آخر 10 مشاركات
دعاء لمن عانى من الدَين والفقر .. تصميم           »          الاهتمام بالبدعة .. يسبب إهمال السنة           »          حكم الاحتفال بالمولد النبوي           »          دفع الرشوة من أجل الحصول على الوظيفة - الشيخ صالح بن فوزان الفوزان           »          أربعون فائدة لمن يُصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم           »          مطوية (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)           »          صبرا باأهل حلب           »          قتل الوزغ من السنة           »          قصة الكسعي وقوسه           »          من مواعظ أهل العلم


منتديات أهل السنة في العراق
العودة  

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2016-08-08, 07:29 PM   المشاركة رقم: 41
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - صيغة وورد

أما إذا كانت التصرفات القولية إنشاءات تحتمل الفسخ ولا تصح مع الهزل: كالبيع،فإن أثر الإكراه فيها : الفساد، فتقع فاسدة لا باطلة وهذا عند الحنفية وحجتهم : أن الإكراه يعدم الرضا لا الاختيار، والرضا شرط للصحة لا للانعقاد، فتقع هذه التصرفات منعقدة إلا أنها فاسدة ، ئم إن أحكام هذه التصرفات القولية على النحو الذي بيناه تثبت في حق الفاعل لا الحامل، لأنه لا يمكن نسبتها إلى الحامل ، لأن الإنسان لا يمكنه أن يتكلم بلسان غيره ، فلا يمكن جعل الفاعل آلة للحامل فلا ينسب القول إليه ، فلا يثبت الحكم في حقه .

وعند الشافعية والجعفرية والحنابلة وغيرهم : لا يترتب عل قول المكره ((الفاعل)) حكم ، بل تهدر أقواله ، فلا يقع طلاقه ولا بيعه ولا أي تصرف قولي وحجتهم من وجوه عديد(1).

1- إن الله أسقط عن المكره «الفاعل» حكم الكفر إذا نطق بكلمة الكفر قال تعالى : ((إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)) [النحل:106] وأحكام الكفر أعظم من أحكام البيع والشراء ونحوهما ، لأن الأول يترتب عليه فراق الزوجة والقتل وأخذ ماله ، فإذا سقط الأعظم سقط الأصغر.

2- جاء الحديث برفع الحكم عن المكره (( الفاعل)) ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :
((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ))، كما روي عنه عليه السلام : ((لا طلاق في إغلاق))وفسر الإغلاق : بالإكراه. وعن علي بن أبي طالب لا طلاق لمكره . ومثل هذا روي عن كثير من الصحابة .

3- القصد لما وضع له التصرف شرط جوازه ، ولهذا لا يصح تصرف الصبى والمجنون . وهذا الشرط يفوت بالإكراه ، لأن المكره لا يقصد بالتصرف ما وضع له ، وإنما يقصد دفع مضرة السيف ونحوه عن نقسه .


_______________________
1-((الأم))للشافعي ج3ص20 ((أعلام الموقعين))ج3ص108و ج4ص43-44 والكاساني ج7ص182-184، ((زاد المعاد)) ج2ص200،((المغني))ج7ص118 والشيرازي ج2ص83 والطوسي ج2ص453 ((منهاج الصالحين))للمجتهد محسن الحكيم ج2ص122-182.


-139-



4- المكره ((الفاعل)) يأتي باللفظ دافعاً للأذى عن نقسه غير قاصد لمعناه ولا مريد
لحكمه . فينبغي أن لا يترتب أثر على قوله ، بل يكون لغواً بمنزلة كلام المجنون والنائم ومن لا قصد له.

ويرد الحنفية على هذه الأدلة : بأن الإكراه لا يعمل في للاعتقادت ، ولهذا عفي عن المكره إذا نطق بكلمة الكفر . أما الحديث : (( عفي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) فإن المراد به : الإكراه على الكفر لأن القوم كانوا حديثي عهد بالاسلام ، وكان الإكراه على الكفر ظاهراً آنذاك ، وحتى لو كان المراد من الإكراه هنا : الإكراه على غير الكقر، فلا نسلم أن التصرف القولي مستكره عليه ، لأن الإكراه لا يؤثر في الأقوال كما لا يؤثر في الاعتقادت ، لأن أحدا لا يقدر على استعمال لسان غيره بالكلام فكان المتكلم مختاراً فيما يتكلم به ، فلا يكون مكرهاً عليه حقيقة فلا يتناوله الحديث .
أما أن ا لقصد إلى ما وضع له التصرف شرط جوازه ، فلا يسلم لهم ، الا يرى أن طلاق الهازل يقع ، وهو غير قاصد ما وضع له التصرف؟ وايضاً حتى لوكان ما ذكروه شرطاً ؛ فهوموجوه هنا لأن المكره (( الفاعل )) قاصد دفع الهلاك عن نفسه ، ولا يندفع إلا بالقصد إلى ما وضع له التصرف فكان قاصداً اليه ضرورة . أما الآثار المروية بعدم وقوع طلاق المكره ، فتعارض بآثار أخرى نصت على وقوع طلاقه ، فلا تكون آثارهم أولى بالقبول من آثارنا .

139- القول الراجع :

الذي نختاره : هوقول الجمهور ، أي عدم وقوع أي تصرف قولي من المكره سواء أكان لا يحتمل الفسخ : كالطلاق والنكاح ، أو يحتمله : كالبيع والإجارة ، فتقع تصرفات للكره باطلة .
وما ذكره الحنفية لا ينهض حجة لما ذهبوا اليه، وكل ماذكروه قابل للرد

-140-



والمناقشة، ويكفينا هنا أن ندرك بعض ما يُرَدَّ به على الحنفية، فنقول : إن احتجاجهم بوقوع طلاق الهازل ونكاحه لا يفيد، للفرق بين الهازل والمكَره فالهازل : يأتي بالسبب مختاراً عالماً بمعناه وبما يترتب عليه أما المكره : فيأتي به مكرهاً قاصداً دفع الأذى عن نفسه ، فهو بمنزلة من يحكي قول غيره ، فأين هذا من ذاك ، وكف يتساويان في الحكم؟ والنص جاء بوقوع طلاق الهازل فأين النص بوقوعه من المكره؟ ثم إن اعتبار التراضي في البيع يوجب اعتباره في النكاح
من طريق أولا ، لأن شأن الفروج أعظم من شأن المال ، فإذا كان الله حرم أخذ مال الغير إلا بالتراضي، فالفروج أولى أن لا تحُلَّ إلا بالتراضي الشرعي ، ولهذا نُهِي الولي أن يُزَوِّج المرأة إلا برضاها(1).
وقولهم : إن الإكراه لا يعمل في الأقوال ، مردود بأن النص القرآني لم يرتب أثراً على كلمة الكفر يقولها مكرهاً ، وهذا دليل اعتبار الإكراه في الأقوال.

ثانياً: الأفعال :

وهي النوع الثاني من المكره عليه ، وقد تكلمنا عن النوع الأول وهو الأقوال.
وخلاصة القول فها : إن الإكراد إن كان غير ملجئ وأتى المكره ((الفاعل)) بالفعل تحمل هو وحده مسؤولية فعله كاملة ، وترتب عليه أثره كاملاً.
وأما إذا كان الإكراه ملجئاً فالأفعال بالنسية اليه ثلاثة اقسام :-

القسم الأول :

الأفعال التي أباح الشارع إتيانها عند الضرورة : كشرب الخمر ، وأكل الميتة ، والخنزير . فهذا يباح للمكره (( الفاعل)) مباشرتها ، بل يجب عليه إتيانها ، فإذا امتنع أثم ، لأن الله تعالى أباحها ، وتناول المباح دفعاً للهلاك عن النفس واجب ، فلا يجوز تركه .


______________________
1-((نظرية العقد )) للامام ابن تيميةص155.


-141-



القسم الثاني :

وهو الذي يرخص في فعله عند الضرورة ، فإذا فعله فلا إثم عليه ، وإن امتع حتى لحقه الأذى كان مأجوراً، ومن هذا القسم : إتيان أفعال الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان . ومنه أيضاً : إتلاف مال الغيرإلا أن الضمان يكون على الحامل لا على الفاعل ، لأن فعل الإتلاف يمكن أن ينسب إلى الحامل ، يجعل الفاعل آلة له فيثبت الحكم في حقه ، وهذا عند الحنفية والشافعية وغيرهم .

القسم الثالث :

لا يحل للمكره الإقدام عليه بأي حال من الأحوال : كقتل النفس ، فإن نفس الغير معصومة كنفسه ، ولا يجوز للإنسان أن يدفع الضرر عن نفسه بإضرار غيره، فإن فعله كان آثماً . أما القصاص فيثبت في حق الحامل ، فيقتص منه ، لأن القتل يمكن أن ينسب إلى الحامل بجعل الفاعل آلة له ، والقصاص إنما يكون عل القاتل لا على آلة القتل ، وهذا عند الحنفية بناء على أصلهم في باب الاكراه .

أما عند الشافعية وغيرهم : فالقصاص على الفاعل ، لأنه فعل ما لا يحل له بالإكراه ، فيثبت الحكم في حقه ويقتل الحامل أيضاً لكونه قاتلاً بالتسبب .

ومثل القتل : الزنا ، فالحكم يثبت في حق الفاعل عند الجميع ، لأن فعل الزنا لا يمكن أن ينسب إلى الحامل ، لأن الإنسان لا يمكن أن يزني بآلة غيره ، إلا أن الحنفية قالوا بسقوط العقوية عن الزاني للشبهة ، والشافعية قالوا بإقامة الحد عليه بناء على أصلهم : وهو أن المكره (( الفاعل)) أتى ما لا يحل له فعله في الإكراه ، فيثبت الحكم في حقه ، ولا يمكن إثباته في حق الحامل هنا .

140- الإكراه في القانون العراقي:

أ - في القانون المدني :
عرف القانون المدني العراقى الإكراه بقوله : (( هو إجبار الشخص بغير حق على


-142-



أن يعمل عملاً دون رضاه)) (1). وجعل الإكراه قسمين : ملجئاً وغير ملجئ.
والأول: يكون بالتهديد بخطر جسيم محدق : كإتلاف النفس أو إتلاف خطير
في المال.
والثاني: يكون بما هو دون ذلك : بالحبس والضرب حسب أحوال الناس. وجعل التهديد بإيقاع ضرربالزوج وبكل قريب ذي رحم محرم ،إكراهاًا ملجئاً أو غيرملجيء، بحسب الأحوال(2) . واعتبر تهديد الزوج لزوجته بالضرب أو بمنعها عن أهلها لتقوم بتصرف لمصلحته إكراهاً معتبراً (3) ، وبهذا يتفق من حيث الجملة مع رأي بعض الفقهاء الذين قالوا : أن أمر الزوج لزوجته لتقوم له بفعل تكرهه كأمر السلطان ، إذا كانت الزوجة تعلم أن مخالفته تستوجب الأذى الشديد ، فيتحقق الإكره (4).

وأخيراً فإن القانون اشترط لتحقق الإكراه ما اشترطه الفقهاء(5).

أما أثر الإكراه ؛ فقد نص القانون على : أن عقود المكره (( الفاعل)) موقوفه ،سواء كان الإكراه ملجئاً أو غير ملجيء(6) . أما في الأفعال التي تنشأ عنها مسؤولية مدنية : كإتلاف المال أو النفس ، فقد نص القانون على : أن الفعل يضاف إلى الفاعل ، ويثبت أثره في حقه ، ولا يضاف إلى الحامل إلا إذا كان الفاعل مكرهاً إكراهاً ملجئاً .


____________________________
1- الفقرة الأولى من المادة 112.

2- الفقرة الأولى والثانية من المادة 112. والقانون المدني المصري جعل التهديد بخطر جسيم على النفس أو المال أو الشرف إكراهاً المادة 127 الفقرة الثانية .
3-المادة 16.
4- حاشية ابن عابدين ج5ص120.
5-المادة 113.
6-المادة 115 ولم تفرق المادة في عدم نفاذ التصرف بين عقد قابل للفسخ أو غير قابل له. والقانون المدني المصري أجاز إبطال العقد للإكراه المادة 127.
7- المادة 215 من القانون المدني العراقي.

-143-



والخلاصة : فإن القانون المدني العراقي لم يخرج فيما قرره من أحكام في باب الإكراه ، عن أقوال الفقهاء دون تقيد بمذهب معين .

ج- في قانون الأحوال الشخصية :

نص قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 118 لسنة 1959على: أن طلاق المكره لا يقع(1) . وهو في هذا يتفق ورأي جمهور الفقهاء كما ذكرنا سابقا .

ج- في قانون العقوبات العراقي :

نص هذ1 القانون في مادته 63 على أنه ((لا يسأل جزائناً من ارتكب جريمة ألجاته اليها ضرورة وقاية نقسه ، أو غير ، أو ماله ، أو مال غيره ، من خطر جسيم محدق ، لم يتسبب هو فيه عمداً ، ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى .....الخ)) (2).

فهذه المادة تنص على حالة الضرورة ، وترفع العقاب بسببها إذا توفرت الشروط المطلوبة . وحيث أن الضرورة تشمل الإكراه ، إذ لا يخرح الإكراه عن كونه صورة من صور الضرورة ، فإن هذه المادة تنطبق في حالة الإكراه على شرط أن يكون الإكراه بالتهديد بخطر جسيم يقع على جسم المكره ، أو غيره ، أو ماله ، أو ماله غيره.





________________________
1- الفقرة الأولى من المادة 35 وفي مصر نص القانون رقم 25 لسنة 1929 على عدم وقوع طلاق المكره .

2- ومثل هذا جاء في قانون العقوبات المصري المادة 61 منه .

-144-







الباب الثاني

أدلة الأحكام




-145-و-146-




















توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-10, 10:28 AM   المشاركة رقم: 42
المعلومات
الكاتب:
مشروع عراق الفاروق
اللقب:
مشرف مشروع عراق الفاروق
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2013
العضوية: 20
المشاركات: 1,929 [+]
معدل التقييم: 70
نقاط التقييم: 374
مشروع عراق الفاروق is just really niceمشروع عراق الفاروق is just really niceمشروع عراق الفاروق is just really niceمشروع عراق الفاروق is just really nice

الإتصالات
الحالة:
مشروع عراق الفاروق غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - صيغة وورد

بارك الله فيك وجزاك الجنة على ما تقدمه من جهود في سبيل الإسلام












توقيع : مشروع عراق الفاروق

مدونة مشروع عراق الفاروق للتصدي للخطر الشعوبي
http://ifaroq.blogspot.com/

حساب المشروع في تويتر
https://twitter.com/IFAROQ

صفحة المشروع في الفيس بوك


أرشيف مشروع القادسية الثالثة
https://www.facebook.com/iraqfarooq

عرض البوم صور مشروع عراق الفاروق   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-10, 01:30 PM   المشاركة رقم: 43
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - صيغة وورد




141- تمهيد :

الأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشارع لترشد المكلفين إليهم وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة : بأصوله الأحكام ، أو المصادر الشرعية للأحكام ، أو أدلة الأحكام ، فهي أسماء مترادفة والمعنى واحد .
والدليل في اللغة : ما فيه دلالة وإرشاد إلى أي أمر من الأمور .

وفي اصطلاح الأصوليين : ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري(1)، والمطلوب الخبري : هوالحكم الشرعي.

وقد اشترط بعض الأصوليين في الدليل : أن يكون موصولاً إلى حكم شرعي على سبيل القطع ، ، فإن كان على سبيل الظن ، فهو امارة لا دليل . ولكن المشهورعند الأصوليين أن هذا ليس بشرط ، فالدليل عندهم ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القل ، أوعلى سبيل القطع(2).
والأدلة الشرعية لا تنافي العقول ، لأنها منصوية في الشريعة لتعرف بها الأحكام وتستنبط منها ، فلو نافتها لفات المقصود منها . كما أن الاستقراء دل علم جريان الأدلة على مقتضى العقول ، بحيث تقبلها العقول السليمة وتنقاد لمقتضاها(3).



____________________
1- الآمدي ج13ص11.
2-((المسودة))ص573.
3-((الموافقات))الشاطبي ج3 ص27-28.

-147-




142- تقسيمات الأدلة :

تقسم الأدلة إلى تقسيمات مختلقة بالنظر إلى اعتبارات مختلقة ، أي بالنظر الى الجهة التي ينظر منها إليها . ونذكر فيما يلي تقسيمين من هذه التقسيمات :

التقسيم الأول:
من جهة مدى الاتفاق والاختلاف في هذه الأدلة ، وهي بهذا الاعتبار الأنوع التالية :

النوع الأول : وهومحل اتفاقه بين أئمة المسلمين ، ويشمل هذا النوع الكتاب
(( القرآن)) والسنة .

النوع الثاني : وهو محل اتفاق جمهور المسلمين ، وهو الإجماع والقياس . فقد خالف في الإجماع النظام من المعتزلة ، وبعض الخوارج (1) ، وخالف في القياس:
الجعفرية(2)، والظاهرية(3).

النوع الثالث : وهو محل اختلاف بين العلماء ، حتى بين جمهورهم الذين قالوا بالقياس ، وهذا النوع يشمل : العرف(4) ، والاستصحاب ، والاستحسان والمصالح المرسلة ، وشرع من قبلنا ، ومذهب الصحابي . فمن العلماء من اعتبر هذا النوع من مصادر التشريع ، ومنهم من لم يعتبره .

التقسيم الثاني:
الأدلة من حيث رجوعها إلى النقل أو الرأي ، تنقسم إلى قسمين : نقلية وعقلية .




1-(( مذكرات في اصول الفقه)) لاستاذنا الشيخ محمد الزفزاف ص63.
2- ((أصول الاستنباط)) للعلامة السيد علي تقي الحيدري ج2ص258 وما بعدها.
3- (( الإحكام في أصول الأحكام )) للإمام ابن حزم الظاهري ج7ص53 وما بعدها.
4- العرف معتبر. والخلاف في اعتباره دليلا مستقلا.

-148-



النوع الأول : الأدلة النقلية : وفي الكتاب والسنة ، ويلحق بهذا النوع:
الإجماع ، ومذهب الصحابي ، وشرع من قبلنا على رأى من يأخذ بهذه الأدلة ويعتبرهما مصادر للتشريع . وإنما كان هذا النوع من الأدلة نقلياً، لأنه راجح إلى التعبد بأمر منقول عن الشارع ، لا نظر ولا رأي لأحد فيه .

النوع الثاني : الأدلة العقلية : أي التي ترجع إلى النظر والرأي ، وهذا النوع هو القياس ، ويلحق به : الاستحسان ، والمصالح المرسلة . والاستصحاب ، وإنما كان هذا النوع عقلياً ، لأن مردوده الى النظر والرأي ، لا إلى أمر منقول عن الشارع .

وهذه القسمة التي ذكرناها إنما هي بالنسبة إلى أصوله الأدلة ، أما بالنسة إلى الاستدلال بها على الحكم الشرعي ، فكل نوع من النوعين مفتقر إلى الآخر، لأن الاستدلال بالمنقول عن الشارع لا بد فيه من النظر واستعمال العقل الذي هو أداة الفهم ، كما أن الرأي لا يكون صحيحاً معتبراً إلا لإذا استند إلى النقل ، لأن العقل المجرد لا دخل له في تشريع الأحكام(1).

143- مرجع الأدلة بأنواعها إلى الكتاب :

قلنا : إن الأدلة نوعان : نقلية وعقلية . وعند النظر نجد أن الأدلة الشرعية محصورة في الكتاب والسنة ، لأن الأدلة الثابته لم تثبت بالعقل ، وإنما ثبتت بالكتاب والسنة إذ بهما قامت أدلة صحة الاعتماد عليها، فيكون الكتاب والسنة مرجع الأحكام و مستندها من جهتين : الأولى : جهة دلالتهما على الأحكام الجزئية الفرعية :
كأحكام الزكاة والبيوع والعقوبات ، ونحوها .والثانية : دلالتهما عل القواعد والأصول التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية : كدلالتهما على أن الإجماع ججة وأصل للأحكام ، وكذا القياس وشرع من قبلنا، ونحو ذلك.

ثم إن مرجع السنة إلى الكتاب ، وذلك من وجهين :

الوجه الأول : إن العمل بالسنة ، والاعتماد عليها واستنباط الأحكام منها ،


____________________
1-((الموافقات )) للشاطبي ج3 ص41.


-149-




إنما دل على ذلك القرآن الكريم قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ))[النساء: 59] ، وقوله تعالى (( أَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ)) وتكراره يدل على عموم طاعته ، سواء كان ما أتي به ما في الكتاب ، أو مما ليس فيه ، إلى نصوص أخرى تفيد هذا المعنى مثل قوله تعالى : (( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر:7] ، وقوله تعالى : ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))[النور:63].

الوجه الثاني : إن السنة إنما جاءت لبيان الكتاب الكريم وشرح معانيه ، بدليل قوله تعالى : ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) [النحل :44]، وقال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ))[المائدة :67] ، والتبليغ يشمل تبليغ الكتاب وبيان معانيه.

فالسنة : بيان للكتاب ، وشارحه لمعانيه ، ومفصلة لمجمله ، كما سيأتي توضيح ذلك في بحث السنة .
وعل هذا : فكتاب الله تعالى : «القران» : هوأصل الأصول، ومصدر المصادر ومرجع الأدلة جميعاً (1).

144- ترتيب الأدلة :

ذكرنا الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها ، وقلنا : إن الكتاب هومرجع الأدلة جميعاً، ومصدر المصادر، فمن البديهي أن يكون مقدماً عليها في الرجوع إليه عند إرادة معرفة الحكم الشرعي؛ فإذا لم يوجد الحكم فيه وجب الرجوع الى السنة ، لأن السنة مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ، فكان من البديهي الرجوع إليها عند عدم وجود الحكم في الكتاب ، فإذا لم يوجد الحكم في السنة، لزم الرجوع إلى الإجماع ، لأن مستند الإجماع نص من الكتاب أو السنة؛ فإن لم يكن إجماع في المسألة ، وجب الرجوع إلى القياس .
فترتيب الأدلة في الرجوع إليها واستنباط الأحكام منها، يكون على هذا النحو: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس وعلى هذا اتفق جمهور الفقهاء القائلين بحجية الإجماع والقياس ، واعتبارهما مصدرين للأحكام التشريعية

_____________________
1- المرجع السابق ج3 ص42-43.

-150-




بالإضافة الى الكتاب والسنة ، وقد دلَّ على الترتيب الذي ذهب إليه الجمهورآثار كثيرة منها:
1- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ، عندما أرسله إلى اليمن : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال : أقضي بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال: أقضي بسنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال : اجتهد
برأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره ، وقال : الحمد لله الذى وفق
رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله (1).

ووجه الدلالة يهذا الحديد : أن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على الاجتهاد بالرأي إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة ، وما القياس إلا ضرب من ضروب الاجتهاد بالرأي .

2 - عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به ، قضى به ، وإن لم يجد في كتاب الله نظرفي سنة رسول الله، فإن وجد فيها ما يقضي ، به قضى به ، فإن اعياه ذلك جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به . وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك(2).

3- قال عمر بن الخطاب لشروح قاضيه في الكوفة : اقض بكتاب الله ، فإن لم تجد فبقضاء رسول الله ، أي سنته ، فإن لم تجد فاقض بما استبان لك من أثمة المهتدين ، فإن لم تجد فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح (3) . ومثل هذا كان يقول عبدالله بن مسعود (4).



________________________
1-((تيسير الوصول ))لابن الديبغ الشيباني ج4ص55.
2-((أعلام الموقعين))ج1ص51.
3-((أعلام الموقعين))ج1ص171.
4-((أعلام الموقعين))ج1 ص52.

-151-




الفصل الأول
الدليل الأول
القرآن

145-تعريفه ، وحجيته :

القرآن أشهر من أن يُعرَّف ، ومع هذا فقد اعتنى الأصوليون بتعريفه ، وذكروا له تعاريف شتى ، حرص كل منهم له أن يكون تعريفه جامعاً مانعاً(1).

ومن هذه التعاريف، «القرآن ، هو الكتاب للنزل على رسلول الله محمد صلى الله عليه وسلم
المكتوب في المصاحف ، المنقول إلينا عنه نقلاً متواترا بلا شبهة ))(2).

ولا خلاف بين المسلمين أن القرآن حجة على الجميع ، وأنه المصدر الأول للتشريع ، بل حجة على جميع البشر. والبرهان على حجيته: أنه من عند الله، والبرهان على أنه من عند الله : إعجازه، كما سيأتي بيانه بعد قليل . وإذا ثبت كونه من عند الله، بدليل إعجازه ، وجب اتباعه من قبل الجميع .
146- خواص القرآن :

أولاً : أنه كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا تعتبر من القرآن الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والأنجيل ،لأنها لم تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .




______________________________
1- انظر هذه التعاريف في ((حاشية الإزميري على مرآة الأصول))ج1ص86-87 والآمدي ج1ص22 و((شرح مرقاة الوصول))ج1ص93-96 و ((التوضيح والتلويح))ج1 ص36 و ((المستصفى ))للغزالي ج1ص65.

-152-




ثانياً : القرآن هو مجموع اللفظ والمعنى ، وإن لفظه نزل باللسان العربي قاله تعالى : ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا))[الزخرف:3] فليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : (( جميع كتاب الله نزل بلسان العرب . وقال أيضاً : ليس عن كتاب الله شيء إلا بلسان العرب)) (1) . وعلى هذا لا تعتبر الأحاديث النبوية من القرآني لأن ألفاظها ليست من الله ، وإن كان معناها موحى بها من الله ، وكذا لا يعتبر من القرآن تفسيره،ولو كان باللغة العربية. وكذا ترجمته إلى غير العربية ، لا تعتبرمن القرآن.
ثالثاً : أنه نقل الينا بالتواتر ، أي أن القرآن نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب ، لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم ، عن قوم مثلهم ، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون أول النقل كآخره وأوسطه كطرفيه (2).
وعلى هذا فما نقل من القراءات عن غير طريق التواتر لا يعتبر من القرآن ، مثل ما روي عن عبدالله بن مسعودأنه قرأ قوله تعالى : ((فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ))[البقرة:196، المائدة: 89] بزيادة كلمة «متتابعات» فهذه القراءة محمولة على أنها تفسير للثلاثة الأيام، بكونها متتابعات عل رأي ابن مسعود(3).
رابعاً : أنه محفوظ من الزيادة والنقصان لقوله تعالى ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9] فلا نقص فيه ولا زيادة ، ولن يستطيع مخلوق أن يزيد عليه شيئا أو ينقص منه شيئاً ، لأن الله تعالى تولى حفظه ، وما تولى الله حفظه فلن تصل اليه يد العابثين المفسدين .

خامساً : أنه معجز، ومعنى ذلك عجز البشر أجمعين عن الإتيان بمثله ، وقد ثبث


________________________
1- ((الرسالة ))للإمام الشافعي ص40-42.
2-((أصول البزدوي))ج1ص282.
3-((المستصفى))للغزاليج1ص56.

-153-




إعجازه بتحدي القرآن للعرب المخالفين من أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا ، ثم تحداهم بسورة واحدة من سوره فعجزوا ، قال تعال: ((قُلْ لَئِن اجتَمَعَتِ اْلإَنسُ والجِنُّ على أَنْ يأْتُوا بمِثلِ هذا القُرْآنِ لا يأْتونَ بمثلِهِ ولوْ كان بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ ظَهِراَ))[الإسراء:88] وقوله : ((أَمْ يَقولونَ افتَرَاهُ قُل فأْتُوا بِعَشِر سُوَرٍ مِثلَهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادْعوا مَنِ استَطَعتُمْ مِن دونِ الله إِن كُنتُمْ صادِقينَ )) [هود:13] وقوله : ((وإِنْ كُنتْم في رَيْبٍ مِما نَزَّلنا على عَبْدِنا فأْتوا بسورَةٍ مِنْ مثلهِ وادْعوا شُهَدَاءَكُمْ منْ دون الله إنْ كنتُمْ صادقينَ فإِنْ لَم تَفْعَلوا ولنْ تَفعَلوا فاتَّقوا النَّارَ التي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجارةُ أُعِدَّتْ للِكافِرينَ )) [البقرة : 24،23]

ومع هذا التحدي الذي يستفز الهمم ، ويبعث على العارضة ، عجز العرب عن المعارضة بالرغم من وجود المقتضي للمعارضة ، وعدم المانع منها . أما وجود ألمقتضي ، فلأن العرب كانوا حريصين كل الحرص كل الحرص على إبطال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلوكانوا قادرين لجاءوا بما يعارض القرآن ، ويبطل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم . وأما عدم المانع من المعارضة فلأنهم أهل البلاغة والفصاحة والمعرفة التامة باللغة العربية وأصحاب الحكم والسلطان ، فلما ثبت
عجزهم ثبت أن القرآن النازل بلغة العرب هو كتاب الله ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو
رسول الله حق.

147- وجوم اعجازه :

أما وجوه اعجازه فكثيرة منها :

1- بلاغته التي بهرت العرب ، وجعلتهم مشدوهين على نحو لم تعهد في كلام العرب من قبل ، لا في منظوم ولا منثور،مع بقائها في مستوى عال في جميع أجزاء القرآن ، وبالرغم من تناوله مواضيع شتى ، واحكاماً مختلفة ، وبالرغم من نزوله في فترات متباعدة .

2- إخباره بوقائع تحدث في المستقبل ، وقد حدثت فعلاً ، من ذلك قوله تعالى : ((أَلْم


-154-




غُلِبَتِ الرُّومُ فيِ أَدْنَى الْأرْضِ وَهمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فيِ بِضْعِ سِنِينَ )) [الروم :1-4].

3 - إخباره بوقائع الأمم السابقة المجهولة أخبارها عند العرب جهلاً تاماً ، لعدم وجوه ما يدل عليها من آثار ومعالم ، وإلى هذا النوع من الإخبار أشار قوله تعالى : ((تَلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذَا )) [هود : 49].

4- إشارته إلى بعص الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث، والتي لم تكن معروفة من قيل ، من ذلك قوله تعالى : (( أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّموَاتِ وَالأْرْضَ كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتْقْنَاهما وَجَعَلْنَا مِنَ اْلمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ )) [الأنبياء :30] ، ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )) [الحجر :22].
148- أحكام القرآن :

اشتمل القرآن على أحكام كثيرة متنوعة ، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول :
الأحكام المتعلقة بالعقيدة : كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وهذه هي الأحكام الاعتقادية ، ومحل دراستها في : علم التوحيد .

القسم الثاني :
أحكام تتعلق بتهذيب ا لنفس وتقويمها . وهذه هي الأحكام الأخلاقية ، ومحل دراستها : علم الأخلاق ، أو التصوف .

القسم الثالث :
الأحكام العملية المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين ، وهي المقصودة ب (( الفقه)).
والتي يهدف علم الفقه وأصوله إلى معرفتها والوصول إليها ، وهذه الأحكام نوعان :



-155-




النوع الاول : العبادات : كالصلاة والصيام ،والغرض منها: تنظيم علاقة الفرد بربه .

النوع الثاني : ما عدا العبادات وتسمى باصطلاع الفقهاء بالمعاملات ، وهي تشمل الأحكام التي تدخل في نطاق القانون الخاص والقانون العام ، حسب الاصطلاح القانوني الحديث . وهذه الأحكام يقصد بها : تنظيم علاقة الفرد بالفرد،أو الفرد بالجماعة ، أو الجماعة بالجماعة ، وهذه هي (1) :-

أ- الأحكام المتعلقة بالأسرة ، وهي تدخل في نطاق ما يسمى : بقانون الأسرة، أو بمسائل الأحوال الشخصية : كالنكاح والطلاق والبنوة والنسب والولاية ، ونحو ذلك ، ويقصد بها بناء الأسرة على أسس قويمة ، وبيان حقوق وواجبات أفرادها ، وآيات هذه الأحكام نحو (70) آية.

ب - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد المالية : كاليبع والرهن وسائر العقود ، وهي تدخل في نطاق مايسمى : بالقانون المدني ، وآياتها نحو ( 70) آية .

ج- الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين ، ويقصد بها : تنظيم إجراءات التقاضي لتحقيق العدالة بين الناس ، وهي تدخل فيما يسمى اليوم : بقانون المرافعات، وآياتها نحو (13) آية.

د- الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات ، وهي تكون القانون الجنائي الإسلامي وآياتها نحو ( 30) آية ، ويقصدبها : حفظ الناس وأعراضهم وأموالهم ، وإشاعة
الطمأنينة والاستقرار في المجتمع .

ه- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ، ومدى علاقة الحاكم بالمحكوم ، وبيان حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكومين ، وهي تدخل فيما يسمى : بالقانون الدستوري ، وآياتها نحو ( . 1 ) آيات .

و- الأحكام المتعلقة بمعاملة الدولة الإسلامية للدول الأخرى ، ومدى علاقتها بها ونوع هذه العلاقة في السلم والحرب ، وما يترتب على ذلك من أحكام ، وكذلك



___________________________
1- الشيخ عبد الوهاب خلاف المرجع السابق ، ص70 وما بعدها.



-156-


بيان علاقة المستأمنين (الأجانب) مع الدولة الإسلامة . وهذه الأحكام منها ما يدخل في نطاق القانون الدولي العام ، ومنها ما يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص وآياتها نحو من (25)آية

ز- الأحكام الاقتصادية : وهي المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها ، وبحقوق الأفراد في
أموال الأغنياء ، وآياتها نحو من ( 0 1 ) آيات.
149- بيان القرآن للأحكام :
قال تعال: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ))[النحل:89] و ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ))[الأنعام:38] ، فالقرآن الكريم فيه بيان لجميع الأحكام الشرعية،إلا أن بيانه على نوعين:

النوع الأول : ذكر القواعد والمبادئ العامة للتشريع ، وبيان الأحكام بصورة مجملة ، فمن القواعد المبادئ العامة التي تكون أساساً للتشريع وتفريع الأحكام ، ما يأتي:-

أ- الشورى : ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ ))[الشورى:38].((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ))[آل عمران: 159].
ب - العدل : ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ))[النحل:90] ، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ))[النساء:58].
ج- الإنسان مأخوذ بجريرته ، ولا يسأل عن ذنب غيره : ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))[الأنعام : 164،....].
د- العقوبة بقدر الجريمة : ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ))[الشورى:40].
ه- حرمة مال الغير : ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ))[البقرة:188].
و- التعاون على الخير وما فيه نفع للأمة : (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))[المائدة :2].
ز- الوفاء بالالتزامات : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ))[المائدة:1].
‎ ‏

-157-




ح - الحرج مرفوع : (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))[الحج : 78].
ي - الضرورات تبيح المحظورات: (( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)) [البقرة: 173].

ومن الأحكام التي جاءت مجملة في القرآن ولم يفصل حكمها : الأمر بالزكاة، قال تعالى : ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)) [التوبة: 103]، ومثلها القصاص (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ))[البقرة:179]، وقوله تعالى : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى))[البقرة : 178]، ولم يبين القرآن شروط القصاص وقد بينتها السنة . وكذلك البيع والربا ، قال تعالى : ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275] فجاءت السنةببيان البيع الحلال وشروطه ، والربا الحرام وأنواعه . وهذا النوع من البيان للأحكام ، وهوالبيان الإجمالي ، وهو الغالب في القرآن . والحكمة في مجيء أحكام القرآن على شكل قواعد ومباديء عامة : هي أن مجيئها على هذا النحو يجعلها تتسع لما يستجد من الحوادث ، فلا تضيق بشيء أبداً.
النوع الثاني: الأحكام التفصيلية - وهي قليلة في القرآن ، ومنها : مقادير المواريث ،ومقادير العقوبات في الحدود ، وكيفية الطلاق وعدده ، وكيفية اللعان بين الزوجين
وبيان المحرمات من النساء ونحوذلك .

150- أسلوب القرآن في بيان الأحكام :
للقرآن أساليب مختلفة في بيان الأحكام ، اقتضتها بلاغته وكونه معجزاً، وكتاب هداية وإرشاد ، فهو يعرض الأحكام عرضاً فيه تشويق للامتثال وتنفير عن المخالفة والعناد .ولهذا نجد ما هو واجب قد ينص على وجوبه بصيغة الأمر ((وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)) [الطلاق:2]،أو بأن الفعل مكتوب على المخاطبين (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[البقرة:183] (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ))[البقرة:178] وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن والثواب لفاعله ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي))[النساء:13].
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

-158-




والمحرم قد يكون ييانه بصيغة النهي مثل قوله تعالى : ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))[ الأنعام:151] وقوله تعالى : ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة:195] ، وقد يكون بالتوعد على الفعل أو يترتب العقوبة عليه، مثل قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))[النساء:10] وقوله تعالى : ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ))[النساء:14].
وعلى هذا فيجب على كل من يريد استنباط الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب في القرآن ، وكيفية بيانه للأحكام وما يقترن بالنصوص مما يدل على الوجوب أو الحرمة أو الإباحة . ومن الضوابط والقواعد النافعة في هذا الباب ما يأتي:

1- يكون حكم الفعل : الوجوب أو الندب ، إذا جاء بالصيغة الدالة عل الوجوب أو الندب ، أو إذا ذكر في القرآن واقترن به مدح أو محبة أوثناء له أو لفاعله ، أو إذا اقترن به الجزاء الحسن والثواب لفاعله .
2 - ويكون حكم الفعل : الحرمة أو الكراهة ، إذا جاء ذكره بصيغة تدل عل طلب الشارع لتركه والابتعاد عنه ، أو إذا ذكر على وجه الذم له ولفاعله ، أو أنه سبب للعذاب أو لسخط الله أو مقته ، أو دخول النار، أو لعن فاعله ، أو وصف الفعل بأنه رجس أو فسق أو من عمل الشيطان ، أو وصف فاعله بالبهيمة أو بالشيطان ، ونحوذلك.
3 - ويكون حكم الفعل : الإباحة ، إذا جاء بلفظ يدل على ذلك : كالإحلال والإذن ، ونفي الحرج ، أو نفي الجناح ، أو الانكار على من حرم الشيء ، ونحو ذلك.

151- دلالة القرآن على الأحكام:
قدمنا أن القرآن قطعي الورود، أي ثابت قطعاً لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول . فأحكامه إذن قطعية الثبوت ، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية.



-159-




فتكون قطعية : إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط ، ففي هذه الحالة تكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة قطعية ، مثل قوله تعالى : (( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ? فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ? مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))[النساء:12] ، وقوله تعالى : (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور:2] ، فالنصف والربع والمئة كلها قطعية الدلالة على مدلولها، ولا يحتمل أي واحد منها إلامعنىً واحداً فقط هو المذكور في الآية .

وتكون دلالته ظنية : إذا كان اللفظ يحتمل أكثرمن معنى ، فتكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة ظنية ، مثل قوله تعالى : (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة :228] ، فلفظ ((القروء)) يحتمل أن يراد به الاطهار ، ويحتمل أن يراد به الحيضات ، فمع هذا الاحتمال تكون دلالة الآية على الحكم ظنية لا قطعية .








-160-



يتبع بإذن الله تعالى ....












توقيع : ياس


التعديل الأخير تم بواسطة ياس ; 2016-08-29 الساعة 12:16 PM
عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-10, 01:37 PM   المشاركة رقم: 44
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - صيغة وورد

اقتباس
بارك الله فيك وجزاك الجنة على ما تقدمه من جهود في سبيل الإسلام

بارك الله فيكم "مشروع عراق الفاروق" وجزاكم الخير والاحسان

=========================


نتابع في نقل الكتاب بالصيغة الحصرية.....




141- تمهيد :

الأحكام الشرعية إنما تعرف بالأدلة التي أقامها الشارع لترشد المكلفين إليهم وتدلهم عليها، وتسمى هذه الأدلة : بأصوله الأحكام ، أو المصادر الشرعية للأحكام ، أو أدلة الأحكام ، فهي أسماء مترادفة والمعنى واحد .
والدليل في اللغة : ما فيه دلالة وإرشاد إلى أي أمر من الأمور .

وفي اصطلاح الأصوليين : ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري(1)، والمطلوب الخبري : هوالحكم الشرعي.

وقد اشترط بعض الأصوليين في الدليل : أن يكون موصولاً إلى حكم شرعي على سبيل القطع ، ، فإن كان على سبيل الظن ، فهو امارة لا دليل . ولكن المشهورعند الأصوليين أن هذا ليس بشرط ، فالدليل عندهم ما يستفاد منه حكم شرعي عملي على سبيل القل ، أوعلى سبيل القطع(2).
والأدلة الشرعية لا تنافي العقول ، لأنها منصوية في الشريعة لتعرف بها الأحكام وتستنبط منها ، فلو نافتها لفات المقصود منها . كما أن الاستقراء دل علم جريان الأدلة على مقتضى العقول ، بحيث تقبلها العقول السليمة وتنقاد لمقتضاها(3).



____________________
1- الآمدي ج13ص11.
2-((المسودة))ص573.
3-((الموافقات))الشاطبي ج3 ص27-28.
-147-



142- تقسيمات الأدلة :

تقسم الأدلة إلى تقسيمات مختلقة بالنظر إلى اعتبارات مختلقة ، أي بالنظر الى الجهة التي ينظر منها إليها . ونذكر فيما يلي تقسيمين من هذه التقسيمات :

التقسيم الأول:
من جهة مدى الاتفاق والاختلاف في هذه الأدلة ، وهي بهذا الاعتبار الأنوع التالية :

النوع الأول : وهومحل اتفاقه بين أئمة المسلمين ، ويشمل هذا النوع الكتاب
(( القرآن)) والسنة .

النوع الثاني : وهو محل اتفاق جمهور المسلمين ، وهو الإجماع والقياس . فقد خالف في الإجماع النظام من المعتزلة ، وبعض الخوارج (1) ، وخالف في القياس:
الجعفرية(2)، والظاهرية(3).

النوع الثالث : وهو محل اختلاف بين العلماء ، حتى بين جمهورهم الذين قالوا بالقياس ، وهذا النوع يشمل : العرف(4) ، والاستصحاب ، والاستحسان والمصالح المرسلة ، وشرع من قبلنا ، ومذهب الصحابي . فمن العلماء من اعتبر هذا النوع من مصادر التشريع ، ومنهم من لم يعتبره .

التقسيم الثاني:
الأدلة من حيث رجوعها إلى النقل أو الرأي ، تنقسم إلى قسمين : نقلية وعقلية .




1-(( مذكرات في اصول الفقه)) لاستاذنا الشيخ محمد الزفزاف ص63.
2- ((أصول الاستنباط)) للعلامة السيد علي تقي الحيدري ج2ص258 وما بعدها.
3- (( الإحكام في أصول الأحكام )) للإمام ابن حزم الظاهري ج7ص53 وما بعدها.
4- العرف معتبر. والخلاف في اعتباره دليلا مستقلا.
-148-


النوع الأول : الأدلة النقلية : وفي الكتاب والسنة ، ويلحق بهذا النوع:
الإجماع ، ومذهب الصحابي ، وشرع من قبلنا على رأى من يأخذ بهذه الأدلة ويعتبرهما مصادر للتشريع . وإنما كان هذا النوع من الأدلة نقلياً، لأنه راجح إلى التعبد بأمر منقول عن الشارع ، لا نظر ولا رأي لأحد فيه .

النوع الثاني : الأدلة العقلية : أي التي ترجع إلى النظر والرأي ، وهذا النوع هو القياس ، ويلحق به : الاستحسان ، والمصالح المرسلة . والاستصحاب ، وإنما كان هذا النوع عقلياً ، لأن مردوده الى النظر والرأي ، لا إلى أمر منقول عن الشارع .

وهذه القسمة التي ذكرناها إنما هي بالنسبة إلى أصوله الأدلة ، أما بالنسة إلى الاستدلال بها على الحكم الشرعي ، فكل نوع من النوعين مفتقر إلى الآخر، لأن الاستدلال بالمنقول عن الشارع لا بد فيه من النظر واستعمال العقل الذي هو أداة الفهم ، كما أن الرأي لا يكون صحيحاً معتبراً إلا لإذا استند إلى النقل ، لأن العقل المجرد لا دخل له في تشريع الأحكام(1).

143- مرجع الأدلة بأنواعها إلى الكتاب :

قلنا : إن الأدلة نوعان : نقلية وعقلية . وعند النظر نجد أن الأدلة الشرعية محصورة في الكتاب والسنة ، لأن الأدلة الثابته لم تثبت بالعقل ، وإنما ثبتت بالكتاب والسنة إذ بهما قامت أدلة صحة الاعتماد عليها، فيكون الكتاب والسنة مرجع الأحكام و مستندها من جهتين : الأولى : جهة دلالتهما على الأحكام الجزئية الفرعية :
كأحكام الزكاة والبيوع والعقوبات ، ونحوها .والثانية : دلالتهما عل القواعد والأصول التي تستند إليها الأحكام الجزئية الفرعية : كدلالتهما على أن الإجماع ججة وأصل للأحكام ، وكذا القياس وشرع من قبلنا، ونحو ذلك.

ثم إن مرجع السنة إلى الكتاب ، وذلك من وجهين :

الوجه الأول : إن العمل بالسنة ، والاعتماد عليها واستنباط الأحكام منها ،


____________________
1-((الموافقات )) للشاطبي ج3 ص41.

-149-



إنما دل على ذلك القرآن الكريم قال تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ))[النساء: 59] ، وقوله تعالى (( أَطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ)) وتكراره يدل على عموم طاعته ، سواء كان ما أتي به ما في الكتاب ، أو مما ليس فيه ، إلى نصوص أخرى تفيد هذا المعنى مثل قوله تعالى : (( وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)) [الحشر:7] ، وقوله تعالى : ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ))[النور:63].

الوجه الثاني : إن السنة إنما جاءت لبيان الكتاب الكريم وشرح معانيه ، بدليل قوله تعالى : ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) [النحل :44]، وقال تعالى : (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ))[المائدة :67] ، والتبليغ يشمل تبليغ الكتاب وبيان معانيه.

فالسنة : بيان للكتاب ، وشارحه لمعانيه ، ومفصلة لمجمله ، كما سيأتي توضيح ذلك في بحث السنة .
وعل هذا : فكتاب الله تعالى : «القران» : هوأصل الأصول، ومصدر المصادر ومرجع الأدلة جميعاً (1).

144- ترتيب الأدلة :

ذكرنا الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها ، وقلنا : إن الكتاب هومرجع الأدلة جميعاً، ومصدر المصادر، فمن البديهي أن يكون مقدماً عليها في الرجوع إليه عند إرادة معرفة الحكم الشرعي؛ فإذا لم يوجد الحكم فيه وجب الرجوع الى السنة ، لأن السنة مبينة للكتاب وشارحة لمعانيه ، فكان من البديهي الرجوع إليها عند عدم وجود الحكم في الكتاب ، فإذا لم يوجد الحكم في السنة، لزم الرجوع إلى الإجماع ، لأن مستند الإجماع نص من الكتاب أو السنة؛ فإن لم يكن إجماع في المسألة ، وجب الرجوع إلى القياس .
فترتيب الأدلة في الرجوع إليها واستنباط الأحكام منها، يكون على هذا النحو: الكتاب، ثم السنة، ثم الإجماع، ثم القياس وعلى هذا اتفق جمهور الفقهاء القائلين بحجية الإجماع والقياس ، واعتبارهما مصدرين للأحكام التشريعية

_____________________
1- المرجع السابق ج3 ص42-43.
-150-



بالإضافة الى الكتاب والسنة ، وقد دلَّ على الترتيب الذي ذهب إليه الجمهورآثار كثيرة منها:
1- إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ، عندما أرسله إلى اليمن : كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال : أقضي بكتاب الله ، قال : فإن لم تجد؟ قال: أقضي بسنة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فإن لم تجد في سنة رسول الله ولا في كتاب الله قال : اجتهد
برأيي ولا آلو فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدره ، وقال : الحمد لله الذى وفق
رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسولَ الله (1).

ووجه الدلالة يهذا الحديد : أن النبي عليه الصلاة والسلام أقره على الاجتهاد بالرأي إذا لم يجد الحكم في الكتاب والسنة ، وما القياس إلا ضرب من ضروب الاجتهاد بالرأي .

2 - عن ميمون بن مهران قال : كان أبو بكر الصديق إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله تعالى، فإن وجد فيه ما يقضي به ، قضى به ، وإن لم يجد في كتاب الله نظرفي سنة رسول الله، فإن وجد فيها ما يقضي ، به قضى به ، فإن اعياه ذلك جمع رؤساء الناس فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به . وكان عمر بن الخطاب يفعل ذلك(2).

3- قال عمر بن الخطاب لشروح قاضيه في الكوفة : اقض بكتاب الله ، فإن لم تجد فبقضاء رسول الله ، أي سنته ، فإن لم تجد فاقض بما استبان لك من أثمة المهتدين ، فإن لم تجد فاجتهد رأيك واستشر أهل العلم والصلاح (3) . ومثل هذا كان يقول عبدالله بن مسعود (4).



________________________
1-((تيسير الوصول ))لابن الديبغ الشيباني ج4ص55.
2-((أعلام الموقعين))ج1ص51.
3-((أعلام الموقعين))ج1ص171.
4-((أعلام الموقعين))ج1 ص52.
-151-



الفصل الأول
الدليل الأول
القرآن

145-تعريفه ، وحجيته :

القرآن أشهر من أن يُعرَّف ، ومع هذا فقد اعتنى الأصوليون بتعريفه ، وذكروا له تعاريف شتى ، حرص كل منهم له أن يكون تعريفه جامعاً مانعاً(1).

ومن هذه التعاريف، «القرآن ، هو الكتاب للنزل على رسلول الله محمد صلى الله عليه وسلم
المكتوب في المصاحف ، المنقول إلينا عنه نقلاً متواترا بلا شبهة ))(2).

ولا خلاف بين المسلمين أن القرآن حجة على الجميع ، وأنه المصدر الأول للتشريع ، بل حجة على جميع البشر. والبرهان على حجيته: أنه من عند الله، والبرهان على أنه من عند الله : إعجازه، كما سيأتي بيانه بعد قليل . وإذا ثبت كونه من عند الله، بدليل إعجازه ، وجب اتباعه من قبل الجميع .
146- خواص القرآن :

أولاً : أنه كلام الله المنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا تعتبر من القرآن الكتب السماوية الأخرى كالتوراة والأنجيل ،لأنها لم تنزل على محمد صلى الله عليه وسلم .




______________________________
1- انظر هذه التعاريف في ((حاشية الإزميري على مرآة الأصول))ج1ص86-87 والآمدي ج1ص22 و((شرح مرقاة الوصول))ج1ص93-96 و ((التوضيح والتلويح))ج1 ص36 و ((المستصفى ))للغزالي ج1ص65.
-152-




ثانياً : القرآن هو مجموع اللفظ والمعنى ، وإن لفظه نزل باللسان العربي قاله تعالى : ((إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا))[الزخرف:3] فليس في القرآن الكريم لفظ غير عربي، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : (( جميع كتاب الله نزل بلسان العرب . وقال أيضاً : ليس عن كتاب الله شيء إلا بلسان العرب)) (1) . وعلى هذا لا تعتبر الأحاديث النبوية من القرآني لأن ألفاظها ليست من الله ، وإن كان معناها موحى بها من الله ، وكذا لا يعتبر من القرآن تفسيره،ولو كان باللغة العربية. وكذا ترجمته إلى غير العربية ، لا تعتبرمن القرآن.
ثالثاً : أنه نقل الينا بالتواتر ، أي أن القرآن نقله قوم لا يتوهم اجتماعهم وتواطؤهم على الكذب ، لكثرة عددهم وتباين أمكنتهم ، عن قوم مثلهم ، وهكذا إلى أن يتصل النقل برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيكون أول النقل كآخره وأوسطه كطرفيه (2).
وعلى هذا فما نقل من القراءات عن غير طريق التواتر لا يعتبر من القرآن ، مثل ما روي عن عبدالله بن مسعودأنه قرأ قوله تعالى : ((فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ))[البقرة:196، المائدة: 89] بزيادة كلمة «متتابعات» فهذه القراءة محمولة على أنها تفسير للثلاثة الأيام، بكونها متتابعات عل رأي ابن مسعود(3).
رابعاً : أنه محفوظ من الزيادة والنقصان لقوله تعالى ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ))[الحجر:9] فلا نقص فيه ولا زيادة ، ولن يستطيع مخلوق أن يزيد عليه شيئا أو ينقص منه شيئاً ، لأن الله تعالى تولى حفظه ، وما تولى الله حفظه فلن تصل اليه يد العابثين المفسدين .

خامساً : أنه معجز، ومعنى ذلك عجز البشر أجمعين عن الإتيان بمثله ، وقد ثبث


________________________
1- ((الرسالة ))للإمام الشافعي ص40-42.
2-((أصول البزدوي))ج1ص282.
3-((المستصفى))للغزاليج1ص56.
-153-




إعجازه بتحدي القرآن للعرب المخالفين من أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا، ثم تحداهم بعشر سور فعجزوا ، ثم تحداهم بسورة واحدة من سوره فعجزوا ، قال تعال: ((قُلْ لَئِن اجتَمَعَتِ اْلإَنسُ والجِنُّ على أَنْ يأْتُوا بمِثلِ هذا القُرْآنِ لا يأْتونَ بمثلِهِ ولوْ كان بَعْضُهُمْ لِبَعضٍ ظَهِراَ))[الإسراء:88] وقوله : ((أَمْ يَقولونَ افتَرَاهُ قُل فأْتُوا بِعَشِر سُوَرٍ مِثلَهِ مُفْتَرَيَاتٍ وادْعوا مَنِ استَطَعتُمْ مِن دونِ الله إِن كُنتُمْ صادِقينَ )) [هود:13] وقوله : ((وإِنْ كُنتْم في رَيْبٍ مِما نَزَّلنا على عَبْدِنا فأْتوا بسورَةٍ مِنْ مثلهِ وادْعوا شُهَدَاءَكُمْ منْ دون الله إنْ كنتُمْ صادقينَ فإِنْ لَم تَفْعَلوا ولنْ تَفعَلوا فاتَّقوا النَّارَ التي وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجارةُ أُعِدَّتْ للِكافِرينَ )) [البقرة : 24،23]

ومع هذا التحدي الذي يستفز الهمم ، ويبعث على العارضة ، عجز العرب عن المعارضة بالرغم من وجود المقتضي للمعارضة ، وعدم المانع منها . أما وجود ألمقتضي ، فلأن العرب كانوا حريصين كل الحرص كل الحرص على إبطال دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ، فلوكانوا قادرين لجاءوا بما يعارض القرآن ، ويبطل دعوة محمد صلى الله عليه وسلم . وأما عدم المانع من المعارضة فلأنهم أهل البلاغة والفصاحة والمعرفة التامة باللغة العربية وأصحاب الحكم والسلطان ، فلما ثبت
عجزهم ثبت أن القرآن النازل بلغة العرب هو كتاب الله ، وأن محمد صلى الله عليه وسلم هو
رسول الله حق.

147- وجوم اعجازه :

أما وجوه اعجازه فكثيرة منها :

1- بلاغته التي بهرت العرب ، وجعلتهم مشدوهين على نحو لم تعهد في كلام العرب من قبل ، لا في منظوم ولا منثور،مع بقائها في مستوى عال في جميع أجزاء القرآن ، وبالرغم من تناوله مواضيع شتى ، واحكاماً مختلفة ، وبالرغم من نزوله في فترات متباعدة .

2- إخباره بوقائع تحدث في المستقبل ، وقد حدثت فعلاً ، من ذلك قوله تعالى : ((أَلْم


-154-




غُلِبَتِ الرُّومُ فيِ أَدْنَى الْأرْضِ وَهمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فيِ بِضْعِ سِنِينَ )) [الروم :1-4].

3 - إخباره بوقائع الأمم السابقة المجهولة أخبارها عند العرب جهلاً تاماً ، لعدم وجوه ما يدل عليها من آثار ومعالم ، وإلى هذا النوع من الإخبار أشار قوله تعالى : ((تَلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذَا )) [هود : 49].

4- إشارته إلى بعص الحقائق الكونية التي أثبتها العلم الحديث، والتي لم تكن معروفة من قيل ، من ذلك قوله تعالى : (( أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّموَاتِ وَالأْرْضَ كَانَتَا رَتْقَاً فَفَتْقْنَاهما وَجَعَلْنَا مِنَ اْلمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ )) [الأنبياء :30] ، ((وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ )) [الحجر :22].
148- أحكام القرآن :

اشتمل القرآن على أحكام كثيرة متنوعة ، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول :
الأحكام المتعلقة بالعقيدة : كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وهذه هي الأحكام الاعتقادية ، ومحل دراستها في : علم التوحيد .

القسم الثاني :
أحكام تتعلق بتهذيب ا لنفس وتقويمها . وهذه هي الأحكام الأخلاقية ، ومحل دراستها : علم الأخلاق ، أو التصوف .

القسم الثالث :
الأحكام العملية المتعلقة بأقوال وأفعال المكلفين ، وهي المقصودة ب (( الفقه)).
والتي يهدف علم الفقه وأصوله إلى معرفتها والوصول إليها ، وهذه الأحكام نوعان :


-155-



النوع الاول : العبادات : كالصلاة والصيام ،والغرض منها: تنظيم علاقة الفرد بربه .

النوع الثاني : ما عدا العبادات وتسمى باصطلاع الفقهاء بالمعاملات ، وهي تشمل الأحكام التي تدخل في نطاق القانون الخاص والقانون العام ، حسب الاصطلاح القانوني الحديث . وهذه الأحكام يقصد بها : تنظيم علاقة الفرد بالفرد،أو الفرد بالجماعة ، أو الجماعة بالجماعة ، وهذه هي (1) :-

أ- الأحكام المتعلقة بالأسرة ، وهي تدخل في نطاق ما يسمى : بقانون الأسرة، أو بمسائل الأحوال الشخصية : كالنكاح والطلاق والبنوة والنسب والولاية ، ونحو ذلك ، ويقصد بها بناء الأسرة على أسس قويمة ، وبيان حقوق وواجبات أفرادها ، وآيات هذه الأحكام نحو (70) آية.

ب - الأحكام المتعلقة بمعاملات الأفراد المالية : كاليبع والرهن وسائر العقود ، وهي تدخل في نطاق مايسمى : بالقانون المدني ، وآياتها نحو ( 70) آية .

ج- الأحكام المتعلقة بالقضاء والشهادة واليمين ، ويقصد بها : تنظيم إجراءات التقاضي لتحقيق العدالة بين الناس ، وهي تدخل فيما يسمى اليوم : بقانون المرافعات، وآياتها نحو (13) آية.

د- الأحكام المتعلقة بالجرائم والعقوبات ، وهي تكون القانون الجنائي الإسلامي وآياتها نحو ( 30) آية ، ويقصدبها : حفظ الناس وأعراضهم وأموالهم ، وإشاعة
الطمأنينة والاستقرار في المجتمع .

ه- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم ، ومدى علاقة الحاكم بالمحكوم ، وبيان حقوق وواجبات كل من الحاكم والمحكومين ، وهي تدخل فيما يسمى : بالقانون الدستوري ، وآياتها نحو ( . 1 ) آيات .

و- الأحكام المتعلقة بمعاملة الدولة الإسلامية للدول الأخرى ، ومدى علاقتها بها ونوع هذه العلاقة في السلم والحرب ، وما يترتب على ذلك من أحكام ، وكذلك



___________________________
1- الشيخ عبد الوهاب خلاف المرجع السابق ، ص70 وما بعدها.



-156-




بيان علاقة المستأمنين (الأجانب) مع الدولة الإسلامة . وهذه الأحكام منها ما يدخل في نطاق القانون الدولي العام ، ومنها ما يدخل في نطاق القانون الدولي الخاص وآياتها نحو من (25)آية

ز- الأحكام الاقتصادية : وهي المتعلقة بموارد الدولة ومصارفها ، وبحقوق الأفراد في
أموال الأغنياء ، وآياتها نحو من ( 0 1 ) آيات.
149- بيان القرآن للأحكام :
قال تعال: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ))[النحل:89] و ((مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ))[الأنعام:38] ، فالقرآن الكريم فيه بيان لجميع الأحكام الشرعية،إلا أن بيانه على نوعين:

النوع الأول : ذكر القواعد والمبادئ العامة للتشريع ، وبيان الأحكام بصورة مجملة ، فمن القواعد المبادئ العامة التي تكون أساساً للتشريع وتفريع الأحكام ، ما يأتي:-

أ- الشورى : ((وَأَمْرُهُمْ شُورَى? بَيْنَهُمْ ))[الشورى:38].((وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ))[آل عمران: 159].
ب - العدل : ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ))[النحل:90] ، ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ))[النساء:58].
ج- الإنسان مأخوذ بجريرته ، ولا يسأل عن ذنب غيره : ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))[الأنعام : 164،....].
د- العقوبة بقدر الجريمة : ((وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ))[الشورى:40].
ه- حرمة مال الغير : ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ))[البقرة:188].
و- التعاون على الخير وما فيه نفع للأمة : (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ))[المائدة :2].
ز- الوفاء بالالتزامات : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ))[المائدة:1].
‎ ‏
-157-



ح - الحرج مرفوع : (( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))[الحج : 78].
ي - الضرورات تبيح المحظورات: (( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)) [البقرة: 173].

ومن الأحكام التي جاءت مجملة في القرآن ولم يفصل حكمها : الأمر بالزكاة، قال تعالى : ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)) [التوبة: 103]، ومثلها القصاص (( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ))[البقرة:179]، وقوله تعالى : ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى))[البقرة : 178]، ولم يبين القرآن شروط القصاص وقد بينتها السنة . وكذلك البيع والربا ، قال تعالى : ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة: 275] فجاءت السنةببيان البيع الحلال وشروطه ، والربا الحرام وأنواعه . وهذا النوع من البيان للأحكام ، وهوالبيان الإجمالي ، وهو الغالب في القرآن . والحكمة في مجيء أحكام القرآن على شكل قواعد ومباديء عامة : هي أن مجيئها على هذا النحو يجعلها تتسع لما يستجد من الحوادث ، فلا تضيق بشيء أبداً.
النوع الثاني: الأحكام التفصيلية - وهي قليلة في القرآن ، ومنها : مقادير المواريث ،ومقادير العقوبات في الحدود ، وكيفية الطلاق وعدده ، وكيفية اللعان بين الزوجين
وبيان المحرمات من النساء ونحوذلك .

150- أسلوب القرآن في بيان الأحكام :
للقرآن أساليب مختلفة في بيان الأحكام ، اقتضتها بلاغته وكونه معجزاً، وكتاب هداية وإرشاد ، فهو يعرض الأحكام عرضاً فيه تشويق للامتثال وتنفير عن المخالفة والعناد .ولهذا نجد ما هو واجب قد ينص على وجوبه بصيغة الأمر ((وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ)) [الطلاق:2]،أو بأن الفعل مكتوب على المخاطبين (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[البقرة:183] (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ))[البقرة:178] وقد يكون بيان الواجب بذكر الجزاء الحسن والثواب لفاعله ((وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي))[النساء:13].
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
-158-



والمحرم قد يكون ييانه بصيغة النهي مثل قوله تعالى : ((وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ))[ الأنعام:151] وقوله تعالى : ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة:195] ، وقد يكون بالتوعد على الفعل أو يترتب العقوبة عليه، مثل قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))[النساء:10] وقوله تعالى : ((وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ))[النساء:14].
وعلى هذا فيجب على كل من يريد استنباط الأحكام من القرآن أن يعرف هذه الأساليب في القرآن ، وكيفية بيانه للأحكام وما يقترن بالنصوص مما يدل على الوجوب أو الحرمة أو الإباحة . ومن الضوابط والقواعد النافعة في هذا الباب ما يأتي:

1- يكون حكم الفعل : الوجوب أو الندب ، إذا جاء بالصيغة الدالة عل الوجوب أو الندب ، أو إذا ذكر في القرآن واقترن به مدح أو محبة أوثناء له أو لفاعله ، أو إذا اقترن به الجزاء الحسن والثواب لفاعله .
2 - ويكون حكم الفعل : الحرمة أو الكراهة ، إذا جاء ذكره بصيغة تدل عل طلب الشارع لتركه والابتعاد عنه ، أو إذا ذكر على وجه الذم له ولفاعله ، أو أنه سبب للعذاب أو لسخط الله أو مقته ، أو دخول النار، أو لعن فاعله ، أو وصف الفعل بأنه رجس أو فسق أو من عمل الشيطان ، أو وصف فاعله بالبهيمة أو بالشيطان ، ونحوذلك.
3 - ويكون حكم الفعل : الإباحة ، إذا جاء بلفظ يدل على ذلك : كالإحلال والإذن ، ونفي الحرج ، أو نفي الجناح ، أو الانكار على من حرم الشيء ، ونحو ذلك.

151- دلالة القرآن على الأحكام:
قدمنا أن القرآن قطعي الورود، أي ثابت قطعاً لوصوله إلينا بطريق التواتر المفيد للعلم اليقيني بصحة المنقول . فأحكامه إذن قطعية الثبوت ، إلا أن دلالته على الأحكام قد تكون قطعية وقد تكون ظنية.



-159-




فتكون قطعية : إذا كان اللفظ لا يحتمل إلا معنى واحداً فقط ، ففي هذه الحالة تكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة قطعية ، مثل قوله تعالى : (( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ ? فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ? مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ))[النساء:12] ، وقوله تعالى : (( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور:2] ، فالنصف والربع والمئة كلها قطعية الدلالة على مدلولها، ولا يحتمل أي واحد منها إلامعنىً واحداً فقط هو المذكور في الآية .

وتكون دلالته ظنية : إذا كان اللفظ يحتمل أكثرمن معنى ، فتكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة ظنية ، مثل قوله تعالى : (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة :228] ، فلفظ ((القروء)) يحتمل أن يراد به الاطهار ، ويحتمل أن يراد به الحيضات ، فمع هذا الاحتمال تكون دلالة الآية على الحكم ظنية لا قطعية .








-160-



يتبع بإذن الله تعالى ....












توقيع : ياس


التعديل الأخير تم بواسطة ياس ; 2016-08-10 الساعة 01:51 PM
عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-21, 03:49 PM   المشاركة رقم: 45
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - صيغة وورد

الفصل الثاني
الدليل الثاني
السنة
153- تعريف السنة :
للسنة معنى في اللغة ، ومعنى في اصطلاح الفقهاء ، ومعنى عند الأصوليين .
فالسنة في اللغة ن عبارة عن الطريقة المعتادة المحافظ عليها، التي يتكررالفعل بموجبها . ومنه قوله تعالى ((سُنَّةَ اللهِ في الَّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً)) [الاحزاب :72] ، وسنة الإنسان : طريقته التي يلتزم بها فيما يصدرعنه ويحافظ عليها ، سواء أكان ذلك فيما يحمد عليه ، أو يذم.
وفي اصطلاح الفقهاء ، على ما قاله البعض : ما كان من العبادات نافلة منقولة
عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أي ما ليس بواجب منها (1) . ولكن المستفاد من كتب فروع الفقه: أنها تطلق عند الفقهاء على ما هو مندوب من العبادات وغيرها، وقد تطلق كلمة((السنة)) في كلام بعض الفقهاء على ما يقابل«البدعة» ،فيقال: فلان على سنة ، إذا
عمل وفق عمل النبي صلى الله عليه وسلم ، وفلان على بدعة ، إذا عمل على خلاف ذلك . وفي اصطلاح الأصوليين ، السنة : ما صدرعن النبي صلى الله عليه وسلم ، غير القرآن ، من


_______________________
1- الشوكاني ص33.الآمديج1ص241

2-((حاشية)) الإزميريج2ص196 والآمدي ج1ص241.يلاحظ هنا ان الجعفرية =
-161-



مصادر التشريع .
153- السنة مصدر للتشريع:
قلنا : إن السنة مصدر تستنبط منه الأحكام التشريعية . وقد دل على ذلك الكتاب ، والإجماع ، والمعقول .

اولاً -الكتاب:

أ - دل الكتاب على أن ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم على وجه التشريع ، مبناه الوجي ، أي مصدره الوحي من الله ، قال تعالى : (( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: 3،4] ، فقوله صلى الله عليه وسلم كالقرآن ، من جهة أن الاثنين مصدرهما
وحي من الله ، إلا أن السنة موحى بها بالمعنى فقط .

وحيث أن القرآن واجب الاتباع لأنه من الله ، فكذا أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن
معناها - وهو المقصود من الكلام - من الله أيضاً.

ب - أعطى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وظيفة البيان لمعاني القرآن ، والشرح لأحكامه المجملة، قال تعالى : ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ))[النحل:44]، فيكون بيانه متماً للقرآن ، وضرورياً لاستفادة الحكم الشرعي ومعرفة المطلوب ، فتكون دليلاً من أدلة الأحكام .

ج- النصوص الكثير جداً الواردة في القرآن التي تدل بصورة قاطعة على لزوم اتباع السنة ، والالتزام بها ، واعتبارها مصدراً للتشريع ، واستفادة الأحكام منها .
وقد جاءت هذه النصوص دالة عل ما ذكرنا بأساليب متنوعة ، وصيغ مختلفة فهي تأمر بطاعة الرسول وتجعل طاعته طاعة الله ، وتأمر برد المتنازع فيه إلى الله وإلى الرسول ، أي إلى كتابه وسنة نبيه ، وتأمر بأخذ ما يأتينا به الرسول والابتعاد



____________________
= يعتبرون من السنة أيضاً ما نقل عن أئمتهم المعصومين من قول أو فعل أو تقرير.(( محاضرات في أصول الفقه الجعفري)) لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ص122.

-162-



عما ينهانا عنه ، وتصرح أن لا إيمان لمن لا يحكِّم رسول الله فيما يختلف فيه مع غيره ، وتقول : أن لا اختيار لمسلم فيما قضى به رسول الله ، وتحذر المخالفين لأمره من سوء العاقبة ، والعذاب الأليم (1).

ثانياً : الإجماع :
فقد اجتمع المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وحتى يومنا هذا ، على وجوب الأخذ بالاحكام التي جاءت بها السنة النبوية ، وضرورة الرجوع إليها لمعرفة الأحكام الشرعية ، والعمل بمقتضاها . فما كان الصحابة ، ولا من جاء بعدهم يفرقون بين حكم ورد في القرآن ، وبين حكم وردت به السنة ، فالجميع عندهم واجب الاتباع ، لأن المصدر واحد وهو وحي الله .والوقائع الدالة على إجماعهم كثيرة لا تحصى ذكرنا أمثلة منها عند الكلام عن الأدلة ، وترتيبها في الاستدلال .

ثالثاً - المعقول :
ثبت بالدليل القاطع : أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، ومعنى الرسول : هو المبلغ
من الله ، ومقتضى الإيمان برسالته : لزوم طاعته ، والانقياد لحكمه ، وقبول ما يأتي به ، وبدون ذلك لا يكون للإيمان به معنى . ولا تتصور طاعة الله والانقياد إلى حكمه مع المخالفة لرسوله صلى الله عليه وسلم .

154- تساؤل:
ولكن هل جميع ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم له هذا المقام ، أي مقام لزوم الاتباع
والاستدلال به عل الحكم الشرعي ، أم لا؟ وهل كله ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم يصلح




________________________
1 - من هذه النصوص ما يأتي : (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ))[النساء:59]. ((مَنْ يُطِعْ الرَّسُول فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه))[النساء: 80].((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر:7]. (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى? يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي? أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً))[النساء:65]. (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ))[الأحزاب:36 ].


-163-



أن يكون مصدراً للتشريع ، أم لا؟

للجواب عل هذين السؤالين لا بد عن الكلام عن أنواع السنة من حيث ماهيتها ، أي ذاتها ، ثم الكلام عن أنواعها من حيث ورودها إلينا .

155- أنواع السنة من حيث ماهيتها:

السنة من حيث ماهيتها ، أي ذاتها ، تنقسم الى ثلاثة أقسام : سنة قولية، وسنة فعلية ، وستة تقريرية .
أولاً- السنة القولة :

وهي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم ، التي قالها في مناسبات مختلفة ، وأغراض شتى
وهي التي يطلق عليها اسم الحديث عادة ، فإذا أطلق هذا الاسم تبادر إلى الفهم : أن
المقصود به السنة القولية . فهي بهذا الاعتبار-مرادفة للفظ ((الحديث)) ، ويكون الأخير
أخص من السنة بمعناها العام . ومع هذا ، فإن بعض العلماء يجعل معنى (( الحديث)) ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أى ما نسب إليه من قول أو فعل أو تقرير . وبهذا المعنى يكون لفظ الحديث مرادفاً ،للفظ السنة بمعناها العام . وبهذا الاعتبار سمى الإمام البخاري
كتابه الشهير ((بالصحيح من الحديث)) ، مع أنه اشتمل على ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات.

والسنة القولية كثيرة جداً ، منها : « العمد قود» ، و « لا ضرر ولا ضرار))، و «مَنْ رأى منكم منّكَراً فَلْيُّغَيِّرُه بيده،فمَنْ لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).

وأقوال النبي صلى الله عليه وسلم إنما تكون مصدراً للتشربع ،أذا كان المقصود بها بيان الأحكام
أو تشريعها ، أما إذا كانت في أموردنيوية بحته لا علاقة لها بالتشريع ، ولا مبنية على الوحي ، فلا تكون دليلاً من أدلة الأحكام ، ولا مصدراً تستنبط منه الأحكام الشرعية ، ولا يلزم اتباعها . ومن ذلك ما روي أنه عليه السلام رأى قوماً في المدينة يؤبرون النخل ، فأشار عليهم بتركه ، ففسد الثمر ،فقال لهم ن أبروا ، أنتم أعلم



-164-



بأمور دنياكم.
ثانيا- السنة الفعلية :

وهي ما فعله صلى الله عليه وسلم : كأداء الصلاة بهيآتها وأركانها . ومثل قضائه بشاهد واحد
ويمين المدعي ، ونحو،ذلك . وأفعاله صلى الله عليه وسلم منها ما يكون مصدراً للتشريع ، ومنها ما لا يكون(1). وهاك البيان :

أ- أفعاله الجبلية ، أي التي تصدر منه بحسب الطبيعة البشرية ، وبصفته إنساناً:
كالأكل ، والشرب ، والمشي ، والقعود ونحو ذلك ، فهذه لا تدخل في باب التشريع إلا على اعتبار إباحتها في حق المكلفين ، فلا تجب متابعة الرسول فيطريقة مباشرته لها ، وإن كان بعض الصحابة يحرص على هذه المتابعة كعبدالله ابن عمر، وهذه المتابعة أمر حسن .
ويلحق بهذا النوع في عدم اعتباره مصدراً للتشريع : ما صدرعنه بمقتضى خبرته الانسانية في الأمور الدنيوية،مثل : نتنظيم الجيوش والقيام بما يقتضيه تدبير الحرب، وشؤون التجارة، ونحو ذلك . فهذه الأفعال لا تُعتَبر تشريعاً للأمة، لأن مبناها التجرية لا الوحي ، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يُلزم المسلمين بها ،ولم يعتبرها من قَبيل تشريع الأحكام، وهذا لما أراد النزول بالمسلمين في مكان معين في غزوة بدر، قال له بعض الصحابة : أهذا منزل أنزَلَك اللهُ فيه،
أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال
الصحابي : ليس هذا بمنزل، وأشار على الرسول صلى الله عليه وسلم يإنزال الجيش في مكان
آخر عينه له، لأسباب بينها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فاخذ بقوله. ويلحق بهذا النوع أيضاً-
في عدم اعتباره مصدراً للتشريع -: إثبات وقائع الدعوى التي ينظر فيها، لأن ذلك أمر تقديري له، وليس تشريعاً للأمة، أما حكمه على فرض ثبوت وقائع الدعوى. فو تشريع للأمة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بَشرٌ مثلُكم، وإنكم تخْتَصِمونَ إلي ،ولعلَّ بعضَكم أن يكون ألْحنَ بحجتِه من بعض، فأقضيِ له

_________________
1-((شرح مسلم الثبوت))ج2ص181 الآمدي ج1ص247-248 الشوكاني ص35-36.




-165-



يتبع بحوله تعالى....












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-26, 11:28 PM   المشاركة رقم: 46
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

بنحو ما أسمع،فمَن قَضَيْتُ له بشئٍ من حقِّ أخيه،فإنما أقطَع له قطعة من النارِ(1) ،ومعنى: ألحن- أي أقْوَم بها منه وأقدر عليها.

ب- مثيت كونه من خواصه صلى الله عليه وسلم ،فهو له وحده، ولا تشاركه الأمة فيه:كاختصاصه بالوصال في الصوم،والزيادة في النكاح على أربع،وغير ذلك،فهذه الأمور خاصة به،ولا يصح متابعة الرسول فيها. ففي النكاح: قام الدليل على اقتصار الإباحة لحد أربع زوجات، وفي الوصال في الصوم: ورد النهي عنه في حق الأمة.

ج-ما عرف أن فعله صلى الله عليه وسلم بيان لنص مجمل جاء في القرآن. فبيانه تشريع للأمة ويثبت الحكم في حقنا ، ويكون حكم الفعل الذي صدر منه في هذه الحالة، كحكم النص الذي بينه الفعل من الوجوب والندب وغيرهما.

ويكون الفعل بياناًللمجمل إما بصريح المقال، أو بقرائن الأحوال. فمن الأول : قوله صلى الله عليه وسلم ((صَلُّوا كَمَاَ رَأيتُموني أصلي))، وقوله : ((خذوا عني مناسككم ، أي مناسك الحج. فأداؤه الصلاة، بيان للصلاة التي أمرنا الله بها بقوله تعالى: ((وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ))، وأداؤه مناسك الحج ، بيان للحج المفروض علينا بقوله تعالى : ((ولله عَلَى النَّاس حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً))[آل عمران :97].أما قرائن الحال الدالة على البيان ،فمثل: قطعه ، أو أمره بقطع يد السارق من الكوع. فهذا الفعل بيان للمراد من قوله : ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيهَمُا)) [المائدة:38] وهذا على رأي من اعتبر النص القرآني الوارد بقطع اليد نصاً مُجملاً، أما من اعتبر((اليد))لفظاً مطلقاً ، فإنه اعتبر فعل النبي صلى الله عليه وسلم مقيداً له ، وهو أيضاً من ضروب البيان.

د- مافعله الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداء، وعرفت صفته الشرعية من وجوب وندب وإباحة، فإنه تشريع للأمة ، فيثبت حكم ما فعله في حق المكلفين لقوله تعالى : (( لَقَدْ كَانَ


________________________
1- ((تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول ))ج4ص56.


-166-



لَكُمْ فيِ رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)) [الأحزاب :21].

ه- ما فعله صلى الله عليه وسلم ولم تعرف صفته الشرعية، ولكن عرف أن في الفعل قصد القربة، كقيامه ببعض العبادات دون مواظبة عليها ، فإن الفعل يكون دالاً على إباحته في حق الأمة : كالمزارعة ،والبيع، ونحو ذلك.

ثالثاً- السنة التقريرية:

وهي سكوت النبي صلى الله عليه وسلم علىإنكاره قول ،أو فعل صدر في حضرته،أو في غيبته وعلم بها. فهذا السكوت يدل على جواز الفعل وإباحته ، لأن الرسول عليه السلام لا يسكت عن باطل أو منكر . ومن أمثلة هذا النوع من السنة : سكوته وعدم إنكاره لعب الغلمان بالحراب في المسجد ، وسكوته عن غناء جاريتين كانتا تغنيان بغناء حماسي في يوم عيد.

ومثل السكوت في الدلالة على جواز الفعل ،استبشاره صلى الله عليه وسلم به ،أو إظهار رضاه عنه ، أو استحسانه له، بل هذا الرضا أو الاستحسان أظهر في الدلالة على جواز الفعل من مجرد سكوته.

ويلاحظ هنا : ان إباحة الفعل المستفادةمن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لا تعني أن الفعل لا يكون إلا جائزاً فقط ،فقد يكون الفعل واجباً بدليل آخر ، وعلى هذا فمجرد سكوت النبي صلى الله عليه وسلم لا يفيد أكثر من إباحة الفعل (1)، وقد يستفيد الفعل صفة الوجوب أو الندب من دليل آخر.

156- أنواع السنة من حيث ورودها إلينا:

السنة من حيث طرق وصولها إلينا- أي من حيث روايتها، وهو ما يعبر عنه

_________________________
1- ((الإحكام في أصول الأحكام))لابن حزم ج2ص6.


-167-



بسند السنة - تنقسم إلى ثلاثة أقسام : سنة متواترة، وسنة مشهورة ، وسنة آحاد.
وهذا التقسيم عند الحنفية.
أما عند الجمهور ، فالسنة قسمان : الأول- سنة متواترة ، والثاني - سنة الآحاد. أما السنة المشهورة،فهي عندهم قسم من أقسام سنة الآحاد، ولا يجعلونها قسماً قائماً بنفسه كما يفعله الحنفية(ا). وسنتبع التقسيم الثلاثي ، فنتكلم عن كل قسم من هذه الأقسام على حدة.

157- أولاً : السنة المتواترة:

ويمكن تعريفها : بأنها التي رواها جمع كثير، تحيل العادة تواطأهم على الكذب ، أو وقوعه منهم من غير قصد التواطؤ، عن جمع مثلهم ، حتى يصل المنقول إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ويكون مستند عملهم بالأمرالمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم المشاهدة أو السماع(2).
ويتضح لنا من هذا التعريف: أن شروط التواتر هي:-

أ- أن يكون الرواة للسنة جمعاً كثيراً ، يمتنع تواطؤهم على الكذب ، أو وقوعه منهم من دون قصد حسب العادة . فلا يشترط للتواتر عدد معين ، بل يعتبر ما يفيد العلم على حسب العادة
في سكون النفس إليهم- أي إلى الرواة-، وعدم تأتي التواطيء على الكذب منهم ، إما لفرط كثرتهم ، وإما لصلاحهم ودينهم ، ونحو ذلك ، كما لا يشترط لتحقق التواتر أن يجمع الناس كلهم على التصديق به(3)، يل ضابطه : حصول العلم الضرورى به ، فإذا حصل ذلك علمنا أنه متواتر،



____________________________
1-((شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)) للحافظ ابن حجر العسقلاني ص6-8، ((المستصفى))ج1ص91، الشوكاني ص49.

2- العسقلاني ص3-4 الشوكاني ص46((المستصفى))ج1ص90.
3-((المسودة))ص233-235.


-168-



وإلا فلا.

ب - أن يكون الرواة في كل طبقة من طبقات الرواية بهذا الوصف الذي ذكرناه في
الشرط الاول .
ج- أن يكون مستند علم الرواة مستفاداً عن طريق المشاهدة ، أو السماع . ويترتب على هذا الشرط أمران ، الأول: إذا لم يكن الرواة عالمين بالخبر به ، بأن كانوا ظانين ، فإن الشرط لا يتحقق ، وبالتالي لا يتحقق التواتر. والثاني : إذا كان علم الرواة مستنداً الى أمر عقلي غير محسوس ، فلا يتحقق التواتر .
فإذا تحققت شروط التواتر، أفاد الخبر اليقين ، والعلم الضروري ،وهو الذي يضطر إاليه الإنسان بحيث لا يمكن دفعه(1)، لأن الثابت بالتواتر كالثابت بالمعاينة(2) . وعلى هذا فالسنة المتواترة مقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم دون أي شك ، فتكون دليلاً من أدلة الأحكام ، ومصدراً تشريعياً لها، بلا خلاف بين المسلمين(3).

158-أنواع السنة المتواترة:

السنة المتواتر قد تكون قولية، وقد تكون فعلية. والأولى قليلة ، والثانية كثيرة ، ونتكلم عنهما بإيجاز شديد .
السنة المتواترة القولة : وهي نوعان : لفظي ، ومعنوي.

فالنوع الأول : ما تواتر لفظه ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام ((مَن كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبوَّأ مَقْعَدَه منَ النَّار)).

_________________________
1-((قواعد التحديث))للقاسمي ص128، العسقلاني ص4 ،((المسوّدة)) ص233.

2-((أصول))السرخسي ج1 ص291.
3-((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم الأندلسي ج1 ص104 القاسمي ص128.

-169-



والمعنوي: هو ما تواتر المعنى المشترك فيه دون تواتر لفظه ، أي ما تختلف ألفاظ الرواة فيه ، ولكنها كلها تشتمل على معنى واحد في جميع الروايات . ولا يلزم في هذا النوع أن يكون أصحاب كل رواية على حدة قد بلغوا حد التواتر ولكن المعنى المشترك يشترط فيه بلوغ حد التواتر باعتبار مجموع الروايات . ومثال هذا النوع : كون الأعمال مبناها النية ، وأن اعتبارها بها . فهذا المعنى روي عن النبي عليه الصلاة والسلام بصورة متواترة ، إذ وردت به أخبار كثيرة تبلغ حد التواتر في دلالتها على هذا المعنى، وإن كان كل خبر لم يبلغ بنفسه حد التواتر، فمن هذا :الأخبار المروية عن النبي عليه السلام : ((إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))، وقوله : (( مَنْ قَاتَل لِتكُونَ كَلِمةُ الله هي العُليا فَهُوَ في سَبيلِ الله))، و((وَرُبَّ قَتِيلٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِنِيَّتِهِ))، وغيرذلك من الاخبار الكثيرة الدالة على أن اعتبار العمل إنما يكون
بالنية . فهذا المعد تواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام، إذا جاء في أخبار كثيرة
أجمعت على هذا المعنى، وإن اختلفت الألفاظ وتنوعت القضايا (1).

159-ثانياً : السنة المشهورة:

وهي التي رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم واحد أو اثنان ، أي عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم
تواتر في عصر التايعين ، وعصر تابعي التابعين ، بأن كان رواتها جموعاً لا يتوهم تواطؤهم على الكذب(2) . فالسنة المشهورة ، إذن : هي التي كانت في الأصل من سنن الآحاد ، أي ما نقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد دون عدد التواتر، ثم اشتهرت وتواترت في القرن الثاني والثالث ، وهما عصرا التابعين وتابعي التابعين(3). ومن هذا

___________________________
1-((التعريف بالقرآن والحديث)) لأستاذنا الزفزاف ص240-241 والقاسمي ص128-129.

2- ((مسلم اثبوت))ج2ص111 و((حاشية))الإزميري ج2ص196.
3- عصر التابعين هو العصر الذي تبع عصر صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم . وعصر تابعي التابعين هو الذي تلا عصر التابعين . ولا عبرة بالتواتر أو الشهرة بعد هذه العصور الثلاثة ،لأن السنن قد دونت هذه العصور وشاعت واشتهرت ونقلتها الكافة عن الكافة.


-170-





يتبع بإذن الله تعالى...........












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-29, 12:11 PM   المشاركة رقم: 47
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

التعريف يتضح لنا بجلاء : أن السنة المشهورة غيرمقطوع بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكنها مقطوع بصحة نسبتها الى الراوي لها عن الرسول . ولهذا قال الحنفية عنها : أنها تفيد ظناً قوياً كأنه اليقين ، وهوما يسمى بعلم الطمأنينة ، يصحة نسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهي بمنزلة السنة المتواترة عند الحنفية من جهة لزوم العمل بها ، وجعلها مصدراً تشريعياً ، ودليلاً من أدلة الأحكام ، ومن هذا النوع حديث : ((إنما الأعمال بالنياتِ،وإِنَّما لكل امرىءٍ مانَوى))، و((تحريم نِكَاحِ المرأة على عمتها أو على خالَتِها )) (1).

160-ثالثاً: سنة الآحاد:

وهي ما رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد لم يبلغ حد التواتر ،وذلك في عصر التابعين
وعصرتابعي التابعين .فهي ما ليست سنة متواترة ، ولامشهورة، على قول الحنفية .
وما ليست متواترة على قول غيرهم (2). وهي عند الجمهور :تفيد الظن الراجح بصحة نسبتها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتفيد العلم لا الظن عند الظاهرية وبعض أهل الحديث . ولكن هل تعتبر هذه السنة من أدلة الأحكام ، فيجب العمل بها ، أم لا؟ وإذا قلنا بالإيجاب ، فما هي الشرط اللازمة لذلك؟ هذا ما سنجيب عليه فيما يلي (3).

161- سنة الآحاد واجبة الاتباع ، ومصدر للتشريع :

لا خلاف بين المسلمين أن سنة الآحاد حجة على المسلمين في وجوب العمل

__________________________________
1-((أصول))السرخسي ج1ص392.

2-((مُسلَّم الثبوت))ج2ص111.
3-((أصول))السرخسي ج1ص321.((الأحكام))لابن حزم ج1ص108 وما بعدها، ومحاضرات في أصول الفقه الجعفري)) لأستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة ص130 وما بعدها الشوكاني ص49.((المستصفى))ج1 ص93. العسقلاني ص8-9.((مسلَّم الثبوت))ج2 ص122. الآمدي ج2ص47 وما بعدها.

-171-



بها ، والتقيد باحكامها ، وجعلها دليلاً من أدلة الأحكام . والبرهان على ذلك من وجوه عديدة ، نذكر عمها ما يلي :

1- قوله تعالى : (( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) [التوبة:122]. والطائفة في اللغة تطلق على الواحد ، فلولا أن خبر الواحد حجة في العمل ، لما كان لإنذار مَنْ يتفقه في الدين فائدة.

2 -تواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم إرساله أمرائه وقضاته ورسله وسعاته إلى الافاق ، وهم آحاد ، ولا يرسلهم إلا لقبض الصدقات ، وحل العهود وتقريرها ، وتبليغ أحكام الشرع ، وكان صلى الله عليه وسلم يلزم أهل النواحي قبول قول عن يرسلهم إليهم ،ولو لم يكن خبر الواحد حجة لما أمرهم بذلك .

3-إن العامي بالإجاع مأمور باتباع المفتي وتصديقه، مع أنه ربما يخبر عن ظنه .
فالذي يخبر بالسماع عن النبي عليه السلام الذي لا يشك فيه ، أولى بالتصديق والقبول والعمل بموجب خبره.

4-إننا مأمورون بالحكم بشهادة اثنين ، مع أن هذه الشهادة تحتمل الكذب ، فلو كان العمل بها لا يجوز إلا بانتفاء احتمال الكذب بصورة قاطعة ، لما عملنا بها فإذا وجب العمل بالشهادة مع احتمالها الكذب ، فلأن يجب العمل برواية الآحاد عن النبي عليه السلام أولى .

5- إجماع الصحابة في حوادث لا تحصى على قبول خبر الواحد ، والعمل به، فأبو بكر مثلاً
أعطى الجدة السدس ، لورود الخبر بذلك ، وعمر بن الخطاب ورث المرأة من دية زوجها ، لورود السنة بذلك ، رهي سنة آحاد ، وأخذ الجزية من المجوس بسنة آحاد أيضاً، وهكذا فعل الصحاية الآخرون فيما بلغتهم من أخبار الآحد .

162-شروط العمل بسنة الآحاد:

أجمع المسلمون على أن سنة الآحاد حجة على الجميع يلزم اتباعها ، وأنها من


-172-




مصادر التشريع ، إلا أنهم اختلقوا في الشروط اللازمة لذلك أي في شروط وجوب
العمل بها ، واستنباط الأحكام منها ، ويمكن رد اختلافهم إلى قولين .
163- القول الأول : إن السنة التي رواها العدل الثقاة ، بأن توافر في الراوي شروط قبول روايته حسب ما يشترط أصحاب هذا القول ، على اختلافٍ فيما بينهم فى هذه الشروط، واتصل سند الرواية بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ففي هذه الحالة يجب العمل بهذه السنة ، واستنباط الأحكام منها ، وعدها مصدراً للتشريع ، وهذا قول الحنابلة والشافعية والظاهرية والجعفرية ، وبعض الفقهاء من المذاهب الاخرى .

أما إذا لم يتصل السند ، بأن سقط من سلسلة الرواة الصحابي الذي روى الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المسمى بالحديث المرسل ، فقد اختلف أصحاب هذا القول في وجوب العمل به. فعند الظاهرية : لا يكون حجة ، ولا يجب العمل به. ومذهب الشافعي: الأخذ به بشروط، منها :أن يكون من مراسيل كبار التابعين ، مثل: سعيد بن المسيب ، وأن يسند من جهة أخرى ،أو يوافق قول الصحابي ، أو يفتي بمقتضاه أكثر العلماء. ومذهب أحمد بن حنبل : الأخذ بالمرسل والعمل به، إذا لم يكن في الباب حديث متصل السند (1).
164- القول الثاني: واصحاب هذا القوللم يكتفوا بكون الرواة عدولاً، ثقاة، وإنما اشترطوا شروطاً أخرى لا تتعلق بسند الرواية ، وإنما تتعلق بأمور أخرى، حتى يترجح عندهم جانب صحة الحديث ونسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. وأصحاب هذا
القول هم المالكية والحنفية ، ونذكر فيما يلي بإيجاز شديد أهم شروطهم .

165- أ- شروط المالكية لقبول سنة الآحاد:

اشترط المالكية لقبوله خبر الآحاد : عدم مخالفته لعمل أهل المدينة . والحجة في ذلك : أن عمل أهل المدينة بمثابة السنة المتواترة ، لأنهم ورثوا العمل عن اسلافهم، عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكأن عملهم بمنزلة الرواية والسنة المتواترة ، والمتواتر يتقدم على



_________________________
1-القاسمي ص115-120. ((المستصفى)) ج1 ص149-171. ((الإحكام))لابن حزم ج1 ص108 وما بعدها و ج2 ص2 وما بعدها.


-173-



خبر الآحاد ، وعلى هذا الأساس لم يأخذ الإمام مالك بحديث : « المتبايعان بالخيار حتى يتفرقا» ، فقد قال مالك عن هذا الحديث : (( ليس لهذا عندنا حدمعروف ، ولا أمرمعمول به)).
كما اشترطوا : من لا يخالف خبر الآحاد الأصول الثابته والقواعد المرعية في الشريعة ، وعلى هذا الأساس لم يأخذوا بخبر المصراة ، وهو ما روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال : ((لا تَصُرُّوا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بد أن يَحْلِبَها ،إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر))،لأن هذا الخبر -في نظرهم - قد خالف أصل : (( الخراج بالضمان))، وأصل : (( أن متلف الشيء إنما يغرم مثله إن كان مثليا ،وقيمته إن كان قيمياً ، فلا يضمن في اتلاف المثلي جنساً غيره من طعام أو عروض .
وكذلك لم يأخذوا بخبر إكفاء القدور التي طبخت من الإبل والغنم قيل قسمة الغنائم ، بحجة مخالفته لأصل : رفع الحرج ، والمصلحة المرسلة ، فقد كان يكفي أن يقال لهم: إن ما صدر عنكم لايجوز، ثم يؤذن لهم بالأكل منها ، فإتلاف المطبوخ إفساد مناف للمصلحة ، ما يدل على عدم صحة الخبر(1).

165- -ب-شروط الحنفية لقبول سنة الآحاد:

أ- أن لا تكون السنة متعلقة بما يكثر وقوعه، لأن ما يكون كذلك لا بد أن ينقل عن
طريق التواتر أو الشهرة، لتوافر الدواعي للنقل، فإذا لم ينقل على هذا الوجه ونقل عن طريق الآحاد، دل ذلك عل عدم صحة السنة ومثال ذلك: (( رفع اليدين في الصلاة)) ، فإنه جاء عن طريق الآحاد، بع عموم الحاجة اليه لتكرار الصلاة في كل يوم ، فلا يقبل.

ب- أن لا تكون السنة مخالفة للقياس الصحيح ،وللأصول والقواعد الثابته في الشريعة، وهذا إذا كان الراوي غير فقيه، لأنه إذا كان كذلك فقد يروي السنة بالمعنى، لا باللفظ -ا وهو أمر كثير الوقوع -، فيفوته شيء من معاني الحديث لا يتفطن له . فلا بد من الاحتياط بأن لا يقبل الحديث في هذه الحالة إذا كان مخالفاً



_________________
‎ ‏ 1-((الموافقات))ج3 ص21-22.((مالك)) لأستاذنا محمد أبو زهرة ص301و331 وما بعدها.

-174-



للأصول العامة، ومقتضى القياس الصحيح ، وعلى هذا الأساس لم يأخذوا بحديث المصراة، كما فعل الإمام مالك، لأن راوي الحديث، وهو أبو هريرة، غير فقيه عندهم . كما أن هذا الحديث خالف الأصول والقواعد المقررة كقاعدة : ((الخراج بالضمان))، التي جاءت بها السنة، وهذه القاعدة تقضى : بأن غلة العين ، تكون ملكاً لمن يكون عليه الضمان عند هلاك العين، وعلى هذا يجب أن يكون اللبن للمشتري ، لأن العين في ضمانه . كما أن هذا الحديث خالف قاعدة ((الضمان)) القاضية بأن الضمان يكون بالمثل إذا كان المتلف مثلياً (1).

ج- ألا يعمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه، لأن عمله يدل على نسخه أو تركه لدليل آخر، أو أن معناه غير مراد على الوجه الذي روي فيه . ويمثلون لذلك بحديث : ((إذا ولغ الكلب في إناءِ أحدكم فاغسلوه سبعاً، إحداهن بالتراب)) فإنهم لم يأخذوا به لأن راوي الحديث كان يغسل الإناء - إذا ولغ فيه الكلب - ثلاثا .

166- القول الراجح:
مع تسليمنا بأن الحنفية والمالكية ما اشترطوا هذه الشروط إلا ليطمئنوا على صحة السنة ونسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإن قولهم مرجوحح ، وقول غيرهم هو الراجح . لأن السنة متى صحت روايتها بأن رواها العدول الثقاة الضابطون ، لزم اتباعها ، والأخذ بها، واستنباط الأحكام منها ، سواء وافقت عمل أهل المدينة أم خالفته ، وسواء اتفقت مع الأصول المقررة ومقتضى القياس أم لم تتفق ، وسواء عمل راويها بها أولم يعمل ، وسواء كانت في أمر يكثر وقوعة أو يقل ، لأن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها ، والعبرة بما يرويه الراوي لا بما يعمل به ، إذ ربما يعمل بخلاف ماروى خطأً أو نسياناً أو تأويلاً، فهو غير معصوم . وكون الأمر الذي جاءت به السنة كثير الوقوع لا تأثير له في قبول ، أو رد أخبار الآحاد ، لأن الحاجة لمعرفة حكم ما يقل وقوعه كالحاجة لمعرفة حكم ما يكثر وقوعه ، وكلاهما قد ينقله الآحاد ،فضلاً عن أن الكثرة أو القلة لا ضابط لها في هذا الباب .



________________
1-((أصول)) السرخسي ج1 ص341.


-175-




أما التشبث بمخالفة سنة الآحاد للأصول فغير مقنع ، لأن السنة هي التي تؤصل الأصول ، فإذا جاءت بحكم يخالف الأصول الثابته ، فإنها تعتبر أصلاً قائماً بنفسه يعمل في دائرته ، كما في السلم ، مع أنه بيع معدوم 0 والاستقراء دل على أن المردود من سنة الآحاد الصحيحة السند، بحجة المخالفة للأصول ، انه في الحقيقة موافق للأصول لا مخالف لها.

فحديث المصراة الذي ردوه بحجة المخالفة للأصول، غير مخالف للأصول التي قالوها ، فقاعدة ((الخراج بالضمان)) لا تعمل هنا ، لأن اللبن المصرَّى لم يحدث بعد الشراء ، وإنما كان قبله ، فليس هومن قبيل الغلة التي تحدث عند المشتري حتى يستحقه.

وقاعدة (( الضمان)) لا تعمل هنا أيضاً ، لتعذر معرفة مقدار اللين الحادث عند المشتري لاختلاطه باللين الذي كان قبل الشراء ، فلا يمكن الضمان بالمثل،0 وإنما صار الرد بصاع من تمر لأن التمر أقرب المثليات إلى اللبن ، بجامع أن كلاً منهما مكيل ، ومطعوم ، ومقتات(1) ، فأين المخالفة للقياس والأصول؟

وأما التشبث بعدم ققه الراوي ، فقول غير مستساغ ، لأن رواة السنة عندهم من الفقه ، لملازمتهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، ما يكفي للاطمئنان بصحة نقلهم ، وأنه لم يفتهم شيء من معناه ، فضلاً عن معرفتهم بأساليب العربية وبيانها . وعلى هذا فقول الجمهور هو الراجح ، فكل سنة صحت بأن رواها الثقات الضابطون وجب المصير اليها ، وعدم الالتفات إلى ما خالفها ، ومن خالفها كائناً من كان ، لأن الله تعبدنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا سبيل للوصول إليها إلا عن طريق الرواة ، فإذا ثبت عندنا ضبطهم وعدالتهم أو ترجح ذلك ، كان دليلاً على صحة نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم إما على سبيل العلم القاطع أو الظن الراجح ، وكلاهما يوجبان العمل بها شرعاً.

167- الأحكام التي جاءت يها السنة :


_________________________
1-انظر الرد على من رد حديث المصراة في كتاب ((أعلام الموقعين))ج1ص366 وما بعدها.

-176-


النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، ومن هذا النوع : النهي عن عقوق الوالدين، وعن شهادة الزور وقتل النفس، ونحو ذلك.

النوع الثاني : مبينة لمعاني القرآن ومفصله لمجمله، من ذلك : السنة التي بينت مناسك الحج ، ونصاب الزكاة ، ومقدارها ، ومقدار ما يقطع فيه السارق، ونحو ذلك .

النوع الثالث : قد تأتي السنة بأحكام مقيدة لمطلق القرآن ، أو مخصصة لعامه ،كما سيأتي بيان ذلك في محله .

النوع الرابع : حكم سكت عنه القرآن وجاءت به السنة ، لأن السنة مستقلة بتشريع الأحكام وإنها كالقرآن في هذا الباب ، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : (( أَلَا وَإِنِّيَّ أُتِيتُ القُرْآنَ ومِثْلَه مَعَهُ )) ،أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن . وأمثلة هذا النوع كثيرة، منها : تحريم الحمر الأهلية ، وأكل كل ذي ناب من السباع ، ومخلب من الطير، وكالحكم بشاهد ويمين، وجواز الرهن في الحضر ووجوب الدية على العاقلة ، وميراث الجدة ، ونحو ذلك.

168- دلالة السنة على الأحكام:

قلنا : إن السنة من حيث ورودها قد تكون قطعية : كما في السنة المتواترة ، وقد تكون ظنية : كما في غير السنة المتواترة ، أي سنة الآحاد والسنة المشهور. وأما من جهة دلالتها على الأحكام فقد تكون ظنية أو قطعية ، فهي كالقرآن من هذه الجهة .
وتكون الدلالة ظنية : إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى ، أي يحتمل التأويل . فمن القطعية قوله عليه السلام : ((في خمس من الابل شاة)) ، فلفظ ((خمس)) يدل دلالة قطعية على معناه ، ولا يحتمل غيره ، فيثبت الحكم لمدلول هذا اللفظ ، وهو وجوب اخراج شاة زكاة عن هذا المال . ومن الظنية قوله عليه السلام : ((لا صلاة إلا بفاتِحَةِ الكتاب))، فهذا الحديث يحتمل التأويل ، فيجوز أن يحمل على أن الصلاة لا تكون


__________________
1-الشوكاني ص33.



-177-


صحيحة مجزية إلا بفاتحة الكتاب ، ويحتمل أن يكون المراد : أن الصلاة الكاملة لا تكون إلا بفاتحة الكتاب ، وبالتأويل الأول أخذ الجمهور، وبالتأويل الثاني أخذ الحنفية.






-178-




الفصل الثالث
الدليل الثالث
الإجماع

169- تعريف الاجماع:

الإجماع في اللغة : العزم والتصميم على الشيء، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : (( لا صيام لمَن لم يُجَمِّعِ الصيامَ من الليل)) ، أي لم يعزم عليه . ويقال : أجمع فلان على الأمر ،أي عزم عليه وصمم. ومن معناه أيضاً : الاتفاق، ومنه قوله تعالى: (( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ))[يونس:71].
ويقال : أجمع القوم علي كذا ،أي اتفقوا عليه مع العزم والتصميم ، وهو بهدا المعنى لا يتصور حصوله إلا من أكثر من واحد ، بخلاف المعنى الأول إذ يصح من الواحد.

وفي اصطلاح الأصوليين، الإجماع: هو اتفاق المجتهدين من الامة الإسلامية في عصرمن العصور،على حكم شرعي ، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (2)

170-وينبني على التعريف الاصطلاحي مايأتي:
أولاً: اتفاق غير المجتهدين لايعتد به.


_____________________________
1-وقد عرف بعض علماء الجعفرية الإجماع بانه اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الامور .او اجتماع المجتهدين من هذه الامة في عصر على أمر. (( كتاب الأرائك))ص176، وانظر تعاريف أخرى في كتب اخرى مثل الشوكاني ص63، و((المستصفى))ج1ص110 والآمدي ج1ص280.وما بعدها ، وكتاب ((الإجماع))لعلي عبد الرزاق فقد نقل فيه تعاريف كثيرة لمختلف الاصوليين.

2-الآمدي ج4 ص115.
-179-


والمجتهد : هو من قامت فيه ملكة استنباط الأحكام الشرعة من أدلتها التفصيلية، وقد يسمى : بالفقيه، كما يعععص المجتهدون : بأهل الحل والعقد ،أو بأهل الرأي والاجتهاد، أو بعلماء الأمة(1). أما غير المجتهد فهو من لا يملك القدرة على الاستنباط: كالعامي ، أو الذي لا علم له بالأمور الشرعة وإن كان عالماً بفن ، أو علم آخر: كالطب والهندسة مثلاً.

ثانياً: واتفاق المجتهدين يراد به اتفاق جميع المجتهدين ، فلا يكقي إجماع أهل المدينة ، أو أهل الحرمين مكة والمدينة ، أو إجماع طائفة معينة(1). فلا يعد واحد من هذه الإجماعات الإجماع الاصطلاحي المقصود . ومخالفة الواحد تضر فلا ينعقد معها الإجماع ، وهذا على رأي جمهور الأصوليين .
وقال البعض : لا تضر مخالفة الواحد والاثنين والثلاثة .

وذهب بعض آخر : إلى أن اتقان الأكثرين ، وإن لم يكن إجماعاً، إلا أنه يعتبر حجة يلزم اتباعها ، لأن اتفاق الأكثرين يشعر بأن الحق معهم ، وأن هناك دليلاً قاطعاً أو راجحاً دعاهم إلى الاتفاق ، إذ يندر في العادة أن يكون دليل المخالف هو الراجح(2).

والذى نراه ، على مقتضى التعريف : أن الاتفاق يجب أن يشمل ، جميع المجتهدين بلا استثناء ، فإذا خالف البعض ولو كان واحداً فلا إجماع ،وحيث لا إجماع فلا حجة ولا إلزام في الاتباع ، لأن الكثرة ليست دليلاً قاطعاً على الصواب، فقد يكون معها الخطأ ويكون الصواب مع القلة .
نعم ، قد يستأنس برأي الأكثرين فيؤخذ باعتباره رأياً اجتهادياً أولى بالقبول إذ لم يتبين لنا رجحان دليل المخالف .


______________________
1-((المسودة))ص331.

2-((أصول الفقه)) للشيخ المرحوم الخضري ص337.


-180-







يتبع تكملة الكتاب....












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-31, 06:37 PM   المشاركة رقم: 48
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

ثالثاً: والشرط في المجتهدين أن يكونوا مسلمين ، لأن الأدلة التي دلت على حجية الإجماع ، أفادت أن المجمعين يجب أن يكونوا من الأمة الأسلامية ، فضلاً عن أن موضوع الإجماع أمور شرعية تقوم على العقيدة أوتتصل بها أو تتفرع عنها .

رابعاً: واتفاق المجتهدين يجب أن يتحقق تماماً في لحظة اجتماعهم على حكم المسالة، فلا يشترط انقراض العصر ،أي لا يشترط موت المجتهدين الذين حصل بهم الإجماع ، مصرين على إجماعهم . وعلى هذا لا يضر رجوع البض منهم عن رأيه ، ولا ظهور مجتهد آخر لم يكن وقت الإجماع ويخالف ما أجمعوا عليه .
وقال بعض الأصوليين : يشترط انقراض العصر لتحقق الإجماع ، إذ ربما يرجع البعض عن رأيه .
والراجح : ما قاله الأولون ، لأن الأدلة على حجية الإجماع لا توجب انقراض العصر ،وإنما تشترط اتفاقهم فقط ، فمتى ما حصل الاتفاق من مجتهدي العصر على حكم الحادثة فقد وجد الإجماع ، قابلاً للنقض برجوع البعض عن رأيه ،أو بظهور مجتهد آخر له رأى آخر .

خامساً: ويشترط أن يكون اتفاق الجهدين على حكم شرعي: كالوجوب والحرمة والندب ، ونحو ذلك، أما الإجماعات على مسألة غير شرعية: كمسالة رياضية أو طبية أو لغوية ، فلا يكون واحد من هذه الأجاميع الإجماع الشرعى المقصود .

سادساً: والعبرة بالإجماع ما كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا ما يذكره كثيرمن
الأصوليين في تعاريفهم وهو ما اخترناه .


-181-


وقال البعض : ليس هذا بشرط، فيجوزأن يصل إجماع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم على حكم المسألة ، ويكون دليله الإجماع وموافقة النبي صلى الله عليه وسلم. ولكننا لا نرى هذا الرأي ، لأنه بوجود النبي صلى الله عليه وسلم لاتظهرحاجة للإجماع ، لأن العبرة بقول النبي صلى الله عليه وسلم وموافقته، فهومصدرالتشريع. فلوحصل إجماع في عصره، فإما أن يخالفه ، وإما أن يوافقه ، فإن خالفه فلا عبرة بإجماعهم ،وإن وافقه كانت العبرة بموافقته . وعلى هذا لا نرى وجهاً مستساغاً للقول بوقوع الإجماع في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا فلا نميل إليه.

171- حجة للإجماع :

الإجماع متى ما انعقد بشروطه كان دليلاً قاطعاً على حكم المسألة المجمع عليها ، وصار هذا الإجماع حجية قطعية ملزمة للمسلمين ، لا تجوز معها المخالفة أو
النقض (1). وقد استدل القائلون بالإجماع ، على حجية الإجماع ، وهم الجمهور الأعظم ، بأدلة كثيرة نكتفي بذكر البعض منها ، فمن هذه الأدلة ما يأتي:

أ- قوله تعالى : ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى? وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى? وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ? وَسَاءَتْ مَصِيرًا ))[النساء: 115] وجه الدلالة بهذه الآية الكريمة: أن الله تعالىتَوعَّد على مخالفة سبيل المؤمنين،فيكون سبيلهم هو الحق الوالجب الاتباع ، وغيره هو الباطل الواجب تركه ، وما يتفقون عليه يكون هو سبيلهم قطعاً ، فيكون هو الحق قطعاً فيكون هو الواجب الاتباع حتماً وليس معنى الإجماع إلا هذا ، وهو المطلوب .

ب- وردت في السنة آثاركثيرة تدل على عصمة الأمة الأسلامية عن الخطأ إذا اجتمعت على أمر من الأمور ،من ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (( لاتجتمع أمتي على خطأ)) ،(( لاتجتمع أمتي على ضلالة)) ،وهذه الأحاديث وإنه كانت آحادية، ، إلا أن معناها متواتر، فتفيد القطع بأن ما تجتمع عليه الأمة هو الحق والصواب.
وإجماع الأمة يتمثل بإجماع مجتهديها ، فهم أهل الرأي والمعرفة وغيرهم تبع لهم ،



___________________
1- ((المسودة))ص245.


-182-




فيكون إجماعهم حقاً وصواباً، وما كان حقاً وجب اتباعه وعدم مخالفته ، ولا معنى لحجية الإجماع إلا هذا(1).
ج- اتفاق المجتهدين لا بد له من دليل شرعى ، لأن الأجتهاد لا يكون عن هوى، بل وفق مناهج مرسومة وضوابط معينة وطرائق محددة تعصم من الهوى، كما ذكرنا في المقدمة ، وعلى هذا فإذا اتفق المجتهدون على رأي ، علمنا قطعاً أنهم وجدوا دليلاً شرعياً يدلّ قطعاً على الرأي الذي اتفقوا عليه ، إذ لو لم تكن دلالة هذا الدليل على مدلوله قطعية لا تيسر اتفاق حسب العادة لأن العقول والقرائح تختلف، فلا يتيسر اتفاقها إذا كان لدليل يحتمل وجوهاً كثيرة.

172- أنواع الإجماع :

أولاً: الإجماع الصريح :

ومعناه : أن المجتهدين يبدون آراءهم صراحة، ثم يجمعون على رأي ، كما لو عرضت المسألة على المجتهدين وهم مجتمعون في مكان واحد ، وأبدي كل واحد رأيه ثم اتفقوا على رأي واحد. أو أن المسألة عرضت عليهم واحداً واحداً وهم متفرقون ، واتفقت آراؤهم فيها عل رأي واحد . أو أن بعض المجتهدين يفتي في مسألة ، فتبلغ فتواه الآخرين ، فيصرحون بموافقتهم.أو يقضي مجتهد في مسألة بحكم معين.، ويبلغ هذا الحكم المجتهدين الآخرين ، فيوافقونه صراحة، قولاً أو إفتاءً أو قضاءً .




____________________________
1- ويلاحظ هنا : أن الجعفرية يرون ان حجية الإجماع إنما تثبت لكشفه عن دخول الامام المعصوم في المجتمعين كا صرح العلامة الحلي في كتابه ((تهذيب الاصول إلى علم الأصول))، ووضح هذا المعنى العلامة صاحب كتاب ((الأرائك)) بقوله: ان حجية الإجماع تقوم على أساس تحقق العلم بدخول شخص الامام المعصوم في المجتمعين او بتحقق العلم بموافقته على ما اجمعوا عليه او بتحقق العلم برأيه حدساً من اقوال المجت: (( الأرائك)) ص176-177 وانظر ايضا((كفاية الأصول))ص69 وما بعدهاو ((أصول الاستنباط)) للعلامة علي تقي الحيدري ص145 وما بعدها.الا ان الامام النائيني ذكر وجها اخر في تعليل حجية الاجماع: وهو كشفه عن وجود دليل معتبر عند المجتمعين.ورجح هذا الوجه بأنه ((أقرب المسالك،لأن مسلك الدخول- أي دخول الامام المعصوم في المجتمعين -مما لاسبيل اليه عادة في الغيبة- أي غيبة الإمام.....))الا ان صاحب ((الأرائك))قال عن هذا الوجه: انه لايكشف لنا عن قول المعصوم فلا يكون اجماعا في الحقيقة لعدم الحاجة فيه الى اتفاق الكل. انظر تقريرات النائيني في كتاب ((فوائد الأصول))ج1ص86-87، و((الأرائك))ص187.





-183-




وهذا النوع من الإجماع حجة قطعية ، لا تجوز مخالفتها ولا نقضها .

ثانياً : الإجماع السكوتي :

وهو أن يبدي المجتهد رأيه في مسألة ويعرف هذا الرأي ، ديشتهر، ويبلغ الآخرين ، فيسكتوا ولا ينكروه صراحة ، ولايوافقوا عليه صراحة ، مع عدم المانع من إبداء الرأي بأن تمضي مدة كافية للنظر في المسألة ، ولا يوجد ما يحمل المجتهد على السكوت من خوف من أحد أو هيبة له أو غير ذلك من الموانع التي سنذكرها بعد قليل . وقد اختلف العلماء في حكم هذا الإجماع ومدى اعتباره ، على ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنه ليس بإجماع ، وفضلاً عن ذلك لا يعتبر حجة ظنية . ومن قال بهذا القول : الشافعي والمالكية.

وحجة هذا القول : أنه لا ينسب لساكت قول ، إذ لا يجوز تقويله ما لم يقل كما أن السكوت لا يمكن حمله ألزاماً على الموافقة ، فقد يكون سببه عدم وصول المسألة إلى الآخرين ، أو عدم اجتهادهم فيها ، أو عدم مضي وقت كاف لتكوين الرأي ، أو أن الساكت يظن أن لا داعي للجهر برأيه ، لاعتقاده أن غيره كفاه مؤونة الرد ، أو لاعتقاده أن الحق عند الله هو ما يصل إليه كل مجتهد باجتهاده ، فلا لزوم للرد والإنكار ، أو أنه يخاف من سلطان جائر ، أو يستحي من البوح به مهابة لمجتهد آخر .
ومع هذه الاحتمالات وغيرها لا يمكن الجزم بأن السكوت للموافقة ، وحيث لا دليل على الموافقة ، فلا اتفاق ولا إجماع ، وحيث لا إجماع فلا حجة .

القول الثاني: أنه حجة قطعية لا تجوز مخالفتها ، إذ هو كالإجماع الصريح ، وأن كان أقل منه قوة . وممن قال بهذا القول : أكثر الحنفية ، وهو قول الحنابلة( 1).

وحجة هذا القول : أن السكوت يحمل على الموافقة
دون غيرها متى ما قامت القرينة على ذلك، وانتفت الموانع المانعة من اعتباره



_________________________
1-(( روضة الناظر وجنة المناظر ))للشيخ موفق الدين بن قدامة المقدسي ص381،((إرشاد الفحول))ص84-85.


-184-




أمارة على الموافقة. وتتحقق القرينة ,وتنتفي الموانع باشتهار الرأي، ووصوله إلى بقية المجتهدين، ومضي وقت كاف للنظر والتأمل في المسألة ، مع عدم وجود حائل يحول دون التصريح بالرأي الذي يصل اليه المجتهد ، بأن يظن أن غيره رد الرأي ، أو يعتقد أن لا داعى للرد ، أو يخشى أذي من ذي سلطان ، ونحوذلك من الأسباب المانعة التي تمنع من التصريح بالرأي. فإذا تحقق كل ما ذكرناه ، لم يبق وجه لعدم اعتبار السكوت علامة الموافقة. وتحقق الإجماع ، والإجماع حجة قطعية .

القول الثالث: أنه ليس بإجماع ، ولكنه حجة ظنية ، وممن قال بهذا القول : بعض الحنفية، وبعض الشافعية.
وحجة هذا الرأي : أن حقيقة الإجماع: الاتفاق من الجميع حقيقة لا حدساً وهذا لم يتحقق في الإجماع السكوتي ، لأن السكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة فلن يكون كالصربح في الدلالة على الموافقة ، فلا يعتبر لإجماعاً، ولكن لرجحان دلاليته
على الموافقة - إذا زالت الموانع من التصريح - اعتبر حجية ظنية .

173-القول الراجح:

الواقع أن المطلوب لتحقق الإجماع : هو تحقق الموافقة على الرأي من الجميع، وتحقق الموافقة كما يتم بطريق صريح يكون بطريق الدلالة ، فلا نرى حصرتحقق الموافقة بالتصريح فقط ، لأن السكوت يصلح أن يكون طريقاً للدلالة على الموافقة متى ما قامت القرينة على ذلك ،وانتفت الموانع. كما قال أصحاب القول الثاني ، إذ في هذه الحالة يكون السكوت بياناً، لأنه في موضع الحاجة ، ويحرم على المجتهد السكوت إذا كان الرأي الذي قيل باطلاً ، لا سيما وأن الظن بالمجتهدين أنهم لا يحجمون عن إبداء رأيهم إظهاراً للحق ، وإن لقوا من جراء ذلك العنت والضيق
، وهذا الظن يقوي فينا الاعتقاد أن سكوتهم محمول على الرضا والموافقة ، لا على الإنكار والمخالفة .


-185-



أما أذا لم تتمكن تماماً من معرفة دلالة السكوت على الرضا ، ولا من انتقاء موانع التصريح ،فإننا نرى في هذه الحالة اعتبار ما حصل -أي الإجماع السكوتي- حجة ظنية فقط ، وليس بإجماع بالمعنى المراد من الإجماع .

174- اختلاف المجتهدين في مسألة على قولين (1):

إذا اختلف المجتهدون في عصر من العصور في حكم مسألة على قولين ، فهل يجوز إحداث قول ثالث في المسألة ، ام لا يجوز؟ ذهب الأكثرون إلى المنع ، وقال البعض بالجواز، واختار فريق التفصيل وهناك البيان:
القول الأول: المنع من إحداث قول ثالث ؛ لأن حصر الاختلاف في قولين إجماع ضمني ، أو أجماع مركب - كما يسمونه - على أن لا قول آخر في المسألة ، فيكون القول برأي ثالث خرقاً لإجماع قد تم ، وهذا لا يجوز .

والواقع أن هذا الحجة ضعيفة، لأن الذي حصل هو عدم القول بالرأي الثالث، وعدم القول بالشيء لا يستلزم القول بعدم ذلك الشيء ، إذ بينهما فرق واضح ، قفلا ينهض ما قالوه حجة لما ذهبوا إليه .

القول الثاني : الجواز مطلقاً؛ والحجة لهذا القول : أنه ما دام قد حصل اختلاف في مسألة بين المجتهدين ، فهذا دليل قاطع على أن لا إجماع في المسألة ، لأن الإجماع : اتفاق الجميع لا بعضهم ، وحيث لم يحصل هذا الاتفاق فلا مانع من إحداث قول ثالث ورابع وأكثر، لأنه لا يخرق إجماعاً .

وهذه الحجة وإن كانت تبدو في ظاهرها قوية ، إلا أنها في حقهقتها ضعيفة، لأن الإجماع يمكن أن يتحقق بين المختلفين في بعض ما اختلفوا فيه ، وهذا القدر المتفق عليه هو محل إجماعهم ، فلا يجوز مخالفته. ولذهول أصحاب هذا القول عن هذا المعنى، وقعوا في خطأ التعميم بالجواز مطلقاً

القول الثالث: اختيار التفصيل؛ وخلاصته: إذا كان بين المختلفين قدر


___________________
1-((إرشاد الفحول))ص76-77.

-186-




مشترك متفق عليه فلا يجوز إحداث قول ثالث يخالف هذا القدر المجمع عليه ، لأنه يعد خرقاً لإجماع قائم ، وهذا لا يجوز. أما إذا كان القول الثالث لا يصادف شيئاً متفقاً عليه بين المختلفين ، فيجوز إحداث قول آخر في المسألة ، لأنه لا يلاقي إجماعاً في هذه الحالة . ولتوضيح هذا الرأي نضرب بعض الأمثلة :

أ- اختلف الصحابة في ميراث الجد مع الأخوة الاشقاء ، أو الأب ، على قولين الأول : أن الجد يحجب الأخوة، ويستأثر هو وحده بالميراث إن لم يكن معهم أحد غيرهم . الثاني : أن الجد يرث مع الأخوة ولا يحجبهم . فالقدر المشترك المتفق عليه بين أصحاب هذين القولين : هو ضرورة إرث الجد مع الأخوة، والخلاف في حجبه لهم أو عدم حجبه . فإحداث قول ثالث بعدم إرث الجد مع الأخوة، قول لا يجوز، لخرقه الإجماع السابق وهو ضرورة توريث الجد مع الأخوة وهذا هوالقدر المتفق عليه بين المختلفين.

ب - اختلف الصحابة أيضاً في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها ، فقال فريق منهم : أنها تعتد بوضع الحمل . وقال فريق آخر : تعتد بأبعد الأجلين : الأشهر أو وضع الحمل . فالقدر المتفق عليه بين أصحاب هذين القولين: هوعدم الاكتفاء بالأشهر فقط قبل وضع الحمل . فإحداث قول ثالث باحتساب العدة بالأشهر قبل وضع الحمل ، قول لا يصبح ، لخرقه القدر المتفق عليه ، وخرقه الإجماع لا يجوز.

ج- ومثال إحداث القول الثالث الذي لايصادف قدراً متفقاً عليه : مسألة انحصار الميراث في الأبوين وأحد الزوجين ، فقد اختلف فيها مجتهدو العصر الأول فقال بعضهم : إن نصيب الأم ثلث المال كله فرضاً، ثم يُعطى لأحد الزوجين نصيبُه وهو الربع للزوجة والنصف للزوج، ثم يُعطى الباقي للأب.

وذهب فريق آخر إلى أن للأم ثلث الباقي بعد فرض أحد الزوجين .
وما يبقى من تركة فللأب تعصيباً.
فما ذهب إليه محمد بن سيرين في عصر التابعين : من أن للأم ثلث المال كله إن

-187-




كانت الزوجة هي الموجودة مع الأبوين ، وأن للأم ثلث الباقي بعد فرض الزوج إن كان هو الموجود مع الأبوين ، هذا القول لا يصادف قدراً مشتركاً بين القولين ، فلا يعد خرقاً للإجماع ، فلا مانع من القول به..

د - اختلف فقهاء العصر الأول في مدى حق الزوج في فسخ النكاح إذا وجد في زوجته برصاً أو جنوناً أو عتهاً أو رتقاً أو قرناً،فذهب بعضهم إلى القول بالفسخ بجميع هذه العيوب ، وذهب الآخرون إلى عدم جواز الفسخ اكتفاء بما للزوج من حق الطلاق،فإذا قال بعض المجتهدين : يجوز الفسخ بكذا وكذا من العيوب ، ولا يجوز بغيرها ، لا يعد قوله خرقاً للإجماع ، لأن القولين لم يتفقا على قدر مشترك :
هو بعض هذه العيوب التي جاء القول الثالث بالفسخ بها .

175- الراجح من هذه الأقول:

والقول الثالث هو الراجح، لأنه ينظر إلى حقيقة الإجماع ، فإذا وجده في جزئيه ولوفي مسألة مختلف فيها ، لم يهز إحداث قول ثالث يصادمه ، أما إذا لم يجده فلا يرى مانعاً من إحداث قول جديد ، لأن الممنوع هو إحداث قول ثالث يخرق إجماعاً سابقاً، والإجماع السابق لا ينصب على عدد الآراء التي ذهب إليها المختلفون،كما قال أصحاب القول الأول ، حتى يقال لا يجوز إحداث قول آخر مطلقاً ، وإنما ينصب على أحكام المسائل، وقد يتصور حصول اتفاق في بعض جزئيات المسألة ، وإن كان الاختلاف فيها جملة حاصلاً كما مثلنا .ففي مسألة إرث الجد مع الأخوة ، كأن المختلفين قال بعضهم : يرث الجد إن كان معه أخوة، وقال البعض الآخر لا يرث
الأخوة إن كانوا مع الجد ، فالجزئية المتفق عليها في هذه المسألة : هي أن الجد يرث فلا يجوز إحداث قول ينقض هذه الجزئية المتفق عليها .

176-مستند الإجماع:

لا بد للإجماع من مستند شرعي ، لأن القول في الدين يغير علم وبغير دليل قول بالهوى ، وخطأ قطعاً، وهذا لا يجوز ولا يقع، لأن الامة معصومة من الخطأ بدلالة الأحاديث التي ذكرناها. وسند الإجماع قد يكون من الكتاب أو من السنة،

-188-




فالإجماع على حرمة نكاح الجدات وبنات الأولاد مها نزلت درجتهن ، سنده قوله
تعالى : ((
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ))[ النساء: 23]، إذ الإجماع منعقد على أن المراد بالأمهات في الآية الكريمة :الأصول من النساء، فتشمل الجدات وإن نزلن ، وأن المراد من البنات : الفروع من النساء ، فتشمل البنات الصلبيات وبنات الولد وإن نزلن .

ومن الإجماع المبني على السنة : إجماعهم على إعطاء الجدة السدس في الميراث، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أعطى الجدة السدس.

وقد اختلف الأصوليون في جواز انعقاد الإجماع عن اجتهاد أو قياس ، فجوزه الأكثرون ، ومنعه غيرهم : كداود الظاهري ، وابن جرير الطبري . وما ذهب إليه الأكثرون هو ما نميل إليه ، فقد انعقدت إجماعات في زمن الصحابة وكان مستندها اجتهاداً أو قياساً فقد أجمعوا على جمع القرآن ، وكان سندهم : المصلحة ، وهي ضرب من ضروب الاجتهاد ، ووافقوا عثمان بن عفان في إحداثه النداء الثالث لصلاة الجمعة ، وكان سندهم : مصلحة إعلام الناس بالصلاة ، لا سيما البعيدين
منهم عن المسجد ، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياساً على تحريم لحمه(1).

177- إمكان انعقاد الإجماع والخلاف فيه:

قال جمهور العلماء بإمكان إنعقاد الإجماع ، وبوقوعه فعلاً. وقال بعضهم : بعدم إمكان إنعقاده ، وبعدم وقوعه أصلاً، ومن هؤلاء: النظام من المعترلة.

احتح المانعون من إمكان انعقاده : بأن معرفة المجتهدين بأعيانهم متعذرة أو مستحيلة ، إذ لا ضابط لتمييز المجتهد من غير المجتهد ، وحتى إذا عرف شخص بالاجتهاد في بلده فقد ينازعه الآخرون من أهل بلده ، أو غيرهم ، في أهليته للاجتهاد، وحتى إذا عرفوا دون منازعة لهم في أهليتهم للاجتهاد ، فمن العسير جداً جمعهم ، وعرض المسألة عليهم ، لتفرقهم في البلاد والأمصار، وحتى إذا أريد عرض المسألة عليهم وهم في أماكنهم ، فمن الصعب جداً إِبْلاغها لكل واحد ومعرفة


_____________________
1-((الآمدي))ج1ص320.

-189-



رأيه على وجه موثوق ، والتيقن من بقائه على رأيه الى وقت أخذ جميع الآراء . ويضاف إلى ذلك كله: أن الإجماع لا بد له من سند، فإن كان قطعياً: فالناس يعرفونه ولا يغفلون عنه في العادة ، لأن من شأن القطعي أن يعرف ويشاع فلا حاجة للإجماع، وإن كان الدليل ظنياً: فيستحيل في العادة الاتفاق عليه ، لاختلاف المجتهدين في أفكارهم وقرائحهم في الاستنباط.
واحتج الجمهور: بأن ما قاله المانعون مجرد تشكيك بأمر ممكن الوقوع ، فلا يلتفت إليه. ودليل إمكان وقوعه : أنه وقع فعلاً، وقع في عصر الصحابة ونقلت لنا عنهم إجماعات كثيرة: كإجماعهم عل أن للجدة السدس في الميراث ، وإجماعهم على بطلان زواج المسلمة بغير المسلم ، وإجماعهم على صحة النكاح من غيرمهرمسمى ،وإجماعهم على عدم قسمة الأراضي المفتوحة على الفاتحين، وإجماعهم على أن الأخوة والأخوات لأب يقومون مقام الأشقاء عند عدمهم، وإجماعهم على أن
الابن الصلبي يحجب ابن الابن ، إلى غير ذلك من الإجماعات الكثيرة ؛ فانعقاد الإجماع فيما مضى دليل قاطع على إمكان وقوعه ، فكيف يُقال: إنه لم يقع ولن يقع؟

178- وجوب التفصيل في هذا الخلاف:

والذي نراه في هذا الخلاف ، وجوب التفصيل، فلا نأخذ قول الجمهور يبإطلاق، ولا نرفض قول المانعين بإطلاق، والتفصيل الذى نراه يستلزم مناقشة ما قاله المانعون، فنقول:

أولاً : ما احتج به المانعون من أن مستند الإجماع إن كان قطعياً فهو لا يغيب عن الناس،فلاحاجة إذن إلى الإجماع ، وإن كان السند ظنياً أحالت العادة اتفاقهم ، فلا ينعقد الإجماع ، هذا القول بشقيه لا ينهض حجة لما قالوا ، فالإجماع بمقتضى دليل قطعي يزيده قوة،ويغني عن البحث عن دليله . وإن كان مستند الإجماع ظنياً كخبر آحاد ، فالعادة لا تحيل إمكان الإجماع عليه إذا كان واضح الدلالة بيَّن الممعنى ، وفي هذه الحالة يرتفع الدليل الظني بالإجماع


-190-





يتبع بإذن الله.....












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-08-31, 11:01 PM   المشاركة رقم: 49
المعلومات
الكاتب:
الفهداوي
اللقب:
رئيس الملتقيات الاسلامية
طلبات الافتاء
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Mar 2014
العضوية: 1262
المشاركات: 3,607 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 89
نقاط التقييم: 1986
الفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant futureالفهداوي has a brilliant future

الإتصالات
الحالة:
الفهداوي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

ماشاء الله تبارك الله
سبحان الله .. كم فاتني من الأجر العظيم في المشاركة
بهذا الجهد الجبار والمهم ، والذي لا يستغني عنه طالب علم ، فكتاب أصول الفقه للدكتور عبد
الكريم زيدان من الكتب المفيدة والمهمة التي صنفت في علوم الآله ( ومنها هذا الفن ، اصول الفقه ) فقد
تضمن الكتاب سهولة العبارة ووضوح الفكرة وترتيب التبويب حتى صار بالامكان لكل طالب علم فهمه دون الرجوع الى العلوم المساعدة أو العلوم الابتدائية في هذا العلم ، فرحم الله الشيخ عبد الكريم وأجزل له المثوبة
وحفظ الله الاخ الغالي استاذ ياس بما قدم من جهد يشكر عليه فهي بحق محاولة تستحق الاشادة والثناء ..
اسال الله تعالى ان يجعل هذا العمل في صحائف أعماله يوم يلقاه أنه سميع مجيب ..
والشكر موصول ايضا لكل من ساهم ولو بالتشجيع على اخراج هذا العمل باتم صورة ..












توقيع : الفهداوي

رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

عرض البوم صور الفهداوي   رد مع اقتباس
قديم 2016-09-01, 01:24 AM   المشاركة رقم: 50
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

اقتباس
مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة الفهداوي
ماشاء الله تبارك الله
سبحان الله .. كم فاتني من الأجر العظيم في المشاركة
بهذا الجهد الجبار والمهم ، والذي لا يستغني عنه طالب علم ، فكتاب أصول الفقه للدكتور عبد
الكريم زيدان من الكتب المفيدة والمهمة التي صنفت في علوم الآله ( ومنها هذا الفن ، اصول الفقه ) فقد
تضمن الكتاب سهولة العبارة ووضوح الفكرة وترتيب التبويب حتى صار بالامكان لكل طالب علم فهمه دون الرجوع الى العلوم المساعدة أو العلوم الابتدائية في هذا العلم ، فرحم الله الشيخ عبد الكريم وأجزل له المثوبة
وحفظ الله الاخ الغالي استاذ ياس بما قدم من جهد يشكر عليه فهي بحق محاولة تستحق الاشادة والثناء ..
اسال الله تعالى ان يجعل هذا العمل في صحائف أعماله يوم يلقاه أنه سميع مجيب ..
والشكر موصول ايضا لكل من ساهم ولو بالتشجيع على اخراج هذا العمل باتم صورة ..

بارك الله فيكم شيخنا الحبيب
اطلالتكم على الموضوع وتشجيعكم يكفي ان يكون محل ثقتي وتقديري
أسعدني مرورك وتعليقك..لا ..بل عودة قلمك المتميز ليخط لنا اجمل المواضيع وانفعها
والله اسال ان يكتب لك الأجر والمثوبة، وسائر الاخوة في المنتدى..
كما لا ننسى جهد أختنا الكريمة ياسمين الجزائر(ياسمين العراق)،والتي شاركتنا في كتابة
هذا الكتاب القيم...ادعوا الله ان يحفظها ويكتب اجرها












توقيع : ياس


التعديل الأخير تم بواسطة ياس ; 2016-09-02 الساعة 12:11 AM
عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة word


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
تحذير : كتاب الفقه الأكبر لا تصح نسبته الى الامام السني ابي حنيفة رحمه الله
قصيدة - نطقتْ دموعي - للشاعر - فاضل الكبيسي - في رثاء العلّامة - عبد الكريم زيدان -
منتديات أهل السّنة تنعى - عبد الكريم زيدان - أحد كبار مراجع أهل السنة والجماعة
صلاة الجنازة على العلامة - عبد الكريم زيدان - ومراسيم التشييع في الأعظمية 2014/1/29
الامة الاسلامية تنعى فقيدها العلّامة العراقي - عبد الكريم زيدان -


الساعة الآن 04:06 AM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML