون على..., أن الأحكام الشرعية تكون على الأفعال, ولا تكون على الذوات, واضح لكم؟ الأكل هذا فعل, لك الأرز, ما تقو حكم الأرز! وإنما يقال: ما حكم أكل الأرز؟ ما حكم بيع الأرز؟
إذن الذوات ليس عليها أحكام, الأحكام إنما تكون على الأفعال.
طيب.. الإعال قد يختلف حكمها بالنسب, من شخص إلى شخص, ومن ظرف إلى آخر.
مثال ذلك: صلاة النافلة المطلقة ركعتين ما حكمها؟ صلاة ركعتين ليست واجبة, ما حكمها؟ نقول: إذا كانت في أوقات النهي فهي حرام, وإذا كانت في غير أوقات النهي فهي مستحبة.
إذن الفعل الواحد قد يختلف باختلاف بالظروف المحيظة به.
الصلاة, الصوات الخمس بالنسبة للمغمى عليه ليست واجبة, بالنسبة للمرأة الحائض ما حكمها؟ حرام, لو صلت المرأة الحائض الصلوات الخمس فإن صلاتها حرام, إذن تختلف الأحكام باختلاف النسب. هذا بالنسبة لأحكام الشرعية.
المباح قد يسمى جائزًا, ويسمى حلالًا, ويقال عنه: لا جناح فيه. وله في الأدلة الشرعية عدد من الصيغ.
{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم} [البقرة: 198] هذه في التجارة في الحج, نفي الجناح هذا يدل على الإباحة.
ما جاء فيه التخيير, الأمر بعد النهي يدل على الإباحة.
لعلنا ننهي الأحكام الخمسة ثم نسمع لسؤالك, أو في المباح.. تفضل.
نعم.. المرأة الحائض مكلفة, من قال بأنها غير مكلفة؟! مكلفة, لكنها لا تكلف بهذا الفعل وهو الصلاة, المكلف هو من وجد فيه صفتان: العقل والبلوغ. المرأة الحائض عاقلة أم ليست بعاقلة؟ بالغة أم ليست ببالغة؟ إذن هي مكلفة.
الصبي فعله بالنسبة للصلاة مستحب, فدلك هذا على أن الحكم يختلف وليس له على طريق, يختلف باختلاف شروطه وضوابطه وما يقترن به.

الحكم الرابع: المحظور, وهو ما نهى عنه الشارع نهيًا جازمًا, مثل ماذا؟ مَن يمثل؟ أكل الربا, شرب الخمر.
طيب.. الخمر حرام أم ليست بحرام؟ لا, نقول: الخمر ذات, وإنما نقول: شرب الخمر حرام, إتلاف الخمر واجب, وهكذا.
إذن عرفنا أن الحكم يكون على الأفعال.
طيب.. المحظور يثاب على تركه متى ما نوى به التقرب لله -عز وجل-, من ترك شرب الخمر لله فهو مأجور, من ترك شرب الخمر خوفًا على صحته أو لأنه لا يريد أن يدفع المال فهذا ليس له أجر لأنه لم يتركه لله ولا للدار الآخرة. المحظور من فعله فإنه نستحق للعقوبة.

القسم الخامس: المكروه, والمراد به: ما نهى عنه الشارع نهيًا غير جازم, ويترتب عليه ان من فعله فلا عقوبة عليه ولا ثواب له, ومن تركه لله فإنه يؤجر, من يمثل لنا بالمكروه؟ الأكل مضجعا.
طيب.. قال: نقيض المستحب قد يكون مكروهًا, ونقيض المكروه يكون مستحبًا, هل يمكن أن يكون في الفعل الواحد تحريم ووجوب؟ أجيبوا.

مثال ذلك: الفعل الواحد قد يكون بالعين, هذا الفعل الذي وقع في الساعة الفلانية من زيد, هذا لا يمكن أن يكون حلالًا, لا يجمتع فيه حكمان, إما حرام أو واجب أو مباح, لا يمكن أن يكون له حكمان في وقت واحد, لكن الفعل الواحد بالنوع باختلاف الأشخاص أو باختلاف الأزمان أو باختلاف النسب يمكن أن يكون بعضه حلالًا وبعضه حرامًا.
مثال ذلك: السجود, ما حكمه؟ السجود لله منه ما هو واجب, ومنه ما هو مندوب, والسجود للصنم ما حكمه؟ شرك, حرام تحريما قطعيًا, خروج من دين الإسلام.
إذن هذا الفعل الواحد بالنوع, يمكن أن يكون بعض أفراده من الحرام وبعضه من الحلال وبعضه من الواجب, لكن هذا فعل واحد بالنوع, عندك يؤال؟ نعم, اسأل..
{أحسن الله إليك, إذا اتفق واجبان في وقت واحد, فما الذي يقدم؟}
نعم, إذا وُجد واجب وتعارض واجبان في وقت واحد هناك قواعد في الشريعة تسمى "قواعد التعارض" نأخذها إن شاء الله في أواخر المباحث, بحيث يقدم الأوجب.
يقول: نجاسة لحم الخمزير, نقول: النجاسة هذه ليست حكمًا تكليفيًا, النجاسة هذا حكم شرعية, لكن ليس حكما تكليفيًا, الأحكام التكليفية لا تتعلق إلا بالذوات, أما النجاسة هذا ليس حكمًا تكليفيًا من الأحكام الخمسة, ومن ثم قد يتعلق بالذوات, النجاسة, الطهارة, هذه قد تتعلق بالذوات, لكن الأحكام التكليفية لا, لاتتعلق.
ما الفرق بين أن ينوي العمل لله وأن ينويه للدار الآخرة؟
مرات قد ينوي الإنسان العمل لله من أجل أن يأجره في الدار الآخرة, وقد ينوي بعمله الدنيا.
أسأل الله جل وعلا أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.
إن شاء الله انتيهنا من الأحكام التكليفية, نتدارس في اللقاء الآتي الأحكام الوضعية, أسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا وإياكم ممن فهم كتابه وعمل به وسار على سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-
اللهم أعِد الأمة إلى دينك عودًا حميدًا, هذا والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد, لقاؤنا إن شاء الله بعد يومين في الدرس الثاني نراكم إن شاء الله على خير.

أيها المشاهدون الكرام أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقكم للخير, وأن يملأ قلوبكم من التقوى والإيمان والعلم النافع, كما أسأله -جل وعلا- أن يحقن دماء المسلمين وأن يؤمنهم في بلدانهم وأن يكون عونًا للمظلومين, هذا والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.





المصدر : منتديات اهل السنة في العراق - من : المنتدى الاسلامي العام











عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 12:59 AM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

الأكاديمية الإسلامية المفتوحة
الدورة العلمية الأولى لعام 1433 هـ

شرح متن الورقات لمعالي الدكتور/ سعد الشثري

تفريغ الدرس (2)

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فمرحبًا بكم في اللقاء الثاني من لقاءاتنا في قراءة كتاب الورقات المنسوبة للعلامة الجويني.
وقد أخذنا فيما مضى: أهمية هذا العلم, وتعريف أصول الفقه, وأخذنا الأحكام التكليفية الخمسة "الواجب, والحرام, والمندوب, والمكروه, والمباح".
في لقائنا في هذا اليوم نستكمل الأحكام الشريعة بالكلام عن الأحكام الوضعية.
والمراد بالأحكام الوضعية: هي ما جعله الشارع علمًا معرفًا بالحكم التكليفي.
مثال ذلك: هناك أسباب للأحكام التكليفية, زوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر, فزوال الشمس هنا جعله الشارع علامة معرفة لوجود الحكم الشرعي التكليفي الذي هو وجوب صلاة الظهر.
وذكر المؤلف من الأحكام الوضعية: الصحيح. وقال بأن الصحيح: ما يُعتدُّ به, أي يكون معتبرًا في لسان الشرع, بحيث تترتب عليه آثاره.

وقد مثَّلنا للصحيح بالبيع الذي تكاملت شروطه, ووجد فيه ما أمر الشارع فيه وانتفت عنه موانعه, فحينئذٍ تترتب عليه آثاره بحيث يملك المشتري السلعة, ويملك المشتري الثمن, ويملك البائع السلعة.
وهكذا في عقد النكاح, متى يكون عقد النكاح صحيحًا؟ إذا ترتبت عليه آثاره, ما هي آثار عقد النكاح؟ وجوب المهر, جواز الوطء, هكذا أيضًا وجوب النفقة, ثبوت الإرث, فإذا كان العقد عقد النكاح صحيحًا ترتبت عليه هذه الآثار, وأما إذا كان عقد النكاح غير صحيح؛ فإنه لا تترتب عليه هذه الأحكام.

وهكذا في الصلاة والعبادات, متى تكون العبادة صحيحة؟ إذا ترتبت علها آثارها, سواء بثبوت الأجر أو بسقوط القضاء.
وأما إذا كانت الصلاة غير صحيحة فإنها لا تسقط القضاء.
ويقابل الصحيحَ الباطلُ, وهو الذي لا تترتب عليه آثاره, الحكم الباطل هو الذي لا تترتب عليه آثاره, ولا يتحقق المقصود منه, ومثَّلنا له بمثال قد يعلق في أذهانكم, ببيعك للعمارة المجاورة لنا وأنت لا تملكها, فهذا عقد باطل, يترتب عليه أنه لا تترتب عليه آثار العقد الصحيح من انتقال المِلك بين البائع والمشتري.

ثم قال المؤلف: (والفقه أخص من العلم).

إذن: عرفنا أن كلمة "أصول الفقه" فيها نحتاج إلى معرفة "أصول", ونحتاج إلى معرفة "الفقه".
هناك "فقه", وهناك "علم". قد تعلم بالأشياء لكن لا تفقه حقيقتها.
وحينئذٍ الفقه هو: الفهم الدقيق.
بينما العلم: معرفة الشيء على حسب واقعه.
مثال ذلك: إذا عرفت أن وارء هذا الجدار طريق تمرُّ معه السيارات, هذا علم. لأنك عرفت الشيء المعلوم على حسب ما هو في الواقع.
ينما إذا كنت لا تعرف ما وراء هذا الجدار, فهذا يكون جهلًا, وهذا يسمى "الجهل البسيط".
ما هو الجهل البسيط؟ عدم المعرفة, هذا يسمى جهل بسيط.
لكن الجهل المركب: هو أن تعرف الشيء على خلاف ما هو عليه.
مثال ذلك: إذا ظننت أن وراء هذا الجدار بناية من سبعين دور, سبعين طابق, فهذا جهل مركب, لماذا؟ لأنك لم تعرف ما وراء الجدار وفي نفس الوقت تكوَّنت عندك صورة مخالفة للواقع.
إذن عندنا ثلاث مراتب:
- علم: وهو معرفة المعلوم على ما هو عليه, ولا بد أن يكون مطابقًا للحقيقة والواقع, ولا بد أن يكون جازمًا, ولا بد أن يكون فيه إدراك للنسبة بين شيئين.
- والدرجة الثانية: الجهل البسيط, وهو عدم المعرفة وعدم العلم.
- والدرجة الثالثة: الجهل المركب, وهو معرفة الشيء على.., أو تصور الشيء على خلاف حقيقته.
ولذلك قال المؤلف هنا: (والجهل), يريد بالجهل هنا: الجهل المركب, هو تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع, هذا أي شيء؟ جهل مركب.

ثم قال: (العلم ينقسم إلى قسمين:
- علم ضروري - وعلم نظري).
ما هو العلم؟ معرفة المعلوم على الصفة التي توافقه في الخارج, في الواقع, هذا العلم على نوعين:
- علم ضروري, وهو: ما يستفيده الإنسان بدون نظر, بدون دليل.
مثال ذلك: 1+1 كم ينتج؟ لماذا لم تحسبوا؟ احسبوا قبل, نقول: هذا علم ضروري, لا يحتاج إلى استدلال ولا إلى نظر.
السماء في الأعلى أو في الأسفل؟ في الأعلى, لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال, فهذا يسمى علم ضروري.
ومثله أيضًا: ما يعلمه الناس بحسب الحواس الخمس, أنتم أمامي, ما الدليل على أنكم أمامي؟ هذا نقول علم ضروري, لا نحتاج فيه إلى استدلال.
ومثله أيضًا: ما يحسه بواسطة البصر والشم واللمس والذوق.
وهكذا أيضًا: ما عُرفَ بالتواتر, ما المراد بالتواتر؟ الأخبار الكثيرة المتظاهرة التي لا يكون هناك توافق بين المخبرين فيها.
إذن ما هو الخبر المتواتر؟ هو خبر جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب, وسنده إلى أمر محسوس.
هل هناك بلد اسمها الصين؟ زرتموها؟ ما زرتموها, طيب كيف تجزمون بها أو تظنون؟ إذن تواتر الخبر. هذا علم ضروري لأنه أصبح لا تحتاجون فيه إلى استدلال ولا إلى نظر.
النوع الثاني: العلم النظري, وسماه المؤلف هنا "العلم المكتسب", والصواب أن العلم الضروري والعلم المكتسب كلاهما أن العلم الضروري والنظري كلاهما مكتسب, لأن الله يقول {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78], فدل هذا على أن الجميع مكتسب, وكان ينبغي أن يسمى النوع الثاني العلم ماذا؟ النظري, وهو الموقوف على النظر, وهو تقليب الفكر فيما يُنظَر فيه, والاستدلال أي تحصيل الدليل.

لماذا قال المؤلف هنا (المكتسب)؟ لأن بعض أصحاب الفرق يسمون فعل المخلوق "كسبًا", ولذلك قال هنا (المكتسب).
إذن: النظر هو التفكر في حال المنظور فيه, بينما الاستدلال المراد به طلب الدليل الدال عليه.
ثم قال المؤلف بعد ذلك: (والدليل). لأن هناك مصطلحات يستخدمها علماء الشريعة فنحتاج إلى معرفتها, ومنها هذه المصطلحات, هذه الكلمات "العلم - الجهل - النظر - الاستدلال - النظر - الاستدلال", وكذلك كلمة "الدليل".
والمراد بالدليل في اللغة: المرشد والعلامة, وواضع العلامة.
وأما في الاصطلاح فعرفه المؤلف: بأن (الدليل هو المرشد إلى المطلوب, أي ما يؤدي إلى ما تطلبه), وهذا في الحقيقة تعريف للشيء بحسب ما يؤدي إليه.
ومن هنا قال بعض أهل العلم: بأن الدليل هو: ما يحصل بالنظر فيه, أو ما يُمكن بالنظر فيه من التوصل إلى مطلوب خبري.

ثم قال: (والظن)
, بدأن الآن بمراتب الإدارك, ما هي؟ مراتب الإدراك, عندنا "العلم", وذكرنا بأنه: معرفة الشيء على ما هو عليه في الواقع, ولا بد أن يكون جازمًا, ولا يوجد معه مضاد له.
والجمهور يرون أن العلم ليس على رتبة واحدة, لأن الجزم ليس رتبة واحدة, مرة نجزم جزمًا قاطعًا مئة بالمئة, ومرة قد يكون بأقل من ذلك؛ ولذا طلب إبراهيم -عليه السام- زيادة الطمأنينة.
إذن: هذه المرتبة الأولى من مراتب الإدراك, هي العلم.
المرتبة الثانية: هي مرتبة الظن, بأن يكون عندك احتمالان, لكن أحدهما أقوى من الآخر, فالاحتمال الأقوى هو الظن, الاحتمال الأقوى هو الظن.

ولذا قال المؤلف: (الظن تجويز أمرين أحدهما أظهر -يعني أرجح- من الآخر).
مثال ذلك: لما دخلنا كان هناك شخص بالباب واقف, هل لا زال الشخص واقفًا بالباب؟ نقول: يحتمل أن يكون لا زال واقفًا, ويحتمل أن يكون قد ذهب. أيهما أرجح؟ أن يكون واقفًا, فهنا نظن أنه لا زال موجودًا مع احتمال أن يكون ذلك الشخص قد ذهب, وهذا يسمى ماذا؟ طنًا, ماذا يسمى؟ الظن.
إذن الظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر.
قد ينقلب الظن في بعض المسائل إلى أن يكون قطعًا.
مثال ذلك: أردتُ أن أتأكد من وجود الشخص فذهبت فرأيته, فحينئذ أصبح قطعًا.
والظن أيضًا على مراتب, ليس على رتبة واحدة.
من أي شيء نستفيد الظن؟ هل هو من صفات النفس؟ أو من الأمور أو الدليل الخارجي؟
نقول: الأصل أنه يُستفاد من الدليل الخارجي, لكن صفات النفس لها تأثير, لها تأثير فيه, لأنك مرات قد ترى الماء فيتخيل في نفسك انه سراب وليس بماء, فدل هذا على أن صفات النفس لها تأثير.
هل يُعمَل بالظن؟ وهل يُحتجُّ به؟ نقول: نعم, جاءت الأدلة الشرعية بجواز العمل بالظن.
قال تعالى {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ} [البقرة: 230], هذه المرتبة الثانية.
الأولى: العلم.
والثانية: الظن.
المرتبة الثالثة: الشك. والمراد بالشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر, ذلك الشخص الواقف هناك البعيد, هل هو زيد أو محمد؟ زيد ومحمد كل منهما طويل وله نفس هذه الصفات, وبالتالي ان تتردد بينهما, ولا يترجح عندك أحد الاحتمالي على الآخر, فهذا ماذا يسمى؟ الشك.
إذن الشك: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر.
هل يقع الشك في الشريعة, وهل يُتعبَّد به؟ نقول: القطع لا شك أنه يُتعبَّد به في الشريعة في مواطن كثيرة.
قال الله تعالى {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الحديد: 17], {اعْلَمُوا} هذا جزم.
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد: 20].
وكذلك قد تأتي الشريعة بمشروعية العمل بالظن -كما ذكرنا في الآية السابقة-
ومنه أيضًا: قبول شهادة الشهود يحتمل أن تكون خاطئة أو فيها وهم, ومع ذلك جاءت الشريعة بمشروعية إشهاد الشاهدين, قال تعالى {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2].
أما الشك, هل يرد في الشريعة؟ نقول: الشك قد يكون مناطًا للأحكام بحيث.., تقول الشريعة: إذا وجد الشك عندك فالحكم كذا.
ومنه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلى, ثلاثًا أو أربعة؛ فليطرح الشك وليبنِ على ما استيقن» فحينئذ جُعل الشك مناط وعلة للحكم, لكن لا تأتي الشريعة للمكلفين وتقول لهم: شُكُّوا في هذه الأمور.
والشك هل هو حكم؟ بعض أهل العلم قال: الشك ليس بإدراك.
إذن عندنا الآن ثلاثة مراتب من مراتب الإدراك, ما هي؟ العلم والظن والشك.
الاحتمال المقابل للاحتمال الراجح بعض أهل العلم يسميه "وهمًا", وبعضهم يسميه "احتمالًا".
انتقل وجاء المؤلف بعد هذا وقال, وعرف أصول الفقه, فقال: (وأصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها).
طرقه: يعني الأدلة الدالة على الفقه, طرقه: يعني الأدلة و"الهاء" تعود على الفقه, كأنه قال: "الأدلة الدالة على الفقه على سبيل الإجمال", لأن الأدلة على نوعين:
- أدلة تفصيلية.
- وأدلة إجمالية.
مثال هذا: قال الله -عز وجل- {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43], هذا دليل تفصيلي, يتعلق بحكم؟ دليل تفصيلي يتعلق بحكم واحد.
لكن حجية القرآن هذا دليل إجمالي يشمل أدلة تفصيلية كثيرة. فرَّقنا بين الدليل الإجمالي والدليل التفصيلي.
إذن الدليل التفصيلي هو: الدليل الوارد في مسألة بعينها, هذا يسمى دليل تفصيلي.
الدليل الإجمالي أو الكُلِّي: هو الذي يشمل أدلة كثيرة متعددة, واضح لنا الفرق بين الدليل الإجمال والدليل التفصيلي؟
حجية.., القرآن حجة, هذا دليل إجمالي, السنة حجة, قول الصحابي حجة, هذا دليل إجمالي.
الأمر يفيد الوجوب, هذا دليل إجمالي, لأنه يشمل صورًا كثيرة.
لكن {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [البقرة: 43], هذا دليل تفصيلي يتعلق بمسألة واحدة, وهي وجوب الصلاة, لكن حجية القرآن هذا دليل إجمالي.
إذن: نحن في أصول الفقه نعتني بالأدلة الإجمالية, أما الأدلة التفصيلية فلا نبحثها في هذا العلم.

قال: (وكيفية الاستدلال بها), يعني كيف نفهم الدليل الشرعي, وكيف نستدل به, مما يتعلق بقواعد الاستنباط.
قال: (ومعنى قولنا: "كيفية الاستدلال بها" هو: ترتيب الأدلة) في الترتيب والتقديم والتأخير, وما يتبع ذلك من أحكام في الترتيب والتقديم والتأخير. هذا معنى قولنا "كيفية الاستدلال", يدخل فيها لو تعارضت الأدلة, كيف نعمل؟
كذلك من أجزاء هذا العلم: ما يتعلق بأحكام المجتهدين, المجتهد هو: الذي يتمكن من استخراج الأحكام من الأدلة, وما هي أحكام؟ هل هو مصيب أو مخطئ؟ وهل هو مأجور أو غير مأجور؟ ومَن الذي يجوز له الاجتهاد ومَن الذي لا يجوز له الاجتهاد؟ هذا كلها من مباحث هذا العلم.
وبذلك نعرف أن هذا العلم فيه عدد من أنواع المباحث:
أولها: الأدلة الإجمالية.
ثانيها: كيفية الاستدلال بالأدلة, التي نسميها قواعد الفهم والاستنباط, هل مفهوم المخالفة حجة أو لا؟
النوع الثالث: ما يتعلق بأحكام المجتهدين وما يقابلهم.
ذكر المؤلف بعد ذلك تفاصيل الأبواب, إذن قسَّم العلم هذا إلى ثلاثة أقسام:
- الأدلة الإجمالية.
2- قواعد الاستنباط.
3- أحكام المجتهدين ومَن يقابلهم.
هذا في التقسيمات الثلاث يندرج تحتها أقسام كثيرة, منها:
- أقسام الكلام.
- منها مباحث الأمر.
- منها مباحث النهي.
- ومنها المبحث العام.
- ومنها المبحث الخاص.
- ومنها مبحث المجمل, والمبين, والظاهر, والمؤول, والأفعال, والناسخ والمنسوخ, والإجماع, والأخبار, والقياس, والحظر والإباحة, وترتيب الأدلة, وصفة المفتي والمستفتي, وأحكام المجتهدين.
هذه تفاصيل الأبواب, وسنأتي إليها, هذه ذكرها المؤلف في مقدمة هذه الرسالة بمثابة فهرس للمسائل التي ستأتي معنا في هذا الكتاب.

قال المؤلف: (أقسام الكلام), ما هو الكلام؟
الصواب: أن المراد بالكلام هو الأصوات والحروف, ولذلك قال ابن مالك:
كلامُنَا لَفْظٌ مُفيـدٌ.......
إذن: الكلام هو ذات الألفاظ, وليس هو المعاني النفسية, ولذا قيل لمريم -عليها السلام- { فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم: 26], فهنا نفت مع أنها أشارت إليهم ووقع في نفسها معاني نفسية, إلا أنه أمرها بأن تنفي الكلام عن نفسها.
ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدَّثت بها أنفسها لم تعمل به أو تتكلم», فدل هذا على أن الكلام شيء وأن أحاديث النفس شيء آخر.
ويدل على هذا أيضًا قوله -عز وجل- {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ} [التوبة: 6], فدل هذا على أن المسموع هو ذات الكلام.

قال المؤلف: (أقل ما يتركب الكلام منه: اسمان), لأننا نقول: بأن الكلام هو الألفاظ المفيدة, لا يشترط فيها الجمع, وقد يكفي فيها لفظتان, وحينئذٍ إذا وُجد اسمان يمكن أن يكون كلامًا.
مثال ذلك: إذا قلت: خالد واقف. هنا" خالد" كلمة, و"واقف" كلمة, كلاهما اسم, فتكوَّنت منها الجملة.
ويدلك على أن الجويني لم يسر على منهج أولئك الذين فسروا الكلام بالمعاني النفسية, لأنه قال: (فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان), فدل هذا على أنه يرى أن الكلام هو الألفاظ, وليس الكلام هو المعاني النفسية.
قال.., إذن أقل ما يتركب منه الكلام اسمان, (أو اسم وفعل).
مثال ذلك: إذا قلت: ذهب خالد, كتب عليّ, فهم محمد, فهذه كلمتان, ايم وفعل, وفتكون منها الكلام, أصبح جملة كاملة لها معناها.

قال: (أو اسم وحرف)
, يعني قد يوجد اسم وحرف, هذا يكون شبه الجملة.
مثال لذلك: إذا قلت: في البيت, هنا "في" حرف, و"البيت" اسم. وحينئذ لا بد من تقدير, كأنك قلت: هو موجود في البيت.

قال: (أو حرف وفعل). مثال ذلك لو قت: ضربه, هكذا يمثل بعضهم على ذلك والهاء هنا ضمير وبمثابة من الأسماء, لأن الضمائر عند أهل اللغة أسماء.
ومن هنا تعرف أن قول الأصوليين: حرف واسم, وحرف وفعل؛ قد يريدون به الضمير الذي يعتبره النحاة من الأسماء, وبعض الأصوليين قد يسميه حرفًا.
إذن: ذكر المؤلف أقل ما يتركب منه الكلام.
ثم بعد ذلك بدأ يقسِّم الكلام بتقسيمات متعددة:
التقسيم الأول قال: (ينقسم الكلام إلى قسمين: إنشاء وخبر).
الخبر مثاله قولك: محمد واقف. هذا خبر, يمكن أن تصدقه ويمكن أن تكذبه, هذا يسمى خبر.
يقابل الخبرَ الإنشاء, الذي لا يمكن أن تقابله بالتصديق أو التكذيب, كما لو قلت لك: هل محمد موجود؟ هل يصح أن تقول: كذبتَ أو صدقتَ؟ لا يصح, فحينئذ هذا ليس خبرًا, وإنما هو من الإنشاء, يسمى "استخبار".
وهناك "الأوامر", كما لو قلت لكم: اكتبوا الدرس. هنا "اكتبوا" هذا فعل أمر.
"لا تتحدثوا حتى تستأذنوا", "لا تتحدثوا" هذا ماذا؟ إنشاء, هذا نهي.
إذن: "اكتبوا" هذا فعل أمر من الإنشاء.
"ولا تتحدثوا" هذا نهي من الإنشاء.

قال: (وينقسم...) -لا أحد يتحدث إلا بمكبر الصوت حتى يسمعنا الإخوان-
قال: (وينقسم أيضًا إلى...) يعني ينقسم الكلام بتقسيم آخر إلى (تمنٍ), وهذا أيضًا من أقسام الإنشاء.
مثال ذلك: لو قلتم: "نرجوا أو عسى أن نعرف علم الأصول لنتمكن من فهم الكتاب والسنة", فهذا تمنٍ.
وهكذا أيضًا يوجد العرض, والمراد بالعرض: الطلب من الغير بدون أن يكون هناك إلزام, ولا استعلاء, كما لو قال الشخص لصاحبه: "ألا تزورنا".

قال: (ومن وجه آخر ينقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز), هذا تقسيم آخر من تقسيمات الكلام, ينقسم إلى حقيقة ومجاز.
التقسيم السابق إلى أمر ونهي لوحظ فيه المعنى, بحيث هل يُقابَل بالتصديق أو التكذيب أو لا.
وأما انقسام الكلام إلى حقيقة ومجاز فهذا لوحظ فيه استعمال اللفظ, هل هو موافق للمعنى الذي وضع له؟ أو أنه استُعمِلَ في وضع أو في معنًى آخر غير ما وُضعَ له.
الحقيقة يُراد بها: استعمال اللفظ فيما وُضِعَ له, مثال ذلك لو قت: الأسد حيوان مفترس, فهنا المراد بكلمة "الأسد" الحيوان المعروف وهو المعنى الذي وُضع له لفظ الأسد.
فالحقيقة: هي ما بقي في الاستعمال على موضوعه.
بعض أهل العلم يقول: الحقيقة: استعمال اللفظ فيما وُضِع له.
وبعضهم يقول: الحقيقة: هو اللفظ المستعمل فيما وُضِع له.

وقال: (وقيل في تعريف الحقيقة بأنه ما استُعمِلَ فيما اصطُلِح عليه من المخاطبة).
ما الفرق بين هذا المنهج وهذا المهج؟
هناك حقيقة لغوية لا إشكال فيها, لكن هل يوجد حقيقة الشرعية أو لا يوجد حقيقة الشريعة؟
بعض أهل العلم يقول: هناك حقيقة الشريعة, بحيث جاءنا الشرع باستعمال اللفظ في أحد المعاني, فإذا استُعمل هذا اللفظ في ذلك المعنى كان حقيقة شرعية.
مثال ذلك: لفظة "الصلاة", أو لفظة "الصيام" في لغة العرب هي الإمساك, لكننا وجدنا الشرع استعمل لفظة "الصيام" في ترك الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس, فهذه حقيقة الشرعية.
بعض أهل العلم قال: بما أن الاستعمال الشرعي مغاير للاستعمال اللغوي, أو للحقيقة اللغوية؛ نجعل هذا حقيقة الشريعة.
وبعض أهل العلم قال: لا. هذا أسميه مجازًا, ليس من الحقيقة, لأن الحقيقة هي موافقة الوضع اللغوي.
والمؤلف اختار هذا المنهج الثاني, ولذا قال: (فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه, وقيل..) هذا تضعيف للقول الآخر (ما استُعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة). ولذلك عند الجمهور يقسمون الحقيقة إلى:
- حقيقة لغوية.
- وحقيقة شرعية.
- وحقيقة عرفية.
سواء تعارف عليها أهل فن من الفنون أو أهل بلد أو أهل مهنة, أو نحو ذلك.
والقول بأن الحقيقة يقتصر على الحقيقة اللغوية فقط, هذا قد سار عليها بعض أهل العلم, ومن أوائل من قال بهذا القول الباقلاني, وتبعه عليه جماعة.
إذن هذا كله في الحقيقة, يقابل الحقيقةَ المجازُ. وهو: استعمال اللفظ في غير ما وضِعَ له, استعمال اللفظ في معنى مغاير للمعنى الذي وضع له في اللغة.
مثال ذلك: لو قلتُ: رأيت أسدًا يخطب. فحينئذ أنا لا أريد الحيوان المفترس, وإنما أريد الرجل الشجاع, هذا يسمى مجازًا, استعمال اللفظ في غير ما وضع له هذا يسمى مجازًا.
إذن هذا المثال أظنه واضح.
جمهور الأصوليين والنحاة واللغويين على تقسيم الكلام إلى حقيقة وإلى مجاز, قالوا: وجدنا العرب يستعملون بعض الألفاظ في غير ما وضعت له.
ذهب بعض الأصوليين وأهل اللغة إلى نفي وجود المجاز في لغة العرب, وقالوا: بأن العرب لا تتلكم بالكلمة المفردة, إذا قالوا: "أسد" وأرادوا به الرجل الشجاع لا بد أن يكون معه قرينة تدل على أن الرماد المعنى الآخر, ولذا قلنا: "أسدًا يخطب".
إذا قال: "رأيت أسدًا يخطب" فحينئذ لا يمكن أن نفهم أن المراد به الحيوان المفترس؛ بل نعرف أن المراد به هو الرجل الشجاع. فقالوا: بأن العرب لا تتكلم بالكلمة المفردة, وإنما تتكلم بالجمل الكاملة.
ولذلك إذا قال: "له عليّ عشرة إلا ثلاثة" ما الحكم القضائي في حقه؟ نوجب عليه كم؟ ما نقول عشرة ثم يُرجِّع ثلاثة, لأننا ننظر إلى الجملة متكاملة.
هكذا أيضًا قالوا: بأننا ننظر إلى الجمل كاملة, ولا ننظر إلى الكلمات المفردة.
ولذلك قد تأتي العرب بكلمة واحدة وتستعملها في معاني متعددة ويحدد السياق المعنى من ذلك اللفظ.
مثال ذلك: لفظة "قال" ما المراد بها؟ نام القيلولة أو تكلم؟ نقول: ننظر إلى سياق الكلام. ولذلك لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «ما لي وللدنيا, إنما أنا راكب استظل تحت شجرة -أو قال: تحت شجرة-», فدل هذا على أن السياق له دلالته وتأثيره على الكلام.
قسَّم المؤلف الحقيقة إلى:
- لغوية, ومثلنا لذلك بكلمة "الأسد" عندما تستعمل في الحيوان المفترس.
- وشرعية, وهي: الألفاظ التي استعملها الشارع بمعهنى مغاير للمعنى اللغوي سواء كان بالنقل أو التقييد أو بالتخصيص.
والباقلاني وتبعه جماعة نفوا أن يكون هناك حقيقة الشرعية, وقالوا: إن إثبات الحقيقة الشرعية يجعلنا ننفي صفة العربية عن القرآن والسنة, القرآن والسنة عربية. وهذا الكلام فيه ما فيه, لأننا نجد أن القرآن والسنة قد استخدما بعض الألفاظ اللغوية في بعض مدلولاتها.
- والقسم الثالث: هو الحقيقة العرفية, وهي التي تعارف الناس فيها على معنى, مثال ذلك: لفظة "سيارة" أصبحنا نطلقها على هذه الآلة التي نركبها وننتقل بها. أما العرب لم يكونوا يستعملون هذا اللفظ في هذه الآلة, لأنهم لم يعرفوا هذه الآلة, وكانوا يتعملون لفظة السيارة في القافلة -كما ورد في قصة يوسف -عليه السلام-
فاستعمال لفظة السيارة في هذه الآلة الحديثة ماذا نسمية؟ حقيقة عرفية, بمجرد أن أطلق عليك هذه الكلمة كلمة "سيارة" تفهم منها هذه الآلة.

ثم قال المؤلف: (أنواع المجاز) وقسم المجاز إلى تقسيمات, قال: (المجاز قد يكون بزيادة), بحيث نأتي بحرف يستغني الكلام من جهة النحو عنه, وقد يمثلون له بقوله {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ} [يس: 30], كلمة "من" يقولون هذه زيادة.
وقد استشكل كثير من العلماء والمفسرين أن يُطلق على شيء من القرآن كلمة زيادة, لأن هذه اللفظة "من" لها معانٍ, ووصف الشيء بأنه زائد قد يُشعر أنه لا معنى لوجوده وأن ذكره كعدمه, وهذا زيادة بالنسبة للنظر النحوي, أما بالنسبة للمعنى فلا شك أن هذا اللفظ لم يأتِ إلا لزيادة في المعنى, ولذلك هذا تأكيد لعمومية هذه القضية {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الحجر: 11], فهذا تأكيد لهذه القضية وأنها شملت جميع الأفراد.
كذلك قد ياتي.., ومثَّل المؤلف في هذا بقوله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11], وقد قال بعضُ بأن الكاف زائدة, ولامراد: ليس مثله شيء.
ولكن كما تقدم أن الكاف هنا لإثبات وجود شبيه المثل, أو لنفي وجود شبيه المثل, وهو أعظم في التنزيه.
وقد يكون المجاز بواسطة النقص بحيث تُحذف بعض الألفاظ وتُفهم من السياق, ومثلوا له بقوله تعالى {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 93], هل دخل العجل في قلوبهم بذاته؟ وإنما المراد: وأشربوا في قلوبهم حب العجل, فهنا حذفت كلمة "الحب" من أجل أنها معروفة, أو لأنه لزيادة التأكيد والمعنى.
ومثله ما مثَّل له المؤلف هنا {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف: 82], في قصة يوسف لما قالوا لأبيهم {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا}, القرية هل يمكن سؤالها؟ ستذهب للبيوت وتسألها: يا أيها البيت هل ما ذكروه صحيح؟ وإنما تسأل أهل القرية, فإذن القرية هنا يُراد بالقرية في الأصل المباني, والسؤال لا يمكن أن يكون للمباني, فدل هذا على أن المراد أهل القرية.
وكما تقدم أن طائفة من أهل العلم ينفي وجود المجاز, ولذلك يقولون: بأن هذه استعمالات عربية وجدت معها قرينة؛ فدلت على أن المراد ليس سؤال المباني, والقرائن لها تأثير على الكلام, ثم إن "القرية" لا تطلق على المبنى وحده, لو وجد مباني ليس فيها أحد ما يقال لها قرية, وإنما يقال له "أطلال" أو نحو ذلك, ولا يطلق اسم "القرية" إلا على المباني المسكونة التي فيها ناس, فهو يطلق على مجموع الأمرين.
النوع الثالث من أنواع المجاز التي ذكرها المؤلف: المجاز بالنقل, بأن يستعمل اللفظ في معنًى آخر غير ما وضع له, ومثلنا له بكلمة "الأسد", فإنها في الأصل تستعمل في الحيوان المعروف المفترس, ثم بعد ذلك نقلها العرب واستعملوها في الرجل الشجاع.
كذلك في كلمة "الغائط", "الغائط" في لغة العرب: المنخفض من الأرض, ثم بعد ذلك أصبحوا يطلقون كلمة "الغائط" على الخارج النجس, لما أطلقتم عليه اسم "الغائط"؟ قالوا: لأنه في الغالب يُخرج في المنخفض من الأرض, فحينئذ هذا يقال له: نقل, مجاز بنوع النقل.
وقد يُمثَّل له بكلمة "الظعينة" فإنها في الأصل يُراد بها الجمل, ثم أطلقت كلمة "الظعينة" على الرمأة لأنها عند الأسفار تلازم جملها.
النوع الثالث من أنواع المجاز: المجاز بالاستعارة.
النوع الرابع, نعم, النوع الرابع من أنواع المجاز: المجاز بالاستعارة, تعرفون العارية, كأننا استعرنا اللفظ ونقلناه في مكان آخر.
وقد مثَّل له المؤلف بقول الله -عز وجل- {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77], ما معنى "الإرادة" ؟ الاختيار, أليس كذلك؟
هل الجدار يختار؟ وهل الجدار يريد؟ إذن هنا استُعمل لفظ "يريد" في معنى آخر, وهو: الشروع والايتداء في السقوط, {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ}, يعني ابتدأ بالسقوط, وهذا يقول له: مجاز بالاستعارة.
ومن مثله: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إن هذه الحشوش محتضرة, فإذا أحدكم أن يدخل فليقل: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث», «فإذا أردا أحدكم» ما هو معناه رغب أو قصد؛ وإنما المعنى: إذا ابتدأ وشرع, وإلا فإن الأنسان قد يريد دخول الحمام قبل دخوله بساعة, ولا يشرع له ان يقول هذا الذكر, لا يشرع له أن يقول هذا الذكر إلا إذا ابتدأ بدخول مواطن قضاء الحاجة.
انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الكلام عن نوع آخرؤ من أنواع الكلام وهو: الأمر.
والمراد بالأمر: الطلب للفعل, مثال ذلك: لو قال الوالد لولده: "اكتب الدرس" فهذا طلب.
لو قال الوالد لولده: "أحضر الماء", هذا طلب.
إذن ما هو المراد بالأمر؟ الأمر: استدعاء, أي طلب الفعل بالقول ممن هو دونه. استدعاء, أي طلب الفعل بواسطة الأقوال ويكون المتكلم أعلى, لكن لو كان متساويين -الطالب والمطلوب- فهذا لا يسمى أمرًا؛ وإنما يسمى التماسًا.
تقول لزميلك: "لو سمحت أعطني القلم", "أعطني" هنا طلب, ولكنه ليس من الأعلى, فيكون التماسًا.
وقد يكون دعاءً, كما تقول: "اللهم اغفر لي", "اغفر" طلب, لكنه ليس على جهة الاستعلاء, ومن تمَّ لا يكون أمرً وإنما يكون دعاءً.
وبعض أهل العلم يقول: على جهة الاستعلاء, لأن مَن هو أدنى قد يأمر مَن هو أعلى منه فيُوبَّخ, ولذلك إذا قال الابن لأبيه: "أحضر لي كذا" على جهة الاستعلاء والأمر, لذا؛ لا يصح منك أن تأمر أباك, هذا عيب عليك.

قال: (استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب)
يعني على سبيل الحتم.
وكلمة "على سبيل الوجب" هذه لا داعي لها, لأن الأمر, لأن الطلب بمجرده يكون أمرًا, ولو لم يكن على سبيل الوجوب, لأنه هو يفيد الوجوب, ولماذا قال المؤلف هنا (على سبيل الوجوب)؟ سار على طريقة بعضهم ممن يقول بأن صيغة "افعل" لا تدل على الأمر بنفسها حتى يوجد معها إرادة الإلزام والوجوب.
والصواب: عدم اشتراط هذا الأمر, بل يكون أمرًا ولو كان المتكلم يعلم أن مَن توجه إليه الطلب لن ينفذ ما أمر به وطلبه.

قال المؤلف: (وصيغته) يعني الصيغة الدالة على الأوامر (افعل), فهو كأنه يقول بأن صيغة "افعل" تدل على المر بنفسها ولو لم يوجد معها قرينة, ولا تُصرف عن الأمر إلى غيره إلا بقرينة, وهذا هو قول جماهير أهل العلم خلافًا لبعض الأشاعرة, الأشاعرة يقولون بأن الأمر هو المعاني النفسية, والصيغة تدل عليه وليست صيغة له, وهذا كلام باطل وبطلانه له أدلة كثيرة. فالمؤلف لم يسر على طريقة الأشاعرة في هذا الباب.
قال: (وصيغته) يعني صيغة الأمر, (افعل), مثل.., مَن يُمثِّل؟ {فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [الحج: 78], {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1], إلى غير ذلك, هذه كلها صيغ أوامر.
كذلك هناك صيغ أخرى للأمر, مثل: الفعل المضارع المسبوق بلام الأمر, مثل قوله -عز وجل- {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29], {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7].
هناك أيضًا: اسم الأمر, وهناك من مثل قوله -عز وجل- {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيل} [آل عمران: 97].

قال: (وهي) يعني أن هذه الصيغ (تدل بنفسها على الأوامر), (وهي) يعني صيغة "افعل", (عند الإطلاق) أي عند عدم وجود قرائن, (والتجرد عن القرينة), فإنها تحمل على الأمر, وسواء كان هذا في مسائل الأحكام, أو كان هذا في مسائل.., أو كان هذا في الآداب, يعني النصوص الشرعية الواردة بأن الأوامر تفيد الوجوب عامة ليس فيها تخصيص, ومن مثل قوله -عز وجل- {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
{عن أمره} يشمل الأوامر في الآداب, ويشمل الأوامر في الأحكام.
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36], {أَمْرًا} هنا نكرة في سياق النفي فتكون عامة في الآداب, في الأحكام, في غيرها.
وقد وجد إجماع من الصحابة على أن الأوامر تفيد الوجوب ولم تفرق بين باب وباب آخر, ثم لا يوجد فاصل يفصل بينما ما هو آداب وبين ما هو أحكام, فكل الشريعة آداب وأحكام.
نسأل الله -جل وعلا- أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح, وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين.
كما نسأله -سبحنه وتعالى- للجنيع التوفيق لخيري الدنيا والآخرة.

هل هناك أسئلة؟ هل هناك اتصالات من الخارج؟ الموقع عندي عطلان, أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة, وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين.
أحد منكم عنده سؤال عما مضى؟ إخواني أعطه لاقط الصوت, نعم.
{أحسن الله إليكم.. بالنسبة للظن, قلنا في البداية أنه من مراتب الإدراك, شهادة الشهود عند القاضي في المحكمة فهل هي ظن؟}.
نعم, شهادة الشهود والنية, يعني القاضي لا يجزم بأن ما تكلم به الشهود حقيقة وصحيح, وحينئذ هو يُجوِّز أمرين:
- أن يكونوا صادقين - وأن يكونوا كاذبين.
لكن احتمال الصدق أعظم من وأعلى وأرجح من احتمال الكذب, هذا يكون من باب الظن.
نعم, فيه أسئلة أخرى؟ واضح.
إذن: أخذنا اليوم ما يتعلق بالأحكام الوضعية, الصحي والباطل.
وأخذنا تقسيمات على الأصول.
وأخذنا عددًا من الأبواب.
ثم أخذنا الكلام, وحقيقة الكلام, وأقل ما يتركب منه الكلام.
ثم قسمنا الكلام بتقسيمات متعددة, منها تقسيمه إلى إنشاء وخبر, ومنها تقسيمه إلى حقيقة ومجاز, وأخذنا أحكام كلٍ, والخلاف في كلٍ.
ثم أخذنا ما يتعلق بمباحث الأمر.
ولعلنا -إن شاء الله تعالى- نقوم باستكمال هذه المباحث في لقائنا القادم, بودي أن يكون هناك تحضير للأبواب القادمة قبل أن نبتدئ, ماذا يفيد الأمر؟ وماذا يدخل فيه, وماذا يخرج منه؟ والنهي وأحكامه, والعام والخاص.
هذه -إن شاء الله سنتكلم عنها في لقائنا القادم في يوم الإربعاء.
أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم يوم الأربعاء لخيري الدنيا والآخرة, كما أسأله -جل وعلا- أن يصلح أحوال الأمة, وأن يردهم إلى دينه ردًا جميلًا, اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان, اللهم ألف بين قلوبهم.

اللهم يا حي يا قيوم نسألك أن تغفر للمؤمنين والمؤمنات, والمسلمين والمسلمات برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين.












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 01:01 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

الأكاديمية الإسلامية المفتوحة
الدورة العلمية الأولى لعام 1433 هـ

شرح متن الورقات لمعالي الدكتور/ سعد الشثري


تفريغ الدرس (3)
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, أما بعد:
فهذا هو اللقاء الثالث من لقاءاتنا في قراءة كتاب الورقات للعلامة الجويني.

وكنا ابتدأنا في اللقاء السابق بالكلام عن الأمر, وذكرنا أن الأمر هو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء, ومثلنا له بقوله تعالى{فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [الحج: 78], وبقوله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} [المائدة: 6], وبقوله -جل وعلا- {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29], {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7].

وذكرنا بأن الأمر يفيد الوجوب, وأن الأصل في الأوامر أن تكون مفيدة للوجوب سواء كانت في أبواب الآداب أو في أبواب الأحكام, إذا تجردت عن القرينة فإنها تدل على الوجوب إلا إذا كان هناك قرينة تصرف الأمر عن الوجوب.
مثال ذلك: قول الله -عز وجل- في البيع {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} [البقرة: 282], {وَأَشْهِدُوا} فعل أمر, الأصل أن يكون مفيدًا للوجوب, لكن وردنا دليل يدل على أن الأوامر هنا ليست للوجوب, وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «باع ولم يُشهد», فدلَّ هذا على أن الإشهاد ليس بواجب, إذ لو كان واجبًا لم يتركه النبي -صلى الله عليه وسلم-
فحينئذٍ نقول بأن الأمر هنا يفيد الندب ولا يفيد الوجب, لأنه وُجدت معه قرينة.

ومثله قوله -عز وجل- {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2], {حَلَلْتُمْ} يعني: تركتم الإحرام وانتهيتم من أعمال الإحرام {فَاصْطَادُوا} الذي هو الصيد. لأن المحرم لا يجوز له أن يصيد حال إحرامه, فإذا انتهى من حالة الإحرام فحينئذٍ يُباح له الصيد.
فقوله -عز وجل- {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2], {اصطادوا} فعل أمر صرفناه من الوجوب للإباحة لأن هذا الأمر ورد بعد نهي, والأمر بعد النهي عند الجماهير يُفيد الإباحة.
وبعضهم يقول: يعود على ما كان عليه قبل النهي, كان الصيد قبل النهي مباحًا, فيكون بعد انتهاء وقت النهي للإباحة.

قال المؤلف: (ولا يقتضي التكرار على الصحيح), المراد بالتكرار: فعل الأمر الواجب مرات عديدة, وفعل الأمر إذا كان معه قرينة تدل على التكرار فإنه يُحمل على التكرار, كما في قوله -عز وجل- {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78], {أَقِمِ} فعل أمر, معناه أنه يتكرر فعل الصلاة بتكرر دلوك الشمس, هنا وُجدت قرينة.
لكن إذا لم توجد قرينة, وُجد فعل أمر ولم توجد معه قرينة, فهل يلزم أن نكرر ما أُمِرَ به مرات عديدة أو نكتفي به مرة واحدة؟ نقول: نكتفي به مرة واحدة.
ولذلك لما قال الله -جل وعلا- {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56], هنا صلاة, أمر بالصلاة, لكنه لم يُذكر فيه التكرار, فنحمله على المرة الواحدة, فيُعدُّ الإنسان متثلًا لهذه الآية إذا فعل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- مرة واحدة.

قال: (ولا يقتضي الفور), المراد بالفور: المبادرة إلى فعل المأمور به, المبادرة إلى فعل المأمور به بمجرد ورود الأمر.
إذا وردنا أمر من الشارع فهل يلزم المبادرة إلى فعله, ونقول لأن الأمر يقتضي الفور أو لا يقتضي الفور؟ هذا من مواطن الخلاف بين الفقهاء.
تحرير محل النزاع: لأنه إذا كان هناك قرينة تدل على أن الأمر للفور أو أن الأمر ليس للفور 6؟؟ بدلالة القرينة, كما لو قال الشارع: افعلوا هذا الفعل مباشرة, فحينئذ نحمله على الفور. لكن إذا لم يوجد مع الأمر دلالة تدل على أنه على الفور, فماذا نقول؟ هل يقتضي الفور أو لا يقتضيه؟
ومن أمثلة ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها» فحينئذ رُتِّبَ الأمر هنا على الذكر, وبالتالي نقول: فيه قرينة تدل على وقت فعل المأمور به.
وجماهير أهل العلم على أن الأمر يقتضي الفورية, إذا جاءنا أمر يجب المبادرة إلى امتثاله.
واستدلوا على ذلك: بأن العرب يلومون مَن تأخر في امتثال الأمر, لو قال لك والدك: أحضر لي الماء. فتأخرت ولم تحضره إلا بعد ست ساعات أو بعد يوم, ألا يتوجه اللوم هنا عليك لأنك لم تبادر إلى امتثال الأمر؟ فهذا يدل على أن الأمر يقتضي الفور.
قالوا: ولأن جميع, لأن الأوقات التي يُفعَل فيها المأمور متفاضلة وليست متماثلة, وأولى هذه الأوقات أن يكون أول الوقت, ولأن الشارع قد أمر بالمسارعة بفعل الطاعات, قال تعالى {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران: 133], وقال: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].

واستدل الجمهور على أن الأمر يفيد الوجوب, يفيد الفورية بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- في صلح الحديبية, لما منع المشركون النبي -صلى الله عليه وسلم- من العمرة وأمر أصحابة بأن يحلقوا رؤوسهم ويذبحوا هديهم ويتحللوا, فلم يبادروا إلى فعل ذلك, فذهب مغضبًا حتى دخل على أم سلمة, فكان في نفس النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه دخل عليها مهمومًا. قالوا: لو كان الأمر لا يفيد الفورية لقالوا: لأن الأمر لا يفيد الفورية وبالتالي سنؤخره مدة, لكن لما اهتمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعدم مبادرتهم دلَّ هذا على أن الأمر يفيد الفورية.
وذهب الإمام الشافعي إلى أن الأمر لا يقتضي الفورية -وهو الذي اختاره المؤلف هنا- قالوا: لعدم وجود دليل يدل على دلالة الأمر على الفورية والمبادرة.
قول الجمهور أرجح من قول الشافعي في هذه المسألة للأدلة السابقة.

ومن الثمرات المترتبة على هذه المسألة: مسألة وجوب الحج, هل يجب على الفور أو يجوز تأخيره بالنسبة للقادر؟
الجمهور قالوا: بأن الجح يجب على الفور, لأن الأمر يقتضي الفورية. والشافعية يقولون: يجوز تأخير الحج للقادر, وبناء على ترجيحنا السابق نقول: بأن الأصل وجوب المبادرة إلى الحج.
إذن: أخذنا مسألة إفادة الأمر للوجوب, وأخذنا مسألة إفادة الأمر للتكرار, وأخذنا مسألة إفادة الأمر للفورية.
المسألة الرابعة: قال: (والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به), هذه يسمونها وسائل الواجب, فإذا أمر الشارع بفعل فإن هذا الفعل له وسائل لا يتحقق إلا بها, فالأمر بالفعل أمر بوسائله.
مثال ذلك: أمرك الشارع بصلاة الجماعة في المسجد, لكنك لا يمكن تصلي الجماعة في المسجد إلا بالذهاب إلى المسجد, فما حكم الذهاب إلى المسجد؟ يكون الذهاب إلى المسجد واجبًا.
يجب عليك استيعاب وجهك عند الغسل في الوضوء, ولا تتمكن من استيعاب غسل الوجه إلا بغسل الشعرات الأولى من رأسك, فيكون غسل الشعرات الأولى من رأسك عند غسل الوجه من الواجبات.
أمرك الشارع بغسل قدميك, ولا تتمكن من استيعاب القدمين بالغسل في الوضوء إلا بغسل جزء من الساق, فيكون غسل هذا الجزء من الساق من الواجبات.

قال المؤلف -ممثلًا لهذا: (كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة). الطهارة شرط للصلاة, لا تصح الصلاة بدون طهارة. ما الدليل؟ قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ», فإذا جاءنا أمر من الشارع قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}, فهو أمر بالطهارة, لأن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة.

قال المؤلف.., نتكلم هنا عن الوسائل المفضية إلى المقاصد, ونقول: بأن المراد هنا: الوسائل المؤدية لفعل الواجب قطعًا, يعني الذهاب إلى المسجد هذا هو الواجب, لكن تذهب على قدميك, تذهب على السيارة, تذهب على دابة؛ هذا ليس متعينًا. لماذا؟ لأنه ليس الوسيلة الوحيدة لتحقيق فعل الأمر الواجب.
المسألة الخامسة: أن الأمر يقتض الإجزاء بفعل المأمور به, إذا جاء أمر من الشارع فامتثلته, فحينئذ يُعدُّ فعلك مجزءًا مُسقِطًا للقضاء.
مثال ذلك: جاءنا الشارع بالأمر بالصلاة, فإذا فعلت الصلاة بشروطها وأركانها فإنه حينئذ تعد ممتثلًا للأمر, وقد خرج عن عهدة التكليف, ولا يلحقك عقاب لأن قد امتثلت؛ بل تؤجر.

ولكن في بعض المرات قد لا يؤجر العبد بسبب من الأسباب, كما لو صلى العبد ثم بعد ذلك حصل منه محبط لأجر الصلاة, ويمثلون له بما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أبق البعد لم تُقبَل له صلاة حتى يرجع», أبق يعني: هرب, والعبد يعني المملوك, يعني المملوك عندما يهرب من سيده فإنه لا تقبل له صلاة حتى يرجع, معنى هذا أنه يؤمر بأداء الصلاة ويخرج من العهدة لكنه لا يؤجر على هذه الصلاة.
ومثل هذا ما فُسِّرَ به, ما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يومًا», مع الكلام في إسناد هذا الخبر.
والأوامر والنواهي ليست مقصودة للشارع لذاتها؛ وإنما هناك غايات وحِكَم ومقاصد قصدها الشارع من هذه الأوامر والنواهي.
وكذلك قصد الشارع من الأوامر والنواهي اختبار العباد, هل يمتثلون أو لا يمتثلون؟
وكذلك هناك معاني أخرى مقصودة للشارع في هذه التكاليف تعود إلى الله -جل وعلا-, منها: رضى رب العزة والجلال عن الطائعين وفرحه بطاعتهم, ونحو ذلك.

قال المؤلف: (بيان مَن يدخل في الأوامر ومَن لا يدخل), يعني إذا جاءنا أمر من الشارع, مَن الذي يدخل؟ مَن الذي يكون مكلفًا؟
لفظة "التكليف" سبق أن ذكرنا أنه يُراد بها معنيان:
الأول: العقل.
والثاني: البلوغ.
ما هما؟ العقل والبلوغ.

قال المؤلف: (يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون), إذا قال الله -عز وجل- {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}, فإن المؤمن يدخل.
كذلك يدخل الساهي, لكنه لا يُطالب بما سها عنه في وقت السهو؛ إنما يُطالب به بعد التذكر, وذلك لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَن نام عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك».
من المراد بالساهي؟ الغافل الذي غفل عن الأمر الشرعي.
القسم الثالث: الصبي, مَن هو الصبي؟ صغير السن. الصبي يُطلق على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الصبي الذي لا يفهم شيئًا, كابن سنة, وابن سنتين, هذا لا يفهم أي شيء, هذا لا يدخل في الخطاب مطلقًا لعدم وجود العقل عنده.
النوع الثاني: الصبي الذي عنده نوع تمييز, لكنه.., الذي عنده نوع فهم, لكنه لم يبلغ التمييز. ابن أربع سنوات لو قلت له: أحضر لي ماءً؛ فَهِم, لكنه ليس لديه التمييز, فهذا إذن غير مُكلَّف بالاتفاق, وذلك لأن هذا الصبي لا يميِّز كلام الشارع. لكن لو أتلف مالًا لغيره, قلنا: يجب الضمان عليه في ماله إن كان عند هذا الصبي مال.
القسم الثالث: الصبي المميِّز.
والتمييز بعضهم يقول: إنه ببلوغ ست سنوات.
وبعضهم يقول: بسبع.
وبعضهم يقول: بكون الصبي يقدر على فهم الخطاب ويرد الجواب.
هذا المميِّز, الصبي المييِّز هل هو مكلَّف أو لا؟ نقول: ليس مكلَّف بالواجبات والمحرمات, لكنه مكلَّف بالمندوبات, ولذلك يُندب لفعل الصلاة, ويُندب لفعل الصيام, لكنها ليست واجبة عليه, ولو تركها فإنه لا يأثم بذلك.
طيب.. إذن: الصبي غير داخل في الخطاب.
المجنون هل هو داخل في الخطاب؟ المراد بالمجنون: مَن ذهب عقله بدون فعل منه, السكران ما يُقال له مجنون. المجنون مرفوع عنه التكليف, لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «رفع القلم عن ثلاثة», وذكر منه «المجنون حتى يفيق», فلو قُدِّر أن المجنون يُجنُّ بعض الوقت ويصحا بعض الوقت؛ فحينئذٍ في وقت الصحو هو مكلَّف تتوجه له الأوامر, وفي وقت الجنون هو غير مكلَّف, وبالتالي لا تتوجه له الأوامر.

نبقى في الكفار, هل يُخاطبون أو لا؟ فنقول: الكفار يُخاطبون بأصل دين الإسلام. ما هو أصل دين الإسلام؟ الشهادتان, شهادة التوحيد لله, وشهادة الرسالة للنبي -صلى الله عليه وسلم-
والكفار بالنسبة للمخاطبة بأصل الإسلام هم مخاطبون بالإجماع, لكن هل يُخاطب الكفار بفروع دين الإسلام مثل الصلاة والصيام, ونحوها من الأعمال, أو لا يُخاطبون بذلك؟
جماهير أهل العلم قالوا: الكفار مخاطبون بفروع الإسلام, وذلك لعدد من الأدلة:
الدليل الأول: قول الله -عز وجل- {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97], فقال هنا {عَلَى النَّاسِ} فشمل الكفار, ولأن الله -عز وجل- قال: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر43,42], ثم بعد ذلك بيَّن أنهم كفار, فدلَّ هذا على أنهم يُخاطبون بالصلاة.
بعض الأشاعرة قال: الكفار غير مخاطبين بفروع الإسلام وبعض المرجئة, بنوه على أي شيء؟ بنوه على قولهم بأن الكفر على رتبة واحدة, فإذا كفر بترك الشهادتين فحينئذ لا يُعاقب زيادة عقوبة لتركه بقية شرائع الإسلام, وبنوا هذا على أن الكفر على رتبة واحدة, لا يزيد ولا ينقص. والصواب: أن الكفر يزيد وينقص, كما نقول ذلك في الإيمان يزيد وينقص.
ويدل على أن الكفر يزيد وينقص عدد من النصوص:
منها قول الله -عز وجل- {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} [النساء: 137].
ومنها قول الله -عز وجل- {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37].
ويدل على هذا: أن النار ليست على رتبة واحدة؛ بل هي على رتب متفاوتة, ولذا قال الله -عز وجل- {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: 145]. هذه المسألة إذن -مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة- مسألة مبنية على أصل عقدي, وهو معتقد الإرجاء, ولا يترتب عليها ثمرات فقهية, ومَن رتَّب عليها ثمرات فقهية نجد أنها لا تعم جميع الكفار؛ بل تكون إما للمرتد, أو تكون للكافر الحربي, أو تكون للذمي, لكن لا يوجد ثمرة تشمل جميع أنواع الكفار.

قال: (وبما لا تصح إلا به), يعني أن الكفار يخاطبون بأصل دين الإسلام الذي لا تصح العبادات والفروع إلا به وهو الإسلام, فالمؤلف اختار قول الجماهير في هذه المسألة, ولم يسر على قول الأشاعرة فيها.
من الأمور المتعلقة بثمرات الأمر: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده, ما المراد بالضد؟ الضدان: ما لا يجتمعان.
مثال ذلك: في الألوان مثلًا, هنا هذا لون أحمر, يمكن أن تكون النقطة الواحدة حمراء وفي نفس الوقت تكون سوداء؟ لا يمكن, لماذا؟ لأنهما ضدان, فالضدان: ما لا يجتمعان في محل واحد.
نريد أحدكم أن يقوم ويكون واقفًا وفي نفس الوقت يكون جالسًا, ممكن يفعل ذلك؟ نقول: لا يمكن. لماذا؟ لأنهما ضدان, والضدان لا يمكن أن يجتمعا في وقت واحد.
إذن: عرفنا معنى كلمة (عن ضده) يعني عما لا يجتمع معه.
إذا أمرك الشارع بأداء الصلاة فحينئذ هذا نهي عن جميع الأفعال التي لا تجتمع مع الصلاة, مَن يُمثِّل لنا بأفعال لا تجتمع مع الصلاة؟ مَن يُمثِّل؟
{الأكل}.
الشيخ:
الأكل, الضحك. طيب..
إذن: الأمر بالشيء.., إذن: لا تفهم من كلمة (عن ضده) يعني عن نواقضه, مثال ذلك, نمثِّل بمثال آخر: أمر الشارع المكلف بالذهاب للحج, معناه: نهيه عن الجلوس في بلده, لأنهما ضدان, معناه نهي عن سفره إلى بلد آخر, هل يمكن أن يكون حاجًا وفي نفس الوقت جالسًا في بلده؟ لا يمكن, وبالتالي الأمر بالحج نهيٌ عن البقاء في البلد, ونهي عن السفر في ذلك الوقت إلى بلد آخر, لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده من جهة المعنى.

ولذلك الأمر بالعفاف لمن لا يتمكن من العفاف إلا بالزواج يدلُّ على الأمر بالزواج, ويدل على النهي عن العزوبة.
إذن: الأمر بالعفاف نهي عن العزوبة لمن كان لا يتمكن من العفاف إلا بالزواج.
بعكس هذه؛ لو كان هناك نهي عن أحد الأفعال فهو نهي عن.., النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده.
مثال ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «قم إلى الصلاة», وقوله {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}, (قم) هنا أمر بالقيام, نهي عن الأضداد هي الجلوس والاضجاع, لكن لو جاءنا نهي من الشارع عن الاضجاع فهو أمر بأحد الأضداد, إما أن تجلس وإما أن تقوم.
إذن: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده, والنهي عن الشيء أم بأحد أضداده. يقابل الأمرَ النهي, ما المراد بالنهي؟ طلب ترك الفعل على جهة الاستعلاء.
مثال ذلك: "لا تتكلموا" هذا نهي, لأن الطلب لترك الفعل على جهة الاستعلاء.
عرفه المؤلف.., من يمثل بالنهي في النصوص الشرعية؟ {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18], "لا تتدعوا", {لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43], "لا تأكلوا أموال الناس بالباطل", إذن هذه أداوت النهي.
النهي: فعل مضارع مسبوق بـ"لا", هذه الصيغة الأصلية.

طيب.. قال: (استدعاء الترك بالقول), لأنه لا يكون نهيًا إلا إذا كان قولًا, وتقدم معنا أن الصواب أن "القول" إنما يُراد به الأصوات والحروف.
(ممن هو دونه على سبيل الوجوب), يعني على سبيل تحتم الترك, ما هو مفاد النهي؟ إذا جاءنا نهي فإنه يفيد التحريم, {فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18], تفيد تحريم توجيه الدعاء إلى غير الله -عز وجل-
{وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ} [البقرة: 188], يفيد التحريم.
{وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء: 32], تفيد التحريم.
طيب.. إذن: ما الدليل على أن النهي يفيد التحريم؟ قول الله -جل وعلا- {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7], ولأن العرب تفهم من النهي التحريم.
كذلك النهي يدل على الفساد, لو أدينا شيء على صفة منهي عنها فإنه يكون فاسدًا, ما معنى كونه فاسدًا؟ لا تترتب عليه آثاره.
مثال ذلك: نكاح الشغار, ما هو نكاح الشغار؟ نكاح البدل, زوجني أختك وأنا أزوجك أختي, هذا نكاح الشغار نهى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-, إذا كان هناك نكاح شغار فإنه حينئذ يكون نكاحًا فاسدًا لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عنه.
ماذا يترتب عليه؟ لا تجب فيه نفقة, لا يجوز الوطء فيه, لا تترتب عليه أي آثار من آثار عقد النكاح الصحيح.

طيب.. قال: (وترد صيغة الأمر), يعني هناك في بعض المواطن تكون صيغة الأمر معها قرينة فنصرفها عن الوجوب إلى معنًى آخر, فتكون مرة للإباحة, كما مثلنا بقوله {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2].

قال: (وترد صيغة النهي والمراد به الإباحة أو صيغة الأمر)
ترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد.
مثال ذلك في قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [فصلت: 40], هذا تهديد, «إذا لم تستحي فاصنع ما شئت», هذا تهديد.
كذلك في مرات تأتي صيغة الأمر ويُراد بها التسوية, يعني أن فعل المأمور وعدم فعل المأمور سواء, مثل قوله -عز وجل- عن أهل النار {اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ} [الطور: 16].
زكذلك قد ترد صيغة الأمر ويُراد بها التكوين, يعني الخلق. مثال ذلك: قوله -عز وجل- {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82], هنا {كُنْ} فعل أمر, لكنه لا يُراد بها طلب الفعل, إنما يُراد بها التكوين.

ننتقل بعد ذلك إلى الكلام عن العام والخاص, قال المؤلف: (وأما العام), نعم.. في تعريف العام, عندكم سؤال في الأوامر والنواهي؟
{يا شيخ: أحسن الله إليك, هل كل فعل مضارع على الإطلاق إذا سُبِقَ بـ"لا" الناهية يعتبر من النهي؟}.
الشيخ: نعم, كل فعل مضارع مسبوق بـ"لا" الناهية فإنه يكون نهيًا.
{طيب.. يقول الله تعالى {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1], هل هنا النهي عن قسم بيوم القيامة}.
الشيخ: هل هذه "لا" ناهية أم "لا" نافية؟ "لا" الناهية تجزم الفعل المضارع, و"لا" النافية لا تجزم الفعل المضارع.
{إذن هنا نافية}.
الشيخ: هنا "لا" النافية, إذن تفرقون بين "لا" الناهية, و"لا" النافية, نعم, سؤال؟ أعطه اللاقط.
{أحسن الله إليك يا شيخ. الفعل إذا دلَّ على الأمر هل يقتضي الوجوب؟}.
الشيخ: فعل الأمر يدل على الوجوب كما تقدم.
{لكن تعريف الشيخ يقول: (بالقول)}.
الشيخ: نعم بالقول, الفعل فعل الأمر الذي هو.., الكلام ثلاثة أنواع: حروف وأفعال وأسماء.
الأفعال منها: فعل ماضي وفعل مضارع وفعل أمر. فعل الأمر الذي هو نوع من أنواع الكلام هذا يفيد الوجوب.
فعل الإنسان هذا لا يدخل معنا, نحن نتكلم عن الكلام, أقسام الكلام قلنا أنه ثلاثة أقسام, وأما ما يفعله الإنسان هذا ليس كلامًا, ولذلك لا نتحدث عنه.

طيب.. قال المؤلف: (العام والخاص), المراد بالعام: هناك ألفاظ تصدق على فرد واحد, مثال ذلك: " زيد - عبد الحكيم", هذا فرد واحد.
وهناك ألفاظ تدل على مجموعة لكنها لا تستغرق, مثال ذلك: "طلاب" يدل على مجموعة لكنه لا يتغرق جميع الطلاب.
وهناك ألفاظ تكون مستغرقة لجميع الأفراد, مثل لفظة: "الطلاب - الناس", فتشمل جميع الأفراد بدون استثناء.
إذن: عندنا ألفاظ تشمل فردًا واحدًا, يقال لها: خاص.
وهنا ألفاظ تشمل مجموعة لكنها غير محصورة, ويسمونها "المطلق". ماذا تسمى؟ "الملطلق", مثل: رجال.
وهناك ألفاظ مستغرقة لجميع أفرادها, مثل لفظة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34], فهذا ماذا؟ لفظ مستغرق, هذا لفظ مستغرق, وهو الذي نسميه "العام".
إذن: "العام" لفظ مستغرق لجمع أفراد الجنس, عرفه المؤلف, قال: (أما العام: فهو ما عمَّ شيئين فصاعدًا), هذا في تفسيره في اللغة.
(من قولهم: عممت زيدًا وعمروا بالعطايا, وعممت جميع الناس بالعطايا), فهذا تعريف لغوي لكمة "عامة".

وأما تعريف "العموم" في الاصطلاح, فالمراد به: اللفظ المستغرق لجميع أفراده.
وألفاظه أربعة:
اللفظ الأول: الاسم, إذن ألفاظ ماذا؟ ألفاظ العموم. ما معنى العموم؟ المستغرق لجميع أفراد الجنس.
مثال ذلك: لو قال شخص: هناك رجالٌ قد خالفوا أمر الله, فحينئذٍ نقول: هذا كلام صحيح, لأنه مطلق, "رجال", لكن لو قلت: جميع الرجال قد خالفوا أمر الله. نقول: هذا لا يصح, لأنه حكم على العموم, وبالتالي لا يصح أن تحكم بالعموم لأمر لم يفعله إلا البهض, وبالتالي نفرق بين العام والمطلق.
العموم الذي يستغرق جميع الأفراد له ألفاظ خاصة, لا نجعل اللفظ دالًا على جميع الأفراد إلا إذا كان من هذه الألفاظ.

قال: (وألفاظه أربعة: الأول: الاسم الواحد المعرف بالألف واللام),
الألف واللام "ال" التي تكون في الأول, إذا كان هناك لفظ مفرد مُعرَّف بـ"ال" فإنه يفيد العموم.
مثال ذلك: إذا قلت {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2], "إنسان" مفرد, عُرِّف بـ"ال", فحينئذ نقول: يفيد العموم.
مثال ذلك: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [المائدة: 38], "السارق" مفرد معرف بـ"ال" فيفيد العموم. نعم..
{{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ}}.
الشيخ: "الرجال" هذا ليس من القسم الأول, لأن "الرجال" جمع مُعرَّف بـ"ال", لأننا نتكلم في القسم الأول: المفرد المُعرَّف بـ"ال" بشرط أن تكون هذه الـ"ال" للاستغراق.
النوع الثاني: اسم الجمع المُعرَّف بـ"ال", الذي تذكره, جامع إذا عُرِّف بـ"ال" فإنه يفيد العموم.
مثال ذلك: قوله -عز وجل- {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35], "المسلمين" جمع مُعرَّف بـ"ال" فيفيد العموم.
{لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 28], "المؤمنون" جمع معرف بـ"ال", و"الكافرين" جمع معرف بـ"ال", فيفيد العموم.
النوع الثالث من الألفاظ المفيدة للعموم: الأسماء المبهمة التي لا تدل على معنى بنفسها, لا بد أن تكون أسماء, وأن تكون مبهمة.
مثال ذلك: قوله -جل وعلا- {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ} [البقرة: 284], {لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ} [يونس: 66],
يعني البعض أم الجميع؟ الجميع, لأنه من ألفاظ العموم, سواء كانت منها "مَن" فيمن يعقل, سواء كانت اسم موصول {لِلَّهِ مَن فِي السَّمَاوَاتِ}.
أو كانت للاستفهام {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255], ولذلك استثنى.
أو كانت شرطية, {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7].

وهكذا أيضًل لفظة "ما" إذا جاءت على كونها اسمًا فإنها تفيد العموم, تستغرق جميع الأفراد, كقوله {لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ} [البقرة: 284].
لكن إذا كانت "ما" حرفًا للنفي, فهذه لا تفيد العموم, مثل: {مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ} [يس: 30], هنا "ما" حرف, ليست باسم, بالتالي لا تفيد العموم.
وقال: (وأي), أن لفظة "أي" تفيد العموم, قال: (في الجميع), يعني فيمن يعقل وفيمن لا يعقل, لأن الأصل في "مَن" أن تكون للعقلاء, و"ما" تكون لغير العقلاء. أما "أي" فتكون للجميع, قال تعالى {أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110], فهنا "أي" أفادت العموم.
بعض أهل العلم قال بأن "أي" لا تفيد العموم وإنما تفيد الإطلاق, ولكنها تكون مفيدة للعموم إذا كانت في سياق النفي.

أيضًا من الأسماء المبهمة: "أين" في المكان, ومثل قوله {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26], {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78], هنا هذا في بعض الأماكن دون بعض أو في جميع الأماكن؟ في جميع الأماكن, لأنها للعموم.
هكذا أيضًا "متى", فإنه تفيد العموم في الزمان {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 48].
ومثله: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} [البقرة: 214].

قال: ("ما" في الاستفهام), يعني إذا كانت للاستفهام والسؤال, (أو للشرط) الذي سماه الجزاء, (أو كانت موصولة) فإنه تفيد العموم.
كم عندنا من صيغة الآن تفيد العموم؟
الصيغة الأولى: الاسم المفرد المعرف بـ"ال".
الصيغة الثانية: الجمع المعرف بـ"ال".
الثالثة: الأسماء المبهمة.
الرابعة: النكرة في سياق النفي, ولذلك قال: (ولا في النكرة), إذا جاءتنا نكرة في سياق النفي فإنها تفيد العموم.
مثال ذلك: "لا إله إلا الله", "إله" نكرة جاءت في سياق النفي فتكون مفيدة للعموم.
{مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ} [يس: 30], "رسول" نكرة في سياق النفي "ما" فتكون مفيدة للعموم.
مَن يُمثِّل لها بمثال آخر؟ {ما يكون من نجوى ثلاثة} [المجادلة: 7], "ثلاثة" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
من يأتي أيضًا؟
مثل النفي النهي فإنه يفيد العموم, إذا كان نكرة في سياق النهي فتفيد العموم, {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18], "أحدًا" هنا نكرة في سياق النهي فتكون مفيدة للعموم, تشمل الملائكة والصالحين والأنبياء, وتشمل غيرهم.
{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [سورة الصمد], "أحد" نكرة في سياق النفي فتفيد العموم, نعم..
{حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا كذب إلا في ثلاث»}.
الشيخ: «لا كذب إلا في ثلاث», نعم..
{"كذب" نكرة}.
الشيخ: "كذب" نكرة في سياق النفي تكون مفيدة للعموم, لأنه لا يجوز الكذب في جميع المواطن إلا ما ورد استثناؤه بعد ذلك.

قال: (والعموم من صفات النطق), هذا رد على مسألته قبل قليل. العموم هذا مما يتعلق بالألفاظ, لا يتعلق بالأفعال, ما يقال: هذا فعل عام, وإنما يقال: هذا فعل.., وإنما يقال: الأفعال لا توصف بالعموم, وإنما العموم من صفات الألفاظ, من صفات النطق.

(ولا تجوز دعوى العموم), يعني لا يصح أن تصف الأفعال بأنها عامة, (ولا تجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه).

طيب.. لعلنا نستعرض عددًا من الأسئلة الواردة في الموقع, ونترك ما يتعلق بالخاص في لقائنا القادم.

يقول: الحكم التكليفي متعلق بشرب الخمر -كما تقدم معنا- فالتحريم هذا حكم تكليفي, أما النجاسة فهذا ليس حكمًا تكليفيًا, قد يتعلق بالذوات, فالنجاسة هذا حكم وضعي, والأحكام الوضعية قد تكون في الذوات, فنجاسة الخمر هذا حكم يكون لذات الخمر, وليس متعلقًا بأفعالنا.
ولذلك يختلف حكم الخمر التكليفي باختلاف ظروفه, لو غَصَّ ولم يجد ما يسيغ به الغصَّة إلا الخمر قلنا: أصبحت الخمر في هذه الحال مباحة أو واجبة, لماذا؟ لأن الحكم التكليفي ليس متعلقًا بذات الخمر.

طيب.. السؤال الثاني: هل نستطيع أن نقول: الأمر بالصلاة نهي عن تركها؟
نقول: هنا لا إشكال فيه, الأمر بالصلاة نهي عن المناقض لها.

طيب.. يقول: ما هي المصطلحات التي يعبر عنها كل إمام من الأئمة الأربعة عن الأحكام التكليفية؟
الأئمة الثلاثة: الإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد يقسمون الأحكام التكليفية إلى هذه الأقسام الخمسة:
الواجب والحرام والمندوب والمكروه والمباح.
الإمام أبو حنيفة يزيد حكمين لا نريد أن ندخل في هذا الخلاف الفقهي خصوصًا أنه لا يترتب عليه كبير ثمرة, ومن ثمَّ نحن في المرحلة الأولى نقتصر على قول واحد.
قول: في تعريف النهي قال المؤلف: (ممن هو دونه), لو قلتَ "اللهم لا تعذبني" هنا صيغة نهي, لكنها ليست نهيًا, إنما هو دعاء, لماذا؟ لأنك حينئذ تطلب من الله -عز وجل-, فلم يوجد صفة: ممن هو دونه.
وهكذا إذا قلتَ لأحد من الناس على جهة النصيحة: "لا تفعل هذا الأمر" فهذا التماس ونصيحة وليس نهيًا يترتب علهي الإيجاب.
نحن تكلمنا عن الاصطلاح الأصولي.
يقول: ما هو مفهوم الواجب عند الأصوليين؟
الجواب: الواجب هو: ما طلب الشارع فعله على سبيل الجزم.
مثال ذلك: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}, المراد بها الصلوات الخمس.

إذا كان الصبي المييز يكلف بالنوافل وهو ابن سبع, فهل تحتجب المرأة من الصبي؟
هذه مسألة فقهية لا علاقة لنا بها في الأصول, وبالتالي لا ندخل العلوم بعضها في بعض, ولسنا هنا حلقة فتوى, وإنما هنا حلقة تعليم وبالتالي نقتصر على تعليم هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

سؤال: ما معنى النهي, ما معنى كون النهي عن الشيء أمرًا بضده؟
لا يمكن أن يترك الإنسان المنهي عنه إلا بفعل أحد أضداده, وبالتالي نقول: إذا نهي عن شيء فلا بد أن تفعل أحد الأضداد.
إذا نهت عن الاضجاع فغما أن تجلس وإما أن تقف, لا يمكن أن تترك الاضجاع المنهي عنه ولا تفعل أحد أضداد ذلك الاضجاع.

هل كل نهي ورد في الكتاب والسنة يفيد التحريم؟
الجواب: بأن الأصل هو أن هذه النواهي تفيد التحريم, لا يُصرف عن التحريم إلا لدليل.

تفضل يا أخ سليمان من تبوك. استمع إلينا مباشرة بدون.., أغلق صوت الجهاز, تفضل يا سليمان..
{السلام عليكم}.
الشيخ: وعليكم السلام, حياك الله.
{شيخ عندي سؤال عند المجنون في اليقظة, هو ما يدرك الخطاب, لكن هل يقضي ما فته من الصلوات؟}.
نعم, واضح السؤال. الجواب: المجنون لا يقضي ما فاته من الصلوات بإجماع أهل العلم.
{نعم؟}.
الشيخ: سؤالك الثاني.
{السؤال الثاني يا شيخ: هذا المخدر الذي يقولون عليه "التخدير" يخدر ثم يقضي ما فاته من الصلوات بعد ما يفيق من التخدير مثل العمليات الجراحية؟}.
الشيخ: حياك الله أخ سليمان, سؤالك واضح.
{شكرًا لك يا شيخ, السلام عليكم}.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله.
المغمى عليه, هل يُطالب بقضاء الصلوات التي فاتته وقت الإغماء أو لا يُطالب بذلك؟
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن المغمى عليه يطالب بقضاء الصلوات, وهذا مذهب الحنابلة, يقولون: لأنه بمثابة النائم, والنائم يؤمر بقضاء الصلوات, لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
والمالكية والشافعية يقولون: لا يقضي هذه الصلوات, المغمى عليه لا يقضي ما فاته من الصلوات, وألحقوه بالمجنون, قالوا: المجنون لا يقضي الصلوات فهكذا المغمى عليه.
وذهب الحنفية إلى أن المغمى عليه إذا كانت مدة إغمائه خمس صلوات فأقلّ فإنه يقضي الصلوات التي فاتته, وإذا كانت أكثر من ذلك فإنه لا يقضي, لأن النوم لا يكون إلا بمقدار, في الغالب لا يزيد عن يوم وليلة, بخلاف الجنون فإنه يزيد.
ولعل مذهب الحنفية في هذه المسألة أرجح, فإذا كان الإغماء أقل من يوم وليلة فإنه يقضي -المغمى عليه-, وإذا كان الإغماء أكثر من ذلك فإنه لا يُطالب بقضاء هذه الصلوات.

تفضل يا أخ شكري, من ألمانيا.
{السلام عليكم ورحمة الله}.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله.
{أحسن الله إليكم يا شيخ. سؤالي مكوَّن من شقين:
الشق الأول: تكلمتم عن المكلف, فمتى يصبح الإنسان مكلفًا, هل هذا يكون يعني السن, وكذلك علامات البلوغ أو هناك ضوابط أخرى.
والشق الثاني من السؤال: أيضًا تكلمتم عن أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة على قولين, فالقول الذين قالوا بأنهم ليسوا مخاطبون بفروع الشريعة, كيف فهموا قول الله -جل وعلا- {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 42], إلى آخر الآية؟}.
الشيخ: أما بالنسبة لليؤال الأول: علامات البلوغ هذه تذكر في مباحث الفقه, يذكرونها في باب.., فقهاء الحنابلة يذكرونها في باب الحَجْر, ويذكرون أنها ثلاث علامات:
- السن: خمسة عشر.
- الاحتلام والإنزال.
- الإنبات.
- وتزيد المرأة بنزول الحيض.
وأما بالنسبة للجواب عن أدلة المخالفين, فنحن هنا نريد أن نوضح المسألة توضيحًا أوليًا, أما تفاصيل الخلاف والأقوال والردود فإنه يخرج عما نحن فيه الآن.

هل يكون النهي للكراهة في بعض الأحيان؟
الجواب: لا يكون, الأصل في النواهي أن تكون للتحريم, ولا يُصرف لغير التحريم إلا لدليل.

سؤال الأخ سوني زكريا من بوركينافاسو, يقول: الداخل في الخطاب.., ما الحكمة في خطاب الكفار بفروع الدين مع أن الأصول إذا لم تستقم لا نبني عليها الفروع؟
نقول: الصلاة لا تصح إلا بوضوء, ومع ذلك يُخاطب المكلف بالصلاة ولو لم يكن متوضئًا, فهكذا أيضًا في فروع الدين, يخاطب بفروع الدين ويخاطب بأصولها, وإن كانت الفروع لا تصح إلا بأصل الدين.

حسن عبد الكريم داملو من السنغال: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟
نقول: نعم, الأمر بالشيء نهي عند ضده -كما تقدم- لأنه لا يمكن اجتماع الأمرين.

طيب.. إذن الأخ يقول: وضح معنى القرينة.
قلنا: الأوامر تفيد الوجوب إلا إذا كان معها قرينة, القرينة: دليل يدل على صرف اللفظ عن أصل المراد به, مثَّلنا لذلك بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قال تعالى {وأشهدوا إذا تبايعتم}, ثم وُجد ما يدل على أن هذا الأمر ليس للوجوب لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- «باع فلم يشهد», فهنا فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتبر قرينة صارفة عن الوجوب.

وبهذا نقف في درسنا هذا اليوم.
أسأل الله -جل وعلا- أن يرزقكم العلم النافع والعمل الصالح, اللهم يا حي يا قيوم ارزق من شاهدنا تقوًى وإيمانًا وعلمًا وفضلًا, كما يسر له أمر دنياه وأمر آخرته.
اللهم أصلح أحوال الأمة, وردهم إلى دينك ردًا جميلًا, اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان, اللهم اجمع كلمتهم على الحق برحمتك يا أرحم الراحمين.

هذا والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نلتقي في لقائنا القادم, هذا والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد.












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 02:13 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

شرح متن الورقات لمعالي الدكتور/ سعد الشثري

تفريغ الدرس (4)
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فأهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم في لقائنا الرابع من لقاءات قراءاتنا في كتاب الورقات في علم الأصول.

سبق أن ذكرنا أن علم الأصول يُبحث فيه ما يصح أن نستدل به على الأحكام, ما الذي يكون دليلًا صحيحًا, وما هو الذي لا يصح أن يُستدلُّ به.
وكذلك في علم الأصول نبحث قواعد الفهم والاستنباط, كيفية تفسير ألفاظ القرآن والسنة.
وكنا درسنا في اللقاء السابق ما يتعلق بالأوامر والنواهي, مثل قوله -عز وجل- {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43], هذه أوامر, ما معناها؟ ما مُفَادُها؟ أخذناه في اللقاء السابق.
كنا قد ابتدأنا بالكلام عن العام, نعيد الكلام فيه.

إذن: الكلام الآن في مبحث العام والخاص.
العام والخاص نوعان من أنواع الكلام, بحيث إذا جاءنا لفظ عام في الكتاب أو السنة نقوم بجعل الحكم الذي يتعلق بالعام مستغرقًا لجميع الأفراد, بخلاف ما إذا جاءنا لفظ خاص.
نمثِّل لذلك بمثال: جاءنا في النصوص الشرعية يقول الله -عز وجل- {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11], "أولاد" هنا من ألفاظ العموم, هل هو لبعض الأولاد أو لجميع الأولاد؟ هذا يسمى لفظ عام. لماذا؟ لأنه استغرق جميع ما يصلح له.
لكن لو قال مثلًا: "أعطِ أولادًا", هذا اللفظ لفظ خاص, يصدق على بعض الأفراد دون جميعهم.
لما قال -جل وعلا- {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92], {رَقَبَةٍ} عام يشمل جميع الرقاب أو هو خاص؟
{إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [المائدة: 89], {مَسَاكِينَ} نطعم جميع المساكين أو بعض المساكين؟ بعض المساكين. فهذا من ألفاظ الخصوص.
إذن: العام والخاص نوعان من أنواع الألفاظ بحيث إذا جاءنا لفظ عام فإننا نجعل حكمه يستغرق جميع الأفراد التي تدخل تحت ذلك العام, أما إذا جاءنا لفظ خاص فحينئذ لا نجعل الحكم شاملًا لجميع الأفراد, وإنما يكون لبعض الأفراد دون بعضها الآخر. واضح هذا الكلام, هذا من أجل أن نفهم الكتاب والسنة, ونفهم كلام الناس, لو جاءنا صك من المحكمة, لو جاءنا وصية, لو جاءنا وقف.
لو قال مثلًا في الوقف: "غلة الوقف تُصرف لأولادٍ من أولادي", فحينئذٍ هذا اللفظ خاص ليس بعام, وبالتالي يجوز تخصيص بعض الأولاد بغلة الوقف.
لكن لو قال: "تُصرف غلة الوقف لجميع أولادي" فحينئذٍ لا بد من استيعاب جميع الأولاد بذلك الوقف.

عرَّف المؤلف العام فقال: (وأما العام فهو ما عمَّ شيئين فصاعدًا), هذا في اللغة, (من قوله عممتُ زيدًا وعمرًا بالعطايا) يعني شملتهما بالعطاء.
(وعمَّمتُ جميع الناس بالعطايا), بعضهم أو جميعهم؟ الجواب: الجميع, فهذا من ألفاظ العموم.
العموم إذن: لفظٌ مستغرق لجميع ما يصلح له.

قال المؤلف: (الألفاظ الدالة على العموم أربعة ),
إذا جاءنا واحد منها فإننا نقول بأن الحكم يشمل جميع الأفراد.
الأول: الاسم الواحد المُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية.
مثال ذلك: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38], "السارق" لفظ مفرد أو جمع؟ واحد, لكنه مُعرَّف بـ(ال) التي للاستغراق, فيشمل جميع الأفراد.
{نَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [العصر: 2], {الإِنسَانَ} لفظ مفرد, مُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية, فيشمل جميع الأفراد, أفراد الإنسان إلا ما أُخرِج بالاستثناء في قوله {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}, الآية. هذا ماذا؟ من ألفاظ العموم.
مَن يأتي لنا بلفظ عموم مفرد مُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية تفيد العموم؟ نعم..
{قوله تعالى {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} [النور: 2]}.
الشيخ: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا}.
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ} [النساء: 34] , هذا خطأ. لأن "رجال" جمع, ونحن نقول: الاسم الواحد, هذه الآية تدخل في النوع الثاني.
النوع الثاني: اسم الجمع المُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية, مثلما مثَّلت, "رجال" جمع مُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية فيُفيد العموم. هل هذا لبعض الرجال أو لجميع الرجال؟ لجميع الرجال.
قال تعالى {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35], {مسلمين} جمع معرَّف بـ(ال) فيفيد العموم.
وكذلك لو كان مُعرَّفًا بالإضافة, مثل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ} [النساء: 11], "أولاد" جمع مضاف إلى معرفة فيُفيد العموم.
النوع الثالث: الأسماء المبهمة, يعني لا تدل على ذات بعينها, هو اسم لكنه لا يدل على عين بذاتها, فهذا يُقال له: أسماء مبهمة.
مثال ذلك: لفظة "مَن" فإنها من ألفاظ العموم, ليست "مِنْ", "مِنْ" هذا حرف جر, "جاء مِنْ السوق" هذا لا يدخل معنا, يعني الحرف, نتكلم عن أي شيء؟ عن الأسماء, أما الحروف فلا تدخل معنا.
مثال ذلك: قوله -عز وجل- {لِلهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ} [يونس: 66], هذا عام, كأنه قال: جميع مَنْ في السماوات وجميع مَنْ في الأرض.
هل هناك أحد في السماوات أو في الأرض ليس لله؟! لا, فهذا من ألفاظ العموم. وهذا يسمونه اسم موصول بمعنى الذي.
كذلك قوله -عز وجل- {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7], "مَنْ" هذه خاصة بالرجال أو تشمل النساء؟ عامة, هل هي للمسلمين فقط؟ نقول: لا, للجميع, فهذا اللفظ {فَمَنْ يَعْمَلْ} "مَنْ" اسم مبهم, ومن ثمَّ يكون من أسماء العموم.
مثل قوله -عز وجل- {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245], هل هذا خاص بالأغنياء؟ لا, يشمل الفقراء.
هل هو خاص بالرجال؟ال, إذن هذا من ألفاظ العموم.
مثال ذلك أيضًا لفظة "ما" إذا كانت اسمًا فإنها تفيد العموم.
مثال ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «فإذا فرغ من التشهد فليدع بما شاء», "بمَا" يعني بكل ما يشاء, "ما" هنا اسم موصول, اسم من الأسماء المبهمة فيفيد العموم, وبالتالي يجوز له أن يدعو بأمور الآخرة وبأمور الدنيا, ويجوز له أن يدعو بألفاظ القرآن وبغير أدعية القرآن, وبالأدعية المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-, وبغيرها. لأن "ما" هنا من ألفاظ العموم.
مثل قوله -عز وجل- {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [البقرة: 197], "ما" هنا اسم مبهم للجزاء, فيشمل العمل القليل والعمل الكثير, ويشمل عمل السِّر وعمل العلانية.
{وَلِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ} [النساء: 126], هل نقول بأن المراد به الحيوانات فقط؟ نقول: لا, لفظ "ما" اسم مبهم, فتكون عامة, فتشمل جميع ما في السماوات.
والغالب أن "مَنْ" تُستعمل فيمن يعقل -له عقل-, و"ما" تُستعمل فيمن لا يعقل.
وتلاحظون أن "ما" في بعض الأحوال تأتي وهي حرف, فلا تفيد العموم, لأن الكلام هنا المفيد للعموم هو في الأسماء, أما في الحروف فإنها لا تفيد العموم.
ومن أمثلة ذلك: "ما" النافية, "ما" النافية هذه لا تفيد العموم.
مثال ذلك لو قلت: "ما جئتُ إليكَ اليوم", هنا "ما" نافية, فلا تفيد العموم.

قال المؤلف: (وأي في الجميع), يعني فيمن يعقل, وفيمن لا يعقل.
مثال ذلك: قوله -عز وجل- {أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [الإسراء: 110], كأنه قال: بأي اسم دعوتموه.
والقول بأن "أي" تفيد العموم هو قول كثير من الأصوليين, ولعل الصواب: أن "أي" لا تفيد العموم, وإنما تفيد الإطلاق.
ولذلك قال: {أَيًّا مَّا تَدْعُواْ}, يعني بأي اسم, {فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى}.
من ألفاظ العموم, من الأسماء المبهمة: "أين" التي تُستعمل في المكان, "أين أنتم الآن".
{أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ} [النساء: 78], كأنه قال: في كل مكان تكونون يدرككم الموت.
وقوله -عز وجل- {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [التكوير: 26], أي: أي مكان, كل مكان تذهبون إليه فإن الله -عز وجل- قادر عليكم.
وقوله -جل وعلا- {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ} [المجادلة: 7], إلى أن قال: {أَيْنَ مَا كَانُوا}, يعني أي جميع الأمكنة التي يكونون فيها فإن الله يعلم ما يسرونه وما يعلنونه, ويكون معهم بعلمه.
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} [البقرة: 115], مثال صحيح, يعني كل وجهة تتوجهون إليها عند خطئكم في معلافة القبلة في البرِّيَّة ونحوها؛ تُقبل صلاتكم.

ومثله أيضًا: "متى" التي تُستعمل في الزمان, فإنها تفيد العموم.
وقد يمثلون له بقوله {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ} [يونس: 48], أي نسألكم عن جميع الأوقات, أي وقتٍ منها سيقع الوعد الذي ذكرتموه؟
و"متى" بعض أهل العلم قد يقول بأنها من أدوات الإطلاق, والجمهور على أنها من أدوات العموم.
تقول: "متى تزرني أُكْرِمُكَ", يعني في جميع الأزمنة أُكرمُكَ متى زرتني, فهذا من ألفاظ العموم.
كما تقدَّم أن "ما" قد تُستعمَل في الاستفهام, وقد تُستعمَل في الجزاء, وقد تُستعمَل موصولة.
مثال الموصولة: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} [النساء: 126], ما تحتاج إلى جواب, ولم يُعلَّق فعل بفعل, هذا اسم موصول.
قد تكون "ما" في الاستفهام وتكون مفيدة للعموم, كقوله تعالى {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} [طه: 17], أي أسألك عن جميع ما في يدك, فهذا "ما" استفهامية.
وقد تكون "ما" للجزاء, أو يسمونه بعضهم: الشرطية", وهي التي يُربَطُ فيها فعل بفعل, {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ} [البقرة: 197], يعني جميع ما تفعلونه يعلمه الله, هنا رُبِطَ {تَفْعَلُوا} بـ{يَعْلَمْهُ}, فكانت "ما" الجزائية, "ما" الشرط.
{مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5], هذا "ما" الشرطية.

كما أخذنا من أدوات العموم: قال ماذا؟ (وألفاظه أربعة: الاسم الواحد المعرف باللام).
الثاني: الجمع المعرف بهما.
الثالث: الأسماء المبهمة.
النوع الرابع: النكرة في سياق النفي, وهي قوله: (ولا في النكرات), فإذا جاءت نكرة في سياق النفي؛ فإنها تفيد العموم.
مثال ذلك قولك: "لا إله إلا الله".
لا: أداة نفي.
إله: نكرة في سياق النفي فتكون مفيدة للعموم, كأنه قال: أنفي ألوهية جميع الآلهة إلا ألوهية رب العزة والجلال.
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30], "رسول" نكرة في سياق النفي "ما" تفيد العموم. جميع الأنبياء وُجدَ من يستهزئ بهم.
مثال آخر في النكرة, قول الله -عز وجل- {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18], "أحد" نكرة في سياق النهي فتفيد العموم, وبالتالي لا يجوز أن نتوجه بالدعاء للأنبياء, ولا للأولياء, ولا للملائكة, ولا للصالحين, ولا لعلية القوم, ولا للملوك, ولا للرؤساء, وإنما تكون عبادتنا لله وحده, دعاؤنا لله وحده بدلالة هذه الآية.
طيب.. إذن كم عددٍ ذكرَ؟ أربعة أصنافٍ.

هناك أصناف أخرى من ألفاظ العموم لم يذكرها المؤلف مثل: "كل", و"جميع", "كل" من ألفاظ العموم.
قال تعالى {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30], هنا ثلاثة ألفاظ من ألفاظ العموم {الْمَلآئِكَةُ} جمع مُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية, {كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}.
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158], {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}, {النَّاسُ} اسم جمع مُعرَّف بـ(ال), و{رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}, {جَمِيعًا} هذا من ألفاظ العموم.

ومنه أيضًا: "كافة", فهذه من ألفاظ العموم.
إذن: هذه ألفاظ العموم, وذكرنا الجمع المُعرَّف بالإضافة.

قال: (والعموم من صفات النطق), ما يكون من الناس قد يكون أفعال بالجوارح, وقد يكون اعتقادات بالقلب, وقد يكون أقوال باللسان, نُطْق.
العموم من صفات الأقوال التي تكون باللسان, واضح هذا؟
إذن: الأفعال التي نفعلها بجوارحنا هذه لا توصف بأنها عامة, لكن لو تكلمت بفعل, قلت مثلًا: "ذهب أو يذهبون". قد تكون مفيدة للعموم بوجهٍ آخر سنأتي إليه.
الكلام تعرفون أنه على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: حروف, مثل: "في - عن - على - ما (النافية) - مِنْ" هذه لا تفيد العموم, الحروف لا تفيد العموم بنفسها.
والنكرة في سياق النفي ليس العموم مستفاد من حرف النفي, وإنما مستفاد من التركيب بين النكرة والنفي.
النوع الآخر: ما يتعلق بالأسماء, العموم في الأسماء, وأغلب الأنواع السابقة أسماء, ولذلك قد تكون مفرد وقد تكون جمعًا.
إذن: الأسماء هي المعنية بمباحث العموم.
النوع الثالث من أنواع الكلام: الأفعال, وليس المراد ما تفعله الجوارح, وإنما النطق بالفعل.
النطق بالفعل:
- إما أن يكون فعلًا مثبتًا, مثل: "جاء زيد", فهذا لا يفيد العموم.
- وإما أن يكون فعلًا منفيًا, فهذه الأفعال المنفية تفيد العموم إذا حُذِفَ متعلقها, كما لو قال: "لا تجلس" معناه في أي مكان في أي زمان.
لو قال الشارع: "لا تقتل" هنا حُدِّدَ المكان؟ ما حُدِّد, يعني في جميع الأمكنة.
حُدِّدَ الزمان؟ لم يُحدَّد في جميع الأزمنة وجميع الأمكنة.
حُدِّدَ مَنْ يتوجَّه إليه القتل؟ لم يُحدَّد, فيشمل الجميع إلا ما استُثنِي.
حُدِّدَ الآلة؟ لم تُحدَّد الآلة, {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ الله} [الأنعام: 151]. إذن: لم تُذكر الآلة, فتشمل جميع الآلات.
الأفعال المنفية أو التي نُهيَ عنها ولم يُذكر المُتعلَّق فيها تُفيد جميع الأفراد, جميع المتعلَّقات.
لو قال قائل: النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يذهب إلى اليمن. في أي سنة هذا الكلام؟ جميع السنوات, لأنه فعل منفي وحُذِفَ متعلَّقَه؛ فيفيد جميع السنوات.

طيب.. قال المؤلف: (ولا تجوز دعوى العموم), ما معنى العموم؟ استغراق جميع الأفراد.
(في غيره) يعني في غير الألفاظ السابقة التي ذكر الملف أنها أربعة, ونحن وضعنا الخامس.
(في غيره من الفعل), الأفعال التي تكون بالجواح لا تفيد العموم.( وما يجري مجراه).

قال المؤلف: (والخاص يقابل العام), العام يستغرق جميع الأفراد, بينما الخاص يكون لبعض الأفراد دون جميعها.
والخصوص قد يكون خاص بفرد, يكون خاص من جميع الجهات مثلما تقول: "جاء زيد", "زيد" واحد, هذا خاص. هل يحتمل أنه زيد وعمرو؟ ما يحتمل. هذا خاص.
وهناك خاص نسبي, وهو الذي أضيف للعموم فيه قيْد, ومن أمثلته المطلق, عندما تقول: "جاء رجال".
ننظر عدد من الأسئلة ثم نعود.

علاء يقول, علاء من مصر يقول: ما الفرق بين العموم والإطلاق؟
العموم: يستغرق جميع الأفراد, كما تقول: "جاء الرجال", كل الرجال.
"خلق الله الرجال" بعضهم أم جميعهم؟ جميعهم.
لكن عندما تقول: "جاء رجال", جميع الرجال أم بعضهم؟
إذن: الأول عام, والثاني مطلق.
العموم له الصيغ السابقة, والمطلق يكون نكرة في سياق الإثبات.
لو قال: "أطعم عشرة مساكين", هل تطعم جميع المساكين؟ إذن: ليس عامًا لأنه خاص بأفراد, عشرة مساكين. هل حدَّدهم؟ لو حدَّدهم أصبح خاصًا.

طيب.. يقول أبو أنس: هل المغنى عليه يُعدّ..
هذا تكلمنا عليه.

سارة من السعودية تقول: النكرة في سياق النفي لا تقتصر على "لا" كما في المتن.
نعم, قد تكون أداة النفي "ما", قد تكون "ليس", وقد تكون هناك "خلا" ونحو ذلك.

طيب.. يقول السائل: هل الأفعال لا تقع بموقع العموم إلا في النكرة؟
تقدم معنا البحث في الأسماء, وذكرنا تقسيماتها.
أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- هل تفيد العموم أو الخصوص؟
نقول: لا تفيد العموم, وتُحمل على أقل درجاتها.
مثال ذلك: جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل الكعبة فصلَّى, هل هذا يفيد عموم جميع أنواع الصلوات؟ نقول: لا.
إذن: نحمله على أي أنواع الصلوات؟ على أقلها درجة, وهي النفل المطلق.

قال المؤلف: (والتخصيص تمييز بعض الجملة)، يعني إذا كان هناك لفظ عام شمل جميع الأفراد, ثم بعد ذلك أحد هذه الأفراد وضعنا له حكم مستقل, هذا نسمية تخصيصًا.
مثال ذلك: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ}, {الإِنسَانَ} مفرد مُعرَّف بـ(ال), فكأنه قال: جميع أفراد الإنسان في خسارة.
ثم خصَّص فقال {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}, فهؤلاء, هذا الصنف قد خُصِّصوا من الحكم العام, الحكم العام ما هو؟ الخسارة لجميع أفراد الإنسان, إلا الذين آمنوا وأصحاب هذه الصفات.
إذن الخاص له حكم مستقل يُخالف حكم العام.
التخصيص قد يكون بأداة متصلة في نفس الخطاب الذي كان فيه العام, مثل: {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}, في نفس الخطاب, هذا يسمونه: مُخصِّص متصل بنفس الكلام.
قد يكون هناك مُخصِّص منفصل يكون فيه كلام آخر.
مثال ذلك: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر», «صلاة» نكرة في سياق النفي فتفيد العموم, جميع أنواع الصلوات, ما يجوز تصلي بعد الفجر.
«لا صلاة بعد العصر», هذا عموم.
ثم جاءنا في حديث آخر «مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها», لو قُدِّرَ أنه نام, ولما استيقظ صلى العصر, فلما فرغ من صلاة العصر تذكر أنه لم يُصلِّ صلاة الظهر, يصليه أم لا يصلي؟
طيب الحديث يقول «لا صلاة بعد العصر», لكن ماذا؟ خصصه حديث آخر, وهو «مَنْ نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». طيب.. واضح هذا؟
إذن: هذا المُخصِّص متصل أم منفصل؟ منفصل في خطاب مستقل.
مثال ذلك, مثال آخر, يقول الله -عز وجل- {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141], هذا في الزكاة, إذا حًدت الحبوب؛ وجبت الزكاة فيها.
هذا {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} يشمل القليل والكثير, يشمل جميع الأصناف, فجاءنا في الحديث «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة» فقلنا بأن الآية يُراد بها ما كان أكثر من خمسة أوسق. لماذا خصَّصنا عموم الآية؟ لورود الحديث. هل هذا مُخصِّص متصل أو منفصل؟ منفصل.
فالمتصل: الاستثناء, استثناء مثل ماذا؟ أداة "إلا", {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}.
مَنْ يأتي لنا بمثال آخر للاستثناء؟ {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ} [البقرة: 249].
مَنْ يأتي لنا بمثال آخر؟ طيب.. إذن هناك أمثلة كثيرة.

كذلك قد يكون التقييد بالشرط, التخصيص قد يكون بالشرط, قال تعالى {وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} [الطلاق: 6], {فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ} هنا عامة, لكنه خصَّصها بواسطة الشرط, خصَّصها بالشرط.
مثال ذلك.., قال: (والتقييد بالصفة)، هذا نوع ثالث من أنواع المُخصِّصات المتصلة, ولعل -إن شاء الله- يأتي الكلام فيها.

مثال التخصيص بالصفة قوله -عز وجل- {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97], {النَّاسِ} عامة تشمل القادر والعاجز, ثم خُصِّصت بقوله {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}.
النحاة يسمون هذا بدلًا, والأصوليون يدخولنه في اسم الصفة.

عرَّف المؤلف الاستثناء, فقال: (والاستثناء إخراج ما لولاه), يعني ما لولا الاستثناء لكان داخلًا في حكم العام.
عند الأصوليين: أن الاستثناء يُبيِّن أن المستثنى لم يدخل في المستثنى منه, {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}, هذا مُخصص متصل بواسط الاستثناء.
عند النحاة يقولون: أن الاستثناء إخراج بعض الأفراد من العام, من المستثنى منه.
عند الأصوليين يقولون: لا, الاستثناء يُبيِّن أن بعض الأفراد أصلًا لم تدخل, لأن الله -عز وجل- يعرف أن هذه الأفراد لم تدخل في حكم العام.
{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}, الذين آمنوا لم يدخلوا في الخسارة, ولذلك قال: (إخراج ما لولاه لدخل ذلك المستثنى في اللفظ العام).
عندما تقول: "لزيد عليّ مئة إلا عشرين" كم يكون عليك؟ يجب عليك أن تدفع ثمانين, لماذا؟ لماذا لم تجب المئة؟ لوجود التخصيص بالاستثناء.

قال: (وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء), لو قال: "له عليَّ مئة إلا مئة" كم يكون الواجب عليه؟
خطأ عليكم, يبقى عليه مئة كاملة, لماذا؟ لأن الاستثناء هنا لم يصح, ومن شرط الاستثناء أن يبقى شيء في المستثنى منه بعد الاستثناء.
ولذا قال: (وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء), فلو قال له: "عليَّ مئة إلا مئة", قلنا: الاستثناء هذا بالطل, وتجب عليه مئة كاملة.
لكن لو قال: "له عليَّ مئة إلا عشرين" وجب عليه أن يدفه ثمانين وصح الاستثناء.
لكن لو قال: "له عليَّ مئة إلا سبعين", كلام المؤلف أنه يصح, يعني قال: (أن يبقى للمستثنى منه شيء).
والجمهور يقولون: لا بد أن يبقى من النصف فأكثر.
الشرط الثاني في شروط الاستثناء: أن يكون الكلام متصلًا.
عبد الحكيم قال: "لزيد عليّ مئة" وسكت, بعد أسبوعين قال: "إلا عشرين", يُقبل كمه؟, نقول: الاستثناء هذا لا يُقبل. لماذا؟ لأنه لم يتصل بالمستثنى منه.
بعض أهل العلم قال: يصح إن كان في المجلس.
وبعضهم قال: يصح إلى شهر.
لكن الصواب: أنه لا بد أن يكون متصلًا بالكلام من أجل أن يؤدي معناه.

قال المؤلف: (ويجوز)..
هناك شرط ثالث لا يراه المؤلف, وهو: أن يكون الاستثناء من الجنس, بحيث يكون المستثنى منه يُماثل المستثنى.
مثال ذلك: تقول: "جاء الرجال إلا زيدًا", "زيد" من الرجال أو ما هو من الرجال؟ إذن : من جنسهم؛ فيصح الاستثناء.
لكن لو قلت: "جاء الرجال إلا حمارًا", هذا من غير الجنس. المؤلف يقول: يصح.

قال: (ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره), لو قال مثلًا: "لزيد عليّ مئة ريال سعودي إلا عشرين جنيهًا مصريًا", يصح أو لا يصح؟
على مذهبكم لما قلتم: لا يجوز الاستثناء من الجنس؛ لا يصح, وبالتالي يجب عليه جميع ما ذكر من المئة ريال.
على كلام المؤلف: يصح الاستثناء, وبالتالي نخصم قيمة الجنيهات من الريالات. واضح ثمرة المسألة؟

قال: (ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه), تقول: إلا زيدًا جاء القوم", وهكذا أيضًا في الشرط والصفة.
إذن: هذا هو النوع الأول مما يتعلق بالكلام عن..
لماذا اختار المؤلف أنه يجوز الاستثناء من غير الجنس؟ لقوله -عز وجل- {فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 30], إبليس من الملائكة؟ ليس.., لقوله -عز وجل- {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50], فهنا إبليس ليس من الملائكة, ومع ذلك استُثني من الملائكة, فاختار المؤلف أنه يصح الاستثناء من غير الجنس.
الجمهور يقولون: بأن الاستثناء هنا بمعنى الاستدراك, كأنه قال: "لكن إبليس أبى".
النوع الثاني من المخصصات المتصلة: الشرط, والمراد بالشرط هنا: الشرط اللغوي لأداة من أدواة الشرط مثل: "إن - متى - أين - ما" ونحو ذلك.
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7], هذا شرط.
والشرط يتقيد الحكم فيه بمحل الشرط.
لو قال: "أعطِ الحاضرين إن فهموا الدر", معناه: أنني أستثني وأخصص مَن لم يفهم الدرس فأقول بأنه لا يأخذ العطاء, "أعطِ مَن حضر إذا فهم الدرس", "من حضر" هذه هي عامة تشمل جميع الأفراد, يعني من الأسماء المبهمة, "إذا فهم الدرس", هذا استثناء, أخرجنا بعض الأفراد منها.

قال: (ويجوز أن يتأخر الشرط عن المشروط), مثل قوله: "سأكرمك إن جئتني".
(ويجوز أن يتقدم الشرط عن المشروط), فتقول: "إن جئتني أكرمتك".
النوع الثالث, قال: التقييد بالصفة. فحينئذٍ هذا من مخصصات العموم, ومثَّلنا له بقول الله -عز وجل- {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97], وقوله {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء: 23], أي زوجات أبنائكم, "حلائل" أضيفت إلى الأبناء, الإضافة عند الأصوليين نوع من أنواع الصفة, وبالتالي يختص المحرمات بحليلة الابن دون حليلة غيره.
هناك صفات يسمونها صفات كاشفة غير مُقيِّدة, وبالتالي هذه لا ذكرت لفائدة أخرى غير التقييد والتخصيص.

طيب.. لو قُدِّر أنه جاءنا خطابان, أحدهما عام أو مطلق لم يُخصَّص ولم يُقيَّد بالصفة, والثاني قُيِّد بها.
مثال ذلك: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا يُمسكن أحدكم ذكره بيمنه», وفي الحديث الآخر: «لا يُمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول», جاء جملة حالية, عند الأصوليين يسمونها صفة, فبأي الحديثين نعمل؟
نقول: يُمنع من الامساك باليمين مطلقًا أو حال البول؟
إذن: هنا وردنا دليلان: أحدهما مُقيَّد, والآخر مُطلَق. فهل يُحمل المطلق على المقيد أو لا يُحمل؟
«لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه», ما قال: وهو يبول.
الحديث الثاني قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول». فهل النهي خاص بحال البول أو هو عام لجميع الحالات سواء في حال البول أو غيرها؟
نقول: مثل هذا على أنواع:
النوع الأول: إذا اختلف الحكم لم يصح تقييد المطلق بالقيد, إذا اختلف الحكم.
اثنين: إذا اتحد الحكم والسبب حُمِلَ المطلق على المقيد.
الثالث: إذا اتحد الحكم واختلف السبب.
نأتي بأمثلة:
في المثال السابق.., نأخذ أسئلة أم نأخذ؟ ما رأيكم؟

نأخذ الأخ عبد الكريم من الجزائر, تفضل يا عبد الكريم.
{السلام عليكم}.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله.
{يا شيخ: بارك الله فيك وأحسن الله إليك, شيخ, فيما يخص ألفاظ العموم, ذكرت الأسماء المبهمة, أرجو أن توضح لنا-بارك الله فيك وجزاك الله خيرًا}.
الشيخ: كلمة "أسماء" تقابل الأفعال وتقالب الحروف.
مبهمة: يعني أنها لا تدل على ذات بعينها, وإنما تشتمل صورًا كثيرة, مثل "ما - من", إذن: هذا معنى قولنا "أسماء مبهمة". الأسماء المبهمة تفيد العموم.
طيب.. قلنا بأنه إذا ورد دليلان, أحدهما مطلق والآخر مقيد, فلا يخلو الحال من ثلاثة أشياء.
الأمر الأول: أن يتحد الحكم والسبب, مثاله المثال الذي قبل قليل معنا, اتحد الحكم والسبب.
مثال ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «مَن لم يجد النعلين فليلبس الخفين», وفي الحديث الآخر «مَن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين».
فهنا دليلان: أحدهما مطلق «فليلبس الخفين» ولم يأمره بقطع من أسفل من الكعبين.
وفي الحديث الآخر: «وليقطعهما أسفل من الكعبين», فحينئذٍ نقول: يمكن الجمع, فيحمل المطلق على المقيد.
بعض أهل العلم قال بأننا نعمل بالمتأخر.
ولعل الأظهر في مثل هذا: أنه نحمل المطلق على المقيد, كما في الحديث السابق «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه» نقيده بلفظة «وهو يبول», فيكون التحريم مقتصرًا على حال البول.

الحالة الثانية: أن يختلف الحكم, ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد.
مثال ذلك: في كفارة الظهار ذكر الله -عز وجل- عتق الرقبة, ثم صيام شهرين متتابعين, ثم إطعام ستين مسكينًا.
في كفارة القتل: ذكر الإعتاق وصيام شهرين ولم يذكر الإطعام. هنا السبب مختلف, هذا قتل وهذا ظهار, والحكم مختلف, فهنا لم يُذكَر الإطعام وهناك ذُكر الإطعام, فبالتالي لا يُحمل المطلق على المقيد. فكفارة القتل ليس فيها إطعام.
لماذا لم نحمل المطلق على المقيد هنا؟ لاختلاف الحكم.
النوع الثالث: أن يتحد الحكم ويختلف السبب.
مثال ذلك: في كفارة القتل فقال {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].
وفي كفارة الظهار قال: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3], ولم يذكر "مؤمنة".
الحكم واحد وهو وجوب الإعتاق, والسبب مختلف, ظهار وقتل. جمهور أهل العلم يقولون: بأنه يُحمَل المطلق على المقيد.

آتي لكم باختبار للجميع, يقول الله -عز وجل- في آية الوضوء {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6], قيَّدها بكونها إلى المرافق.
وفي التيمم قال الله -جل وعلا- {فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم} [المائدة: 6], هل قيَّدها بـ{إِلَى الْمَرَافِقِ}؟ لم يُقيِّدها, هل يُحمل المطلق هنا على المقيد أو ما يُحمل؟ مَن يُجيب؟ مَن يُجيب أنتم يا أهل الشاشة؟
ننظر: الحكم واحد أم مختلف؟ هنا وجوب.., السبب مختلف, هنا تيمم ووضوء, لكن الحكم هل هو مختلف أو لا؟
اختلف الفقهاء في هذه المسألة, فقال طائفة: الحكم واحد, لأن كل منهما طهارة, فلما اتحد وجوب طهارة؛ اتحد الحكم؛ يُحمل المطلق على المقيد, بالتالي يقولون: التيمم يكون إلى المرافق, وهذا مذهب -أظنه- المالكية والشافعية.
وآخرون قالوا: الحكم مختلف, هنا وجوب غسل, وهنا وجوب مسح, والمسح يختلف عن الغسل, وبالتالي لا يُحمل المطلق على المقيد.
لماذا اختلفوا؟ للاختلاف في الحكم, هل هو حكم واحد أو أن الحكم مختلف؟
لعلنا في بقية الوقت ننظر إلى بعض الأسئلة.
يقول: مناط الحكم.
سنأخذه -إن شاء الله- فيما يأتي.

قوله -عز وجل- {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القيامة: 1].
هذا للأصوليين فيها بحث كثير, هل "لا" زائدة, أو أنها نافية, أو أنها مثبتة.
طيب.. مثال للمخصص المتصل, مَن يأتي لنا بمثال لمخصص متصل؟
{إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا}.
هل يُحكم للمطلق على المقيَّد على كل حال؟ وإذا كان المقيد أصعب, هل يُمكن الأخذ بالمطلق الأسهل لأنه أيسر؟
نحن نفهم الكتاب والسنة بلغة العرب, يعني القرآن عربي, والسنة عربية, وبالتالي هذه القواعد قواعد الفهم نأخذها من الكتاب والسنة.

بعد ذلك أورد المؤلف أمثلة للمخصصات المنفصلة.
النوع الأول: تخصيص الكتاب بواسطة الكتاب, يعني تأتينا آية قرآنية عامة, ثم تأتينا آية قرآنية في موطن آخر خاصة.
مثال ذلك: يقول الله -جل وعلا- {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228], أوجب الله على كل مطلقة, لأن "مطلقات" جمع معرَّف بـ(ال) فيفيد العموم, كأنه قال: "كل مطلقة عليها أن تجلي العدَّة ثلاثة قروء.
هذا اللفظ يشمل المدخول بها وغير المدخول بها, لكن جاءتنا آية تدل على أن الزوج إذا لم يدخل بالزوجة فلا عدَّة عليها ولو طلقها, فلو عقد على امرأة ثم طلقها قبل الدخول فلا عدَّة عليها, لقوله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49], فعموم الآية الأولى خصصناه بالآية الثانية.
ومثل قوله -عز وجل- {وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4], فالمطلقة الحامل لا تكتفي في عدتها بثلاثة قروء, وإنما لا بد أن تنتظر حتى تضع الحمل.
النوع الثاني: تخصيص الكتاب بالسنة, فتأتينا آية عامة, ثم يأتينا حديث يخصصها. ومثَّلنا له بقوله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267], "من ما", "ما" هنا اسم مبهم فيفيد العموم, جميع ما خرج من الأرض.
ثم جاءنا في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صدقة», فخصصنا ما كان أقل من خمسة أوسق, فهذا تخصيص الآية القرآنية بواسط حديث نبوي.
وكذلك قوله -عز وجل- {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34], "الذهب" جنس أو مفردة؟ على قولين:
- مُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية فيفيد العموم, القليل والكثير.
وجاءنا في الحديث أن الزكاة في الذهب لا تجب إلا إذا كان أكثر من النصاب, عشرين مثقالًا فأكثر, أكثر من تسعين جرام.
النوع الثالث: أن يأتينا سنة عامة ثم تأتينا آية تخصصها.
مثال ذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «اتقِ الله حيثما كنت», توجب التقوى بجميع الأفعال التي تحصل بها التقوى, حتى ولو كنت عاجزًا على الفعل الذي تتقي به.
ثم جاءتنا في الآية {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16], فخصصنا عموم الحديث بواسطة الآية.
النوع الرابع: أن يأتينا سنة عامة, ثم تأتينا سنة خاصة, فنحكم بالحكم الخاص في محل الخصوص, ونقول بأن بقية أفراد العام على العموم.
مثال ذلك: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «فيما سقت السماء العشر» «فينا», "ما" هنا اسم مبهم, أوجب العشر في جميع ما سقت السماء من الحبوب والثمار.
ثم جاءنا في الحديث «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة», فقلنا: ما دون خمسة أوسق يُعمَل فيه بالحديث الخاص, وما كان أكثر من ذلك يُعمَل بالحديث العام فيه.
النوع الخامس: تخصيص النطق بالقياس, بأن يكون عندنا آية قرآنية أو حديث نبوي عام يشمل جميع الأفراد, ثم أحد الأفراد يكون له مثيل قد خُصِّص, فنحكم بالتخصيص في ذلك اللفظ.
مثال ذلك: جاءنا النطق قول الله -عز وجل- {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ} [البقرة: 275], {البَيْعَ} مُعرَّف بـ(ال) الاستغراقية فيُفيد العموم.
ثم جاءنا في الحديث أن بيع التمر بالرطب حرام, يسمونها "المزابنة".
التمر: هو التمر المكنوز المصفوف.
والرطب: هو الذي جُنيَ حديثًا, لازال على مضارته لم يُرصّ, هذا نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-
فنقول: الآية {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ} خُصِّصت بواسطة الحديث, ثم نقيس على بيع الرطب بالتمر بيع العنب بالزبيب, فنخصص عموم الآية بواسطة القياس, فنقول: بيع العنب بالزبيب لا يجوز قياسًا على بيع التمر بالرطب, فخصصنا عموم الآية بواسطة القياس.
وأكثر أهل العلم يرون أن تخصيص الآيات والأحاديث بواسطة القياس جائز, وطائفة منعوا من ذلك.
والصواب: القياس إذا كان منصوصًا على علته جاز التخصيص, تخصيص العموم به, وإلا لم يجُزْ.

قال: (ونعني بالنطق قول الله -عز وجل- وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم), يعني لم ذكر قبل قليل ما يتعلق بتخصيص النطق بالقياس, قال: مرادي بكلمة النطق ما يتعلق بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
أخذنا قبل قليل: تخصيص العموم بواسطة أقوال الصحابة, أو سنأتي إليه فيما يأتي, وهناك خلاف لعلنا نرجئ البحث فيه عند الكلام عن حُجيَّة قول الصحاب.
الباب الآتي في المجمل والمبين.
المجمل: هو الذي لا يُعرف معناه, ماذا نفعل به؟ نتوقف فيه حتى يأتي مُبيِّن يوضحه.

مثال ذلك: قوله -عز وجل- {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141], {حقه} ما مقدار الحق؟ مجمل, نحتاج إلى حديث يوضحه, وضحه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «فيما سقت السماء العشر, وفيما سُقيَ بالنضح نصف العشر», فهنا إجمال الآية تم تبيينه بواسطة ماذا؟ الحديث النبوي.
ومثله قوله -عز وجل- {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228], ما المراد بالقروء؟
القروء في لغة العرب: قد يُطلق على الطهر, وقد يُطلق على الحيض. إذن هذا مجمل يجتاج إلى مفسر يفسر القرء.

لعلنا -إن شاء الله- نأتي إلى المجمل والمبين في درسنا القادم.
أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقكم لخيري الدنيا والآخرة, كما أسأل الله -جل وعلا- أن يرزقكم علمًا تقومون به حياتكم, وترضون به ربكم -جل وعلا-

هذا وأسأل الله -جل وعلا- للمشاهدين التوفيق لخيري الدنيا والآخرة, اللهم املأ قلوبهم من التقوى والإيمان والسرور برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أمِّن المسلمين في جميع البلدان, اللهم أمِّنهم على أموالهم وأعراضهم ودمائهم وسائر ممتلكاتهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
هذا وأسأل الله -جل وعلا- أن يجزي إخواننا الذي ساهموا في إنتاج وإخراج هذا اللقاء وهذا الدرس, كما أسأله -جل وعلا- أن يصلح أحوال الأمة, هذا والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 02:14 AM   المشاركة رقم: 5
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

شرح متن الورقات لمعالي الدكتور/ سعد الشثري

تفريغ الدرس (5)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فأرحب بكم، فأهلًا وسهلًا ومرحبًا، وأسأل الله -جل وعلا- لكم التوفيق لخيري الدنيا والآخرة، اللهم يا حي يا قيوم أسألك أن ترضى عنهم وأن تحبهم وأن ترفع درجتهم.
وبعد:

ذكرنا أن من المباحث التي نهتم بها في هذا العلم ما يتعلق بكيفة تفسير كلام رب العزة والجلال، بحيث ننزل الآيات القرآنية على مراد الله -عز وجل-، وهكذا الأحاديث النبوية.
وهناك مباحث تنظم هذا التفسير، لأن بعض الناس يأتي ويهجم على بعض الآيات القرآنية فيفسرها من عند نفسه، وبالتالي يقع في ضلال كبير، وقد يكون من أسباب ضلال كثير من الخلق.
ومن هنا نعرف أن تفسير الأحاديث النبوية والآيات القرآنية له قواعد وضوابط لا بد من السير عليها، من لم يسِرْ على هذه القواعد فإنه قد يُحمِّل كلام الله -جل وعلا- ما لم يحتمله، وقد لا يفهم مراد رب العزة والجلال.

من المباحث التي تتعلق بهذا الأمر: مباحث المجمل والمبيِّن.
المجمل: هو الذي لا يُعرف معناه، فيحتاج إلى بيان من أجل معرفة المعنى، ومن أمثلة ذلك قول الله -جل وعلا- {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، لما ذكر الله -سبحانه وتعالى- ما يخرج من الأرض أمرنا بهذا الأمر {وآتوا} فعل أمر، {حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}. ما المراد بحقه؟ كم مقداره؟ ومتى يجب؟ هذا يقال له مجمل، لأننا لا نعرف معناه. فهنا لا نعرف له أي معنى، فنتوقف فيه حتى يأتينا دليل يوضح المراد منه.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: في عدة المطلقة، يقول الله -عز وجل- {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، القُرْء في لغة العرب يُطلق على معنيين: الطهر والحيض.
فهل المراد يقوله {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} ثلاث حِيَض؟ أو المراد ثلاثة أطهار؟
للعلماء في ذلك قولان، لماذا؟ لأن القرء في لغة العرب يُطلق على المعنيين، فنحتاج إلى دليل يُفسر المراد بكلمة القرء.
المجمل ما حكمه؟ يجب علينا أن نتوقف فيه، وألا نفسره بأي تفسير حتى يأتينا دليل شرعي يوضح المراد منه.
والدليل قد يكون بدليل مستقل، مثل قوله {حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}، فسَّرَه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر»، هنا فُسِّر بدليل خارجي.
وقد يكون التفسير بقرينة موجودة في نفس الخطاب، مثال ذلك {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ}
طائفة من أهل العلم قالوا: {ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} يعني ثلاث حِيَض، لماذا؟ قالوا: لأننا لو جعلنا المراد بالقرء الطهر لكانت إما أن تعتد بطهرين وشيء، أو ثلاثة أطهار وشيء. لأنه متى يطلقها؟ في طهر لم يجامعها فيه، فإن حسبنا الطهر الذي طُلِّقت فيه أصبحنا لم نجعلها تعتدّ إلا طهرين وشيء، وإن قلنا: لا يعتدُّ بذلك أصبحت تجلس ثلاثة أطهار، و وهذا الطهر.
بينما إذا قلنا: ثلاث حِيَض فإنها تجلس ثلا حِيَض كاملة لا نقصان فيها.
فهنا استدلال بقرينة موجودة في الآية توضح المراد بها.

أما البيان: فإنه قد يُراد به توضح الأحكام أول مرة، إذن قوله {وَآتُوا حَقَّهُ} مثل قوله {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء: 77]، هذا بيان للحكم ابتداءً فقد يسمَّى بيانًا.
لكن هذا خلاف المشهور عند الأصوليين.
عند الأصوليين: أن البيان: هو توضيح اللفظ المجمل غير المفهوم، أو مثلما قال المؤلف: (إخراج الشيء -يعني اللفظ- من حيِّز الإشكال إلى حيِّز الوضوح والتجلي).
مثال ذلك: لم جاءنا حديث «فيما سقت السماء العشر» قلنا: هذا الحديث يفسر {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}، فيكون هذا بيانًا.

الكلام العربي على ثلاثة أقسام:
أولها: المجمل الذي ذكرناه قبل قليل.
وثانيها: النص الذي لا يحتمل إلا معنًى واحدًا.
مثال ذلك: قال -جل وعلا- {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، تحتمل أنها ثلاثة؟ ما تحتمل. هذا يسمى نص. ماذا يسمى؟ نص.
{فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 196]، ثلاثة أيام يعني أسبوع؟ لا، إذن هذا ماذا؟ لا يحتمل غير هذا، هذا يسمى نصًا.
وبعض العلماء قال: بأن النص ما تأويله تنزيله، يعني بمجرد أن ينزل يكون معناه واضحًا مفسرًا، وهو مشتق من "منصة العروس"، العروس كانوا يضعون لها منصة تكون عند النساء، فيضعون لها مكان مرتفع واضح، تشاهدها جميع النساء، يقال: "منصة العروس"، لأن الرجل لا يدخل معها في تلك المنصة، لأن الرجال لا يدخلون عند النساء.
إذن هذا الكرسي المرتفع يسمونه منصة، لماذا يسمونه منصة؟ لأنه واضح بيِّن، فلذلك سموا الكلام الواضح الذي لا احتمال فيه؛ سموه نصًا.
هناك نوع ثالث يسمى: الظاهر، إذن عندنا: المجمل، وعندنا النص، وعندنا الظاهر.
الظاهر: كلمة تحتمل معنيين، لكنها في أحد المعنيين أرجح وأظهر.
مثال ذلك: في قول الله -جل وعلا- {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} [الفلق 1-3]، هنا {وَقَبَ}، أكثر العلم قالوا: أن المراد به الدخول، وإن كانت تحتمل الخروج.
الغاسق: الذي يُغطِّي كالليل، أمرنا الله -عز وجل- بالاستعاذة من شرِّ هذا الغاسق إذا دخل.
يحتمل أن {وَقَبَ} بمعنى خرج، لكنه احتمال أضعف من الأول.
بعض أهل العلم قال بأن الحديث يشمل المعنيين، بأن الآية تشمل المعنيين.

نأتي بمثال آخر: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «أيما امرأة نكحت نفسها فنكاحها باطل»، "امرأة" ما تعني؟ امرأة.
لو جاءنا واحد قال: لا، المراد بهذه "امرأة" يعني أمة مملوكة، الأمة المملوكة ما تزوج نفسها، يزوجها وليها، سيدها؛ بينما الحرة لا تدخل في هذا الحديث.
نقول: هذا محتمل، لكنه معنى مرجوح.
المعنى الراجح: أن المراد بهذا اللفظ: هو العموم، لأن "امرأة" نكرة في سياق الشرط «أيما»، والنكرة في سياق النفي وما سلك الشرط يُفيد العموم -كما تقدَّم معنا في لقاء سابق-

طيب.. الأصل في لفظة "فـ" حرف الفاء، قد يراد به مجرد الاشتراك بين اثنين، وقد يُراد به التعقيب.
مثال ذلك: تقول: جاء زيد فعمرو. من الذي جاء أولًا: زيد. لأن "فـ" تفيد التعقيب، هذا هو الظاهر من هذا الحرف.
لكن في بعض المرات يؤتى بلفظة الفاء ولا يُراد بها التعقيب، مثل قول الله -عز وجل- {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]، يعني هل معنى الآية: أنك تبدأ بقراءة القرآن أولًا، ثم إذا فرغت تستعيذ؟ الفاء أليست للتعقيب؟ لكنها هنا لم تأتِ للتعقيب، تُرِكَ الظاهر. لماذا؟ لوجود دليل يدلُّ، وهو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستعيذ أولًا قبل القراءة ثم يقرأ، كما ورد ذلك في عدد من الأحاديث.
الأصل في اللفظ الظاهر..، إذن: عرفنا أن النص يجب العمل به على معناه، وأن المجمل يجب أن نتوقف فيه حتى يأتي دليل يوضح المراد به.
طيب.. الظاهر؟ الظاهر: يجب العمل بالمعنى الراجح، ولا يجوز الانتقال إلى المعنى المرجوح إلا لدليل، فلما قال: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا» نقول: لا بد أن يكون تكبير المأموم بعد تكبير الإمام، لأن الأصل في الفاء أن تكون للتعقيب، إلا في الآية {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ}، تركنا الظاهر لوجود دليل يدل على أن التعقيب ليس مرادًا.
صرف الظاهر عن المعنى الراجح إلى المعنى المعنى المرجوح يسمى التأويل.
إذن: ما المراد بالتأويل عندنا هنا؟ صرف اللفظ الظاهر عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح.
ما حكم التأويل؟ إن كان التأويل لدليل فهو صحيح ومقبول، وإن كان التأويل لغير دليل فهو غير مقبول.
مثال ذلك: الفاء قبل قليل في الآية صرفناها من التعقيب إلى مجرد الجمع، فهذا التأويل صحيح لورود دليل يدل عليه.
يقول الله -جل وعلا- {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، قال أهل السنة: فيه إثبات صفة الكلام لله -عز وجل-، وفيه إثبات أن الله يتكلم متى شاء -سبحانه وتعالى-
بعض منكري الصفات قالوا:
1- لا، هذه الآية يُراد بها أنه جرحه بجروح الحكمة.
2- قالوا: الكُلْم يُراد به الجُرح.
ويستدلون على ذلك بحديث «ما من مكلوم يُكْلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك».
فنقول: الأصل: أن نحمل اللفظ على ظاهره.

طيب.. هذا الحديث يصح لتأويل الآية؟ نقول: لا يصح. لماذا؟ لأن الآية يقول فيها {وَكَلَّمَ} بالتشديد، ثم أتى بالمفعول المطلق {تَكْلِيمًا}، ولم يقل: كُلْمًا. فدلَّ هذا على أنه لا يصح هذا التأويل.
ولذلك: كثير من نفاة الصفات يؤولون نصوص الصفات بدعوى وجود دليل، أو بدعوى نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق، ثم إذا نظرتَ وجدتَ أن ذلك الدليل لا يدلُّ على ما يدَّعونه من التأويل، والأصل أننا نعمل بظواهر النصوص ولا نؤولها، هذا هو الأصل، والتأويل هذا نادر في مواطن قليلة يسيرة.

ننتقل بعد ذلك إلى مبحث آخر وهو مبحث: الأفعال النبوية.
فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هل هو حجَّة؟ هل يُعمل به أو لا يُعمل به؟
فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي قبل ورود الشريعة إليه، قال جماهير أهل العلم: لا يُحتجُّ به، لأنه قبل نزول الوحي عليه، وبالتالي لا يؤخذ منه حكم.

طيب.. أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد النبوة ما حكمها؟ أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد النبوة على أنواع:
النوع الأول: ما فعل -صلى الله عليه وسلم- على الاختصاص به، يعني وردنا دليل أن هذا الفعل خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-
مثال ذلك: قول الله -عز وجل- في الواهبة نفسها {وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، ففي هذه الآية دليل على أن قبول الهبة من المرأة هذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، أما غيره لا يصح للمرأة أن تهب نفسه، ويقول هو: قبلت هذه الهبة. فهذا خاص بالنبي -صلى الله عليه وسلم-
النوع الثاني: ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- على وجه القربة والطاعة، يقرب به لله -عز وجل-، فمثل هذا النوع يدل على أن ذلك الفعل مشروع، وأنه قربة يُتقرَّب بها لله -عز وجل- باتفاق أهل العلم.
فطائفة قالوا: بأن هذا الفعل يكون على الوجوب، لأن الله -عز وجل- أمر الأمر بالاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، كما قال تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب: 21]، وقال تعال {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، {وَاتَّبِعُوهُ} أمر، الأصل في الأوامر الوجوب.
واستدلوا عليه بقوله -عز وجل- {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر: 7]، ومما أتى به: فعله -صلى الله عليه وسلم-
وطائفة قالوا: بأن هذه الأفعال على الاستحباب وليست على الوجوب، إذ لو كانت واجبة لأمر بها -صلى الله عليه وسلم- أصحابه.
إذن: هذان فعلان: الأول: ما اختص به، مثل زواجه بستع، هذا خاص.
النوع الثاني: ما فعله على جهة القربة والطاعة.
بعضهم قال: للوجوب.
وبعضهم قال: يُحمل على الندب، وبعضهم قال: نتوقف فيه.
لعل الراجح: أنه على الاستحباب، إذ لو كان واجبًا لأمر أصحابه به.
النوع الثالث: ما فعله -صلى الله عليه وسلم- على جهة الجبلة، أو على جهة العادة.
مثال ذلك: وجد النبي -صلى الله عليه وسلم- أهل زامنه يربُّون شعورهم، ففعل ذلك مماثلًا لفعلهم، فحينئذٍ نقول: هذا الفعل على العادة والجبلة، وبالتالي فيكون على الإباحة.
كان -صلى الله عليه وسلم- يبلس الإزار والرداء، فحينئذٍ نقول: هذا الفعل على الإباحة، لأنه لم يفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- على جهة القربة.
قد يقع في بعض الأفعال اختلاف، وبالتالي يختلف الفقهاء في حكم ذلك الفعل.
نُمثِّل بمثالين:
- في جلسة الاستراحة، إذا فرغ المصلي من الركعة الأولى، ورد في حديث مالك: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجلس للاستراحة قبل أن يقوم للركعة الثانية».
• فبعض أهل العلم قال: هذا قربة وطاعة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فعلها.
• وبعض أهل العلم قالوا: هذا على الإباحة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعلها إلا بعد كِبَر سنه، فيكون على الإباحة.
إذن وقع الاختلاف في هذا الفعل، هل هو على سبيل القربة والعبادة، أو على سبيل العادة.
والأظهر: أن هذا الفعل على سبيل العبادة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولو كان هذا الفعل غير مشروع؛ لأخبر أصحابه بعد مشروعية هذا الفعل.
- المثال الثاني: لبس الخاتم. ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبس الخاتم، كما في حديث أنس وغيره، فهل فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- على جهة القربة والعبادة أو هو على جهة العادة؟ هذا من مواطن الخلاف بين الفقهاء.
بعضهم قال: هو عبادة؛ بل بعضهم قال بأنه واجب، وبأنه ما تصح الصلاة إلا به.
وجمهور أهل العلم قالوا بأن لبس الخاتم من العادات وليس من العبادات.
والأرجح: هو القول الثاني، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما لبسه لسببٍ يعود إلى عادات الناس، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- «لما أراد أن يكتب إلى ملوك زمانه، قالوا: إن الملوك لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختومًا؛ فاتخذ الخاتم».
إذن: اتخاذ الخاتم من أجل عادة الناس في ذلك الزمان، أو عادة ملوك ذلك الزمان أنهم لا يقبلون الكتاب إلا إذا كان مختومًا.

طيب.. قال: (فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيُحمل على الإباحة في حقه وحقنا).
ننتقل إلى أمر آخر مما يُنسب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، أن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أنواع:
- أقوال: كحديث «إنما الأعمال بالنيات».
- وأفعال.
- وإقرار.
ما هو المراد بالإقرار؟
الإقرار: أن يسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يشاهد أحدًا من أصحابه يقول قولًا أو يفعل فعلًا فلا يُكر عليه. لو شاهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مشركًا يفعل فعلًا فلم يُنكر عليه؛ هذا لا يدخل في الإقرار. لماذا؟ لأن المشرك أصلًا لا يقبل من النبي -صلى الله عليه وسلم-
ومن أمثلة ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «رأى أصحابه يأكلون الضب، فلم يُنكر عليه» فهذا سنة ماذا؟ إقرارية.
والسنة الإقرارية هذه تدل على الإباحة إن كانت في العادت، مثل: أكل الضب.
وتدل على الاستحباب إن كان في العبادات. لو قُدِّرَ أن أحد الصحابة فعل فعلًا من العبادادت فأقرَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ فإن هذا يدل على استحبابه.
مثال ذلك: خبيب بن عدي -رضي الله عنه- لما أخذه أهل مكة وأرادوا أن يقتلوه طلب منهم أن يسمحوا أن يصلي ركعتين، سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك وعرف به فلم ينكره.
ومن هنا قلنا بأن سنة القتل هذه مشروعة وعبادة ومن المستحبات، لماذا؟ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقرَّها من أحد أصحابه وهي عبادة.

قال: هناك نوع آخر يُلحق بالإقرار، وهو ما فُعِل في وقت النبي -صلى الله عليه وسلم- بغير مجلسه، علم به ولم يُنكره فإنه له حكم ما فعل في مجلسه. مثل فعل خبيب بن عدي الذي ذكرناه قبل قليل.
هناك أشياء لم يعلم بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يأتِ دليل أنه علمَ بها، يسميها بعض الأصوليين: الإقرار في زمن النبوة، إقرار الله في زمن النبوة.
مثل: حديث جابر "كنا نعزل والقرآن ينزل"، فهذا يرى أكثر الأصوليين أنه مما يحتج به، وأنه يدل على الإباحة والجواز.
قالوا: لأنه لو كان حرامًا أو منكرًا لبلَّغ الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم- إنكار ذلك الفعل، فلما لم يُنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- دلَّ حينئذٍ على عدم المنع منه.

ننتقل إلى مبحث جديد وهو: مبحث النسخ.
الأسئلة هنا لم يصلنا منها شيء، تفضل يا عبد الحكيم.
{شيخ -أحسن الله إليك- الوصال في الصوم، هل يعتبر من أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- الخاصة؟}.
الشيخ: طيب.. الوصال في الصوم على نوعين:
- وصال يوم بيوم: وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه وفعله، فحينئذٍ نحمل الفعل على أنه من خصائصه، ونقول: بأن القول يشمل جميع الأمة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قال: «إني لستُ كهيئتكم» فدل هذا على اختصاص مشروعية الوصال به -صلى الله عليه وسلم-
- النوع الثاني: الوصال إلى السَّحَر، الأول ممنوع منه بالنسبة للأمة -وصال يوم بيوم-
والثاني: وصال إلى السحر، فهذا مباح، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «من أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر»، فدل هذا على أنه ليس بمحرم، لكنه مكروه، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن أفضل أمته أعجلهم فطرًا.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبادر بالإفطار، وقد طلب ماءً، فقال له بعض أصحابه: لا زال الوقت. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا وغربت الشمس؛ فقد أفطر الصائم».

ننتقل إلى النسخ.
المراد بالنسخ: أن يأتي دليل شرعي ثم يُقرر حكمًا شرعيًا، ثم يُلغى هذا الحكم ويؤتى بحكم آخر.
مثال ذلك: كانت القبلة في أول الإسلام إلى أين؟ إلى بيت المقدس، ثم بعد ذلك غُيِّرت إلى الكعبة، قال تعالى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، فهنا هذا نسخ.
إذن: لماذا ورد النسخ؟
- النسخ قد يكون لتسهيل الحكم على الناس في زمن التشريع.
- وقد يكون من أجل ابتلاء الصحابة واختبارهم، هل يصدقون ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وما يرد من الأحكام ؟ أو يترددون في ذلك؟
- كذلك من حكمة النسخ: التخفيف عن العباد.
- وقد تكون المصلحة في زمان في شيء، ثم تكون المصلحة في زمان آخر في شيء آخر، وبالتالي راعت النصوص الشرعية الأمرين.
والنسخ لا يكون إلا بدليل شرعي من قرآن أو سنة، لا يصح أن ننسخ بواسطة الإجماع، ولا بواسطة القياس، ولا بواسطةاجتهاد المجتهدين، كل هذا لا يصح النسخ به. النسخ إنما يكون بالنصوص الشرعية من الكتاب والسنة، لا يصح أن تقول بالدليل، لأن الإجماع دليل، والقيا دليل، ومع ذلك لا يصح النسخ بهما؛ إنما يكون النسخ بماذا؟ بالنص، كتاب وسنة.
أولًا: نُقرر أن هذه الشريعة -شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- ناسخة للشرائع السابقة، قال تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48]، وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28].

عرَّف المؤلف النسخَ في اللغة، فقال: بأن النسخ معناه الإزالة. إذا أزيل الشيء قيل هذا نسخه.
ومن هنا يُقال: نسخت الريح الأثر، يعني أزالت آثار الأقدام ونحوه.
وقيل معناه: النقل، يعني من معاني النسخ في لغة العرب: النقل، ولذلك إذا أخذت الكتاب وأصبحت تنقل منه؛ قيل: فلان ينسخ الكتاب. هذا نقل.
هذا التعريف لغوي، هذا التعريف في اللغة.
أما في الاصطلاح: فالنسخ: هو رفع حكم خطاب متقدم بواسط خطاب متأخر.

عرفه المؤلف فقال: (وحَدُّه)، ما معنى كلمة (وحَدُّه)؟ يعني تعريفه، يعني التعريف.

قال: (هو الخطاب الجديد الدال على رفع حكم سابق ثابت بخطاب متقدم)
، لولا الخطاب الجديد؛ لكان الحكم السابق ثابتًا، ولا بد أن يكون الخطاب الجديد متراخيًا أي متأخرًا عنه.
مثال ذلك: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»، هل النهي في وقت الحديث أو سابق؟ «كنت» هذا سابق. هذا الحديث ناسخ لما قبله، لحكم متقرر قبله.
إذن: هذا الحديث خطاب يدل على رفع الحكم السابق بمنع زيادة القبور بواسطة خطاب جديد متقدم، لولا هذا الخطاب الجديد لكان الحكم السابق ثابتًا، والخطاب الجديد يتراخى عن الخطاب السابق، هذا نسميه نسخًا.
تلاحظون أن النسخ ليس هو ذات الخطاب، الخطاب الجدي هذا نسميه ماذا؟ ناسخ.
أما النسخ: فهو الرفع، رفع الخطاب الأول.
ونمثِّل لذلك بأمثلة:
يقول الله -جل وعلا-..، كان الربا في أول الإسلام جائزًا، ثم جاءت الشريعة بتحريم الربا، قال الله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275]، هل هذا يسمى نسخًا؟ نقول: لا يسمى نسخًا. لماذا؟ لأن إباحة الربا ليست بخطاب، وإنما بالإباحة الأصلية.
مثال آخر: جاءت الشريعة بتحريم الخمر، متى نزل الخمر؟ في المدينة، كان قبل ذلك لم يأتِ دليل بتحريمه فكان مباحًا، لكن تلك الإباحة لم تثبت بدليل خطاب بأن تكن بنصٍ شرعي، وإنما كانت بالإباحة الأصلية.
فرفع تحريم الخمر بواسطة الخطاب الجديد هذا لا يسمى نسخًا.
طيب.. نأتي بمثال صحيح للنسخ، وبعد ذلك نذكر شروط النسخ بناء على التعريف.
يقول الله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل 2،1]، {قُمْ} فعل أمر. ثم في آخر السورة قال تعالى {عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَليْكُمْ} [المزمل: 20]، فدلَّ هذا على رفع وجوب قيام الليل.
قيام الليل كان واجبًا بدلالة {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 2]، نُسِخَ في آخر السورة بخطاب جديد، فهذا يسمى نسخًا.

نأتي بمثال آخر أوضح من هذا:
قوله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65]، كان في أول الإسلام إذا واجه رجل مسلم عشرة من الكفار وجب عليه البقاء ويقاتلهم، إما أن يقتلهم وإما أن يُقتل، ولا يجوز له الفرار.
ثم نُسخت هذه الآية {الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} بالآية التي بعدها {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 66]، يعني إذا واجه المسلم ثلاثة جاز له الفرار، كان في الأول لا يفر من عشرة، إحدى عشر يفر منهم، والآن بعد ذلك نُسخ الحكم.
الحكم الأول ثابت بواسطة دليل، والحكم الثاني ثابت بواسطة دليل.
إذن ما هي شروط النسخ؟
لا بد أن يكون الناسخ خطابًا.
- ولا بد أن يكون المنسوخ خطابًا.
- ولا بد أن يكون الناسخ والمنسوخ متنافيين في الحكم، بحيث يكون الناسخ رافعًا للحكم المتقدِّم.
- ولا بد أن يكون الناسخ متأخرًا عن المنسوخ، لا يصح أن ينزلا في وقتٍ واحدٍ.
قد يقول قائل: ألا يدل وجود النسخ في الشريعة على الطعن فيها؟
نقول: لا، بل هذا له فوائد ومصالح -كما تقدم معنا في أول المباحث- لأن النسخ مقرر بناء على وجود المصالح، فقد يكون الحكم مصلحة في أول الأمر، ثم بعد ذلك تكون المصلحة في وقتٍ آخر.
ولذا قال تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} [البقرة: 106]، ويقول -جل وعلا- {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 101].

طيب.. هناك مباحث..، عندك سؤال؟ نعم، تفضل..
{أثابك الله يا شيخنا، هل هناك مَن صنف بالآيات التي نُسخت لفظًا ولن تُنسخ حكمًا؟}.
الشيخ: طيب.. سنأتي الآن إلى تقسيمات -وهو جواب على سؤالك-، النسخ يمكن تقسيمه بتقسيمات متعددة:
النوع الأول: أن يكون هناك نسخ للآية بحكمها ومع بقاء نصها.
مثاله: المثال الذي قبل قليل، لما قال -جل وعلا- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، ثم في الآية التي بعدها: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}.
الحكم الموجود في الآية الأولى نُسِخ، لكن التلاوة موجودة، لا زالت آية من القرآن، فهنا نُسِخ الحكم وبقيَ الرسم. وهو النوع الثاني الذي ذكره المؤلف.
النوع الثاني: بالعكس: يُنسَخ رسم الآية لكن يبقى حكمها.
مثال ذلك: كان هناك آية نزلت في أن الزاني المحصن يُرجَم، هذه الآية نُسِخ رسمها وتلاوتها وبقيَ حكمها.
وقد يكون هناك نوع ثالث: بنسخ الحكم ونسخ التلاوة والرسم.
ومثاله: ما ورد في حديث عائشة، قالت: "كان فيما أنزل من القرآن: {عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ}، ثم نسُخْنَ بخمسٍ معلومات"، فهنا كان هناك آية نُسِخ لفظها ونُسِخ حكمها.

وقسم المؤلف النسخ إلى تقسيم آخر، فقال: (النسخ أيضًا ينقسم إلى بدل وإلى غير بدل).
مثال ذلك: جاءنا في النسخ أن في عهد النبوة كان إذا أراد أحد أن يُناجي النبي -صلى الله عليه وسلم- ويكلمه سرًّا يُقدِّم صدقة {إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12]، ثم بعد ذلك: نُسِح الحكم ولم يجب تقديم صدقة، هذا يسمونه: نسخ إلى غير بدل.
والنوع الثاني: نسخ إلى بدل، مثال ذلك: كانت القبلة إلى بيت المقدس فنُسِخت إلى الكعبة، هذا إلى بدل.
وكان في أول الإسلام يجب صيام عاشوراء فنُسخ إلى صيام شهر رمضان. هذا نسخ إلى بدل.
بعض أهل العلم يقول: بأنه لا يوجد هناك نسخ إلى غير بدل. لماذا؟ يقول: إذا رُفعَ حكم لا بد أن يوجد حكم آخر، إذا رُفع الوجوب يكون هناك الإباحة، رفِعَ وجوب تقديم الصدقة بين يدي النجوى فأصبح هناك إباحة. فيقولون: لا يوجد نسخ إلى غير بدل.

قسَّم المؤلف أيضًا النسخ إلى تقسيم آخر فقال: وينقسم النسخ إلى ما هو أغلظ، وإلى ما هو أخف.
في مرات تأتي الشريعة بحكم فتنسخه إلى ما هو أشد منه، من أجل تحقيق مصالح العباد.
مثال ذلك: جاء في الشريعة أن -مثال ما هو أغلظ- أن الصيام في أول الإسلام كان ليوم عاشورءاء، كم يوم؟ يوم واحد. ثم نُسخ إلى شهر رمضان، ثلاثين يوم، فهذا نسخ إلى أغلظ، لكن يُحقق مصلحة العباد.
وقد يكون النسخ إلى ما هو أخف، من أمثلة ذلك: أن الشريعة حرَّم زيارة القبور ثم أباحتها وندبت إليها بالنسبة للرجال.

مثال آخر: كان المؤمن يجب عليه أو يصابر عشرة فنُسِخ إلى اثنين. هذا إلى أغلظ أو إلى أخف؟ إلى أخف.
مثال ذلك: كان في أول الإسلام مَن أراد أن يصوم شهر رمضان صام، ومَن أراد ألا يصوم عليه أن يُطعم مسكينًا، ثم بعد ذلك وجب على المؤمنين القادين أن يصوموا لقوله تعالى {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، الآية التي قبلها {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].
كذلك يمكن تقسيم النسخ باعتبار الناسخ والمنسوخ إلى عدد من التقسيمات:
أولًا: نسخ الكتاب بالكتاب: يعني يوجد حكم ثابت في القرآن فيُنسخ بآية من القرآن أخرى. مَن يُمثِّل لها؟ آية المصابرة، وآية الصدقة بين يدي النجوى. كان هناك آية من القرآن تُثبت حكمًا فنُسِخ حكم الآية الأولى بآية أخرى، فهذا نسخ للكتاب بواسطة الكتاب.
الثاني: نسخ السنة بالكتاب: يعني يكون هناك حكم مُقرر في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فتأتي آية من القرآن فتنسخ ذلك الحديث.
مثال هذا: كان في أول الإسلام القبلة إلى بيت المقدس بفعل النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره، لا يوجد آية، ثم نُسخت هذه السنة بواسط آية وهي قوله -عز وجل- {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]، يعني هذا النوع الثاني نوع نسخ السنة بالكتاب.
الثالث: نسخ السنة بواسطة السنة: مثال ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ ألا فزوروها»، فهذا نسخ للسنة بالسنة.
ومن أمثلته: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بتحريق رجلين من قريش بالنار، ثم قال: «إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا بالنار، وإنه لا يُعذِّب بالنار إلا ربُّ النار، فإذا أخذتموهما فاقتلوهما».
باقي قسم رابع وهو: نسخ الكتاب بالسنة، لم يذكره المؤلف هنا، لأن الشافعية لا يرون أن السنة تنسخ الكتاب، والجمهور يُجيزون أن يكون الحديث النبوي ناسخًا للكتاب، ويُمثِّلون لذلك: بقول الله -جل وعلا- {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} [النساء: 15]، قالوا: هذه الآية نُسخت بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «قد جعل الله لهن سبيلًا، خذوا عني، خذوا عني: البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم».

وقد يمثلون له أيضًا بقول الله -عز وجل- {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180]، نسخت بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا وصية لوارث».
والشافعية يقولون: هذه الآية نُسِخت بآية المواريث، ولم تُنسخ بهذا الحديث.

نأتي إلى تقسيم آخر من تقسيم النسخ.
قال: (ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر منهما). يعني أنه إذا كان هناك متواتر من الكتاب يجوز أن ينسخ متواتر من الكتاب، إذا كان هناك متواتر يمكن أن يُنسخ بمتواتر من الكتاب أو من السنة.
كذلك من أمثلة ذلك: نسخ الآيات بعضها ببعض، هذا نسخ متواتر بمتواتر.
النوع الثاني: نسخ آحاد بآحاد. مثال ذلك: حديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ ألا فزوروها»، هنا نسخ حديث آحاد بحديث آحاد.
ومثاله أيضًا: «كنت نهيتكم عن ادِّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث؛ ألا فكلوا وادَّخروا»، هنا نُسِخ حديث بواسطة حديث آخر.
قد يكون هناك حديث آحاد يُنسخ بمتواتر، قد يكون هناك نسخ للسنة الآحادية بواسطة دليل متواتر من الكتاب أو من السنة.

هل يجوز أن يُنسخ المتواتر بواسطة الآحاد؟ أو لا يجوز ذلك؟
هذه المسألة من المواطن التي وقع الخلاف فيها، فالؤلف وجمهور أهل الأصول يرون أن الآحاد لا يصح أن ينسخ المتواتر، فالآيات القرآنية لا يمكن أن ننسخها بواسطة السنة الآحادية، وهكذا السنة المتواترة لا تُنسخ بالسنة الآحادية.
واستدلوا على ذلك: بأن المتواتر قطعي، فلا يصح أن نرفعه بواسطة الظني من الآحاد.
وقال طائفة من أهل الأصول بجواز ذلك، قالوا: لأن العبرة في النسخ هو المنسوخ بكونه دليلًا، والآحاد دليل نصيٌّ كالمتواتر فيصح أن يُنسخ به.
وقد يستدلون على ذلك بحديث تحويل القبلة، لأنه قد ورد في الخبر أن أهل قباء وهم يصلُّون أتاههم آتٍ، وقال لهم: إن القبلة قد حُوِّلت فتحولوا أثناء الصلاة.
التوجه إلى بيت المقدس كان متواترًا عندهم، ومع ذلك تركوه بخبر هذا الواحد الذي علموا أو غلب على ظنهم صدقه -رضي الله عنه- فاستدلوا على جواز ذلك.
وبعض أهل العلم قال: يجوز النسخ -نسخ المتواتر بالآحاد- في زمن النبوة، ولا يجوز بعد ذلك.
إذن: هذا شيء من مباحث النسخ.

نعرض لكم مثال للأخير، وهو: قول الله -عز وجل- {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} [الأنعام: 145]، الآية، فإنه حصر المحرمات في هذه المذكورات، وقد ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن كلِّ ذي نابٍ من السباع».
فقال طائفة: هذا من نسخ المتواتر بالآحاد.
وقال آخرون: بأن قول {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ} أي في ذلك الوقت، لكن قد يوجد محرمات بعد ذلك الوقت الذي نزلت فيه تلك الآية.
نعم..
{شيخنا -أثابك الله- الذي ترجحه من ناحية نسخ المتواتر بالآحاد. ما هو الذي ترجحه؟}.
يسأل أخونا عن نسخ المتواتر بالآحاد، نقول: ظواهر النصوص الشرعية تدلُّ على أن النسخ كما يكون للآيات بالآيات؛ يكون للآيات بالأحاديث، والله -عز وجل- قد قال عن كلام نبيه {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 4]. فإذا كان وحيًا جاز نسخ الآيات القرآنية به.

لعلنا نعرض لبعض الأسئلة.
يقول: قول الله تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228]، هل يمكننا أن نردج الآية تحت المطلق والمقيد؟
نقول: ليس هناك مطلق ولا مقيد، لأن هذا من قبيل المجمل والمبيَّن.

يقول: ما الفرق بين النص والظاهر والمجمل؟
النص: ما لا يحتمل إلا معنًى واحدًا.
والظاهر: يحتمل معنيين، لكنه في أحدهما أرجح.
ما حكمه؟ يجب حمله على المعنى الراجح.
وأما المجمل: فهو ما لا يتبيَّن المراد منه بنفسه.
ما حكمه؟ يجب أن نتوقف فيه حتى يأتينا دليل يوضح المراد منه.

يقول: ما الضابط الذي يُمَيَّز به أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- هل هي عادة أو على وجه القربة والطاعة؟
الضابط: السبب، فننظر إلى سبب الفعل، مثلًا: اتخاذ الخاتم، ما سبب الفعل؟ هو إذا نظرنا إلى سبب الفعل دلَّنا ذلك على نوع الفعل هل هو من قبيل السنة التي هي من القربات، أو هو من العادات.

يقول: كيف نفرِّق ونفهم.. نفس السؤال.
قيام الرسول -صلى الله عليه وسلم- بسور الطوال، هل هو من الأفعال الخاصة؟
نقول: ليس هذا من الأفعال الخاصة، وإنما هذا على سبيل الاستحباب، وهو باقٍ للأمة. قال تعالى في وصف المتقين {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17].

يقول: أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل النبوة..
لا يُحتجَّ بها لأن الوحي لم ينزل عليه بعد، وبالتالي نقول: بأن هذه الأفعال لا يُحتجُّ بها

ما تعريف المتواتر؟
تقدم معنا أن المتواتر: ما رواه جماعة عن مثلهم يستحيل تواطؤهم على الكذب.
وأن الآحاد: ما لم يكن كذلك.

ما المقصود بالبدل وغير البدل في النسخ؟
نقول: المقصود بالبدل: تبديل محل الحكم بحكم آخر.

لا شك أن الناسخ واقع فعلًا، ولا نقول به إلا بضوابط معينة وضعها العلماء، فما هي هذه الضوابط؟ ثم إن هناك من العلماء من يقول بعدم وجود النسخ وأنه غير واقع؟
تقدَّم معنا أن النصوص الشرعية قد دلَّت على وجود النسخ. قال تعالى {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، ودلَّ على ذبك عدد من الأحكام التي تمَّ نسخها، ومثَّلنا له بتغيير القبلة، مثَّلنا له بآية المصابرة، مثَّلنا بعدد من الأمثلة وهي موجودة وواقعية، ومن يُنكر وجود النسخ إلا أبو مسلم الأصبهاني، ولعله يفسر النسخ بتفسير آخر غير التفسير الذي يقول به الجمهور، وبالتالي لم يتوارد كلامهم على محل واحد.

أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، كما أسأله -جل وعلا- أن يصلح أحوال الأمة، وأن يردهم إلى دينه ردًّا جميلًا.
اللهم يا حي يا قيوم احقن دماء المسلمين في كل مكان، اللهم يا حي يا قيوم ولِّ عليهم خيارهم، واجمع كلمتهم على الحق، واجعلهم محكِّمين لكتابك وسنة نبيِّك.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 02:16 AM   المشاركة رقم: 6
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

الدرس السادس
شرح متن الورقات لمعالي الدكتور/ سعد الشثري
تفريغ الدرس (6)


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, أما بعد:
فمرحبًا وأهلًا وسهلًا بكم في لقائنا السادس من لقاءات شرح كتاب الورقات, نتدارس فيه كيف نفهم الكتاب والسنة, نتدارس فيه كيف نعرف ما يصلح أن يكون دليلًا مما لا يصلح أن يكون من الأدلة الشرعية.
أخذنا في لقائنا السابق ما يتعلق بالنسخ وهو: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بواسطة خطاب متراخٍ عنه.
وفي هذا اليوم بإذن الله -عز وجل- نتدارس مبحث التعارض بين الأدلة.
ما المراد بالتعارض؟
المراد بالتعارض: التقابل, بحيث يدل أحد الدليلين على حكم, ويدل الدليل الآخر على حكم مضادٍ له.
مثال ذلك: لو جاءنا دليلان: أحدهما يدل على إباحة فعل, والآخر يدل على تحريمه, فحينئذٍ هذا يسمى التعارص.
ويُلاحظ أن الشريعة لا يوجد فيها تعارض حقيقي, فالكتاب والسنة لا يمكن أن تتعارض فيها الأدلة مهما كانت الأمور.
ودليل ذلك: قوله -جل وعلا- {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [النساء: 82], لكن هناك بعض المواطن يظن بعض الفقهاء في أذهانهم أن هناك تعارضًا بين الأدلة, ولا يتمكنون من معرفة المراد بكل واحد من الدليلين, وبالتالي يظنون وجود تعارض بين هذه الأدلة.
ما هي شروط التعارض؟ متى يكون الدليلان متعارضين؟
هناك شروط:
الشرط الأول: أن يتقابلا في الحكم, أما إذا كان الدليلان يدلان على الإباحة فلا تعارض, لا بد من التقابل, أحدهما يدل على إثبات, والآخر يدل على نفي.
أما إذا كانا يدلان على حكم واحد فهنا لا يوجد تعارض.
الشرط الثاني: صحة الدليلين, فلو كان أحد الدليلين ضعيفًا فإنه لا يُعدُّ هذا من التعارض.
مثال ذلك: إذا كان عندنا دليل صحيح يدل على الإباحة, وعندنا دليل ضعيف يدل على التحريم, هل هنا تعارض؟ نقول: لا يوجد تعارض, لأن الضعيف لا يصح أن يُستدل به, ولا يصح أن يُقابَل به الدليل الصحيح.
الشرط الثالث: أن يتوارد الدليلان على محل واحد في زمن واحد.
لو قال قائل: الشريعة تقول بأن المرأة الطاهرة تصوم, وأن المرأة الحائض لا تصوم, فهذا تناقض وتعارض!
تقولون له: لا يوجد تعارض. لماذا؟ لأن الدليلين لم يتواردا على محل واحد أو زمان واحد.
جاءت الشريعة بأن المقيم يجب عليه الصوم لرمضان, وجاءت الشريعة أيضًا بأن المسافر يجوز له الفطر, الأول يوجب الصيام, والثاني يجيز الفطر. فحينئذٍ هل هنا تعارض؟ نقول: لا يوجد تعارض. لماذا؟ لأنهما لم يتواردا على محلٍّ واحدٍ.
إذا ورد دليلان في محل واحد, فحينئذٍ ماذا نفعل؟
نمثِّل لذلك بمثال: جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «غطِّ فخذك, فإن الفخذ عورة», وجاء في الحديث الآخر «أن ثوب النبي -صلى الله عليه وسلم- ارتفع, قال: فمسستُ فخذه», فحينئذٍ هنا تعارض, فكيف نجمع بين هذين الدليلين المتعارضين؟
مثال آخر: جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا صلاة بعد العصر», وجاء في الحديث الآخر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها», فحينئذٍ لو قُدِّر أنه لم يذكر الصلاة التي فاتته إلا بعد العصر فهناك عرَضَ فيه دليلان.
إذن: عرفنا التعارض, ومثَّلنا له, وتبيَّن له شروط التعارض, ومتى يكون تعارضًا في ذهن المجتهد.
ماذا نفعل عند وجود التعارض؟ وكيف نقوم بالتعامل مع هذا التعارض؟

التعارض له أربع طرائق للتعامل مع بالترتيب, كم طريقة؟ أربع.
الطريقة الأولى: أن نحاول الجمع بين الدليلين, بأن نحمل أحد الدليلين على محل, ونحمل الدليل الآخر على محلٍ آخر.

مثال ذلك: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تستقبلوا الكعبة ببول أو غائط ولا تستدبروها», ثم جاءنا في الحديث الآخر حديث ابن عمر قال: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يبول مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة», فهنا دليلان متعارضان, الأول يدل على المنع, والثاني يدل على الجواز.
نظرنا, قلنا: وجدنا في حديث ابن عمر, قال: «رقيت بيت حفصة فوجدت», فدلَّ هذا على أن فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في البنيان, ولذلك قد نحمل دليل الجواز على مسألة حال البنيان, ونحمل دليل المنع على ما عدا ذلك.

مثال آخر: قال الله -عز وجل- {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228], ثم قال الله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49], فحينئذٍ نقول: الآية الأخيرة هذه في المطلقة التي لم يُدخل بها, بينما الآية الأخرى في المطلقة المدخول بها, فهنا وُجد التعارض, فحملنا أحد الدليلين على محل, وحملنا الدليل الآخر على محل آخر. هذا ماذا نسميه؟ الجمع بين الدليلين.
قد نحمل أحد الدليلين على محل, ونحمل الدليل الآخر على محل, وقد نحمله على زمان دون زمان, وقد نحمله على وصف دون وصف, إلى غير ذلك مما ورد في الأحاديث.

ومن أمثلته مثلًا: جاء في الحديث «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يمسك الرجلُ ذكرَه بيمينه», وفي الحديث الآخر: «نهى أن يمسك الرجلُ ذكرَه بيمينه وهو يبول», فبالتالي نقيد الحديث الأول بالقيد المذكور في الحديث الثاين.
وبهذا نعلم أن تخصيص العموم من الجمع بين الدليلين, وأن تقييد المطلق -الذي مرَّ معنا- من الجمع بين الدليلين.
وإذا لم يُمكن الجمع فماذا نفعل؟
إذا لم يمكن الجمع فإننا ننظر في التاريخ, فنجعل المتقدم في التاريخ منسوخًا, والمتأخر ناسخًا, وقد ورد: "كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ". فدلَّ هذا على أنهم يأخذون بالمتأخر إذا لم يمكن الجمع.

مثال ذلك: جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من مسَّ ذكره فليتوضأ», وهذا الحديث رواه أبو هريرة, وروته بسرة بنت صفوان, وهما ممن تأخر إسلامهم قرابة السنة السابعة.
وجاء حديث طلق بن علي: أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: مسستُ ذكري في الصلاة, فقال: «إن هو إلا بضعة منك», هل حكم بانتقاض الوضوء؟ لم يحكم بانتقاض الوضوء في هذا الحديث.
فحينئذٍ قال طائفة بأن حديث طلق كان بعد الهجرة, لأنه وصف قال: "قدمت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يبنون المسجد". فأخذنا بالمتأخر وهو الذي روته بسرة ورواه أبو هريرة, فقلنا: بأن الوضوء ينتقد بمسِّ الذكر كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وطوائف من أهل العلم, فأخذنا بالمتأخر في هذا المثال.
بعض أهل العلم قال بأن حديث طلق هو في مس الذكر من وراء الثياب, يعني يسأل عن مس الذكر وهو يصلي, ويَبُعد أن يكون مصليًا كاشفًا لعورته.
وبعضهم قال: إنه في الحديث قال: «إن هو إلا بضعة منك», فلم يفرق بين ما كان من وراء الثياب وما كان من فوقها.
وعلى كلٍ عرفنا الطريقة السليمة.

نأتي بمثال آخر يوضح الاختلاف في التعامل بين دليلين متعارضين.
جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ذاهب من المدينة إلى مكة, قال: «من لم يجد الإزار فليلبس السراويل, ومن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين», هذا قال أين؟ في الطريق قبل أن يصل إلى مكة, فلما جاء في مكة قال النبي -صلى الله عليه وسلم- «من لم يجد النعلين فليلبس الخفين», ولم يذكر القطع.
فاختلف الفقهاء في التعامل مع هذين الدليلين, فقال طائفة بأن حديث ابن عباس الذي لم يذكر فيه القطع متأخر, وبالتالي يكون ناسخًا للحديث المتقدم, فعملوا بالدرجة الثانية.
بينما قال آخرون بأن حديث ابن عباس مطلق, وحديث ابن عمر مقيَّد, وإذا أمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين؛ فحينئذٍ نقدم طريقة الجمع على طريقة الحكم بنسخ المتأخر للمتقدم.

نأتي بمثال آخر: وهو أنه قد ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاءه رجل وعليه الطيب, فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عما يفعله في عمرته, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «اغسل عنك أثر الخلوق», أمره بإبعاد أثر الطيب.
وجاء في حديث عائشة أنها «طيَّبت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإحرامه قبل أن يُحرم, وكان وبيص الطيب على مِفرَق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». فهنا دليلان متعارضان:
الأول: يدل على إيجاب غسل المحرم للطيب.
والثاني: يدل على جواز بقاء الطيب على المحرم.
فماذا نفعل؟
قال طائفة بأن الحديث الآخر هذا متأخر لأنه كان حديث متقدم, فنظروا إلى التاريخ.
والصواب: الجمع, بأن نقول: حديث عائشة في الطيب على البدن, وحديث يعلى بن أمية الذي قال فيه «اغسل عنك أثر الخلوق» هذا في الطيب على الثياب, وبذلك نجمع بين هذين الدليلين.
ومن هنا نقرر بأنه لا يُصار إلى النسخ بدون دليل إلا عند عدم إمكانية الجمع, أما إذا أمكن الجمع فإننا لا ننظر إلى التاريخ.

إذا لم نتمكن من الجمع ولم نتمكن من معرفة التاريخ؛ فحينئذٍ ننظر إلى الراجح من المرجوح فنقدم الراجح, وهناك قواعد كثيرة لمعرفة ما هو الراجح من المرجوح.

مثال ذلك: لو كان أحد الخبرين المتعارضين قد رواه جماعة من الصحابة, مثل حديث «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرفع يديه إلى منكبيه عند تكبيرة الإحرام وعند ركوعه وعند الرفع منه», وجاءنا في الحديث الآخر حديث ابن مسعود «كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود».
الحديث الأول رواه صحابة كُثُر, والثاني لم يروه إلا صحابي واحد؛ فبالتالي نقول: بأنه يُقدَّم ويُرجَّح الذي رواه الجماعة.
إذا لم يمكن معرفة الراجح من المرجوح فماذا نفعل؟
نقول: يجب على -هذه الرتبة الرابعة- يجب على المفتي أن يتوقف, بحيث لا يفتي ولا يقضي في هذه المسألة, لماذا؟ لأنه لم يظهر له الراجح من المرجوح في الدليلين المتعارضين.
وأما بالنسبة للعمل في نفسه فله أحد طريقين:
- إما أن يُقلِّد عالمًا آخر, لأنه لم يتمكن من الوصول للراجح في هذه المسألة.
- وإما أن يحتاط في المسألة بحيث يخرج من الأقوال بيقين.

نأتي إلى شرح كلام المؤلف.
يقول المؤلف: (إذا تعارض نطقان) أي دليلان من أدلة النطق يقابل الأدلة القياسية, (فلا يخلو إما أن يكون الدليلان المتعارضان عامين أو خاصين أو يكون أحدهما عامًا والآخر خاصًا, أو كل واحد منهما عامًا من وجه وخاصًا من وجه).

نمثل لذلك بأمثلة:
إذا تعارض دليلان عامان
مثال ذلك: مثلًا في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «فيما سقت السماء العشر» هذا يشمل القليل والكثير.
وجاء في الحديث الآخر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» معناه أن الزكاة لا تجب في القليل, وتجب في الكثير. هنا دليلان عامَّان لأن "ما" من أدوات العموم. ماذا نعمل؟
إن أمكن الجمع بين الدليلين فحينئذٍ نعمل بالجمع. فأحدهما عام والآخر خاص, فنقول: إذا لم نعرف التاريخ فنرجح بين هذه الأدلة.
هكذا أيضًا إذا كانا خاصين, فإننا ننظر إلى إمكانية الجمع, فإذا لم يُمكن بحمل أحد الدليلين على محل, وحمل الآخر على محل آخر, فإذا لم يُمكن الجمع نظرنا إلى التاريخ فعملنا بالمتأخر وجعلناه ناسخًا للمتقدم.
إذا لم نعلم التاريخ؛ فإننا حينئذٍ نرجح بين هذه الأدلة, فنأخذ بالدليل الأقوى.

لو قُدِّرَ أن أحد الدليلين عام وأن الآخر خاص وخاصًا من وجهٍ آخر.
مثال ذلك: يقول الله -عز وجل- {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} [البقرة: 228], هذا يشمل الصغيرة والكبيرة ويشمل الحامل, ثم جاءنا في الآية الأخرى {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4], هناك ضعها كدائرتين متقاطعتين.
الأول: المطلقة غير الحامل, عدتها ثلاثة قروء.
الثاني: الحامل التي تحتاج إلى عدَّة وليست مطلقة, كالمتوفى عنها, فعدتها ماذا؟ وضع الحمل, {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
يبقى هناك شيء مشترك وهو: المطلقة الحامل, هل تأخذ بالدليل الأول, أو تأخذ بالدليل الآخر؟ ننظر في هذين الدليلين العامين, فنأخذ بأقوى العمومين الذي لم يرد عليه مخصصات كثيرة.
قوله {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} لم يرد عليه مخصصات, بخلاف {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ}, فإنه قد ورد فيه أن المطلقة التي لم يُدخل بها لا عِّدة عليها. إذن هذا تخصيص.
وورد عليه أن المرأة الكبيرة الآيسة والمرأة الصغيرة التي لم تحض بعد فإنها لا تدخل في الآية, وإنما عدتها ثلاثة أشهر.
إذن: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} ورد عليها مخصصات كثيرة, بالتالي عمومها أضعف من عموم قوله -عز وجل- {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
ومة ثَمَّ نقول بتقديم العموم الذي لم يرد عليه إلا مخصصات قليلة في موطن التعارض بين الدليلين.

نمثل بمثال آخر لعله يتضح الحال, جئنا بمثال قبل قليل وهو قوله النبي -صلى الله عليه وسلم- «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها», هذا يشمل الصلوات المقضية فقط, ولا يشمل صلوات النوافل, فهو خاص من جهة نوع الصلاة, يختص بماذا؟ بالصلاة المقضية, لكنه في الوقت عام يشمل الصباح والمساء, بعد العصر, بعد المغرب, جميع الأوقات, فهو خاص في نوع الصلاة لكنه عام في الوقت.
بينما في الحديث الآخر «لا صلاة بعد العصر», هذا عام في الصلوات, «صلاة» هنال نكرة في سياق النفي فتكون مفيدة للعموم, فهو خاص في الوقت بعد العصر, لكنه عام في الصلوات.
الحديث الأول لم يرد عليه مخصصات, بينما الحديث الثاني ورد فيه مخصصات.

مثال المخصصات: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن مسجد الكعية «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت أو صلى في أي ساعة شاء من ليل أو نهار».
وورد في الحديث الآخر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتته سنة الظهر فصلاها بعد العصر.
إن هذا العموم «لا صلاة بعد العصر» وردت عليه مخصصات كثيرة, وبالتالي عندنا دائرتان متداخلتان:
الأولى: «لا صلاة بعد العصر».
والثانية: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها».
يتداخلان في أي شيء؟ الصلاة المقيمة بعد العصر, ماذا نفعل بها؟
العموم الأول: «من نام عن صلاة أو نسيها» مخصصاته قليلة.
- بينما «لا صلاة بعد العصر» مخصصاته كثيرة. وبالتالي نقدم عموم «من نام عن صلاة أو نسيها», "مَنْ" من أدوات العموم, «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها, لا كفارة لها إلا ذلك».
الجويني يقول: (هذا واضحًا).

لعلنا نذكر عددًا من القواعد التي نرجح فيها بين الأدلة المتعارضة.
متى يكون الترجيح؟ عند عدم إمكانية الجمع, وعدم معرفة التاريخ.
هناك قواعد كثيرة للترجح بين الأدلة المتعارضة.
ذكرنا من أمثلتها:
- قوة العموم, العام الأقوى يُقدَّم على العام الأضعف, والتضعيف هنا بكثرة المخصصات.
- أيضًا تقدَّم معنا: الترجيح بحسب الإسناد وكثرة الرواة, ولذلك قدمنا رواية رفع اليدين عند الركوع على غيرها.
- أيضًا من الأمثلة التي فيها التعارض: لو تعارض دليل من الكتاب ودليل من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم نتمكن من الجمع بينهما, فحينئذٍ نقدم الآية على الحديث.
مثال ذلك: جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن البحر: «هو الطهور ماؤه, الحلُّ ميتته», فكل ما مات في البحر فإنه حلال بظاهر هذا الحديث.
ثم جاءتنا آية في كتاب الله, يقول الله -عز وجل- {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ} [الأنعام: 145], فلو قُدِّر أن هناك حيوان يُقال له خنزير البحر, هل يجوز الأكل منه أو لا يجوز؟
على الحديث: يجوز الأكل منه.
وعلى الآية: لا يجوز الأكل منه.
فأيهما نقدِّم؟ نقول في هذا المثال: نقدم الآية, فيُقدَّم كتاب الله على الحديث النبوي الوارد في هذا الباب.
- ومن أمثلة أيضًا الترجيحات: ما لو كان أحد الدليلين: فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-, والدليل الآخر: قوله؛ فإننا نقدم القول على الفعل.
مثل ذلك: «غطِّ فخذك», فهذا قول. «انحسر ثوبه عن فخذه», هذا فعل, فأيهما يُقدَّم؟
نقول: نقدم القول. لماذا؟ لأنه لا يحتمل الخصوص, بينما الفعل يمكن أن يكون خاصًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم-
- ومن أمثلة ذلك: لو جاءنا في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما الماء من الماءِ» هذا في الاغتسال, يعني إنما يجب الاغتسال بالماء عند نزول المنيّ, ثم وردنا في حديث عائشة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا جلس على شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل وإن لم يُنزِل».
إذن: التعارض الآن في أي شيء: فيما إذا جامع ولم يُنزِل.
في الحديث الآخر: «إذا مسَّ الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل», فهل بناءً على الحديث الأول نقول: «إنما الماء من الماء», فنقول: لا يجب الغسل إذا جامعها ولم ينزل, أو نأخذ بالدليل الآخر؟
نقول: الدليل الآخر أقوى من جهة الدلالة, لأنه نصٌّ في هذه المسألة, في قوله : «ولو لم يُنزِل» بخلاف الدليل الآخر فإنه بدلالة الحصر.

- قد يكون الترجيح بسبب خارجي, بسبب دليل آخر.
مثال ذلك: جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يصلي الفجر بغلس», يعني في الظلمة, في أول الوقت. ثم جاء في الحديث الآخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر».
فحينئذٍ نقول: أيهما الأفضل: أن نُبكِّر بالفجر أو أن نؤخرها؟
إن أخذنا بحديث «أسفروا بالفجر», قلنا: الأفضل التأخير.
وإن أخذنا بحديث «كان يصلي بغلس» قدَّمنا.
كان يصلي بغلس ويصلي معه أصحابه, وبالتالي لا يصح أن نحمله على الخصوصية, فننظر إلى مُرجِّح خارجي, وهو قول الله -عز وجل- {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148], فيدلنا على التبكير في هذه المسألة مُقدَّم.
- من أمثلة ذلك: لو تعارض خبران: راوي أحد الخبرين هو صاحب القصة, أو له اتصال بالقصة؛ فإنه يُقدَّم خبره على خبر غيره.
مثال ذلك: جاء في الحديث حديث ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «عقد على ميمونة وهما محرمان». وجاء في حديث عثمان أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَنكِح المُحرِم ولا يُنكِح», ثم جاءنا «لا يَنكِح المُحرِم» يعني لا يكون زوجًا, «ولا يُنكِح» يعني لا يكون وليًّا.
ثم جاءنا في حديث ميمونة قالت: "تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن حلالان", ميمون صاحبة القصة, وقال أبو رافع: "تزوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهما حلالان, وكنتُ السفير بينهما", فميمونة وأبو رافع أعلم بقصتهما من غيرهما, وبالتالي نُقدِّم هذه الرواية على الرواية الأخرى رواية ابن عباس.
- من أمثلة ذلك: لو كان أحد الرواة يروي بالمشافهة, والآخر لا يروي إلا بالغياب.
مثال ذلك: عائشة -رضي الله عنها- كان بعض الرواة يدخلون عليها لقرابتهم منها, عروة ابن الزبير يدخل عليها لأنها خالته, ومثل القاسم بن محمد بن أبي بكر كان يدخل على عائشة لكونها عمَّته, وبينما بعض الرواة لم يكونوا يدخلون على عائشة.
جاءنا في حديث عائشة: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعتق بريرة», واختلف الرواة عن عائشة, هل كان زوجها مملوكًا حال عتق بريرة, أو كان حُرًّا؟
فروى القاسم قال: عن عائشة "أن بريرة عُتِقَت وزوجها مملوك", وروى الأسود بن يزيد النخعي عن عائشة أن "بريرة لما عتقت كان زوجها حرًا" فقلنا: نقدم رواية القاسم لأنه كان يدخل عليها ويشاهد شفتيها ويعرف بنطقها على رواية الأسود.
كذلك قد يكون بعض الناس أقرب, فبالتالي تُرجَّح روايته على رواية غيره.
- كذلك أيضًا من أوجه الترجيح: أن يكون أحد الراويين أكثر ثقة أو أكثر ضبطًا للأحاديث, قد يختلف, يتعارض حديث صحيح وحديث حسن؛ فحينئذٍ نقدِّم الصحيح على الحسن.
إذا كان أحد الحديثين متفق عليه في الصحيحين, والآخر رواه أهل السنن, فحينئذٍ نقدِّم رواية الصحيحن على رواية أهل السنن.
كذلك لو كان عندنا حديثان: أحدهما سنة إقرارية, والآخر سنة قولية؛ فإننا نُقدِّم السنة القولية.
السنة الإقرارية قد تكون مع حضور النبي -صلى الله عليه وسلم-, وقد تكون مع غيابه, فنقدِّم السنة الإقرارية مع حضور النبي -صلى الله عليه وسلم-
- هكذا أيضًا لو تعارض دليلان: أحدهما يدلُّ على الإباحة, والآخر يدلُّ على التحريم؛ فحينئذٍ نقدم دليل التحريم. لماذا؟ لأن الإباحة موافق للأصل, فدلَّ هذا على أن دليل التحريم متأخر عنه.
مثال ذلك: حديث انحسار الثوب عن الفخذ مع حديث تحريم كشف الفخذ, فنقدِّم دليل التحريم. لماذا؟ لأننا إذا قدَّمنا دليل التحريم نقول بأننا قد رفعنا الأصل, بينما إذا قدَّمن دليل الإباحة كأننا أثبتنا التحريم ثم بعد ذلك قلنا بأنه نُسِخ الخبر, والأصل عدم النسخ.
هناك قواعد كثيرة في الترجيح, قد يوجد في الدليلين المتعارضين أسباب ترجيح كثيرة, وبالتالي نحتاج إلى الموازنة بين هذه الأسباب, مرة يكون مع أحد الدليلين خمسة أسباب ترجيح, مع الدليل الآخر ثلاثة أسباب, وبالتالي نقدِّم الدليل الذي قوِيَت مرجحاته على غيره.
لو كان عندك مشاركة أو سؤال.. نعم..
{أثابك الله, من ناحية يا شيخنا مسألة: لو قُدِّر وجود خنزير البحر, ألا يمكن أن يُنظَر في طبيعة نفس الحيوان إذا كانت فيه نفس الصفات الموجودة التي حُرِّمت لأجلها الخنزير المعروف, وما يتعلق بهذا؟}.
الشيخ: إذن: هل هذا يسمى..., القاعدة عندنا: هل خنزير البحر يدخل في الآية؟ العرب سمَّته خمزيرًا أم لم تسمِّه؟ نقدِّر أنه سمَّته, ونحن إذا أردنا أن نفهم الكتاب نفهمه بواسطة العرب, وقلوه {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ} هذا يشمل خنزير البحر, وبالتالي يدخل في لفظة "خنزير" الواردة في الآية.
- من قواعد الترجيح: إذا كان عندنا دليل يدل بواسطة المنطوق, ودليل يدل بواشطة المفهوم؛ فإننا نقدِّم المنطوق على المفهوم.
مثال ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تحرم المصة ولا المصتان», معناه: أن ثلاث مصات مُحرِّمات. هذا في صحيح مسلم.
وجاء في حديث عائشة في الصحيح أنها قالت: "فنُسخْنَ بخمسِ رضعات مُحرِّمات", فدلَّ هذا على أن الثلاث والأربع لا تُحرِّم بمنطوق الحديث, فيُقدَّم منطوق هذا الحديث على مفهوم الحديث الآخر.
كذلك لو كان أحد الدليلين بواسطة مفهوم الموافقة والآخر بواسطة مفهوم المخالفة؛ فإننا نقدم الدليل الدال بواسطة مفهوم الموافقة على الدليل الدال بواسط مفهوم المخالفة.
كما تقدَّم أيضًا أنه إذا تعارض تحريم مع دليل إباحة قُدِّم دليل التحريم, وقد ورد في ذلك يعني بعض الأخبار الدالة على هذا التقديم.
من ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم فوجدت معه كلبًا آخر فلا تأكل», فهنا اجتمع سببان:
- سبب إباحة: وهو الكلب المُعلَّم.
- وسبب تحريم: وهو الكلب الآخر غير المُعلَّم.
فحينئذٍ نُقدِّم دليل التحريم, لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- هنا قدَّم دليل التحريم.
ومثله أيضًا ما ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن أكل الطير إذا رُميَ بالسهم فسقط في الماء», لأنه اجتمع فيه سببان:
- سبب إباحة وهو الصيد.
- وسبب تحريم: وهو الغرق. فقدمنا دليل التحريم.
في أدلة كثيرة تدل على هذا المعنى.
لو تعارض دليلان: أحدهما يدل على الإثبات والآخر يدل على النفي؛ فحينئذ إن كان النفي مبنيًا على العلم, كما لو قال: "كنت معه فلم يفعل كذا" فنطلب الترجيح بمرجح آخر, ولا نلتفت إلى الإثبات والنفي.
أما إذا كان أحدهما ينفي علمه, فبالتالي نقدم دليل الإثبات.
مثال ذلك: جاء في الحديث حديث ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «دخل البيت فصلى», جاء في حديث بلال قال: «صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الكعبة», وورد في حديث أسامة وابن عباس, قالوا: «لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- الكعبة لم يُصلِّ», فحينئذٍ قدَّمنا حديث بلال, لأن الإثبات مبني على رؤية, وأما حديث ابن عباس وحديث أسامة فإنه مبني على نفي العلم, لذلك لم نأخذ بقولهما وأخذنا بالمقابل لهما.
أيضًا جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين», وجاء في الحديث الآخر قال: «لم يصلِِّ على شهداء أحد», فحينئذ نقدم دليل الإثبات.
لكن جمهور أهل العلم قالوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصلِّ الصلاة المعهودة -صلاة الجنازة- وإنما أراد الراوي أنه دعا, لأن الصلاة في لغة العرب تطلق ويراد بها الدعاء.

- كذلك أيضًا لو قُدِّر أن هناك دليلين: أحدهما يدل على إثبات حدٍّ من الحدود, والآخر يدلُّ على نفي الحدِّ؛ فحينئذ نُقدِّم الأخبار الدالة على نفي الحدود, وذلك لأن الشريعة تدرء الحدود بالشبهات.
- كذلك لو وُجدَ دليلان متعارضان, ولم نتمكن من الجمع, ولا معرفة التاريخ, ولم نصل إلى أسباب ترجيح, لأن أحد الدليلين أخف من الآخر, فأي الدليلين نُقدِّم؟
قال طائفة: يُقدَّم الدليل الأخف لقوله {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} [البقرة: 185].
وقال آخرون بأنه يُقدَّم الدليل الأشد, وذلك للاحتياط, وليخرج الإنسان بيقين من هذا الواجب.
والصواب في هذا الباب أن يقال: أن هذا لا يُلتفت إليه في الترجيح.
ويدلُّك على هذا: أن اليسر والشدة قد لا تكون على ما يعتقد الناس, فيعتقد أن أحد الأقوال أو أحد الأدلة أشد, وبالتالي لا يكون الأمر كذلك.
مثال هذا: لو سألتكم وقلت لكم بأن الفقهاء قد اختلفوا في تارك الصلاة, فقال طائفة: تارك الصلاة كافر, بناءً على حديث «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة, فمن تركها فقد كفر».
وقال آخرون: لا يكفر, واستدلوا على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة».
فحينئذٍ أي الدليلين نقدم؟ لو قدرنا بأننا لم نتمكن من الترجيح بوسيلة أخرى, ولم نتمكن من الجمع, فحينئذ هل نقول بأننا نأخذ بالأخف؟
ما هو الأخف من هذين القولين؟ أن تارك الصلاة لا يكفر, لأخطأتم!
الأخف: من قال بأن تارك الصلاة يكفر, لأن أمر الآخرة وعذاب الآخرة ونعيم الآخرة هذا إلى الله لا نحكم فيه, لكن لو جاءنا إنسان وقال: أنا تركت الصلاة خمس سسنوات, وذهب إلأى مَن يقول بأن تارك الصلاة كافر, فقال: ماذا أفعل بالصلوات السابقة؟
فإنه يقول له: تب إلى الله توبة صادقة, وعليك بالإكثار من النوافل لتعوض ما فاتك من صلوات.
بينما لو ذهب إلى فقيه يرى أن تارك الصلاة لا يكفر؛ لقال: اقضِ الصلوات الخمس السابقة جميعًا. قد يترك التوبة بسبب ذلك لمشقة مثل هذا الأمر.
فأي القولين الأسهل وأي القولين الأشد؟ ولذلك ينبغي أن يلاحظ أن مسألة الأخف والأشد ليست على ما نظنه ابتداءً في جميع المسائل التي تعرض علينا. ومن هنا ينبغي بنا أن نتفطن في مثل هذا.

- كذلك أيضًا من أمور الترجيحات: لو كان أحد الخبرين قد عمل به الصحابة وأجمعوا عليه, أو عمله أبو بكر, أو عمل به أبو بكر وعمر؛ فإنه حينمئذ يُقدم لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «اقتدوا بالذين من بعدي, أبي بكر وعمر». نسأل الله -عز وجل- أن يرضى عنهما.
كذلك أيضًا هناك المقصود أن هناك أسباب ترجيح كثيرة متعددة لا بد للفقيه أن ينظر فيها جميعًا, وأن يتدارسها.
نمثل بمثال: وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا».
قال الحنابلة والشافعية: التفرق: هذا المراد به التفرق بالبدن.
وقال المالكية والحنفية: «ما لم يتفرقا» يعني بالأقوال.
فرجحنا القول الأول, لأن الراوي لهذا الحديث قد فسَّره, فكان ابن عمر إذا باع بيعًا فارق ببدنه مكان البيع من أجل أن يتمَّ البيع.

تفضل يا أبو أروى من الجزائر.
{بارك الله فيك, سؤال..}.
الشيخ: تفضل يا أبو أروى, أنت من الجزائر.
{يزيد فضلك يا شيخ, أنا أصلي لكن أنام, لقصر المنام}.
الشيخ: حياك الله, شكرًا يا أبو أروى على اتصالك, نحن هنا الآن نتدارس متن الورقات, ليس للفتوى.
نقول: يجب عليك أن تحرص على أداء الصلوات في أوقاتها.

كما يحصل تعارض بين الأحاديث والدليل النقلي كذلك يحصل تعارض بين الأقيسة, وهناك وسائل للترجيح بين الأقيسة المتعارضة, فهناك أسباب كثيرة للترجيح بينها.

يقول -عندنا عدد من الأسئلة- يقول: هل يُنصح بالتوسع في علم أصول الفقه؟
نقول: نعم, قربة من القربات, وعلم شرعي نتمكن به من فهم الكتاب والسنة, ونتمكن به من استخراج الأحكام من الأدلة, ولا يكون الإنسان فقيهًا ولا عالمًا إلا إذا كان عارفًا بهذا العلم, قادرًا على تطبيق على الأدلة.

كيف نجمع بين الدليلين؟
الجمع بين الدليلين بحمل أحد الدليلين على محل, وحمل الدليل الآخر على محلٍ آخر.

تفضل يا عبد العزيز من الجزائر..
{السلام عليكم}.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, حياك الله.
{الحمد لله, أحبك في الله يا شيخ}.
الشيخ: أحبك الله وأسعدك.
{السلام عليكم}.
الشيخ: انتهى اتصالك؟ حياك الله.
{السلام عليكم}.
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هل يشترط في التعارض التساوي في القوة؟
اشترطنا ثلاثة شروط للتعارض, وبالتالي:
الشرط الأول: التنافي في المدلول.
الشرط الثاني: صحة الدليلين.
الشرط الثالث: تواردهما على محلٍ واحد.
ومن ثمَّ لو كان أحد الدليلين صحيحًا والآخر حسنًا قيل هذا من التعارض, وبالتالي نحتاج إلى تطبيق القواعد الواردة فيه. كان هذا السؤال من محمد بورزامه.

الترجيح بين قولين لعالمين معاصرين؟
قلنا هذا من مباحث.., نحن الآن نتكلم عن التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية, وأما التعارض بين فتاوى المفتين فهذا نأخذه -إن شاء الله- في مباحث الاجتهاد والمفتي والمستفتي, ولعله -إن شاء الله- يكون بعد لقائين.

يقول: كيف يتم ترتيب التعامل مع التعارض؟
أولًا: جمع.
ثانيًا: الأخذ بالمتأخر في التاريخ ونجعله ناسخًا.
ثالثًا: الترجيح.
رابعًا: التوقف في الفتوى والقضاء, وأما بالنسبة للعمل: فإنه إما أن يقلِّد, وإما أن يحتاط في عبادته.

تفضل يا يحيى من العراق..
{السلام عليكم}
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله. حياك الله يا يحيى, لعلك تستمع من الهاتف.
{أحبك في الله يا شيخ}.
الشيخ: أحبك الله وأسعدك. تفضل واسمعنا من الهاتف وأغلق صوت التلفاز عندك, لأنه يشوش علينا.
{حديث بلال -رضي الله عنه- عندما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الكعبة, كان راويًا واحد, وحديث ابن عباس -رضي الله عنه- وأسامة كان راويان, يعني الترجيح مع عدد الرواة؟}.
الشيخ: طيب.. جزاك الله خير, تقدَّم معنا أن أسباب الترجيح قد تتعارض, وبالتالي بعض أسباب الترجيح أقوى من الأسباب الأخرى.
ومن أمثلة هذا: إذا كان هناك تعارض بين الإثبات والنفي, وكان النفي غير مبني على العلم, إنما يُبنى على عدم العلم, فبالتالي نُقدِّم رواية الإثبات, وهي أقوى, وهذا سبب مرجح أقوى من السبب الآخر, ولذلك فأسباب الترجيح قد تتعارض.

أشرف كمال من مصر يقول: المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملًا ؟
فإنه حينئذٍ الصواب أننا نقول بأنه تعتدّ بوضع الحمل لحديث سبيعة الأسلمية, فإن زوجها توفي عنها ثم وضعت الحمل بعد أيام قليلة فأفتاها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن عدتها تنتهي بوضع حملها.

يقول: إذا جاءنا حديثان: الأول فيه نهي عن فعل, والثاني فيه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد فعل ذلك؛ فحينئذٍ ماذا نفعل؟
نقول: بأننا نقدم القول على الفعل, وذلك لأن الفعل يحتمل أن يكون خاصًا. هذا سؤال الأخ عماد ظريف من المغرب.
المولود من الجزائر.. تفضل. حياك الله يا أخ مولود, يمكن انقطع الاتصال به.

طيب.. يقول الأخ محمود سعيد من السعودية: مَنْ الأولى من أهل العلم الذي نأخذ بقوله في مسائل الترجيح بين الأدلة التي ظاهرها التعارض؟
عندنا مسائل أصولية وقواعد أصولية فيها الترجيح بين الأدلة, هذا نأخذه في هذا العلم, ولا بد أن الناظر يكون مجتهدًا.
النوع الثاني: الترجيح بين أقوال العلماء, فهذا -إن شاء الله- نعرض له في لقاء قادم فيما يتعلق بتعارض أقوال المفتين, إذا اختلف المفتون ماذا يفعل العامي.

أسأل الله -جل وعلا- أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح والنية الخالصة, كما أسأله -جل وعلا- أن يُكثر الفقهاء في الأمة, وأن يجعل في الأمة علماء يستخرجون الأحكام من الأدلة كتابًا وسنة.
كما أسأله -جل وعلا- أن يعيد الأمة إلى دينه القويم, وأسأله -جل وعلا- أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان, وأن يجمع كلمتهم على الحق, وأن يولي عليهم خيارهم.
كما أسأله -جل وعلا- التوفيق لكل مَن ساهم في ترتيب هذا اللقاء.
هذا والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا.












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 02:18 AM   المشاركة رقم: 7
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"


شرح متن الورقات لمعالي الدكتور: سعد الشثري
تفريغ الدرس (7)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
هذا هو اللقاء السابع من لقاءاتنا في شرح كتاب الورقات، كنا تكلمنا في اللقاء السابق عن التعارض والترجيح، وأحكام النصوص المتعارضة وكيف نتعامل معها.

في يومنا هذا -بإذن الله جل وعلا- نتكلم عن عدد من الأدلة الشرعية.
أول هذه الأدلة: دليل الإجماع. ما هو الدليل؟ الإجماع.
يعني أنه إذا كان هناك اتفاق من العلماء في عصر من العصور على حكم شرعي؛ فإنه يكون حجة شرعية يجب العمل بذلك الاتفاق، ولا يجوز لنا أن نخالف هذا الاتفاق.
مثال ذلك: أجمع الصحابة على -رضوان الله عليهم- على عدد من المسائل، فحينئذٍ يكون إجماعهم حجة شرعية يجب العمل بها.

من أمثلة هذا مثلًا: أجمع التابعون على أن المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها تعتدُّ وتحادُّ إلى وضع الحمل ولو كان ذلك لمدة قليلة، فهذا إجماع من التابعين، فيكون حجة شرعية.

مثال آخر: إذا مات الميت وترك بنتًا وبنت ابن، البنت لها النصف بنص القرآن، وبنت الابن لها السدس، لماذا أعطينا بنت الابن السدس؟ لوجود إجماع الصحابة -رضوان الله عليهم- على إعطاء بنت الابن السدس إذا كانت مع البنت.
هذا ماذا يسمى؟ الإجماع.

وقد عرَّف المؤلف الجماعَ بقوله: (هو اتفاق علماء) يعني العامة الذين ليسوا بعلماء لا دخل لهم.
(اتفاق)، لو كان هناك اختلاف ولو من واحد من العلماء فإنه لا يكون هناك إجماع، لا يكون إجماع إلا بقول جميع الفقهاء.
(اتفاق علماء العصر)، يعني الزمان الواحد، لا يُشترط أن يكون الاتفاق من الفقهاء في جميع الأزمنة، لأننا لو قلنا بذلك لَمَا كان هناك فائدة للإجماع، لأنه يكون حئنذٍ يكون لقيام الساعة، وبالتالي لا يوجد عمل، وإنما نقول: اتفاق علماء عصر من العصور على حكم حادثة.

وقال: (نعني بالعلماء: الفقهاء، ونعني بحكم الحادثة: المسألة الجديدة، أو الحادثة الشرعية)، وإجماع هذه الأمة حجة، إذا وُجدَ إجماع من علماء عصر من العصور فإنه يكون من الأدلة الشرعية التي يجوز، أو التي يجب العمل بها، ولا يجوز لنا أن نتركها.

قد يقول قائل: هل الإجماع خاص بعصر الصحابة. نقول: لا، الإجماع حجة في جميع العصور حتى في عصرنا الحاضر.
نمثل لذلك بأمثلة: في العصر، في القرن السابع استحدث الناس الحشيشة المخدرة المُسْكرة؛ فوقع إجماع من علماء ذلك العصر على أنها مُحرَّمة، وأنها موجبة للحدِّ، هذا الإجماع حُجَّة شرعية يجب العمل به.

طيب.. في عصرنا الحاضر وُجدت إجماعات، منها إجماعات قولية ومنها إجماعات فعلية.
ومن أمثلة ذلك مثلًا: وقع اتفاق العلماء على استخدام الجوال وجواز المهاتفة به، فهذا إجماع في هذا العصر.
وقع إجماع من علماء العصر على فرش المساجد بهذه الفرش، كانوا في السابق يضعون بطحاء، وبعضهم يضع الحصير، وعلماء عصرنا مثلًا اتفقوا على وضع لاقطات الصوت في المساجد من أجل أن يستمع الناس لقراءة الإمام، هذا اتفاق من علماء العصر.
إجماع الأمة حجة بالنسبة لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، أما الأمم السابقة فليس إجماعهم حجة.

لماذا ليس إجماع الأمم السابقة حجة؟ لأنه لم يرد دليل يدلُّ على صحة الاستدلال بإجماع الأمم السابقة.
أما بالنسبة لهذه الأمة -أمة محمد -صلى الله عليه وسلم: فإن إجماعها حجة شرعية يجب العمل بها.
ما الأدلة الدَّلة على حجية الإجماع؟ هناك أدلة كثيرة، منها:
- قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وهذ الحديث قد ورد من طريق عدد من الصحابة بأسانيد يُقوِّي بعضها بعضًا.
- ويدلُّ عليه قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تزال طائفة من أمتي على الحق»، هذا الحديث متفق عليه، أفاد بأنه لا بد أن يوجد في كل زمان قائل بالحق.
فإذا كان الفقهاء كلهم يقولون بقول واحد؛ معناه أن ذلك القول هو الحق، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر بأنه لا بد أن يوجد في كل زمان قائل بالحق في هذه الأمة.

قال: (والشرع ورد بعصمة هذه الأمة)، يعني أن هناك أدلة شرعية تدلّ على أن اتفاق علماء عصر من العصور معصوم من الخطأ، وأنه لا يقع فيه ضلالة، لا يقعون جميعًا في زللٍ أو ضلالة.
وقد جاءت أدلة تدل على أن هذه الأمة معصومة، هناك بعض الفقهاء استدل بآيات قرآنية كما استدل الإمام الشافعي على حجية الإجماع بقول الله -عز وجل- {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].

إذا وقع إجماع في العصر الأول كعصر الصحابة؛ فإن عصر التابعين لا بد أن يلتزموا بالإجماع السابق لهم، ولو حدث خلاف، يعني لو قُدِّر أن هناك مسألة مُجمَع عليها مثل مسألة ميراث بنت الابن التي ذكرتُ قبل قليل، فجاءنا أحد المعاصرين وقال: أنا سآتي باجتهاد جديد، وقال: بنت الابن تأخذ الثلث، فحينئذٍ نقول: هذا القول قول باطل. لماذا هو قول باطل؟ لأنه قد خالف الإجماع في العصور السابقة، وما خالف الإجماع فإنه لا يُلتفت إليه.

وهكذا أيضًا إجماع العصر الثاني، وإجماع العصر الثالث، ومثَّلنا له بالإجماع على تحريم الحشيش، ومثَّلنا له بالإجماع على بناء المساجد من البناء المُسلَّح الحديث.

قال المؤلف: (ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح)، يعني لو قُدِّر أن العلماء اجتمعوا في وقت واحد فكلهم قالوا بشيء، ثم من الغد أحد هؤلاء الفقهاء خالف اجتهاده السابق، وقال: كنت أمس أقول يجوز، واليوم أقول: يُمنع منه.
فإذا اتفقوا في اليوم الأول أو في لحظة؛ فهل يكون اتفاقهم ذلك حجة وإجماع يجب العمل به؟
أو نقول: لا يكون حجة إلا إذا انقرض أهل العصر، فلا بد أن يموت أولئك المُجمِعون وينقرض العصر؟
هذا من مواطن الخلاف بين الأصوليين، والمؤلف يرى أنه ينعقد الإجماع بالاتفاق ولو للحظة واحدة، ولا يُشترط انقراض العصر.
ويستدل المؤلف ومَن يرى رأيه بالأحاديث الدَّلة على عصمة الأمة، مثل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ولعل هذا القول أرجح خلافًا لقول فقهاء الحنابلة.

قال المؤلف: (فإن قلنا: انقراض العصر شرط) هذا تفريع على القول الثاني الذي يقول: لا ينعقد الإجماع إلا بموت المُجمِعين ووجود عصرجديد، فحينئذٍ علىهذا القول، القول الأول: إذا اجتمعوا في لحظة فلا إشكال فيه، يكون إجماعًا.
على القول الثاني الذي يقول: انقراض العصر شرط، يقول: لو قُدِّرَ أنه نشأ في عصر المُجمِعين ناشئة جديدة، طائفة، أبناؤهم، وأصبح واحد منهم تفقه وأصبح فقيهًا، وصار من أهل الاجتهاد؛ فحينئذٍ إذا خالف هذا المُجتهد في نفس العصر قبل أن يموت الأولون؛ فإن قوله يكون معتبرًا، ولا ينعقد الإجماع بدون قوله.
وعلى القول بأن انقراض العصر شرط؛ فإنه يجوز للمُجمِعين الأوليين أن يعودوا عن قولهم وأني قولوا بقول آخر غير ما اتفقوا عليه.
وتقدَّم معنا أن الصواب: أن انقراض العصر ليس بشرط، وأنه متى اتفقوا في لحظة واحدة كان اتفاقهم حجة شرعية، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وهذا كما يشمل الاجتماع في جميع العصر يشمل الاجتماع في اللحظة الواحدة.

هناك تقسيمات للإجماع كثيرة، من ذلك:
• الإجماع القولي، كما لو تكلم جميع الفقهاء بحكم وتوافقوا على ذلك الحكم، فهذا إجماع قولي، وهو من أقوى درجات الإجماع.
• النوع الثاني: الإجماع الفعلي: بأن يتفق جميع فقهاء العصر على فعل من الأفعال يفعلونه، فيدل على إباحة ذلك الفعل.
مثال ذلك: وجدنا جميع الفقهاء في عصرنا الحاضر ركبوا الطائرات، فنقول: هذا إجماع فعلي من علماء العصر على جواز ركوب الطائرة والتنقل بها في الأسفار، هذا إجماع فعلي.
• هناك نوع ثالث، وهو: أن يقول البعض ويفعل البعض، فهذا أيضًا من أنواع الإجماع، كما في ركوب الطائرة، بعضهم ركب، وبعضهم ما ركب، لكنه أفتى وقال: يجوز الركوب. فهذا إجماع، النوع الثالث من أنواع الإجماع: الممزوج بين الفعل والقول.
• هناك نوع رابع: بأن يتكلم البعض وينتشر في الأمة ويسكت البقية، يسمون هذا الإجماع السكوتي.
وقد يُمثِّل له مثلًا: باستعمال لاقط الصوت في المسجد، بعض الفقهاء أفتى بالجواز، وبعض الفقهاء سكت، لم يظهر منه فتوى في هذا الباب، فهذا ماذا يسمونه؟ الإجماع السكوتي.
والصواب: أن الإجماع السكوتي إجماع صحيح وحُجَّة شرعية يجب العلم به ويصحّ الاستدلال به، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، فلا بد أن يكون قول الحق ظاهرًا في الأمة.
ومن ثمَّ لا يكون قول الحق خفيًّا لا يطلع عليه إلا أفراد الناس.

قد يقول قائل: هل المجامع الفقهية تكون إجماعًا؟ نقول: لا، الإجماع الشرعي الذي يُحتجُّ به: هو أن يكون من جميع فقهاء العصر، خصوصًا إذا عرفت أن قرارات هذه المجامع يكون بالأغلبية، ونحن قلنا في الإجماع قبل قليل أنه اتفاق جميع علماء العصر، واضح الإجماع ومباحثه؟ هل عندكم فيه إشكال؟ الجميع واضح عنده؟ طيب..

ننتقل إلى دليل آخر من الأدلة التي يُستدلُّ بها، وهو: الاستدلال بقول الصحابي.
ومنه هو الصحابي؟ للعلماء منهجان في حقيقة الصحابي:
- منهم مَن يقول: مَن لقيَ النبي -صلى الله عليه وسلم- ولو لحظة وهو مؤمن به ومات على الإيمان، وبالتالي فجميع من وقف من النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع في عرفة؛ يقولون: هذا له صحابة، يقولون: هؤلاء صحابة، لأنهم قد لقوا النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنين به وماتوا على ذلك.
- والقول الثاني يقول: أشترط أن يكون الصحابي قد صحِبَ النبي -صلى الله عليه وسلم- مدة حتى يعرف أقواله وهديه، ولذلك لا يُقال: صحب فلانٌ فلانًا إلا إذا جلس معه مدة من الزمان، قالوا: فهكذا في صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-
والأظهر: أن هذين منهجان.
الأول: تعريف الصحابي بمجرد اللقيا، هذا منهج المُحدِّثين والرواة، ولذلك: إذا روى مَن يتصف بهذه الصفة حديثًا؛ قيل: هذا حديث متصل وليس بمرسل.
والاصطلاح الثاني: إطلاق لفظ الصحابي على مَن صحب النبي -صلى الله عليه وسلم- مدة، وهذا أكثر ما يُستخدم هذا الاصطلاح في هذا الباب، قول الصحابي، حجية قول الصحابي.

قال: (قول الصحابي) يعني هل هو حجة أو ليس بحجة؟ هل يجوز بناء الأحكام عليه أو لا يجوز بناء الأحكام عليه؟
والمبحث هنا ليس خاصًا بقول الصحابي بالقول فقط كم قد يُفهم من كلام المؤلف؛ بل أيضًا يشمل الأفعال.
أقوال الصحابة على أنواع:
النوع الأول: قول صحابي يُخالف نصًا شرعيًا من الكتاب والسنة، فحينئذٍ نقول: هذا لا يُلتفت إليه، وليس بحجة شرعية.
النوع الثاني: قول الصحابي فيما لا مدخل للرأي فيه، فإذا بدأ يصف الجنة، وكان ذلك الصحابي لا يروي الإسرائليات، فحينئذٍ نقول: هذا القول الظاهر أن له حكم الرفع، فهو مرفوع إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لماذا؟ لأنه لا مدخل فيه للرأي.
النوع الثالث: إذا كان القول مما للاجتهاد فيه مدخل، وكان الصحابة قد اختلفوا، فقال بعضهم بشيء، وقال بعضهم بشيء آخر؛ فحينئذٍ لا يُحتج بقول أحد منهم.
مثال ذلك: في مسألة ما لو مات ميت وعنده جد وإخوة -جد للميت وإخوة للميت-، اختلف الصحابة، فقال بعضهم: الميراث كله للجد، وهذا قول أبي بكر وابن عباس وجماعة.
وبعضهم يقول: لا، الجد والإخوة يشتركون، وهذا قول زيد على تفصيلات بينهم في كيفية الاشتراك.
حينئذٍ هل يصح الاحتجاج بأقوال الصحابة؟ نقول: لا يصح الاحتجاج بأقوال الصحابة في هذه المسألة. لماذا؟ لوجود الخلاف بينهم، وليس قول بعضهم أرجح من قول بعضهم الآخر.
النوع الآخر: إذا قال الصحابي قولًا وانتشر في الأمة ووصل الآفاق ولم يُنكره أحد، فهذا يكون إجماعًا سكوتيًا كما ذكرنا في النوع السابق، ما يسمى هذا الإجماع السكوتي.
بعضهم يمثل له بقول ابن عباس عن مناسك الجح: "من ترك نسكًا فعليه دم"، قالوا: ابن عباس مفتي الصحابة في مناسك الحج، وقوله يشتهر في الأمة ولم يوجد له مخالف، فكان إجماعًا سكوتيًا.

مثال آخر: مَن جامع زوجته بعد إحرام الحج وقبل التحلل الأول، قال الجمهور: عليه بدنة، وفسد حجه، وعليه المضي في الفاسد، الحج الفاسد يكمله، وعليه أن يحج من السنة القادمة.
من أين أخذتم هذه الأحكام الغليظة القوية؟ قلنا: أخذناها من فتوى عدد من الصحابة كابن عباس وابن عمر وابن عمرو، ولم يوجد لهم مخالف من الصحابة، فكان إجماعًا سكوتيًا.
النوع الرابع: قول صحابي للاجتهاد فيه مجال، ولم يختلف فيه الصحابة، ولم ينتشر في الأمة، فحينئذٍ هل يكون قول الصحابي هذا حجة شرعية يصح الاستدلال به أو لا؟
مثال ذلك: لما تعامل بعضهم ببيع العينة، فقالت عائشة -رضي الله عنها- "أعلميه بأنه قد أبطل جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" هذا قول مَن؟ عائشة -رضي الله عنها-، هذا للرأي فيه مجال، ليس من الغيبيات، وفي نفس الوقت لم يختلف الصحابة فيه، وفي نفس الوقت لم ينتشر في الأمة. ما حكم هذا القول من الصحابي؟

إذن عرفنا مواطن الخلاف، عرفنا أنهم اتفقوا على ثلاثة أشياء:
1- ما لا مدخل للرأي والاجتهاد فيه، هذا له حكم الرفع.
2- ما انتشر في الأمة ولم يوجد فيه مخالف، فهذا إجماع سكوتي.
3- ما وقع فيه اختلاف بين الصحابة، فهذا لا يحتج بقول أحدهم دون غيره.

يبقى المسألة الرابعة وهي: ما إذا قال الصحابي قولًا للرأي فيه مجال ولم ينشر في الأمة، ولم يوجد له مخالف من الصحابة. هذا الموطن وقع الاختلاف فيه بين العلماء.
المؤلف يرى أنه ليس بحجة، وينسب القول بعدم حجية قول الصحابي إلى المذهب الجديد للإمام الشافعي، ما دليلكم؟ قالوا: عندنا أدلة:
الدليل الأول: أن النصوص الشرعية إنما أمرتنا باتباع الكتاب والسنة، ما أمرتنا باتباع قول أحد من الناس حتى من الصحابة. ما دليلكم؟ قالوا:
- قوله -عز وجل- {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59]
- وقال تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: 10]
القول الثاني -وهذا ظاهر كلام المؤلف-، القول الثاني: أن قول الصحابي حجة شرعية يجوز بناء الأحكام عليها، والقول بهذا هو قول الجمهور، وهذا هو قول أبي حنيفة ومالك والإمام أحمد وجماعة.
مّن رأى هذا الوقل -أن قول الصحابي حجة- قال: النصوص قد أثنت عليهم وأمرتنا باتباعهم. أين أمرتكم باتباعهم؟ قالوا: في قول الله -عز وجل- {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} [التوبة: 100]. المهاجرين مَن هم؟ المهاجرون هم مَن هاجر من مكة من المؤمنين من قريش ونحوهم، {الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}، الأنصار هم أهل المدينة.
قال {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوبة: 100]، أثُنى على جميع مَن اتبع السابقين الأولين.
قالوا: ولأن الصحابة قد خالطوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وعرفوا شأنه وعرفوا طريقته، ولذلك فإنه يُحتجُّ باتباعهم ويُشرع الاتباع لهم.
والقول الصواب في هذا: أن قول الصحابي حجة وأن يجوز العمل به.

إلا إن هنا مسألة وهي: إذا وردنا دليل عام من الكتاب والسنة، ووردنا حديث خاص؛ فلا نلغي دلالة العام من أجل فعل أو قول الصحابي، وإنما نقول: قول الصحابي خاص بمحله، وما عداه من الأفراد نعمل فيه بالدليل العام.
مثال ذلك: جاءنا في الأحاديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا إحداهن بالتراب». فأفتى بعض الصحابة بأن المراد بالكلب: الكلب الأسود فقط.
فنقول حينئذٍ: الحديث عام، «إذا ولغ الكلب»، قد أخذنا ألفاظ العموم، وهذا من ألفاظ العموم، حتى تعرفون أن البحث في ألفاظ العموم مفيد، يُفهِّم أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم»، «الكلب» هل هو خاص بالأسود؟! الحديث عام لم يُفرِّق بين أبيض وأسود، ومن ثمَّ نقول بأن الحديث عام.

أفتى بعض الصحابة بأن الحديث في الكلب الأسود، فنقول: الدليل والحديث النبوي نبقيه على عمومه، ولا يصح لنا تغيير معنى نصوص الواقفين.
ذكر المؤلف بعد ذلك الأخبار.
تقدَّم معنا -لو تذكرون- في أوائل علم الأصول أن الكلام ينقسم إلى: إنشاء وخبر.
الإنشاء هو الذي لا يقبل التصديق والتكذيب، "اسكت" هذا خبر أو إنشاء؟ إنشاء، لأنه لا يصح أن تقول لي: كذبتَ أو صدقتَ، وإنما تمتثل، فهذا إنشاء لا يدخل معنا في الخبر.
وذكرنا أن الأخبار ما تقبل التصديق والتكذيب، مثاله..، يكون في الجمل الاسمية أم في الجمل الفعلية؟ غلظ! يكون فيهما معًا.
مثال ذلك: تقول: "محمد واقف"، هذه جملة اسمية، خبر.
وتقول: "محمد وقف"، و "وقف محمد"، يصح أن تصدق وتكذب؟ نعم، بالتالي هذا يكون من قبيل الأخبار.

ولذلك عرَّف المؤلف الخبر بأنه (ما يدخله الصدق والكذب)، ينبغي أن نزيد فيه: (لذاته)، لماذا؟ للاحتراز من خبر الله وخبر رسوله، خبر الصادقين، لأن خبر أولئك صدق جزمًا، ونجزم بهذا، ولكن مرادهم هنا خبر الآدميين.

قال: (فالخبر) ما يعني الكلام الذي يدخله التصديق والتكذيب.
وقسَّم المؤلف الأخبار إلى قسمين:
- أخبار متواترة: وهي التي نقلت من جماعة كثيرة عن جماعة كثيرة حتى يبلغوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، بشرط أن نأمن تواطئهم واتفاقهم على الكذب، فهذا متواتر او آحاد؟ متواتر.
طيب.. يُشترط فيه: أن يرويه جماعة.
ويشترط فيه: أن ينتهي الخبر إلى شيء محسوس.
ويشترط فيه أن يكون هذه الطبقات الكثيرة في جميع طبقات الإسناد.
إذن: هذا هو ماذا؟ المتواتر.
المتواتر قد نمثل له بآيات القرآن هذه متواترة، قد نمثل له بأحاديث قليلة مثل حديث «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، هذا الحديث متواتر، نقله الجماعات ثم الجماعات، ومن ثمَّ دخل حيِّز المتواتر.
وقد يكون التواتر في غير الأخبار النبوية. مثال ذلك..نعم، ارفع الصوت.
{حادثة الإسراء والمعراج}.
الشيخ: هذا حديث نبوي، ما يدخل معنا، نحن نريد تواتر في غير الأخبار النبوية، هل في بلد اسمها الصين؟ هل فيه بلد اسمها اليابان؟ زرتموها؟ إذن ما أحسستم بها، من أين جزمتم أنه يوجد بلد اسمها اليابان؟ بالتواتر، نقل جماعات عن جماعات، من زارها ومن رآها، هذا يسمى متواتر.
لكن جزيرة موريشس، مَن زراها منكم؟ ما زارها أحد، سمعتم بخبرها؟ إذن بعضكم سمع وبعضكم..
كن عدد الأشخاص الذين أخبروك بها؟ واحد، اثنين، هذا ماذا يسمى؟ آحاد.
المتواتر تستفيد منه الجزم والقطع، ولذلك لو جاءك واحد وقال: ما في بلد اسمها اليابان؛ كذَّبته، لأنه قد وصل إليك بخبر متواتر، بينما لو جاءك مُكذِّب يُكذِّب وجود هذه الجزيرة الأخرى، قلت: والله يمكن، لنه ما وصل إليه بطريق التواتر، وإنما وصل إليه بطريق الآحاد.

إذن: ما هي شروط كون الخبر متواتر؟ ثلاثة شروط:
- أن يرويه جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب في العادة.
2- أن تكون الكثرة في جميع طبقات الإسناد.
3- أن يستندوا إلى محسوس من مشاهدة أو سماع.
أما لو كان على اجتهادات وظنون؛ فحينئذٍ لا يكون متواترًا.

طيب.. مثلنا بالمتواتر في الأخبار العامة بماذا؟ بالدول التي لم نسمع عنها إلا بطريق التواتر، -لازم تأتي بالميكرفون عند فمك إن أردت أن تتحدث حتى يستفيد الإخوان-
طيب.. الآحاد يرويه واحد أو جماعة، لكن يمكن أن يتواطؤوا على الكذب، مَن يُمثِّل لذلك الآحاد؟
في الحديث النبوي هناك أخبار كثيرة، نعم.
{حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-}.
الشيخ: حديث عمر بن الخطاب.
{«إنما الأعمال بالنيات»}.
الشيخ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، هذا الحديث ما رواه إلا صحابي واحد هو عمر بن الخطاب، فيكون هذا خبر آحاد، ولم يروه عن عمر إلا واحد هو علقمة بن وقاص، ولم يروه عن علقمة بن وقاص إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد إلا يحيى بن سعيد، ثم رواه قرابة المئتين أو أكثر عن يحيى بن سعيد، هذا متواتر أو آحاد؟
في الطبقات الأولى من الإسناد: هذا آحاد.
في الطبقة الأخيرة: تواتر، عن سعيد متواتر.
طيب.. المتواتر لا يوجد له حد فاصل، وإنما العبرة بحصول القناعة بخبره.

والمؤلف يقول بأن الآحاد يجب العلم بها، لكننا لا نبني عليها عقائد، ولا يصح أن نبني عليها العقيدة، وعندنا مسألتان:
المسألة الأولى: هل خبر الواحد يفيد العلم واليقين أو لا يفيد؟ هذا من مواطن الخلاف بين الفقهاء.
- فجماعة قالوا: خبر الواحد لا يفيد العلم، يعني إذا أخبرك واحد يمكن أن تتشكك في كلامه، ومن ثمَّ لا تأخذ كلامه بالقبول، فدلَّ هذا على أن خبر الآحاد لا يوجب العلم.
- وهناك قول آخر بأن أخبار الآحاد متى احتفَّت بها قرائن؛ فإنه يُفيد العلم.
مثال القرائن: كونه مروي في الصحيحين.
مثال القرائن: قد رواه الأئمة -أئمة أهل الحديث-
هذه قرائن تحتف بالخبر وتنقله إلى أن يكون مفيدًا للقطع.
ثم بعد ذلك قسَّم المؤلف أخبار الآحاد إلى قسمين:
- مرسل.
- ومسند.

ما هو القسم الأول: مرسل.
والثاني: مسند.
ما هو المسند؟ هو الذي اتصل إسناده، ولا يوجد فيه انقطاع، ولا يوجد فيه كذلك تدليس.
بينما القسم الثاني: المرسل، وهو الذي لم يتصل إسناده، يعني سقط أحد أفراد الإسناد.
مثال ذلك: قد يأتي محمد بن إبراهيم فيروي عن عمر مباشرة، نجد مثلًا الزهري في مرات يروي عن ابن عمر، وهذا منقطع، هذا مرسل.

المرسل عند الأصوليين يشمل المرسل عند المحدثين والمنقطع والمعضل والمعلق؛ كل هذه يسمونها ماذا؟ مرسل.
إذن: لفظة "المرسل" هو الذي سقط بعض رواته، من أول الإسناد أو من آخره أو من أي درجة.
هذه المراسيل على نوعين:
النوع الأول: مراسيل الصحابة، ومراسيل الصحابة حجة، لن الصحابي لا يمكن يسقط إلى صحابيًا آخر، فحينئذٍ قالوا بأن مراسيل غير الصحابة حجة ومقبولة.
إذن: عندنا المرسل ينقسم إلى قسمين:
- مراسيل الصحابة، فهي حجة، لماذا؟ لأن الصحابي لا يسقط إلا صحابيًا آخر.
- النوع الثاني: مراسيل غير الصحابة، كما لو قال الزهري: "قال الشعبي قال رسول الله"، هذا من ماذا؟ مراسيل غير الصحابة.

مراسيل غير الصحابة ما حكمها؟ جمهور أهل العلم..، أول شيء نحرر محل النزاع، فنقول: اتفقوا على عدم حجية المراسيل إذا كان المرسل يسقط الرواة الضعفاء، يروي الحديث بإسناد فيه رجل ضعيف، ثم يسقط الرجل الضعيف من أجل أن يُدلِّس على الناس، فحينئذٍ نقول هذا ماذا؟ لا يقبل منه إرساله بالاتفاق.
الثاني: مَنْ كان لا يُسقِط إلا الثقات، فهو يقول: أنا أُسقِط الثقة من أجل أن أُريحَكَ، ترتاح ما تبحث في أسانيدهم.
ومراسيل غير الصحابة إذا كانت من مُرسِل لا يسقط إلا الثقات فقد اختلف العلماء فيه على أقوال:
- منهم من قال: قول الصحابي ليس بحجة، وعليه أكثر المحدثين. لماذا؟ قالوا: لأنه قد سقط بعض الرواة، ويمكن أن يكون الرواي الساقط ماذا؟ ضعيفًا، فكيف نعتمد على قوله؟!!
إذن القول الأول بأن مراسيل الصحابة..
إذن: القسم الأول مَنْ يُسقط الضعفاء هذا ليس عندنا فيه إشكال، مثل الزهري، الزهري إمام لمكانته ومنزلته، حفظ السنة عشرات السنين، لكن إذا أسقط شيخه فلا يُلتفت إلى هذه الرواية التي أسقط فيها شيخه. لماذا؟ لأنه يسقط الضعفاء، يُسقط ماذا؟ الضعفاء، ومن ثمَّ لم يُعتمد على مراسيله.
أما مَن كان لا يسقط إلا الثقات فهل يُقبل إرساله أو لا يُقبل؟
قال الشافعية: لا يُقبل إلا مراسيل سعيد بن المسيب. لماذا؟ قالوا: لأنا فتشناها فوجناها قد صحَّت مسندة من طريق آخر.
وقول الجمهور بأنه يُحتج بمراسيل غير الصحابة، وهذا عليه الجماهير، يقولون: لأنه لم يُسقط الراوي شيخه إلا لأنه يعلم أنه ثقة، فأراد أن يخفف عن الناس مؤونة البحث في مثل هذه المسائل.
إذن: هناك مَنْ يقول: المرسل إذا كان معه قرينة قُبِل.
- وهناك من يقول: يُقبَل المرسل مطلقًا.
- وهناك من يرده.

ننتقل إلى مسألة أخرى، قال المؤلف: (والعنعنة تدخل على الأسانيد)، ما معنى الإسناد؟ الإسناد، ما معنى الإسناد؟
{الاتصال}.
الشيخ: لا، الرواة، سلسلة الرواة الذين يروون الخبر، والإسناد قد يكون متصلًا وقد يكون منقطعًا.
قال: (والعنعنة)، ما المراد بالعنعنة؟
لا، الصيغة التي لا تشعر باللقيا.
مثال ذلك: لو قلت: "عن زيد عن عليّ" هذا فيه صيغتان "عن زيد عن عليّ"، فيحتمل وجود الانقطاع.
ومثل ما لو قال الراوي: "رأيت فلانًا يفعل كذا" انقطاع أم ليس بانقطاع؟ نقول: لا، هذا ليس من العنعنة، غنما العنعنة إذا قال الراوي: "قال زيد قال رسول الله"، هذه عنعنة. لماذا؟ لأنه يحتمل عدم اللقيا.
مثله لو قال: "إن رسول الله قال كذا" هذه من صيغ العنعنة.
ما حكم العنعنة، هل هي مقبولة؟ نقول: إن كان المُعنعِن مُدلِّسًا لم تُقبَل روايته، وإن كان المُعنعِن له مكانته ومنزلته، وكان لا يُدلِّس، لا يُسقط الرواة الضعفاء، ما الحكم؟ تقول: روايته من قبيل المتصل.
طيب.. رواية الصحابة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- على مراتب:
- أعلاها: إذا قال الصحابي: "سمعتُ رسول الله" مباشرة، جاء بلفظه.
النوع الثاني: إذا قال الراوي: "أمرنا رسول الله، ونهانا رسول الله"، آسف..

المرتبة الأولى: إذا قال الصحابي: "سمعت رسول الله".
المرتبة الثانية: إذا قال الصحابي: "عن رسول الله أنه قال كذا"، هذه لا تحتمل التفسير الصحابي، لكن يحتمل الانقطاع، وهذا أيضًا مقبولًا، لأن الصحابة والتابعين عدول لا يُسقطون راويًا إلا إذا بيَّنوا حقيقة الحال.
النوع الثالث: إذا كان فيه مجال للفهم، مثل قوله: "أمرنا رسول الله - نهانا رسول الله - قضى رسول الله"، ما الحكم؟ هذا النوع الثالث له حكم الرفع أيضًا، ولا نقول هو منقطع.
النوع الرابع: إذا قال الصحابي: "أمرنا بكذا - ونهينا عن كذا - وقُضيَ بكذا"، والجمهور أيضًا يقولون: هذا مقبول.
والنوع الأخير: ما لو قال الراوي: "كانوا يفعلون" يحتمل أن يكون الفعل كان في عهد النبوة، ويحتمل أن يكون الفعل بعد عهد النبوة، وبالتالي توقَّف فيه بعضهم.
والصواب: أنه أيضًا حجة، ومن أمثلته: قول: "كنا نعزل والقرآن ينزل". هذه مراتب رواية الصاحبي.
يبقى عندنا مراتب رواية غير الصحابي.
{شيخ، أحسن الله إليك، هل قول "رأينا" بمنزلة "سمعنا"}.
الشيخ: نعم، "رأينا" هل هو بمنزلة "سمعنا"؟ رأيت رسول الله أو سمعت رسول الله؛ هذا من الرتبة الأولى، قد يكون فيها تفاوت قليل لكن كلها من الرتبة الأولى.

نتقل إلى مراتب رواية غير الصحابي، ماذا؟ غير الصحابي.
هناك مرات يكون الشيخ هو الذي يقرأ والتلميذ يسمع، هذا أعلى الرماتب، يُقال عنه: رواية الشيخ، ويسمونها أيضًا: قراءة الشيخ.
ماذا يقول في هذه الرتبة؟ يقول: حدثني. أو يقول: أخبرني.
النوع الثاني: أن يسكت الشيخ والتلميذ يقرأ من كتاب الشيخ، فيُقرُّ الشيخ الرواية، هذه تسمى..، التلميذ هو الذي يعرض على أستاذه.
هذه الرتبة لا يقول فيها "أخبرني" مجردًا؛ إنما يقول: "أخبرني عرضًا"، أو "حدَّثني قراءة عليه".
الرتبة الثالثة: أن يأذن الشيخ للتلميذ بالرواية بدون أن يقرأ الشيخ ولا يقرأ التلميذ، فيسمونه "الإجازة"، ما اسمه؟ الإجازة.
ويشترط فيها الثقة بين كلٍ من المُجاز والمُجاز.
إذا أجاز الشيخ لتلميذه من غير قراءة، فإن التلميذ يقول: أجازني أو أخبرني إجازة.
هناك رتبة أخرى يسمونها: الوجادة، ما اسمها؟ الوجادة، يعني يجد التلميذ بخط شيخه كتابةً يعرفها، ويعرف أن الميت قد كتبها، هذا وِجادة، إن أشهد عليها صحَّ العمل بها.

وهذا البحث يدلك على دقة الأصوليين، مرة يقول: أجازني. ومرة يقول: أخبرني إجازة. ومرة يقول: أخبرني -مطلقة-، مرة يقولون بغير ذلك.
فيه إشكال أو سؤال؟ طيب.
الوجادة -بالواو- الوجادة: أجد أحاديث قد رواها شيخي مكتوبة فآخذها، أنا أعرف أن هذا خط شيخي، عندي مئة بالمئة أن هذه أحديث شيخي، فحينئذٍ نقول: أخذنا هذه الأحاديث من هذه الورقة، وبدأنا نرويها، ماذا نقول؟ نقول: وجدت في خط شيخي كذا وكذا.
القبول وعدم القبول هذه مسألة أخرى، جمهور أهل العلم لا يرون أن الوجادة طريق صحيح للرواية.
هناك أخبار ومباحث متعلقة بالسنة النبوية، منها:
- أن السنة حجة شرعية سواء كانت متواترة أو كانت آحادًا.
- وأنه إذا خالفت السنة الآحادية فعل عدد من الصحابة؛ فحينئذٍ إذا خالفت ماذا؟ من المباحث التي تُبحث في مباحث السنة إذا كان هناك قياس يُخالف خبر الآحاد. جمهور أهل العلم قالوا: الخبر كلام المعصوم -صلى الله عليه وسلم- فنقدمه على الأقيسة خلافًا لبعضهم.
هكذا أيضًا تقبل أخبار الآحاد في الحدود، تُقبل في إثبات الشبهة، ونحو ذلك. وذلك لأن الأدلة الدالة على حجية خبر الواحد عامة.

من المسائل النتعلة بهذا: حجية خبر الواحد، هل خبر الواحد يُحتجُّ به أو لا؟ وجماهير أهل العلم يقولون: خبر الواحد يُحتجُّ به؛ بل قد حُكيَ إجماع الصحابة على أن خبر الواحد يُحتج به.
وذكروا وقائع قد احتجَّ فيها الصحابة بأخبار الآحاد، وخطَّؤوا مخالفهم بناءً عليها.
من مباحث السنة النبوية: ما يتعلق بوجوب العمل بالسنة النبوية في جميع ما وردت فيه، ليس هناك أبواب لا يصح العمل فيها بخبر الآحاد.
بعضهم يقول: باب الحدود هذا لا نعمل فيه بخبر الآحاد! والأدلة الدالة على حجية خبر الواحد، ما هي الأدلة الدالة على حجية خبر الواحد؟ كثيرة، منها:
- قول الله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، فدلَّ هذا على أن نبأ العدل الثقة يُقبَل ولا يُتوقَّف فيه.
- ويدل على ذلك: ما تواتر على النبي -صلى الله عليه وسلم- من كونه يرسل آحاد الصحابة إلى مشارق الأرض ومغاربها يدعونهم إلى الله، ويعرفونهم بالحكام الشرعية، ويأخذون منهم الزكاة والواجبات، وهم آحاد. فدلَّ هذا على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحتج بخبر الواحد.
- ويدل على هذا: إجماع الأمة على العمل بخبر الواحد من عهد الصحابة، فقد أجمع الصحابة على العمل بخبر الواحد في وقائع كثيرة متعددة.
- وكذلك جاءت نصوص في الكتاب والسنة تدل على حجية خبر الواحد.

كان عندي مسألة متعلقة بالإجماع نسيتها، نعرضها في آخر لقاءنا في هذا اليوم، وهي: مسألة إحداث قول جديد، ذكرناها أو ما ذكرناها؟
إذا كان عند الصحابة قولان في مسألة خلافية أو مَنْ بعدهم من أهل العصور، هل يجوز لمن بعدهم أن ياتي بقول ثالث، إحداث قول جديد أولا؟ واضحة المسألة؟
جمهور أهل العلم يقولون: لا يجوز إحداث قول ثالث. لماذا؟ قالوا: لن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال «لا تزال طائفة من أمتي على الحق»، فإذا قلتَ بأن القولين خطأ؛ فحينئذٍ لم يقل بالحق أحد في الزمان الأول، وبالتالي لا يجوز لنا أن نُحدِث قول جديد لم يقل به أحد من أهل العصر الأول.

وبهذا نتوقَّف عند مباحث القياس، لعلنا -إن شاء الله تعالى- نأخذها في اللقاء القادم.
أسأل الله -جل وعلا- أو يوفقكم للخير، وأن يسبغ عليكم نعمه.
كما أسأل الله -جل وعلا- لكم أيها المشاهدون التوفيق لخيري الدنيا والآخرة، اللهم يا حي يا قيوم وفقهم لطاعتك، وأعنهم على عبادتك، اللهم يا حي يا قيوم أصلح أحوال الأمة، وردهم إلى دينك ردًا جميلًا، اللهم مَن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره برحمتك يا لاأرحم الراحمين.
كما أسأل الله -جل وعلا- أن يحقن دماء المسلمين، وأن يؤمنهم على أعراضهم وأموالهم ودمائهم وسائر أحوالهم.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 02:23 AM   المشاركة رقم: 8
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

شرح متن الورقات لمعالي الدكتور: سعد الشثري
تفريغ الدرس (8)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد:
فأهلًا وسهلًا ومرحبًا بكم في لقاء جديد من لقاءاتنا في شرح كتاب الورقات في علم الأصول.

عندما تحدث مسائل جديدة لم تكن معروفة في الزمان الأول أو في زمن النبوة؛ فأحد أمرين:
- إما أن نقوم بالنظر في عمومات الأدلة، فنطبق تلك العمومات على الواقائع الجديدة.
مثال ذلك: لما جاءنا في عصرنا الحاضر بعض أنواع المخدرات الجديدة التي لم تكن موجودة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخذنا من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «كل مسكر حرام» أن هذه الأنواع المخدرة من المسكرات، وبالتالي قلنا بأنها حرام أخذًا من عموم هذا الحديث.
- الطريق الثاني: أن يكون هناك حكم مقرر في الشريعة يُماثل هذه المسألة الجديدة والواقعة الحادثة في علة الحكم الشرعي، فنقوم بإلحاق هذه المسألة الجديدة بتلك المسألة المنصوصة.
مثال ذلك: لما قائل بأن الخمر حرام، والهيروين تماثل الخمرة في كونها مسكرة؛ فحينئذٍ نقيس الهيروين على الخمر فنقول بتحريمها.
ومن أمثلة ذلك: أن يقول قائل بأن المساجد في عهد النبوة كانت مفروشة ببعض أنواع التراب، وثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى على حصير، فنأخذ منه جواز الصلاة على هذه الفرش الحديثة، هذا يسمى قياسًا.
هذا القياس مبني على أربعة أشياء:
- الأول: الأصل, وهو : المسألة التي ورد حكمها في الشرع، وهي هنا الصلاة على الحصير.
- وعندنا فرع: وهي المسألة الجديدة الحادثة، وهي الصلاة على أنواع الفرش الحديثة.
- وعندنا هنا: حكم وهو الجواز.
- وعندنا علة: وهو أن الجميع مما يُفرش ويمكن أن يصلى عليه.

والفقهاء مختلفون في القياس، هل هو دليل مستقل بحيث أننا نثبت به الأحكام على جهة الاستقلال؟ أو أن القياس من طرق فهم النصوص الشرعية؟
ولعل الأظهر: أن القياس طريق من طرق فهم النصوص الشرعية، لأن القياس لا يستقل بالحكم، وإنما القياس يُلحق الحادثة الجديدة بالحادثة المنصوص على حكمها.

والقياس في اللغة قد يُطلق على التقدير، يُقال: قاس الجُرحَ، أي قدَّره وعرف مقداره.
وقد يُطلق القياس على المساواة، ولذلك يُقال: فلان يُقاس بفلان، أي أنه يساويه.
وأما تعريف القياس في الاصطلاح، فقد عرَّفه المؤلف فقال: (أما القياس فهو رد الفرع -فرع المسألة الجديدة- إلى الأصل -وهي المسألة المنصوص عليها- بعلة) يعني بوصف مؤثر في الحكم يوجد في الأصل أم يوجد في الفرع؟
(تجمعهما في الحكم) أي الحكم الشرعي.
وقوله هنا: (رد الفرع)، أي إرجاع وإعادة الفرع الجديد إلى الأصل، أي إلى أصل قد تُكُلِّم بحكمه وورد بحكمه دليل شرعي بسبب علة (بعلة) أي بوصف مؤثر في الحكم يجمع بين الأصل والفرع (تجمعهما في الحكم).

ونمثل لذلك بمثال:
لو قال لنا قائل: ما حكم شرب الشاهي؟ الشاهي لم يكن موجودًا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، لكن كان يوجد في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض الأشربة التي يشربونها، منها ما هو حار مثل الحساء، ومنه ما هو بارد مثل أنواع العصير.
قال: فنقيس هذا المشروب الجديد على ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحكم الشرعي وهو الجواز.
ما العلة وما الوصف الجمع؟ كلاها شرابٌ طاهرٌ لا مضرة فيه، فأخذ الجميع حكمًا واحدًا.
إذن: العلة هذا وصف يجمع بين الأصل والفرع، وهو الذي يُعوَّل عليه في باب القياس.
والحكم: قد يكون حكمًا تكليفيًا، وهي الأحكام الخمسة السابقة "الواجب، والحرام، والمكروه، والمندوب، والمباح".

وقد يكون من الأحكام الوضعية، كـ "الصحة، الفساد، الشرط، المانع، العلة، السبب، العزيمة، الرخصة".
نمثل لهذا بمثال: لو قلت بأن عقد البيع يصح بواسطة الكلام بين المتجاورين الحاضرين، فيصح بالكلام بين المتابعدين الذين يسمع بعضهما كلام بعض، كما في الهاتف الآن، إجراء عقد بيع في الهاتف هذه مسألة جديدة، فنقيسها على إجراء عقد البيع في المجلس الواحد، بجامع: أن الجميع بيع مبني على التراضي بين البائع والمشتري.
إذن: عرفنا القياس، وعرفنا أن القياس مكون من أربعة أركان "أصل، وفرع، وعلة، وحكم".

نأتي بمثال جديد، مثال آخر حتى يُفهم ويُطبَّق عليه هذه الأصول: لو قُدِّر أن شخصًا أخذ مسدسًا فقتل به آخر، وبالتالي هل نقول هنا يثبت القصاص أو لا يثبت؟ ما حكم هذا الفعل؟
قد يقول قائل: هذا المسدس لم يكن موجودًا في عهد النبوة، بالتالي الأصل في ألأشياء الإباحة.
نقول: لا، هنا فيه دليل قياسي، وهو أن الشرع منع من القتل بالآلات الموجودة في ذلك الزمان، فيشمل جميع الآلات بأنها تماثلها في الحكم والعلة، وبالتالي نثبت القصاص في هذه المسألة، وهي القتل بالمسدس.
أين الأصل؟ القتل بالسيف.
الفرع: القتل بالمسدس.
الحكم: التحريم، أو وجوب القصاص.
العلة: قتل عمد وعدوان.
أو نقول: بأن كلًا منهما آلة نافذة في الجسم حادة مثلًا.
أو نقول: كلاهما آلة تزهق الروح. فهذه على تجمع بين الأصل والفرع.

المؤلف هنا قال: (رد الفرع) كأنه يرى أن القياس من عمل الفقيه القائس، وهذا أحد المهجين في هذا الباب.
ومنهم من يقول: القياس أصلًا موجود، سواء وُجد القائس أو لم يوجد.
نمثِّل بمثال آخر: لو جاءنا سائل وقال: ما حكم الاتصال بواسطة الجوال؟ الجوال هذا مسألة جديدة، فنقول: هذا الجوال بمثابة الحديث المباشر بين اثنين، وبالتالي نُلحق الكلام في الجوال ونجعله الفرع بالكلام المباشر الذي نجعله أصلًا في الجواز بجامع كون الجميع كلامًا.

مثال آخر: لو جاءنا إنسان وقال: أنتم تفعلون أمرًا منكرًا لم يكن يفعله النبي -صلى الله عليه وسلم-، تقدمون على بدعة من البدع؛ تركبون السيارة، والرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يركبها. ماذا تقولون؟
نقول: هذه السيارة مسألة جديدة فنبحث لها عن مماثل في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو ركوب البعير مثلًا أو ركوب الفرس، فحينئذٍ نقول: نقيس ركوب السيارة على ركوب الفرس بجامع كون الجميع ركوبًا، والحكم هو الإباحة.
أين الأصل؟ ركوب الفرس.
أين الفرع؟ ركوب السيارة.
أين الحكم؟ الجواز والإباحة.
ما العلة؟ ركوب، أو كل منهما آلة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، أو كل منهما مركوب يؤدي إلى المقصود.
إذن عرفنا القياس، هذا التعريف يسمونه -لأنه أحد أنواع القياس- يسمونه قياس الطرد، ويقابله قياس العكس، لعلنا نأتي عليه فيما يأتي، لأن القياس نوعين:
- قياس طرد: بأن يكون الأصل والفرع لهما حكم واحد لاشتراكهما في العلة كما هنا.
- وقد يكون هناك قياس عكس: وهو أن يتضاد حكم الأصل مع حكم الفرع لتنافيهما في العلة.
ويمثلون له: بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: نعم، أرأيتم إذا وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: فكذلك إذا وضعها في حلال يكون له أجر». فهذا قياس عكس استخدمه النبي -صلى الله عليه وسلم-
هذا أحد التقسيمات، تقسيم القياس إلى قياس طرد وقياس عكس أحد التقسيمات في القياس.
هناك تقسيم آخر وهو تقسيم القياس إلى ثلاثة أقسام باعتبار الجامع الذي يجمع بين الأصل والفرع:
فالأول: قياس العلة، الأول ماذا؟ قياس العلة، بأن يكون الجامع بين الأصل والفرع علة.
ما هي العلة؟ وصف ظاهر منضبط يحصل من ترتيب الحكم عله مصلحة.
مثال ذلك: لما قلنا: المخدرات حرام قياسًا على الخمر بجامع الإسكار.
ما الجامع هنا؟ الإسكار، الإسكار إذا بنينا الحكم عليه وهو التحريم يحصل منه مصلحة أو لا يحصل؟ يحصل، فهذا يقال له علة، ومن ثمَّ هذا القياس الذي معنا قياس علة.
والنوع الثاني: قياس الدلالة. ماذا؟ قياس الدلالة، بأن يكون الجمع بين الأصل والفرع بوصف ليس علة لكنه ملازم للعلة، أو مشتملًا عليه أو نحو ذلك.
مثال ذلك: لو قال لنا قائل بأن السيارة يجوز الركوب عليها قياسًا على البعير بجامع أن كلًا يؤدي إلى المقصود، فهنا كونه يؤدي إلى المقصود هذا نتيجة، وبالتالي هذا عند كثير من أهل العلم يقول: هذا قياس دلالة.
ومن أمثلته مثلًا: لو قال لنا قائل بأن الخمر مثلًا حرام فنقيس عليها النبيذ بجامع وجود الرائحة الكريهة في كلٍ منهما.
هذه الرائحة الكريهة هذا وصف ملازم ليس هو العلة، ومن ثمَّ قد يقول كثير من أهل العلم بأن هذا وصف دلالة.
ويمثلون له..، إذن هذه أمثلة له:

قال: النوع الثالث: قياس الشبه، وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصفٍ ليس علة وليس مستلزمًا للعلة؛ وإنما هو وصف غير مؤثر ولا ملازم لوصف مؤثر.
مثال ذلك: اختلف الفقهاء في مس الذكر هل ينقض الوضوء أو لا ينقض الوضوء؟
عند الجمهور يقولون: مس الذكر ينقض الوضوء.
وعند الحنفية يقولون: مس الذكر لا ينقض الوضوء.
فلو قال أحد فقهاء الحنفية: أنا عندي دليل قياسي يدل على أن مسَّ الذكر لا ينقض الوضوء. ما هو دليلك؟ قال: الذكر آلة للحرث، فنقيسها على الفأس، والفأس لا ينتقض الوضوء بمسه فكذا الذكر.
اين الأصل؟ الفأس.
الفرع: الذكر، مس الذكر.
الحكم: عدم انتقاض الوضوء.
العلة: آلة للحرث.
فهنا كونه آله للحرث ليس وصفًا مؤثرًا للحكم، وليس وصفًا مناسبًا لتشريع الحكم، ولا مستلزمًا لوصف مناسب لتشريع الحكم.

ونأتي بمثال آخر: من المسائل التي وقع فيها الخلاف: مسألة الوضوء بالخل، الخل يقول الجمهور: لا يجوز الوضوء به، ولاوضوء إنما يكون بالماء.
الحنفية قالوا: يجوز الوضوء بالخل.
كان من أدلة الجمهور: أن قالوا بأن الخل يُقاس على السمن، السمن لا يجوز الوضوء به بالاتفاق، قالوا: فنقيس الخل على السمن بجامع كون كل منها لاتجري فيه السفن، ولا تُبنى عليه الجسور والقناطر، ولا يسبح فيه السابحون. هذه أوصاف.
إذن الأصل هنا ما هو؟ السمن.
الفرع: الخل.
الحكم: لا يتوضأ به.
العلة: لا يسبح فيه، ولا تبنى عليه القناطر، ولا تجري فيه السفن. هذه الأوصاف هل هي مؤثرة في الحكم؟ غير مؤثرة، فليست عللًا، هل هي مستلزمة لوصف مؤثر في الحكم؟ ليست مستلزمة لوصف مؤثر في الحكم؛ وحينئذٍ نقول بأن هذه الأوصاف ليست أوصافًا مناسبة ولا مستلزمة للمناسبة، فيكون القياس قيسًا من قياس الشبه.

إذن: هل قياس الشبه من الأقيسة الصحيحة؟
جمهور أهل العلم قالوا بأن قياس الشبه لا يصح التعويل عليه، لأن الشبه في الصورة الظاهرة لا يستلزم منه الشبه في الحكم، ولذلك نجد بعض الأشياء تتشابه في صورتها وتختلف في أحكامها.

مثال ذلك: المذي لا يوجب الغسل وهو نجس، ويماثله في الصورة والشكل المنيّ الذي يوجب الغسل وهو طاهر عند أحمد والشافعي؛ فحينئذٍ نقول: هذا شبهه ومع ذلك لم يتماثل الحكم، لأن الشريعة لا تُعوِّل على مجرد التشابه في الصورة الظاهرة، وإنما تُبنى الأحكام فيها على المعاني والعلل المتعلقة بالأوصاف التي يحصل من ترتيب الأحكام عليها مناسبة.

قال المؤلف: (فقياس العلة) هذا هو النوع الأول. ما هو قياس العلة؟ الذي يكون الجامع فيه وصفًا مناسبًا لتشريع الحكم ويكون منضبطًا.

قال: (فقياس العلة ماكانت العلة فيه موجبة للحكم)، يعني أن العلة تؤثر في الحكم، وينتج الحكم بناء على العلة.
هذه اللفظة "ما كانت العلة فيه موجبة للحكم" هذه ما تسير مع مذهب الأشاعرة، لأن الأشاعرة يقولون: العلل ليست مؤثرة في الأحكام، وإنما هي علامات مُظهرة للحكم لكنها غير مؤثرة.
طيب.. قوله هنا: (موجبة) معناه أنها تؤثر بنفسها، وهذا مذهب المعتزلة في هذا الباب.
أهل السنة يقولون: العلل مؤثرة في الأحكام لكن لا بنفسها ولا بذاتها؛ وإنما بجعل الله لها كذلك.
ومن ثمَّ فنقول بأن قياس العلة: هو ما كانت العلة فيه مؤثرة في الحكم بجعل الله -عز وجل- وليس بذاتها.
إذن: عرفنا مناهج العلماء في حقيقة العلة.
الأشاعرة يقولون: العلة غير مؤثرة، إنما العلل مجرد أمارات مُعرِّفة بالحكم الشرعي.
بينما المعتزلة يقولون: العلل مؤثرة بنفسها في الحكم الشرعي.
وأهل السنة والجماعة يقولون: العلل مؤثرة لكن ليس بنفسها، وإنما بجعل الله لها كذلك.

قال: (وقياس الدلالة) هذا هو النوع الثاني: (هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر)، المراد بالنظيرين: المتشابهين أو المتماثلين.
والنظيران في لغة العرب: هما المتشابهان في الصورة دون الحكم، وليس هذا مراد المؤلف هنا؛ إنما مراد المؤلف بالمتناظرين المتشابهان أو المتماثلان.

بدأ يُعرِّف قياس الدلالة، فقال: (قياس الدلالة: أن تكون العلة دالَّة على الحكم) يعني غير مؤثرة فيه، وإنما تدل عليه.
فجعل الجامع في قياس الدلالة وصفًا غير مؤثر ولا موجب، وإنما يكون دالًا عليه.
وتقدم معنا أن جمهور أهل العلم يرون أن قياس الدلالة هو الجمع بين الأصل والفرع بوصف مستلزم للمناسبة وليس مناسبًا في ذاته، ومثلنا لذلك بما لو تمَّ القياس -قياس الفرع على الأصل- بأثر من آثار العلة.

مثال ذلك: قبل قليل قلنا أن المخدرات تقاس على الخمر بجامع الإسكار، الإسكار الذي هو تغطية العقل هذا وصف مؤثر في الحكم، لكن لو جاء بوصف من آثار هذا الوصف، مثال ذلك: لو قال المخدرات حرام قياسًا على الخمر، لأن شاربها يتصرف تصرفات المجانين، تصرفات المجانين هذه أثر وليست علة موجودة عند وجود أصل الفعل الذي حكمنا عليه، ولذلك قلنا هذا قياس دلالة.
قياس الدلالة يرى جمهور أهل العلم حجيته، ولكنه أضعف من قياس العلة.

ثم قال المؤلف: (وقياس الشبه)، هذا هو النوع الثال، (هو الفرع المتردد بين أصلين فيُلحَق بأكثرهما شبهًا)، كلمة "الشبه"، و"قياس الشبه" تطلق عند الأصوليين في معاني متعددة:
- من ذلك: إلحاق الفرع بالأصل بناء على الصورة الظاهرة التي لا تأثير لها في الحكم، وليست مستلزمة للو صف المناسب، وهذا المعنى من معاني قياس الشبه هو الذي يناسب ذكره في هذا التقسيم.
- المعنى الآخر: أن يكون هناك إلحاق للفرع بالأصل الكثر شبهًا به، بأن يكون الفرع مترددًا بين أصلين فنقوم بإلحاق الفرع بأكثرهما شبهًا به.

مثال ذلك: ما حكم أكل الجمل؟ مباح. ما حكم أكل الحمار؟ حرام، الحمار الأهلي. ما حكم أكل الخيل؟
قال الحنفية لا يجوز.
وقال الجمهور: يجوز.
هنا الخيل متردد بين الجمل الذي يجوز أكله وبين الحمار الذي لا يجوز أكله، فيأتي الفقيه وينظر هل الخيل أكثر شبهًا بالجمل أو أكثر شبهًا بالحمار؟ فيأتي ويُعدد الصفات التي يشتبه فيها الخيل بالجمل، ثم يُعدد الصفات التي يلتحق فيها أو التي يشابه فيها الخيل الحمار، ثم بعد ذلك يُقارن بينهما فيُلحق الخيل بأكثر هذين الأصلين شبهًا به. هذا المثال واضح أو نأتي بمثال آخر؟
يعني مثلًا: الجمل في الغنيمة يُقسم له كالخيل، الخيل يجوز بيعه، الحمار يشابه الخيل في كونه واطيًا يُمكن الركوب عليه بدون السناد، وهكذا..

طيب.. نأتي بمثال آخر: عندنا مثلًا لو جاءنا أصل جديد، لو جاءنا مثلًا المملوك -العبد المملوك- هل نلحقه بالحر أو نلحقه بالبهيمة؟ هناك أشياء يشبه فيها المملوك البهينة، مثل كونه لا يبيع، مثل كونه ما يمكن أن يُباع، وكذلك هناك أشياء يشبه فيها الحر، في كونه مثلًا يُطلق زوجته، ومثال ذلك أيضًا: أن المملوك تجب عليه التكاليف الشرعية؛ فبالتالي عندما تأتينا مسألة جديدة للملوك، هل يحق للملوك أن يُطلق زوجته بدون إذن السيد؟
من قال: نلحقه بالبهيمة، قال: لا يحق له أن يطلق زوجته إلا بإذن السيد.
ومن قال: لا، نلحقه بالحر، قال: بأننا نجيز طلاقه ولو لم يأذن فيه السيد.

إذن: عندنا ثلاثة أنواع من أنواع القياس:
النوع الأول: قياس العلة، وهو الجمع بين الأصل والفرع بوصف مناسب لتشريع الحكم، وهذا النوع من أنواع القياس -قياس العلة- اتفق القائلون بالقياس على أنه حجة شريعة، وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد استعمل القياس في مواطن كثيرة، ولأن الصحابة أجمعوا على استعمال القياس، ولأدلة أخرى تُذكر في هذا الباب.
بنما يرى فقهاء الظاهرية بأن القياس -قياس العلة- ليس حجة. لماذا؟ قالوا: لأن الله -عز وجل- يقول {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [النساء: 59]، هل ذكر القياس؟ ما ذكر القياس.
أجاب الجمهور عن هذا بجوابين:
الجواب الأول: أننا عندما نرد مسألة حجية القياس إلى الكتاب والسنة؛ نجد أن الكتاب والسنة قال بحجية القياس في مواطن من آيات الكتاب التي جاءت بأن هذه الشريعة مبنية على الميزان.

الدليل الثاني، قالوا: المسألة الجديدة عندما تأتينا فنحن نقوم بردها للكتاب والسنة بمعرفة ما يماثلها في العلة، فإن تنازعنا في مسألة جديدة رددناها إلى الله ورسوله إما بلفظهما وبكلامهما، وإما إلى معنى كلامهما.
ولذلك فإن مذهب الجمهور أقوى من مذهب الظاهرية في هذه المسألة.
الأركان الأربعة للقياس لكل واحد منها شروط، ذكر المؤلف لكل نموذج شرط لكل ركن من هذه الأركان، قال: (من شرط الفرع أن يكون مناسبًا للأصلي)، المراد بهذا: أن تكون العلة التي من أجلها ثبت الحكم في الأصل موجودة في الفرع.
لو قلت مثلًا: البُرّ يحرم الربا فيه لأنه مكيل، فأقيس عليه البطيخ، ماذا تقولون؟ لا يصح، لأن البطيخ ليس مكيلًا، وإنما يُباع بالعدد؛ فحينئذٍ لا يصح هذا القياس. لماذا؟ لأن الفرع ليس مناسبًا للأصل، لا توجد فيه العلة التي من أجلها ثبت الحكم في الأصل.

كذلك يشترط، قال: (ومن شرط الأصل) هذا شرط آخر في القياس.
(من شرط الأصل)، الأصل هو المسألة المنصوص عليها التي يُقاس عليها، مثل ما قلنا المخدارت تقاس على الخمر. أين الأصل؟ الخمر.
يشترط في الأصل: أن يكون حكمه ثابتًا بدليل، لو كان الأصل غير ثابت الحكم فلا يصح أن نقيس عليه.

مثال ذلك: لو قال قائل بأن ركوب السيارة حرام؛ فنقيس عليه ركوب الطائرة، فنقول: أصلًا حكم الأصل ما ثبت، بالتالي لا يصح أن تقيس عليه هذا الفرع.
إذن: لا بد أن يكون حكم الأصل ثابتًا له دليل، وثبوت دليل الأصل إما أن يكون بواسطة الإجماع، مثال ذلك: أجمع الفقهاء على جواز ركوب البعير، فنقيس عليه ركوب السيارة. هنا الأصل مُجمع عليه.

مثال آخر: أجمع الفقهاء على أن الماء إذا تغيَّر بنجاسة فإنه يحرم استعماله، فيقاس عليه الخل المتغيِّر بالنجاسة فلا يجوز استعماله.
هنا الأصل ما هو؟ الماء المتغيِّر بنجاسة.
ما حكمه؟ لا يجوز استعماله.
ما دليله: الإجماع.
فهنا الأصل ثبت بواسطة الإجماع.
قد يثبت حكم الأصل بواسطة دليل نصِّي من الكتاب أو السنة، ونمثل لذلك بقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ} [المائدة: 90]، فيقاس عليه المخدارت.

مثال آخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البُرِّ بالبُرِّ ربا»، هنا الأصل وهو البُرِّ منصوص على حكمه في الحديث، فلا يجوز أن تعطيه بُرًا ثم يدفع لك بُرًّا بكمية أكبر من الكمية الأولى، فهذا حرام، منصوص عليه في الحديث، فنقيس عليه الأرز والذرة، بجامع كون كلٍّ منهما مكيلًا مطعومًا، فحينئذٍ نقول بأنه الأصل نقيس عليه، ومن ثمَّ جاز لنا أن نثبت الحكم بواسطة القياس.
قد يكون الحكم في الأصل متفقًا عليه بين الخصمين، فحينئذٍ هل يصح أن يكون الأصل ثابتًا بواسطة الاتفاق بين الخصمين؟
قال بعض الفقهاء نعم، لأن الخصمين اتفقا على شيء فجاز لهما أن يُلزم كل واحدٍ منهما الآخر بذلك.

ومثال ذلك: أن يقول القائل: السفرجل يحرم فيه الربا على مذهبي ومذهبك، صحيح هناك فقهاء يرون أن الربا لا يجري فيه، لكنني أنا وإياك نتفق على تحرم الربا في السفرجل، فلا يجوز أن أبيع سفرجل لك وتعطيني سفرجل أكثر منه.
فيقول قائل: أقيس على هذه المسألة مثلًا الكيوي أو البخارى؛ فحينئذٍ الأصل هل هو مُجمع عليه؟ ليس مجمعًا عليه.
هل هو منصوصٌ عليه؟ ليس منصوصًا عليه؛ وإنما متفق عليه ين الخصمين.
بعض أهل العلم قال: يجوز أن يكون الأصل متفقًا عليه بين الخصمين ولو لم يدل عليه دليل آخر -كما هو ظاهر كلام المؤلف-
ومنهم من يقول: لا يصح القياس على أصلٍ لم يثبت فيه إجماع ولا نص ولو كان متفقًا عليه بين الخصمين.
وبعض أهل العلم قال: يجوز الاعتماد على ذلك في باب المناظرات، لكنه لا يجوز الاعتماد عليه في باب النظر وإثبات الحكم ابتداءً.
ونعلم من هذا: أنه لا يصح أن نثبت أصل القياس بواسطة قياس آخر، مثال ذلك لو قلت: البُرُّ يجري فيه الربا، فأقيس عليه الذرة، وأقيس على الذرة الأرز؛ فمثل هذا لا يصح، يعني العلة إذا كانت في القياسين واحدة فقِسْ الأرز على الأصل الأول مباشرة، وإذا كانت العلة مختلفة في القياسين؛ فإنه لا يصح القياس حينئذٍ. تحدَّث في مكبر الصوت..

{أحسن الله إليك، هل يُقاس الأرز على..}.
الشيخ: نقيس الأرز على البُرِّ مباشرة، لا يصح أن نقيس الأرز على الذرة ثم نقيس الذرة على الأرز، لأمه إذا كانت العلة واحدة فلنقس على الأصل الأول مباشرة، وإذا كانت العلة مختلفة لم يصح القياس.
طيب..

قال: (ومن شرط العلة) من شروط العلة: الاطراد، (أن تطرد في معلولاتها، فلا تنتقض لفظاً ولا معنى)، المراد بهذا: ذكرنا أن أركان القياس أربعة: أصل وفرع وحكم وعلة.
العلة: يشترط في الوصف ليكون علة أن يكون مطردًا، بمعنى: أننا كلما وجدنا الوصف وجدنا الحكم معه، وكلما تخلَّف الوصف تخلَّف الحكم معه.
لو وجدنا في بعض المواطن أن الوصف موجود والحكم ليس بموجود دلَّنا هذا على أن الوصف ليس بعلة، إذ لو كان الوصف علة للزم عليه أن يوجد الحكم معه. إذن: المراد بالاطراد أنه لكما وجدت العلة وجد الحكم.

مثال ذلك: أننا في الشريعة نجد أن الإسكار علة للتحريم، كلما وُجد إسكار وجدنا التحريم، فتكون العلة مطردة.
فإن قال قائل: تنتقض العلة عندي في مسألة وهي: الغاصّ، فمن غصَّ ولم يجد ما يسيغ به الغصة إلا الخمر؛ فإنه حينئذٍ يجوز له شرب الخمر، أليس كذلك؟ فهنا وُجدت العلة هي الإسكار ولم يوجد الحكم وهو التحريم.
فنقول: هنا العلة لم تطرد، لماذا؟ لوجود أحد الموانع الذي يمنع من تأثير العلة، فهنا العلة موجودة وهي الإسكار والحكم ليس موجدًا وهو التحريم. لماذا؟ لوجود مانع يمنع من ثبوت الحكم بهذه العلة في هذه المسألة، وهو الغصة.

قال المؤلف: (فلا تنتقض لفظاً ولا معنى)، اللفظ: كما مثلنا له قبل قليل.
والمعن: يسميه البعض الكسر، بحيث توجد الحكمة التي من أجلها شُرِع الحكم ولا يوجد الحكم.

مثال ذلك: المسافر يجب عليه أن يصوم أم يجوز له الفطر؟ الجواب: يجوز له الفطر.
ما العلة: العلة هنا السفر، هذا وصف منضبط ظاهر يحصل من ترتيب الحكم عليه مصلحة.
طيب.. والمشقة ما دخلها في هذا الباب؟ المشقة نقول: حكمة، والمشقة قد توجد في بعض المواطن ولا يوجد الكم معها.
البنَّاء يبني في الدور السابع عشر والخباز عليهما مشقة، ومع ذلك لا يجوز لهما الفطر، بل مشقتهما أعظم من مشقة المسافر بالطائرات، فهنا حكمة الحُكم موجودة في الخباز وهي المشقة، والحكم -وهو جواز الفطر- لم يوجد، هذا يسمى الكسر.
إذن: الكسر: أن توجد الحكمة ولا يوجد الحكم.
جمهور أهل العلم على أن الكسر لا يُلتفت إليه، ولا يقدح في العلة، ولو كانت الحكمة قد وُجدت في محل ولم وجد الحكم، فهذا لا ينقض ولا يقدح في الحكمة ولا في العلة.
كذلك من شروط القياس: أن يكون الحكم مماثلًا للعلة في النفي والإثبات.

القياس ينقسم إلى أربعة أنواع من جهة النفي والإثبات:
القسم الأول: أن تكون العلة مثبتة والحكم مثبتًا.
مثال ذلك: الإسكار علة للتحريم، مثبتان أو منفيان؟ مثبتان، هذا جائز بالاتفاق.
النوع الثاني: لو كان منفيين كما لو قال: ليس مسكرًا فليس حرامًا، هنا العلة منفية والحكم منفي، فبالتالي يصح هذا القياس.
النوع الثالث: أن يكون الحكم منفيًا والعلة مثبتة، مثال ذلك: لو قال: هذا الشراب مُسكر فلا يجوز شربه. هنا منفي، لا يجوز.
بعض أهل العلم منع من هذا النوع من أنواع القياس، قال: لا بد من التوافق بين العلة والحكم في النفي واٌثبات.
وآخرون قالوا بأنه يجوز لأنه يتمكن من قلب الحكم المنفي إلى أن يكون حكمًا مثبتًا، فبدل أن يقول: لا يجوز؛ يقول: يحرم. فهنا يكون مثبتًا.
ولعل القول بجواز ذلك هو الأرجح من أقوال الأصوليين.
كذلك لا بد من التساوي بين الأصل والفرع في الحكم، فلا تقول: الأصل حرام فيكون الفرع مكروهًا أو العكس.

مثال ذلك: ما حكم الدخول بالرجل اليسرى إلى المسجد؟ أجيبوا. مكروه.
لو قال قائل: الدخول إلى المسجد بالرجل اليسرى مكروه فيكون الدخول للكعبة بالرجل اليسرى حرامًا.
نقول: لا يصح القياس هنا. لماذا؟ لأن الحكم في الأصل ليس مماثلًا للحكم في الفرع، ولا بد من التساوي بين الأصل والفرع في الحكم.

أيضًا قال: (والعلة هي الجالبة، والحكم هو المجلوب للعلة)، هذه المسألة هي التي ذكرتها قبل قليل من كون العلة هل هي مؤثرة في الحكم أو مجرد علامة وأمارة للحكم؟ وإذا قلنا بأن العلة مؤثرة، هل هي مؤثرة بنفسها أو بحكم الله -عز وجل- لها، وقلنا: بأن الناس يسيرون على ثلاثة مناهج:
المنهج الأول: الأشاعرة يقولون: العلة غير مؤثرة في الحكم، وإنما هي مجرد علامة وأمارة فقط.
القول الثاني: أن العلة مؤثرة بنفسها في الحكم، وهذا قول المعتزلة، وهوالذي سار المؤلف.
والقول الثالث يقول: العلة مؤثر في الحكم لا بنفسها، وإنما بجعل الله لها كذلك.

فالمؤلف يقول: العلة هي الجالبة للحكم، فلم يسر على طريقة الأشاعرة في قولهم بأن العلل غير مؤثرة.
وبعد ذلك قال: (والحكم هو المجلوب للعلة)، تلاحظون هنا أن المعتزلة يقولون: العلة تجلب الحكم وجوبًا على الله، لأنهم يرون أنه يجب الأصلح، يجب على الله فعل الأصلح، ومن الأصلح أن تكون العلة مؤثرة في أحكامها وجوبًا.
وأهل السنة يقولون: العلل مؤثرة أو تجلب الحكم تفضلًا من الله -جل وعلا-، والله -جل وعلا- لا مكره له ولا موجب له.

وبهذا ننتهي من أحكام القياس على وِفق ما ذكره المؤلف، وهناك أحكام متعددة للقياس يذكرها علماء الأصول، وإنما أراد المؤلف هنا أن يورد عددًا من مسائل القياس بدون أن يستوعبها.
من المسائل مثلًا: هل يجري القياس في الحدود؟
قال الحنفية: لا يجري القياس في الحدود، لأن الحدود لا تثبت بالشبهات.
والجمهور يقولون: تثبت الحدود بواسطة القياس.
نمثل لهذا بمثال: لو قُدِّر أن أحدًا من الناس تمكَّن من الدخول في الشبكة إلى بعض المصارف، فسحب بعض الأموال من حساب أحد الأشخاص فوضعه في حساب له أو في حساب شخص آخر، ففي هذه الحال نقول: هذا سارق يثبت في حقه التحريم، ويثبت في حقه وجوب القطع فتقطع يده أو لا؟
نقول: التحريم لا شك فيه لأنه أخذ مال والله -جل وعلا- قال {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ} [النساء: 29]، فهذا الآية بعمومها تشمل هذا الحكم.
لكن القطغ، هل هو سارق أو ليس بسارق؟ على مذهب الجمهور يقولون: هوسارق، لأنه قد أخذ المال من حرزه، بعضهم يقول هذا بطريق اللغة، وبعضهم يقول: هذا بطريق القياس، ومن ثمَّ يُثبت حكم القطع فيه.
آخرون قالوا بأن هذه المسألة لا قطع فيها. لماذا؟ قالوا: لأنها ليست هي المنصوص عليها، ولا يصح إثباتها بالقياس، لأن الحدود عندنا لا تثبت بواسطة القياس، هذا من يقوله؟ هذا مقتضى مذهب الحنفية الذين يرون أن القياس لا يجري في الحدود.
وأما على مقتضى مذهب الجمهور: فإنهم يثبتون الحد في هذه المسألة.

إذن: هذا نموذج من مسائل القياس التي لم يذكرها المؤلف.
انتقل المؤلف بعد هذا إلى الكلام عن الحظر والإباحة، يعني هل الأصل في الأشباء هو الإباحة حتى يرد دليل يدل على المنع منه؟ أو أن الأصل فيها الحظر والمنع؟
قبل ورود الشرائع، اختلف الناس في حكم الأفعال قبل ورود الشرع، فقالت طائفة: كان حكم الأشياء قبل ورو الشرع على الإباحة، لن الله -عز وجل- قد خلق هذه الأشياء لحكمة، ولا حكمة لخلقها إلا أن ينتفع بها الخلق، ولا يتمكنون من الانتفاع بها إلا إذا كانت مباحة. إذن عرفنا هذا القول الأول أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع هو الإباحة.
القول الثاني يقول بأن حكم الأفعال قبل ورود الشرع: الحظر والتحريم، لأن هذه المخلوقات مملوكة لله -عز وجل- ولا يصح التصرف في ملك الغير إلا بإذن الله -عز وجل- وبالتالي قبل ورود الشرائع لم يأتِ إذن.
الأولون قالوا عن هذه الحجة بأن الانتفاع بهذه لأشياء لا يُضرُّ بمالكها، فهو بمثابة الاستظلال بظل الجدار، انتفاع بملك الغير والمالك لا يتضرر بالانتفاع به وهو مباح.
والأولون قالوا بأن هذا الحكم بعد ورود الشرع، ونحن نتباحث فيما قبل ورود الشرع.
إذن: ماذا ترجحون؟ هل حكم الأفعال قبل ورود الشرع هو الإباحة؟ أو أن حكم الأفعال قبل ورود الشرع هو الحظر والتحريم؟ تلكم باللاقط، نعم.

{الذي يظهر أنه للإباحة}.
الشيخ: على الإباحة، من يؤيده يرفع يده. طيب..
من يتبنى القول الآخر أنه على الحظر؟ ما في أحد!
هناك طائفة ثالثة...، فعلكم هذا لا يصح، لماذا؟ لأنكم استعجلتم في الترجيح، المسألة قد يكون فيها أقوال أخرى غير المذكورة، فعندما لا تنظرون إلا إلى هذين القولين المذكورين قد تقعون في الخطأ لأن الراجح والصواب هو قول آخر.
هنا طائفة قالوا: الآن نبحث في حكم الأفعال قبل ورود الشرع، والحكم الشرعي ما هو؟ خطاب الشرع. فكيف يكون هناك حكم وخطاب قبل أن يرد الحكم والخطاب، ولذلك قالوا: لا حكم لها.
وهناك طائفة رابعة قالوا بأنه لا يوجد زمان قبل ورود الشرائع، منذ خلق الله آدم أمره ونهاه، ولذلك قال تعالى {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ} [النحل: 36]، إذن: ما من أمة إلا وفيها رسول، فدلَّ هذا على أنه لا يصح أن نقول في هذه المسألة بأن الأفعال قبل ورود الشرع الشرع على الإباحة أو على الحظر، لأنه أصلًا لا يوجد حكم، لا يوجد زمان قبل ورود الشرائع.

انتهى وقت هذا اللقاء، ولعلنا -إن شاء الله- تعالى نعود إلى الكلام عن الحظر والإباحة في لقائنا القادم باختصار، أسأل الله -جل وعلا- أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين، كما أسأله -جل وعلا- أن يفتح على قلوبنا، وأن يملأ قلوبنا من التوقى والإيمان.
اللهم احقن دماء المسلمين واجمع كلمتهم على الحق، وولِّ عليهم خيارهم واجعلهم مُحكِّمين لكتابك، عاملين بسنة نبيك.

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-08, 02:25 AM   المشاركة رقم: 9
المعلومات
الكاتب:
نمر
اللقب:
:: فآرس أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2014
العضوية: 1170
المشاركات: 431 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 56
نقاط التقييم: 450
نمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of lightنمر is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نمر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري "متجدد"

الدرس التاسع والأخير
شرح متن الورقات لمعالي الدكتور: سعد الشثري
تفريغ الدرس (9)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين.
أما بعد: فأرحب بكم في هذا اللقاء الأخير من لقاءاتنا في قراءة الورقات في علم الأصول.
نتحدَّث فيه بإذن الله -عز وجل- عن الحظر والإباحة، وعن الاستصحاب، وعن المفتي والمستفتي، وأحكام الاجتهاد.

تقدَّم معنا في اللقاء السابق الكلام عن الحظر والإباحة، وقلنا بأن حكم الأفعال قبل ورود الشرع اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال:
-منهم من يقول بأنها على الإباحة.
- ومنهم من يقول بأنها على الحظر.
- ومنهم من يقول بأنها لا حكم لها.
- ومنهم من يقول لا يوجد وقت قبل ورود الشرائع، وقلنا بأن هذا القول هو أرجح الأقوال في هذه المسألة.

بعد خروجنا سألني أحدكم عن حكم أهل الفترة، ما الحكم فيهم إذا قلنا بأنه لا يوجد وقت قبل ورود الشرائع، فنقول: أهل الفترة لهم حكم الجاهل في الشريعة التي سبقت وجودهم.
مثال ذلك: إذا كان عندنا في زماننا الحاضر أناس لم تبلغهم الدعوة، ما حكمهم؟ لهم حكم الجاهل في هذه الشريعة من جهة أن الأحكام الدنيوية لا يُطبَّق عليهم أحكام الإسلام فيها.
وأما في الآخرة فإننا نقول بأنهم يتعرضون للاختبار، ثم بعد ذلك يُرى مصيرهم إلى جنة أو إلى نار لقول الله -عز وجل- {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].
أما بعد ورود الشريعة فإن الفقهاء اتفقوا على أن الأصل في الأفعال هو الإباحة، ويستدلون على ذلك بعدد من النصوص الشرعية من مثل قوله -عز وجل- {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]، فدلَّ هذا على أن الأصل في الأفعال هو الإباحة، ولا يُقال بتحريم فعل من الأفعال إلا بدليل شرعي، وهذا وقع اتفاق عليه.

بعض العلماء ظن أن مسألة ما قبل ورود الشرائع يترتب عليها حكم ما بعد ورود الشرائع كما هو ظاهر كلام المؤلف هنا، ولكن هذا البناء ليس بصحيح لوقوع الاتفاق من الفقهاء على أن حكم الأفعال بعد ورود الشرائع هو الإباحة لعدد من الأدلة، منها: قوله -عز وجل- {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}.
لكن يُلاحظ أن الاستدلال بهذه القاعدة إنما يكون لعلماء الشريعة، أما عوام الناس فلا يصح لهم أن يقولوا: الأصل في الأفعال هو الإباحة ثم يُقدِموا على أي فعل يريدونه، لأنهم لا يعرفون هل ورد أدلة ترفع هذه الإباحة الأصلية أو لا.

ومن ثمَّ نقول بأن هذه القاعدة "أن الأصل في الأفعال هو الإباحة" إنما يستدل بها علماء الشريعة، أما عامة الناس فإنهم لا يستدلون بها.

الموضوع الثاني الذي نتكلم عنه: موضوع الاستصحاب.
والمراد بالاستصحاب: الاستدلال بدليل مع تفاوت الزمن، أو نقول عن الاستصحاب: إثبات ما كان ثابتًا، استدامة إثبات ما كان ثابتًا، واستدامة نفي ما كان منفيًا.

والأفعال الإنسانية على أنواع، عندا في دليل الاستصحاب لا يصح أن نستدل بالاستصحاب إلا إذا لم يوجد دليل شرعي، والاستصحاب على أنواع:
النوع الأول: استصحاب الإباحة الأصلية -كما تقدَّم معنا في القاعدة التي قبلها- وهو أن الأصل في الأفعال هو الإباحة.
وبذلك نعلم أن المسائل التي فيها دليل إباحة فقط نأخذ بالإباحة، والمسائل التي فيها دليل تحريم فقط نأخذ بدليل التحريم، والمسائل التي فيها دليل إباحة ودليل تحريم نُرجِّح دليل التحريم، والمسائل التي ليس فيها دليل إباحة ولا دليل تحريم بنص المسألة نأخذ بأن الأصل في الأشياء هو الإباحة.
مثال ذلك: نقول: الأصل في المياه أنها مباحة، الأصل في المأكولات أنها مباحة، الأصل في الحيوانات الإباحة حتى يأتي دليل يدلنا على أن هذا النوع محرم فنحكم بالتحريم.
إذن: الاستصحاب الأول، النوع الأول من أنواع الاستصحاب: استصحاب الإباحة الأصلية.
الثاني: استصحاب براءة الذمة.
الأصل أنه لا يوجد واجبات على الإنسان، وبالتالي لا نثبت عليه واجبًا من الواجبات إلا بدليل، لو جاءنا أحمد وقال: لي دين على خالد. فحينئذٍ نقول: لا نقبل هذه الدعوة منك إلا بدليل، وإلا أخذنا يمين المُدَّعى عليه. لماذا؟ لأن الأصل عدم لحوق الواجبات بالذمة إلا بدليل.
وبالتالي إذا جاءنا إنسان وقال: يجب عليك أن تصوم يوم الاثنين. نقول: الأصل عدم الوجوب، والأصل براءة الذمة، لا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل.
النوع الأول -استصحاب الإباحة- ينفي التحريم.
والنوع الثاني -استصحاب براءة الذمة- ينفي الوجوب.
النوع الثالث: استصحاب النصوص، الأصل في أن النص لا زال دليلًا شرعيًا يُعمل به، فمن جاءنا وقال: هذا الدليل منسوخ؛ لم نقبل منه هذه الدعوى، لأن الأصل العمل بالنصوص الشرعية كتابًا وسنة.
كذلك هنا استصحاب العموم، في الأصل أن اللفظ العام يشمل جميع أفراده، ولا نخصص منه بعض الأفراد إلا بدليل شرعي.

وهناك استصحاب الوصف، مثال ذلك: كنت متوضئًا في الصباح، في الظهر شككت هل لا زلت على الوضوء أم انتقد وضوؤك؟ نقول: الأصل بقاء الوصف الأول.
تزوج بفلانة قبل أربع سنوات، ثم جاءه الشيطان وقال: يمكن أن تكون قد طلقتها، فنقول: الأصل بقاء الوصف السابق وهو أنها زوجته، لا ننتقل عن هذا الأصل إلا بدليل. وهذا يسمى استصحاب الوصف.

قال المؤلف: (معنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل)، يعني الحكم المقرر في الزمان الأول عند عدم ورود دليل يُغيِّر ذلك الأصل.
فمثلًا: عندنا الإباحة الأصلية هي الأصل، لا ننتقل، نستصحب هذا الأصل حتى يأتينا دليل يدلُّ على التحريم.
والاستصحاب إنما يُستدل به عند عدم وجود دليل شرعي يُغيِّر الأصل، ولا يصح أن يستدل بالاستصحاب إلا علماء الشريعة من أهل الاجتهاد.

ننتقل بعد ذلك إلى ترتيب الأدلة.
الفقيه عندما ينظر إلى مسألة فقهية يجب عليه أن ينظر في جميع أدلتها، فإن كانت الأدلة متوافقة فحينئذٍ يقوم بالعمل بمدلول هذه الأدلة لتوافقها.
أما إذا كانت الأدلة مختلفة وبعضها يدل على إباحة مثلًا وبعضها يدل على تحريم؛ فحينئذٍ نحاول أن نجمع بين الدليلين بأن نحمل أحد الدليلين على محل، ونحمل الدليل الاخر على محل آخر -كما تقدم معنا في مباحث التعارض والترجيح في لقاء سيابق-

إذا عجزنا عن الجمع بين الدليلين؛ نظرنا في التاريخ، فعملنا بالدليل المتأخر وجعلناه ناسخًا للدليل المتقدِّم.
إذا لم نعرف التاريخ؛ نرجح بين الأدلة، هذا الترجيح هو مبحث ترتيب الأدلة، هذا هو مبحث ترتيب الأدلة بحيث نعرف ما هو الدليل الذي يُقدَّم عند وجود التعارض بين الأدلة.

قال المؤلف: (وأما الأدلة فيُقدَّم الجليُّ منها على الخفيِّ)، بعض الأدلة يكون واضحًا جليًّا، وبعضها يكون خفيًّا في دلالاته، فنقدِّم الدليل الواضح على الدليل الخفي.
ونمثل لذلك بمثال: لو تعارض دليل الاستدلال فيه بالمنطوق مع دليل بالمفهوم، فحينئذٍ نقدِّم الدليل المنطوق.

ما المراد بالدليل المنطوق؟ هو الدليل الذي يدل بلفظه على محل الحكم. أما الدليل المفهوم فهو دلالة اللفظ على غير محل النطق.
مثال ذلك: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «في سائمة الغنم الزكاة»،الحديث أوجب الزكاة في السائمة. ما هي السائمة؟ التي ترعى، الحديث أوجب الزكاة في السائمة وهي التي ترعى، هذا المنطوق.
طيب.. التي لا ترعى فُهِمَ من الحديث أنه ليس فيها زكاة، هذا يسمى مفهوم، هذا هنا مفهوم مخالفة، لأن المنطوق يخالف المفهوم في الحكم.

ومرات قد يكون مفهوم موافقة. مثال ذلك: قوله -عز وجل- {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7]، فيه إثبات الجزاء في مثقال ذرة الخير. هذا المنطوق.
طيب.. لو عمل أكثر؟ لو عمل أكثر فحينئذٍ نقول: من باب أولى أن يُجازَى عليه، هذا يسمى مفهوم، لأنه في غير محل النطق، لأن محل النطق في ذرة، وهذا يسمى مفهوم موافقة.

لو قُدِّرَ أنه تعارض منطوق مع مفهوم؛ قدَّمنا المنطوق لأنه جليّ على المفهوم لأنه خفي.
نمثل بمثال: يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- «لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان»، فيه أن المصَّة في الرضاع لا يثبت بها المحرمية والتحريم، وهكذا أيضًا بالنسبة للمصتين لا يثبت بها التحريم، يُفهم منه أن الرضعات الثلاث تُحرِّم لأنه إنما نفى التحريم في المصة والمصتين، يُفهم منه أن ثلاث مصات يثبت بها التحريم، لكن وردنا في حديث آخر أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان فيما أنزل {عَشْرُ رَضَعَاتٍ مُحَرِّمَاتٍ}، فنُسِخْن بخمس رضعات معلومات"، فدلَّ هذا على أن المُحرَّم هو خمس رضعات، وأن ما كان أقل من ذلك فإنه لا يُحرِّم، فبقينا في ما كان ثلاث رضعات وأربع رضعات، هل يُحرِّم؟
على الحديث الأول: يُحرِّم.
وعلى الحديث الثاني: لا تُحرِّم.
فحينئذٍ نحتاج إلى المقارنة بينهما، الحديث الأول «لا تحرم المصة ولا المصتان»، إنما دلَّ بالمفهوم، بينما حديث «فنسخن بخمس رضعات»، هذا يدل بالمنطوق، فنقدِّم المنطوق على المفهوم، ومن ثمَّ نقول بأن ثلاث رضعات وأربع رضعات لا تُحرم.

مما يحصل به الترتيب في الأدلة: أن الموجب للعلم يُقدَّم على الموجب للظن.
تلاحظون أن المؤلف هنا سار على طريقة المعتزلة في قوله (الموجب) لأن الأشاعرة يقولون: الدليل لا ينتج العلم، وإنما يحصل العلم عنده.
وأهل السنة يقولون: الدليل يؤثر في تحصيل العلم، لكنه ليس على سبيل الإيجاب، وإنما يؤثر بفعل الله -جل وعلا-
لو كان عندنا حديثان، أحدهما دلالته قطعية، والآخر دلالته ظنية؛ فحينذٍ نُقَدِّم القطعي.

مثال ذلك: ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه»،ورد من حديث جماعات كثيرة من الصحابة، بعضهم يقول: يصلون إلى عشرين، وقيل: يصلون إلى خمسة عشر، وبهذا قال الجمهور.
لكن ورد في السنن من حديث ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام ثم لا يعود»، فنقول: الحديث الأول رواه جماعة كثيرة يوجب القطع، أو يثبت به القطع، فنقدمه على الدليل الثاني الظني.

وهكذا أيضًا يُقدَّم الدليل النطقي على القياس. فلو تعارض القياس مع آية من القرآن، أو حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فأيهما نقدم؟ نقدم الآية على القياس، والقياس يكون فاسد الاعتبار.

نمثل لهذا بمثال: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان معه في الحج رجل سقط عن ناقته فمات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «اغسلوه وكفنوه في ثوبين، ولا تقربوه طيبًا ولا تغطوا رأسه، فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا».
القاعدة والقياس أن الموتى يُغسَّلون ويُطيَّبون وتُغطَّى رؤوسهم، هذه القاعدة. فلو قسنا المُحرم على غيره من الموتى لقلنا بأنه يُطيَّب وبأنه يُغطَّى رأسه، فأيهما أولى. نقدم القياس أو نقدم الخبر؟ نقدم الخبر

مثال آخر: إذا جاء في الحديث أن «المرأة تماثل دية الرجل إلى الثالث، ثم تكون على النصف منه»، كما في السنن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، معناه أنه: إذا قُطِع من المرأة أصبع ففيه عشر من الإبل، وإذا قُطع أصبعان ففيه عشرون، وإذا قطع ثلاثة ففيه ثلاثون، وإذا قُطع أربعة الجواب؟ أربعون خطأ، عشرون. لماذا؟ لأن المرأة تماثل الرجل في الدية إلى الثلث، ثلاثون أقل من الثلث، أربعون هذا زيادة عن الثلث، بالتالي تكون على النصف من الرجل.

هذا الحديث يُخالف القياس، فأيهما نقدم، القياس أم نقدم الخبر؟ نقول: نقدم الدليل النطقي على القياس.
هكذا لو تعارض قياسان، فإننا نقدم القياس الجلي على القياس الخفي.

والقياس الجلي قد يكون منصوص العلة، وقد يكون القياس في معنى الأصل، وقد يكون القياس الجلي مفهوم الموافقة على ما يقوله طائفة من علماء الشافعية.
إذن: قد تتعارض الأقيسة، فإذا تعارضت الأقيسة فإننا نقدم القياس الجلي.

مثال ذلك: شخص أغمي عليه لمدة ثلاث سنوات ثم أفاق، قال بعض الفقهاء: يقضي قياسًا على النائم.
وقال بعض الفقهاء: لا يقضي قياسًا على المجنون، المجنون لا يقضي الصلوات التي فاتته في أثناء جنونه، فأيهما يُقدَّم؟ نقول: هذا المغمى عليه أوضح شبهًا وحالًا بالمجنون، وبالتالي لا نطالبه بالقضاء.

قال المؤلف: (فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال)
هذا تبع درس الاستصحاب، بحيث أن الأصل أنه إذا ورد دليل أخذنا بالدليل، ولا ننتقل إلى الاستصحاب والإباحة الأصلية إلا إذا عُدم الدليل.

ولهذا المعنى قلنا بأنه لا يصح أن يستدل بالاستصحاب إلا الفقهاء، لأنهم هم الذين يعرفون هل وُجد دليل يُغيِّر الحكم أو لم يوجد؟
ننتقل بعد ذلك إلى المبحث الآخر وهو شروط المفتي.
المفتي: هو المُبيِّن لأحكام الله -عز وجل- من العلماء.
والمفتون هم الذين يأخذون الأحكام من الأدلة، لا يأخذونها من أقوال غيرهم، ولا يأخذون الأحكام من المذاهب الفقهية، ولا من الكتب الفقهية، وإنما يأخذون الأحكام من الكتاب والسنة.
والمفتي لا يكون مفتيًا ولا يكون مجتهدًا إلا بشروط:
الشرط الأول: أن يكون عارفًا بالأدلة الشرعية الواردة في المسألة المُجتَهد فيها.
الشرط الثاني: أن يكون قادرًا على استخراج الأحكام من الأدلة بمعرفته لعلم الأصول، فيعرف ما يصح الاستدلال به مما لا يصح، ويعرف طرائق الفهم والاستنباط، بحيث يعرف علم الأصول، ليس معرفة نظرية، وإنما يكون عنده معرفة تطبيقية يقدر على تطبيق هذه القواعد.
الشرط الثالث: أن يعرف من لغة العرب ما يمكنه من فهم النصوص الشرعية، لأن القرآن والسنة نزلا بلغة العرب.
الشرط الرابع: أن يعرف مواطن الإجماع والاختلاف من أجل ألا يجتهد في مسألة فيُخالف الإجماع أو يُحدث قولًا جديدًا.
ومن أجل أن يكون مقبول الفتوى عند الناس بحيث يجوز للناس أن يعملوا به؛ فلا بد أن يكون عدلًا موثوقًا به، لأن الفاسق لا يؤمَن أن يكذب في أخباره.

قال المؤلف: (ومن شروط المفتي )
والمفتي لاحظوا أنه لا يقتصر على مَن يجيب الأسئلة فقط؛ بل الفتوى تشمل من يُبيِّن الحكم ولو كان ذلك على سبيل الابتداء، وبشرط أن يُبيِّن حكم الله، أما إذا كان ناقلًا للأحكام فهذا ليس مفتيًا.

يشترط في المفتي (أن يكون عالمًا بالفقه أصلًا)، يعني يعرف القواعد الأصولية، يعرف علم أصول الفقه الذي نتدارسه، فيعرف ما يصلح الاستدلال به مما لا يصلح، ويعرف شروط الفتوى والمفتين، والاجتهاد والتقليد، ويعرف قواعد الفهم والاستنباط.

وكذلك لا بد أن يكون عارفًا بالفقه فروعًا خلافًا ومذهبًا بحيث يعرف أقوال الفقهاء، ويعرف مواطن الإجماع من مواطن الخلاف.
وبهذا نعرف أن المفتين على نوعين:
النوع الأول: من يكون مجتهدًا في الفقه وفي الأصول، وبالتالي فهذا مجتهد مطلق، لأنه غير متقيد بمذهب من المذاهب، وإنما قواعده الأصولية بناء على ترجيحاته الخاصة، ومسائله الفرعية أيضًا يأخذ باجتهاده هو، وهذا المجتهد الطلق عند التدريس قد يُدرِّس كتب المذاهب الفقهية، لكن عند الفتوى وعند القضاء يفتي بناء على اجتهاده وترجيحه الخاص به.
النوع الثاني: المجتهد في المذهب، وهو الذي يتقيَّد في القواعد الأصولية بمذهبه الفقهي.
مثال ذلك: يأخذ بالقواعد الأصولية والترجيحات الأصولية عند الإمام أحمد، لكنه في الفروع الفقهية قد يختلف مع المذهب.

مثال ذلك: الإمام النووي -رحمه الله- فقيه، ولكنه في الأصول يتقيَّد بمذهب الإمام الشافعي، بحيث لا يُرجِّح في القواعد الأصولية خلاف مذهب الإمام الشافعي، ولكنه في الفروع الفقهية قد يُرجِّح خلاف مذهب الإمام الشافعي، فيقول بأن أصول الإمام الشافعي تقتضي القول الفقهي الذي يخالف ما هو مقرر في مذهب الإمام الشافعي.
مثال ذلك: مثلًَا في مسألة انتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور، الإمام النووي يقول بأن أكل لحم الجزور ينقض الوضوء، لماذا؟ قال: لأن الحديث قد صحَّ في هذه المسألة.
والإمام الشافعي يقول: "إذا صَحَّ الحديثُ فهو مذهبي"، مع أن الإمام الشافعي يقول إن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء.
وهذا القول يسمونه العلماء: هذا وجه في المذهب، بحيث أن هذا الوجه قول جديد في المذهب لكنه مبني على القواعد الأصولية في الذهب.
وهناك من يتقيَّدون بالروايات الواردة عن الإمام فيختارون أحدها بناءً على أنها الراجحة، ولا يختارون روايات خارج المذهب، وهؤلاء يسمون أصحاب الترجيح، لأنهم يرجحون بين الروايات في المذهب.
وهناك من الفقهاء من يُخَرِّج، بحيث يقيس المسائل الجديدة على مسائل مقررة في المذهب.
إذن الشرط الأول عند المؤلف: أن يكون المفتي عالمًا بالفقه أصولًَا وفروعًا، وخلافًا ومذهبًا.

كذلك من شروط المفتي: أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد بحيث يعرف القواعد الأصولية التي تمكنه من فهم الأدلة الشرعية، يعرف أن الأمر للوجوب، يعرف أن النهي للتحريم والفساد، وهذا هو معنى قول المؤلف.

ثم قال المؤلف من شرطٍ آخر: (عارفًا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة) لأن القرآن والسنة جاء بلغة العرب، ولا يمكن فهمها إلا بهذه اللغة.

هكذا أيضًا قال المؤلف: (ومعرفة الرجال)، يعني يشترط في المفتي أن يكون عارفًا بأحوال رجال الإسناد.
وهناك من الفقهاء من يقول بأن الفقيه والمفتي لا يشترط فيه أن يكون عارفًا بالرجال؛ بل يجوز له الاعتماد على أقوال المحدثين في تصحيح الأحاديث وتضعيفها.

كذلك لا بد أن يكون عارفًا بتفسير الآيات التي وردت في الأحكام، وعارفًا بتفسير الأخبار التي وردت في الأحكام، فينزل هذه الآيات على المراد بها، أما إذا كان لا يعرف الآيات والأحاديث الواردة في الأحكام، فهذا لا يصح له ولا يجوز أن يكون مفتيًا مجتهدًا.
هذا الكلام كله في المفتي، يقابل المفتي المستفتي الذي هو السائل الذي يسأل.

أهل الفتوى لا يجوز لهم أن يسألوا؛ بل يجب عليهم أن يعملوا باجتهادهم، لقوله تعالى {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف: 3]، ومن ثمَّ من كان قادرًا على العمل بالكتاب والسنة لا يجوز له أن يعمل بقول غيره، ولو كان أعلم منه وأرجح منه وأقوى في النظر منه؛ بل لا بد أن يعمل باجتهاد نفسه. ومن ثمَّ ليس المفتي مستفتيًا ولا يجوز له أن يعمل بقول غيره؛ بل يجب عليه أن يعمل بقول نفسه.
المستفتي هو السائل، يُشترط فيه ألا يكون عالمًا، فإن الله تعالى يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، معناه: أن أهل الذكر لا يجوز لهم أن يكونوا سائلين؛ بل لا بد أن يكونوا مسؤولين، فقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

المستفتي من يعمل بقوله؟ يعمل بقول المفتي الذي وجدت فيه شروط الفتوى السابقة.
لو قُدِّر أن البلد فيها أكثر من مفتي؛ فحينئذٍ لا يجوز أن تعمل بقول واحد منهم، إذا سألت أي واحد فاعمل بقوله، ويجزئك هذا عند الله -عز وجل-

وفي عصر الصحابة كان يُسئل المفضول مع وجود الفاضل، لكن لو قُدِّر أنك علمت بالأقوال، وعرفت أن العالم الأول يفتي بالتحريم والعالم الثاني يفتي بالإباحة، فماذا تفعل؟ هل تختار؟ نقول: لا. هل تأخذ بما يوافق نفسك؟ نقول: لا، لا يجوز لك ذلك.
إذن ماذا تفعل؟ نقول: رجِّح بينهما. انظر مَن هو العلم، فإن كان الثاني هو الأعلم فخذ بقوله، سواء أفتى بإباحة أو تحريم، فإذا تساووا في العلم أو جهلتَ التفاوت بينهما، ما عرفت ترجح بينهما؛ فحينئذٍ تأخذ بقول صاحب التقوى والورع، يعني صاحب التقوى والورع حريٌ أن يُوفَّق، فإن الله -عز وجل- يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً} [الأنفال: 29]، أي قدرة تفرقون بها بين الحق والباطل، فمن اتقى الله وُفِّقَ للصواب.
ومثل قوله -عز وجل- {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، من الذي يهتدي بالكتاب؟ هم أهل التقوى، كلما كانت التقوى عندك أكثر ازدادت معرفتك بكتاب الله وتمكنت من فهمه.

وأما إذا لم تستطع الترجيح بينهما بحسب الورع فتنظر بقول الأكثر، فتسأل عالمًا ثالثًا وتأخذ بقول اثنين، لأن هذا أغلب على ظنك أنه هو شرع الله، لأنك أنت لا تأخذ بقول المفتي فلان لأنه فلان؛ وإنما تأخذ بقول المفتي لأنه يغلب على ظنك أنه يوصلك إلى حكم الله -جل وعلا-، ما الدليل على هذا؟ قوله -عز وجل- {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏} [الزمر: 18]، يعني أقواه وأرجحه، قال تعالى: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر: 55].

قال المؤلف: (وليس للعالم أن يقلد فيأخذ بفتوى غيره؛ بل لا بد أن يجتهد)، كما تقدم معنا.

قال: (والتقليد)
، التقليد: أخذ قول العلماء والعمل به، هذا نسميه تقليد.
إذن التقليد هو الالتزام مذهب من ليس قوله حجة لذاته، فأخذك بقول العالم هذا نسميه تقليدًا، لكن أخذك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا لا يسمى تقليدًا، يعني قول النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة في نفسه.
ومثله أيضًا: الأخذ بالإجماع، هذا لا يُعدُّ تقليدًا، لأن أقوال المُجمِعين حجة بنفسها.

قال المؤلف: (والتقليد قبول قول القائل بلا حجة)، يعني يقبول قول القائل الذي ليس قوله حجة لذاته، فبناءً على هذا التعريف يكون قبول قول النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس تقليدًا، لأن قول النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة ودليل في نفسه.
بعض العلماء قال: التقليد: قبول -يعني أخذ والتزام- قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، فهذا تعريف آخر للتقليد.
فإن قلنا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول بالقياس، فيجوز أن يسمى قبول قلوه تقليدًا.
هناك اختلاف بين الفقهاء، هل يجتهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهل يعمل بالقياس أول لا؟ فطائفة منعوه، وبالتالي قالوا: الأخذ بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُعدُّ تقليدًا.
وطائفة قالوا بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يجتهد ويمكن أن يقيس. وهذا القول أصوب، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قاس في بعض المواطن.

والمؤلف يقول: (يتفرع على هذا القول بأنه يجوز أن نسمي الأخذ بأقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- تقليدًا)، لكن هذا ما يقوله أحد من أهل العلم!

ننتقل إلى المبحث الأخير من مباحث هذا الكتاب وهو: الاجتهـاد.
قلنا بأن الاجتهاد هو عمل الفقيه في استخراج الأحكام من الأدلة الشرعية، ويشترط في الاجتهاد أربعة شروط، هي:
- المعرفة بالأدلة الشرعية الواردة في المسألة تصحيحًا وتضعيفًا، ثبوتًا وعدمه.
- والشرط الثاني: القدرة على تطبيق القواعد الأصولية واستنباط الأحكام من الأدلة بواسطتها.
- والشرط الثالث: معرفة مقدار من لغة العرب يمكنك من فهم النصوص.
- والشرط الرابع: أن تكون عارفًا بمواطن الإجماع ومواطن الخلاف.

عرَّف المؤلف الاجتهاد بأنه: (بذل الوسع في بلوغ الغرض)، لا بد أن المجتهد إذا نظر أن يستغرق وسعه بحيث يظن أنه لا يوجد دليل آخر في المسألة غير ما ورده من الأدلة.
قال: (وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض)، أي في تحصيل الحكم الشرعي.
إذا كان الشخص الذي اجتهد ليس مؤهلًا للاجتهاد فهو آثم، ومن أمثلة هذا: لو وُجد عندنا كاتب في الصحيفة بدأ يستخرج الأحكام وهو ليس من علماء الشريعة؛ فحينئذٍ نقول: هذا الاجتهاد لا قيمة، وهذا المجتهد آثم، لأنه قد دخل في باب ليس أهلًا له.

لكن لو كان المجتهد مؤهلًا للاجتهاد، وكان عنده شروط الاجتهاد، وكان كامل الآلة في الاجتهاد؛ فحينئذٍ لا يخلو من أحد أمرين:
- إما أن يجتهد فيصيب، فيكون له أجران.
- الحال الثاني: أن يجتهد في المسألة فيُخطئ، فحينئذٍ يكون له أجر واحد.
ودليل هذا: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد»، لكن لا بد أن تلاحظوا أن هذا في المجتهد الذي اجتهد في مسألة، أما من أصدر الأحكام قبل تمام النظر في المسألة فهذا آثم على كل حال سواء أصاب أو أخطأ، لو وُجد عندنا مجتهد عُرضت عليه مسألة فلم يجتهد فيها، وقال: هذه المسألة جائزة؛ فهو آثم ولو أصاب الحق.
القول بأن المصيب واحد وأن ما عداه مخطئ، هو قول جماهير أهل العلم لعدد من الأدلة، منها: قول النبي -صلى الله عليه وسلم- «إذا حكم الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا حكم فأخطأ فله أجر واحد»، معناه أن المجتهد قد يصيب وقد يُخطئ، وهذا قول جماهير أهل العلم، ومنهم أهل السنة والجماعة.

الأشاعرة يقولون: كل مجتهد في الفروع مصيب.
وهذا القول قول خاطئ يرده عدد من الأدلة، منها الحديث الذي ذكرناه قبل قليل، وهذا القول يؤدي إلى أنه ما دام أن جميع الأقوال صواب فإنه يجوز أن نأخذ بأحدها بدون ترجيح. وهذا قول خاطئ، لأن الله -عز وجل- أمر بالترجيح بين الأقوال.

جاء المؤلف بدليل الجمهور في هذه المسألة فقال: (ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً، قوله -صلى الله عليه وسلم: « من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد » ).
قال: (وجه الدليل: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطأ المجتهد وصوبه أخرى)، معناه أنه قد يصيب وقد يُخطئ، هذا الكلام في الفروع الفقهية، بمعنى المسائل التي ليس فيها دليل قاطع، التي فيها أدلة ظنية.

المصيب عند الجمهور واحد والبقية مخطئون، والمصيب له أجران والمخطؤون لهم أجر واحد.
أما في المسائل التي فيها دليل قاطع فحينئذٍ نقول: المصيب واحد وما عجاه مخطئ، والمصيب له الأجر وأما المخطئ ليس له أجر، هل عليه وزر؟ جمهور أهل العلم قالوا: عليه وزر، لأنه أخطأ في مسألة قطعية ثابتة.

وهناك طائفة قالوا بأنه ليس عليه وزر إذا بذل وسعه، ولعل هذا القول الثاني أرجح القولين، وذلك لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يعِب على أصحابه في عدد من المسائل القطعية التي أخطؤوا فيها لخفاء الدليل القطعي عليهم، ولذلك لما وضع عُدَي الخيطين تحت وساده كان مخطئًا في مسألة قطعية، ومع ذلك لم يُبت له النبي -صلى الله عليه وسلم- الإثم.

ومثل ذلك في أصحاب عيسى عندما قالوا له: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة: 112]، هذا قول كفر لأن الشك في قدرة ربّ العزة والجلال، لكنهم لما كانوا جاهلين عُفيَ عنهم ولم يثبت الإثم في حقهم.
وهناك نصوص كثيرة تدل على هذا المعنى، مثال ذلك: الحديث الذي فيه «أن رجلًا لما قرُبَ موته أوصى أبناءه أن يحرقوه وأن يفرقوا رماد بدنه في البر والبحر، فجمع الله بدنه، فسئل لمَ فعلتَ ذلك؟ فقال: مخافتك يا ربي، فغفر الله -عز وجل- عنه»، فهذا مؤمن لأنه يخاف من الله، ولكنه أخطأ في مسألة قطعية تتعلق بالتشكيك في قدرة الله -عز وجل-، ولما كان هذا اجتهادًا خطئًا؛ فحينئذٍ عفا الله -جل وعلا- عنه.
وبهذا نعلم أن الاجتهاد لا بد فيه من إتمام النظر، ولا يصح أن يبادر الإنسان في المسائل التي تعرض عليه فيفتي فيها قبل تمام النظر ولو كان مجتهدًا، لا بد أن يقلب النظر وينظر في الأدلة الواردة في المسألة، وأن ينظر في عواقب الأمور.

الاجتهاد لا يكون إلا في الأدلة الشرعية، الاجتهاد الشرعي لا يكون إلا في الأدلة الشرعية، ومن ثمَّ لا يصح أن تستخرج حكمًا شرعيًا من الحوادث الفلكية أو المقارنة والمصادفة.
هنا شرط لا بد أيضًا أن نلاحظه، وهو: أن الاجتهاد لا يكون معتبرًا إلا إذا صدر من الأهل للاجتهاد، المؤعل للاجتهاد، أما لو وُجد اجتهادات من أناس ليسوا مؤهلين؛ فهذا لا قيمة لقولهم، ولا قيمة لاجتهادهم، ولا يؤثر على الاتفاق والاختلاف؛ بل هذا الاجتهاد من هذا الشخص يُعدُّ من القول على الله بغير علم ولو أصاب في اجتهاده.

وقد وردت نصوص كثيرة تحذر من القول على الله بلا علم، وتُبيِّن أن العقوبات العظيمة تنزل على من يقول على الله بغير علم، قال الله -عز وجل- {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ} [طه: 61]، وقال الله -جل وعلا- {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا} [الأنعام: 21]، أي لا يوجد أحد من أولئك الذين ينسبون إلى الله أحكامًا شرعية هم غير مؤهلين لذلك.
وقال الله -عز وجل- {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 , 169]، وبهذا نعلم أن جرأة بعض الناس في المسائل الشرعية وكونهم يبدؤون بالحكم تحليلًا وتحريمًا وإيجابًا بدون أن يكونوا مؤهلين؛ هذا من القول على الله بغير علم، وهو من أكبر الذنوب والآثام، وخصوصًا إذا كان ذلك القول سينشر في الأمة كما يفعله كتاب الصحف أو يتكلم به المتكلمون في الوسائل الإعلامية.

ومن هنا نعرف، من خلال ما سبق نعرف أن المسائل على نوعين:
- مسائل قطعية، منها أغلب مسائل العقائد، فهذه المصيب فيها واحد بالاتفاق والبقية مخطؤون، والمصيبون يجزمون بخطأ من خالفهم. لماذا؟ لأنها مسألة قاطعة، وبالتالي يجزمون بخطأ من خالفهم، لكنهم لا يثبتون على المخطئ الإثم إلا إذا وصل إليه الدليل القطعي فعاند ولم يلتزم به.
- بينما مسائل الفروع لا نجزم بخطأ المخالف، ونقول بأن قولنا صواب يحتمل الخطأ، بخلاف المسألة الأخرى.

وبذلك ننتهي من هذا الكتاب، ونفتح المجال لكم فيما يتعلق بالأسئلة، من الذي لديه سؤال؟ عبد الحكيم، نعم.
{شيخ -أحسن الله إليكم- كيف يكون في المسائل القطعية اجتهاد؟}.
الشيخ:نعم، الاجتهاد هو العلمل بالدليل، يقابله التقليد الذي هو أخذ المسألة من المجتهدين، فالعمل بالدليل هذا يسمى اجتهادًا ولو كان في مسألة قطعية، ونشير هنا إلى أن الإنسان ينبغي به أن يعتمد في المسائل الشرعية على من يوثق بهم، وعامة الناس لا يتمكنون من الاجتهاد في المسائل القطعية، ومن ثمَّ يجب عليهم التقليد فيها.
ولذلك قول بعض الناس: لا تقليد في المسائل القطعية. هذا ليس بصحيح لأن بعض المسائل القطعية فيها أدلة قطعية لكنها تخفى على العامة، مثل وقوع الإجماع على بعض المسائل، العامي ما يعرف ذلك الإجماع، وحتى في أصل دين الإسلام -ولذلك لعلنا نشير إلى هذه المسألة، وهي التقليد في أصول الإسلام-، بعض الفقهاء ومنهم الأشاعرة يقولون: لا يصح التقليد في أصل الإسلام؛ بل قد يحكمون مَن لم يكن كذلك بأنه لا يدخل في دين الإسلام ويحكمون ببطلان إيمان المقلد. وهذا القول قول خاطئ؛ بل الصواب: أن من وصل إلى الحق ولو في أصول دين الإسلام بأي طرق صحَّ إيمانه.
ولذلك كان الناس في عهد النبوة يأتون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيسلمون فيقرهم ولا يسألهم هل كان إسلامكم عن نظر واجتهاد أو لم يكن كذلك؟
ويدل على هذا أيضًا ما ورد في الأحاديث أن بعض الصحابة كانوا يسلمون فيعودون إلى أهليهم، ويقولون: لا نكلمكم ولا نخاطبكم حتى تتدخلوا في هذا الدين، فيدخلون تبعًا لذلك المسلم الأول.

عبد الفتاح، سؤال واحد..
{أحسن الله إليكم، هل يجوز للمستفتي أن يطلب المفتي أن يفتيه على المذهب الفلاني لأنه أعلم؟}.
الشيخ:المستفتي لا يجوز له أن يطلب أو أن يعمل بناءً على المذاهب الفقهية؛ وإنما تكون الفتوى ويكون الاستفتاء عن حكم الله -عز وجل- بحسب ما يترجح لدى المفتي، ولذلك نقول: العامي ليس له مذهب، وإنما مذهبه مذهب إمامه، ولا يأتي المستفتي ويقول: ما هو الحكم في هذه المسألة على المذهب المالكي؛ وإنما يقول: ما هو الحكم الفقهي في هذه المسألة على حسب ما تعتقده يا أيها الفتي، والمفتي ما يفتي بناءً على المذاهب الفقهية؛ إنما يفتي بناءً على ما يظهر له من الراجح من الأقوال، نعم..

{أحسن الله إليك يا شيخنا، لو اختلف الآن مجتهدان وكلاهما يعني تقوى وورع وديانة في مسألة اجتهادية، فمن نأخذ بقوله؟}.
الشيخ:تقدم معنا أنه لا بد من الترجيح بحسب ثلاثة أمور:
الأول: بقول الأعلم بحسب ما يغلب على ظن السائل، فيعمل بقول الأعلم لأنه أقرب أن يوصل إلى شرع الله.
- إذا تساووا في العلم أو لم يتمكن من الترجيح؛ نظر إلى الورع.
- إذا لم يتمكَّن؛ سأل عالمًا ثالثًا، فأخذ بقول الثالث لأن قول الاثنين أغلب على الظن أنه هو شرع رب العزة الجلال، نعم..

{أحسن الله إليكم، ما الحكم في الشبهات، متى نأخذ بالأحوط؟}.
الشيخ:كما تقدَّم معنا الاحتياط يكون شيئين:
- عند اختلاف الأدلة، بالنسبة للمجتهد يأخذ بالأحوط.
- عندنا العامي إذا اختلف عليه مفتيان ولم يُرِد أن يسأل ثالثًا؛ يجوز له في هذه الحال أن يأخذ بالأحوط من القولين، ويكون حينئذٍ قد برئت ذمته بيقين، وهنا أشير إلى تفسير حديث «استفتِ نفسك وإن أفتاك المفتون ثم أفتوك»، ليس معناه أن الإنسان يرجع إلى نفسه فيأخذ الحكم، وإنما يأخذ بالقول الأحوط الذي ليس فيه لجاجة في الصدر، لأن القول الآخر قد يكون في الصدر منه لجاجة، فيستفتي نفسه بمعنى أنه يترك من يشكُّ فيه من الأقوال.
عندك سؤال؟ لعله الأخير.

{نعم، أحسن الله إليك يا شيخ، لو أن رجلًا أخذ بمذهب معين، وأخذ بكل ما فيه، علم بكل ما فيه وعمل بكل ما عند هذا المذهب..}.
الشيخ: هذا يسمى التمذهب، والتمذهب للتعلم فقط، وأما بالنسبة للعمل؛ المجتهد يأخذ بالأدلة، والعامي يأخذ بقول أحد المجتهدين.

أسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا وإياكم لخيري الدنيا والآخرة، وأن يسبغ عليكم وعلى المشاهدين الكرام نعمه، وأن يرفع درجاتكم في عليين، كما أسأله -عز وجل- أن يجمع كلمة الأمة على الحق، وأسأله -عز وجل- أن يحقن دماء المسلمين في كل مكان، كما أسأله -عز وجل- أن يجزي القائمين على ترتيب هذه اللقاءات وإعدادها وبثها خير الجزاء.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

جزى الله خيرًا أختنا ريم الزنقلي التي قامت بتفريغ هذه الدروس كاملة
وجعلها في ميزان حسناتها












عرض البوم صور نمر   رد مع اقتباس
قديم 2014-02-24, 02:17 AM   المشاركة رقم: 10
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نمر المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري [تم بحمد الله]



بآرك الله في الشيخ ونفع بعلمه
وجزآكم خيرآ أخي الكريم على النقل القيّم
جعله ربي في ميزآن حسنآتكم ...~












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

تفريغ دروس شرح متن الورقات لمعالي الدكتور الشيخ / سعد الشثري [تم بحمد الله]


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
سلسلة وقفات مع أقوال السلف لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل شيخ
حكم التسبيح بالمسبحة | الشيخ الشثري
قراءة القرآن سنة أم واجبة | الشيخ الشثري
هل لصلاة الجمعة سُنة قبلية | الشيخ الشثري
داهية العراق الشيخ الدكتور طه الدليمي حفظة الله ..


الساعة الآن 05:45 AM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML