آخر 10 مشاركات
أربعون فائدة لمن يُصلي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم           »          دفع الرشوة من أجل الحصول على الوظيفة - الشيخ صالح بن فوزان الفوزان           »          مـــلامـــــح الخـيـانـــــة           »          مركز أخبار الثورة السورية متجدد 2           »          تم الدعس الجزء الثاني           »          أخبار مصر متجدّد           »          شبيحة مطلوبين للجيش الحر           »          مطوية (أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ)           »          دعاء لمن عانى من الدَين والفقر .. تصميم           »          الاهتمام بالبدعة .. يسبب إهمال السنة


منتديات أهل السنة في العراق
العودة  

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2016-10-11, 11:14 PM   المشاركة رقم: 81
المعلومات
الكاتب:
ياسمين الجزائر
اللقب:
:: رئيسة الملتقيات الادبية & الاسرة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2013
العضوية: 974
المشاركات: 2,932 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 76
نقاط التقييم: 1088
ياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud of

الإتصالات
الحالة:
ياسمين الجزائر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

الخاص، وهذا هو حكم الخاص.
ومن أمثلة المطلق ، قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:3 ]فكلمة ((رقبة)) وردت في النص مطلقة من كل قيد، فتحمل على إطلاقها ، فيكون الواجب تحريرأي رقبة إذا أراد المظاهر العود إلى زوجته.
ومثله أيضاً ، قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة:234 ]فكلمة ((أزواجاً)) وردت مطلقة ، فلا يجوز تقييدها بالدخول ، فيشمل النص الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن، وتكون عدة الوفاة في حقهن أربعة أشهر وعشرة أيام.
ومثال المطلق الذي قام الدليل عل تقيده، قوله تعالى : ﴿ مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11 ]، فكلمة ((وصية)) وردت في النص مطلقة. ومقتضي ذلك جواز الوصية بأي مقدار كان ، ولكن قام الدليل عل تقييدها بالثلث .
ودليل التقيد هو الحديث المشهور عن سعد بن أبي وقاص ، حيث منعه الرسول عليه السلام من الوصية بأكثر من الثلث ، والسنة المشهورة تقيد مطلق الكتاب عند الفقهاء ، الحنفية وغيرهم . أما سنة الآحاد فتقيد مطلق الكتاب عند الجمهور ولا تقيده عند الحنفية .
265- حكم المقيد:
‎ ‏ لزوم العمل بموجب القيد فلا يصح إلغاؤه ، إلا إذا قام الدليل على ذلك . و مثال ذلك قوله تعالى: - في سياق تعداد المحرمات- : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ ﴾ [النساء:23 ]، و على هذا فالبنت تحرم على من تزوج أمها و دخل بها، لأن حرمة البنت مقيدة بنكاح أمها و الدخول بها لا بمجرد العقد عليها. و أما كلمة ((في حجوركم))، فهي ليست بقيد احترازي، و إنما هي قيد أكثري لا تأثير له في الحكم، بدليل قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ



-285-


فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ [النساء:23 ]، ولوكان من قيد الحرمة كون البنت في حجر الزوج ورعايته وتربيته لذكر عند بيان الحل ، ورفع الحرمة عند عدم تحقق القيد وهو الدخول بالأم . ومن أمثلته أيضاً: قوله تعالى في كفارة الظهار : ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:4 ]،فصيام شهرين مقيد بالتتابع . ومنه أيضاً: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92 ]،فلا تجزىء إلا رقبة بوصف أنها مؤمنة.

266- حمل المطلق على المقيد(1):
قد يرد اللفظ مطلقاً في نص ، ويرد نفس اللفظ مقيداً في نص آخر ، فهل يحمل المطلق على المقيد ، بمعنى : أن المطلق يراد به المقيد ، أو يعمل بالمطلق على إطلاقه فيما ورد فيه ، ويعمل بالمقيد على تقييده فيما ورد فيه؟ للجواب ، لابد من بيان الحالات التي يرد فيها اللفظ مطلقاً في نص ، ومقيداً في نص آخر وحكم كل حالة .وهذه الحالات هي :
أولاً: إذا كان حكم المطلق والمقيد واحداً، وكذا سبب الحكم ، ففي هذه الحالة يحمل المطلق على المقيد ،مثاله : قوله تعالى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ ﴾ وقوله تعالى : ﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا ﴾ [الأنعام:145 ]فلفظ ((الدم)) ورد في الآية الأولى مطلقاً ، وورد في الثانية مقيداً بكونه مسفوحاً ، والحكم في الآيتين واحد هو حرمة تناول الدم ، و سبب الحكم واحد وهو الضرر الناشئ ‎عن ‏ تناول الدم . فيحمل المطلق على المقيد ، ويكون المراد من الدم المحرم تناوله هو الدم المسفح، دون غيره: كالكبد، و الطحال، و الدم الباقي في اللحم و العروق، فكل ذلك حلال غير محرم.
____________________________
(1) ((الآمدي)) ج 3 ص 3 و ما بعدها، ((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 316 و ما بعدها. ((المسودة)) ص 145-147 ، ((إرشاد الفحول)) ص 145-146 ، و ((لطائف الإشارات)) ص 32-33.


-286-


ثانياً: أن يختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب. مثل: قوله تعالى : ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ [المائدة:38 ] وقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة:6 ]

فكلمة ((الأيدي)) في الآية الأولى وردت مطلقة ، وفي الثانية مقيدة ((إلى المرافق)) والحكم مختلف : ففي الآية الأولى : قطع يد السارق والسارقة، وفي الثانية : وجوب غسل الأيدي . وسبب الحكم في الآية الأولى : السرقة ، وفي الثانية : إرادة الصلاة . ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل بالمطلق في موضعه و بالمقيد في موضعه، إذ لا صلة ولا ارتباط أصلاً بين موضعي النصين، وكان مقتضى الإطلاق في آية السرقة أن تقطع يد السارق كلها عملا بالإطلاق، ولكن السنة قيدت هذا الإطلاق، إذ وردت بأن النبي ﷺ قطع يد السارق من الرسغ، وهذه السنة مشهورة عند الحنفية فيصح بها تقييد مطلق الكتاب .
ثالثاً: أن يختلف الحكم ويتحد السبب. وفي هذه الحالة يبقى المطلق على إطلاقه ويعمل به في موضعه الذي ورد فيه. مثاله قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة:6 ]
وقوله تعالى ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [المائدة:6 ]فالحكم : في النص الأول : وجوب غسل الأيدي التي وردت مقيدة ، والحكم في النص الثاني: مسح الأيدي التي‎ ‏ وردت مطلقة ، والسبب للحكمين متحد و هو إرادة الصلاة. ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد، بل يعمل كل منهما في موضعه بموجب إطلاقه أو تقييده.
رابعاً: أن يكون حكم المطلق و المقيد واحداً، و لكن سبب الحكم فيهما مختلف، ففي هذه الحالة يعمل بالمطلق على إطلاقه فيما ورد فيه، و بالمقيد على تقييده فيما ورد فيه، فلا يحمل المطلق على المقيد، و هذا عند الحنفية و الجعفرية، و عند

-287-



غيرهم كالشافعية : يحمل المطلق على المقيد ، ومثاله : قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ﴾ [المجادلة:3 ]وفي كفارة القتل الخطأ : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ [النساء:92 ] فلفظ ((رقبة)) جاء في النص الأول مطلقاً ، وفي الثاني مقيداً.

وحجة أصحاب القول الثاني : هي أن الحكم ما دام متحداً مع ورود اللفظ مطلقاً في نص ، و مقيداً في نص آخر ، فينبغي حمل المطلق على المقيد لتساويهما في الحكم ، دفعا للتعارض ، و تحقيقاً للانسجام بين النصوص .
وحجة الحنفية : أن اختلاف السبب قد يكون هو الداعي إلى الاطلاق والتقييد ، فيكون الإطلاق مقصوداً في موضعه ، والتقييد مقصوداً في موضعه ، ففي كفارة القتل الخطأ قيدت الرقبة بكونها مؤمنة تغليظاً على القاتل . وفي الظهار جعلت الكفارة رقبة مطلقة تخفيفاً عن المُظاهرِ، حرصاً على بقاء النكاح . و أيضاً، فإن حمل المطلق على المقيد إنما يكون لدفع التعارض بينهما عند عدم إمكان العمل بموجب كل منهما، ومع اختلاف السبب لا يتحقق التعارض ولا يتعذر العمل بكل منهما في موضعه الذي ورد فيه . والراجح هو قول الحنفية والجعفرية .
267- أمثلة المطلق والمقيد في القوانين الوضعية :
أولاً: نصت الفقرة الثانية من المادة 59 من قانون الأحوال الشخصية العراقي على ما يأتي: ((تستمر نفقة الأولاد إلى أن تتزوج الأنثى ، ويصل الغلام إلى الحد الذي يكتسب فيه أمثاله ما لم يكن طالب علم .
فلفظ "علم" مطلق ، وبالتالي لا يحوز عند تطبيق هذه المادة اشتراط أي صفة للعلم، ‎ ‏ لأن هذه الكلمة وردت مطلقة، و المطلق يجرى على إطلاقه، و بالتالي فنفقة الولد تستمر و إن بلغ الحد الذي يكسب فيه أمثاله مادام طالب علم، سواء كان هذا العلم يتعلق بالطب أو باللغة أو بفقه الشريعة.

-288-












توقيع : ياسمين الجزائر



عرض البوم صور ياسمين الجزائر   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-11, 11:17 PM   المشاركة رقم: 82
المعلومات
الكاتب:
ياسمين الجزائر
اللقب:
:: رئيسة الملتقيات الادبية & الاسرة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2013
العضوية: 974
المشاركات: 2,932 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 76
نقاط التقييم: 1088
ياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud of

الإتصالات
الحالة:
ياسمين الجزائر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

ثانياً: نص قانون الخدمة المدنية العراقي رقم 24 لسنة 1960 في الفقرة الرابعة من المادة التاسعة عشرة على ما يأتي :
((كل موظف مثبت اشترك في دورة تدريبية لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة، وأكملها بنجاح، يعطى قدماً لمدة ستة أشهر لغرض الترفيع ، وإذا كان قد حصل على شهادة اختصاص جامعية فيعطى قدماً لمدة سنة لغرض الترفيع)).
في هذا النص ما يأتي :
أ‌- وردت كلمة "دورة" في المادة مقيدة بجملة قيود هي : أن تكون تدريبية ، وأن لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة ، وأن يكملها الموظف بنجاح . وعلى هذا لا يجوز إضافة أي قيد آخر على قيود الدورة ، كأن يشترط لها أن تكون داخل أو خارج العراق، صباحية أو مسائية، لأن المقيد فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقاً.
ب‌- وردت عبارة "ستة أشهر متصلة" فالستة الأشهر، إذن، مقيدة بقيد التتالي، فإن كانت الدورة مدتها ستة أشهر، ولكنها غير متتالية، فإن الموظف لا يستفيد من هذه المادة حتى ولو نجح في الدورة ، لأن قيد التتالي في مدتها لم يتوفر.
ج- وردت عبارة "شهادة اختصاص جامعية" فالقيد في الشهادة التي يحصل عليها الموظف لينال قدماً مدته سنة لغرض الترفيع ، هذا الشرط هو أن تكون شهادة اختصاص جامعية .. وعلى هذا لا يجوز إضافة قيد آخر لهذه الشهادة ما دامت هي شهادة اختصاص جامعية ، كأن يشترط فيها أن تكون ذات علاقة بوظيفته ، أو إنها من جامعة في العراق أوفي خارجه ، فكل هذه القيود لم يرد بها القانون وبالتالي لا يجوز إضافتها أو اشتراطها، لأن المقيد كما قلت، فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقاً. و قد

-289-


ذهب البعض الى أن شهادة الاختصاص الجامعية هذه يحب أن تكون ذات علاقة بوظيفة الموظف . وهذا غير صحيح لما قلناه من أن المطلق يجرى على إطلاقه ، إلا إذا نص على تقييده وأن المقيد فيما عدا ما قيد به يبقى مطلقاً. ونضيف إلى ذلك أن المشرع لو أراد هذا القيد وهو أن تكون هذه الشهادة ذات علاقة بوظيفة الموظف لنص عليه صراحة ، كما فعل في الفقرة الثانية من المادة 11 من هذا القانون .

ثالثاً: نص القانون المدني العراقي على ما يأتي :
المادة 213 - فقرة – 2 : فمن سبب ضرراً للغير وقاية لنفسه أو لغيره ، من ضرر محدق يزيد كثيراً على الضرر الذي سببه لا يكون ملزماً إلا بالضرر
الذي تراه المحكمة مناسباً.
فكلمة "ضرر" جاءت مطلقة فتصدق على أي ضرر مهما كان نوعه وصفته ومتعلقة ، أي سواء كان قليلًا بذاته أو كثيراً ، متعلقاً بجسم الإنسان أو ماله ، لأن كلمة ضرر مطلقة كما قلنا.
ونصت أيضاً الفقرة الثانية من المادة 214 من القانون المدني العراقي (( فإذا هدم أحد داراً بلا إذن صاحبها ، لمنع وقوع الحريق في المحلة وانقطع هناك الحريق ، فإن كان الهادم هدمها بأمر أولي الأمر لم يلزمه الضمان ، وإن كان هدمها من تلقاء نفسه ألزم بتعويض مناسب)) كلمة دار وردت مطلقة فتصدق على أي نوع من أنواع الدور. كذلك وردت كلمة "حريق" مطلقة، فتصدق على أي حريق مهما كانت جسامته أو سببه. أما كلمة " بتعويض مناسب " فهي مقيدة فلا يكفي أي تعويض يحكم به الحاكم، بل لا بد أن يكون هذا التعويض مناسباً للضرر الذي أصاب صاحب الدار المهدومة.
رابعاً: ونص القانون المدني العراقي أيضاً على ما يأتي :
المادة 1184- الفقرة الأولى : إذا حاز أحد أرضاً أميرية باعتباره متصرفاً


-290-












توقيع : ياسمين الجزائر



عرض البوم صور ياسمين الجزائر   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-11, 11:32 PM   المشاركة رقم: 83
المعلومات
الكاتب:
ياسمين الجزائر
اللقب:
:: رئيسة الملتقيات الادبية & الاسرة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2013
العضوية: 974
المشاركات: 2,932 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 76
نقاط التقييم: 1088
ياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud of

الإتصالات
الحالة:
ياسمين الجزائر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

فيها ، وزرعها عشر سنوات متوالية من غير منازع ، وبث له حق القرار عليها المادة 1233- الفقرة الأولى : يفقد المتصرف في الأرض الأميرية حق تصرفه فيها إذا لم يزرعها ، لا بالذات ولا بطريق الإجارة أو الإعارة ، وتركها دون زراعة ثلاث سنوات متواليات من غير أن يكون له في ذلك عذر صحيح.
فعبارة ((عشر سنوات متوالية )) و ((ثلاث سنوات متواليات )) من المقيد ، والقيد هو التوالي ، فيثبت الحكم المذكور في المادتين بعد مضي هاتين المدتين يقيد التوالي ويتحقق قيام المتصرف بما ذكرته المادتان .
خامساً: نص قانون العقوبات العراقي في المادة 75:
(( إذا اتهم حدثٌ بارتكاب أكثر من جريمة ، جازت محاكمته عن جميع تلك الجرائم في دعوى واحدة)) .
فكلمة "حدث " وردت مطلقة ، فتصدق على أي حدث مهما كانت صفته، وبالتالي تطبق عليه هذه المادة إذا توافرت شروطها .
ونصت المادة 47 من قانون العقوبات العراقي : يعد شريكاً في الجريمة : 1- ...، 2- ...، 3- من أعطى الفاعل سلاحاً أو آلات أو أي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها أو ساعده .. الخ.
فكلمة "سلاحاً" و " آلات " لا مطلقة تصدق على أي شيء يسمى سلاحاً أو آلة دون تقيد بأي قيد ما دام هذا السلاح أو الآلة قد استعمل في ارتكاب الجريمة، وبالتالي يعتبر معطيها للفاعل شريكاً له في الجريمة .


-291-



الفرع الثاني
الأمر

268- الأمر من أقسام الخاص، و هو اللفظ الموضوع لطلب الفعل على سبيل الاستعلاء(1). ويتحقق طلب الفعل بصيغة الأمر المعروفة "افعل " ، أو بصبغة المضارع المقترن بلام الأمر، أو بالجمل الخبرية التي يقصد بها الأمر والطلب لا الإخبار، و بأساليب و تعابير أخرى .
فمن الأول : قوله تعالى : ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:78 ] ،و قوله: ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ [المائدة:92 ]، ومن الثاني : قوله ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:185 ]، وقوله عليه السلام ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)). .
ومن الثالث : قوله تعالى : ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:233 ]، فالمقصود بهذه الصيغة أمر الوالدات بإرضاع أولادهن ، لا الإخبار بوقوع الإرضاع من الوالدات.
269- موجب الأمر(2):
صفة الأمر ترد لمعان كثيرة منها الوجوب والندب والإباحة والتهديد والإرشاد والتأديب والتعجيز والدعاء وغير ذلك من المعاني(3).
_________________________
(1) ((التوضيح)) ج 1 ص 140. ((مرقاة الوصول و حاشية الإزميري)) ج 1 ص 155-156 و الآمدي ج 2 ص 204. و يلاحظ هنا أمران (الأول) أن القيد الوارد بالتعريف و هو (على سبيل الإستعلاء) للدلالة على أن علو الامر في الواقع ليس بشرط بل شرطه عد الأمر نفسه عالياً سواء كان عاليا في الواقع أو لا (و الثاني) أن الأمر حقيقة في القول المخصوص باتفاق العلماء و الجمهور على ان الامر مجاز في الفعل كقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود:97 ]أي فعله، من باب اطلاق السبب على المسبب . انظر ((إرشاد الفحول)) ص 91 و ((المنار و شرحه)) ص 108-109. و الآمدي ج 2 ص 188 و ما بعدها.
(2) أنظر الآمدي ج 2 ص 207 و ما بعدها.
(3) الوجوب: مثل قوله تعالى: ﴿ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور:56 ]


-292-



ولورود صيغة الأمر في هذه المعاني الكثيرة، حصل الاختلاف فيما أريد بالأمر
من معنى على وجه الحقيقة ، وبتعبير آخر اختلف العلماء في المعنى الذي وضعت له صيغة الأمر عند تجردها من القرائن الدالة عل المعنى المراد . والاتفاق حاصل على أن صيغة الأمر ليست حقيقة في جميع هذه المعاني ، فهي مجاز في غير الوجوب والندب والإباحة . فالإختلاف إذن في هذه المعاني الثلاثة بمعنى : هل الأمر وضع في الأصل للدلالة على هذه المعاني الثلاثة ، أو على بعضها ، أو على واحد منها بعينه؟
قال بعض العلماء : إن الأمر مشترك بين هذه المعاني الثلاثة بالاشتراك اللفظي، فلا يتبين المعنى المراد إلا بمرجح ، كما هو الشأن في اللفظ المشترك .
وقال آخرون : الأمر مشترك بين الإيجاب والندب فقط اشتراكاً لفظياً ، ولابد من مرجح لتعيين واحد منهما.
وقال آخرون : و منهم الغزالي : لا ندري أهو حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معاً بالاشتراك ، فلا حكم للأمر عند هؤلاء أصلاً بدون القرينة إلا التوقف حتى يتجلى المطلوب بالأمر، لأنه من قبيل المجمل لازدحام المعاني فيه .أما عامة العلماء ، فقالوا : إن الأمر حقيقة في واحد من هذه المعاني عيناً من غير اشتراك ولا إجمال ، بمعنى : أن الأمر وضع في الأصل للدلالة على معنى واحد من هذه

_______________________
الندب : مثل قوله تعالى : ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:33 ]
الإباحة : مثل قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2 ]
التهديد : مثل قوله تعالى : ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت:40 ]
الارشاد : مثل قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:282 ]
التأديب : مثل قوله عليه السلام لعبد الله بن عباس و كان صغيراً ((كل مما يليك))
التعجيز : مثل قوله تعالى : ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ [البقرة:23 ]
الدعاء : مثل قوله تعالى : ﴿ رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾ [نوح:28 ]
الامتنان : مثل قوله تعالى : ﴿ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الانعام:142 ]
الاكرام : مثل قوله تعالى : ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ [الحجر:46، ق:34 ]
الاهانة : مثل قوله تعالى : ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:49 ]



-293-


المعاني الثلاثة ، فدلالته على هذا المعنى دلالة حقيقية مستمدة من أصل الوضع ، وفيما عدا هذا المعنى الواحد مجاز.

واختلف هؤلاء في هذا المعنى الواحد المراد . فقال بعض أصحاب مالك : إنه الإباحة ، لأنه لطلب وجود الفعل وأدناه المتيقنة إباحته . وقال جمع - وهو أحد قولي الشافعي - إنه الندب ، لأن الامر وضع لطلب الفعل ، فلابد من رجحان جانبه على جانب الترك وأدناه الندب ، لاستواء الطرفين في الإباحة فلا يصار إليها .
وقال الجمهور : إنه الوجوب ، أي إن الأمر المطلق وضع للدلالة على الوجوب ، فهو حقيقة فيه مجاز في غيره، فلا يصار إلى غير الوجوب إلا بقرينة ، فإن كانت القرينة تدل عل الندب ، كان موجب الأمر و مقتضاه الندب. وان كانت القرينة دالة على الإباحة ، كان موجب الأمر الإباحة ، وهكذا . وهذا القول هو الصحيح ، على أساسه يجب أن تفهم النصوص وتستنبط الأحكام ، والأدلة على صحة هذا القول كثيرة ، نذكر منها ما يأتي(1):
1- جاء في القرآن الكريم : ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63 ]، ووجه الدلالة بهذه الآية : أنها مسوقة للتحذير عن مخالفة الأمر بأن تصيب المخالف فتنة أو عذاب أليم ، ولا يكون في مخالفة الأمر خوف الفتنة أو العذاب ، إلا إذا كان المأمور به واجباً إذ لا محذور في ترك غير الواجب .
2- ومن السنة قوله عليه السلام: (( لولا أن أشق على امتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) وهو دليل الوجوب ، لأنه لوكان الأمر للندب لكان السواك مندوباً ، ولما كان في الأمر به مشقة .
____________________________
(1) ((المسودة في أصول الفقه)) لابن تيمية ص 5 ، ((الإحكام)) لابن حزم ج 3 ص 263 ،((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 373-374، ((إرشاد الفحول)) ص 95 ، ((التلويح)) ص 153-154. ((كشف الأسرار)) ج 1 ص 106 و ما بعدها. ((حاشية)) الإزميري، و الآمدي ج 2 ص 207-212 و ما بعدها. ((شرح المنار)) ص 123 و ما بعدها. و يلاحظ هنا: أن اختلاف العلماء فيما وضع له الأمر حقيقة أدى إلى اختلاف واسع في فهم النصوص، و لو جعلنا القاعدة هي دلالة الامر على الوجوب وضعا لكان الاختلاف يضيق إلى حد كبير و لكن لا يزول، لأن الاخذ بهذه القاعدة لا يعني اهدار القرائن الصارفة عن الوجوب، و حيث أن الأفهام و الأنظار تختلف في الوقوف على القرينة الصارفة عن الوجوب و في اعتبارها و الاعتداد بها و في المعنى الذي تدل عليه فان الاختلاف في تفسير النصوص و استنباط الأحكام يبقى و لكن على نطاق

-294-












توقيع : ياسمين الجزائر



عرض البوم صور ياسمين الجزائر   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-11, 11:40 PM   المشاركة رقم: 84
المعلومات
الكاتب:
ياسمين الجزائر
اللقب:
:: رئيسة الملتقيات الادبية & الاسرة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2013
العضوية: 974
المشاركات: 2,932 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 76
نقاط التقييم: 1088
ياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud of

الإتصالات
الحالة:
ياسمين الجزائر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

3- استدلال السلف من الصحابة والتابعين بصيغة الأمر على الوجوب إلا لقرينة في وقائع لا تحصى ، سواء كان الأمر مصدره النص القرآني أو النص النبوي ، و قد شاع فيهم هذا الاستدلال بدون نكير، فدلّ ذلك على إجماعهم على أن الأمر المطلق يفيد الوجوب وطلب المأمور به على وجه الحتم والإلزام لا الندب .
4- إن الوجوب هو المتبادر إلى الذهن من الأوامر المجردة عن القرائن الصارفة عنه إلى غيره.
5- اتفاق أهل اللغة على أن من أراد طلب الفعل مع المنع من تركه فإنه يطلب بصيغة الأمر. فدل ذلك على أن الأمر وضع لطلب الفعل جزماً وهو الوجوب .
يوضحه أن الأمر من تصاريف الأفعال ، وكلها وضعت لمعان مخصوصة كسائر الكلمات من الأسماء والحروف: كرجل و زيد ، لأن الغرض من وضع الكلام إفهام المراد للسامع ، فإذا كان المقصود إيجاد الفعل من المخاطب عل وجه الحتم و الإلزام ، لم يكن ذلك إلا بصيغة الأمر، فدل على أن الأمر وضع في الأصل للدلالة على هذا المعنى ، وإفادته للسامع .
6- وصف أهل اللغة من خالف الأمر بالعصيان ، والعصيان اسم ذم ، ولا يتأتى في غير الوجوب .
270- الأمر بعد النهي:
اختلف القائلون بأن الأمر للوجوب ، في حكم الأمر بالشيء بعد النهي عنه و تحريمه ، فذهب الحنابلة وهو قول مالك وأصحابه وظاهر قول الشافعي : إلى أنه يدل على الإباحة ولا شيء أكثر من الإباحة مستدلين بأنه ورد هكذا في نصوص كثيرة، مثله قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:2 ]فقد ورد هذا الأمر(( فَاصْطَادُوا)) بعد تحريم الاصطياد بقوله تعالى : ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة:1 ]و الاتفاق على أن الأمر بالاصطياد يدل على الإباحة فقط ، ولا يدل على الوجوب. ومثل قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة:10 ]هذا النص ورد بعد تحريم البيع عند النداء لصلاة

-295-


الجمعة ، و الابتغاء من فضل الله ، يعني: الكسب والبيع وسائر التجارات ، وهو
مباح هنا باتفاق العلماء ولو أنه ورد بعد التحريم .
وذهب آخرون ومنهم عامة الحنفية : على أن الأمر بعد الحظر والتحريم يفيد الوجوب ، كما لو ورد الأمر بشيء دون سبق تحريمه . واستدل أصحاب هذا القول بأن الأدلة الدالة على الرجوب لا تفرق بين أمر ورد بعد التحريم ، وبين أمر غير مسبوق بالتحريم .
أما ما استدل به أصحاب القول الأول فغير وارد ، لأن الابتغاء من فضل الله، والاصطياد ونحوهما مما شرع لمصلحتنا ، فكان ذلك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الإباحة ، لأنه لوكان ذلك واجباً لكان علينا لا لنا و لأَثِمْنَا بتركه ، فيعود على موضوعه بالنقض وهذا لا يجوز . فالأمر المجرد عن القرائن يدل عل الوجوب ، سواء سبقه نهي أو لم يسبقه ، فإذا اقترنت به قرينة انصرف إلى المعنى الذي تدل عليه القرينة ، ولا خلاف في هذا .
و ذهب بعض الحنابلة و هو اختيار الكمال بن الهمام من الحنفية : أن الأمر بعد الحظر يرفع الحظر ، ويعيد حال الفعل المأمور به إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإن كان مباحاً كان مباحاً ، وإن كان واجباً أو مستحباً كان كذلك(1).
ويبدو لي أن القول الأخير أدنى للقبول ، ويدل عليه استقراء النصوص التي وردت فيها الأوامر بعد النواهي ، فالاصطياد كان مباحاً قبل التحريم ، فلما جاء الأمر به بعد زوال سبب التحريم عاد إلى الإباحة . والكسب بأسبابه كان مباحاً قبل النهي عنه عند سماع نداء الصلاة للجمعة ، فلما جاء الأمر به بعد زوال المانع عاد إلى الإباحة . والقتال في غير أشهر الحرم كان واجباً على المسلمين، فلما جاء النهي عنه في أشهر الحرم صار حراماً، ثم لما جاء الأمر بالقتال بعد انتهاء الأشهر الحرم عاد حكم القتال إلى الوجوب كما كان قبل التحريم.
______________________________
(1) ((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 380. الآمدي ج3 ص 260-262. ((المسودة في أصول الفقه)) لآل تيمية ص 18.


-296-





271- دلالة الأمر على التكرار:
التكرار.. هو أن تفعل فعل فعلاً ثم تعود إليه فهل يقتضي الأمر إيجاد المأمور به على وجه التكرار ، أي فعله المرة بعد المرة ، أم لا؟
المختار من الأقوال في هذا الصدد : أن الأمر لا يدل على التكرار، لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مطلق طلب الفعل من غير إشعار بوحدة أو تكرر ، إذ هي موضوعة لهذا المعنى فتكرار المأمور به أو إيقاعه مرة واحدة خارج عن ماهية صيغة الأمر ولا دلالة فيها على واحد منها حسب الوضع . ولكن لما كان تحصيل المأمور به لا يمكن بأقل من مرة واحدة صارت المرة الواحدة ضرورية للإتيان بالمأمور به، لا أن الصيغة بذاتها تدل عليها(1).
وعلى هذا فالأمر المطلق يدل على مجرد طلب إيقاع الفعل المأمور به ، ويكفي للامتثال إيقاعه مرة واحدة ، إلا إذا اقترن به ما يدل على إرادة التكرار كأن يعلق الأمر على شرط ، أو على صفة ، اعتبرهما الشارع سبباً للمأمور به ، مثل: تعليق الأمر بالوضوء على ارادة الصلاة في قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [المائدة:6 ]، فتكرار الوضوء مستند إلى تكرار سببه وهي إرادة الصلاة لا إلى الأمر. و مثل قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:2 ]، فالأمر بإيقاع الجلد على الزاني يستند الى تحقق علته وهي الزنى ، فكلما تكرر الزنى تكرر الجلد ، فالتكرار هنا مبني على تكرر علة الجلد ، لا إلى الأمر بالجلد(2).
وإزاء هذا القول المختار قيلت أقوال أخرى ، منها : إن الأمر يقتضي التكرار المستوعب لمدة العمر مع الإمكان ، إلا إذا قام دليل يمنع من ذلك . وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأكثر الحنابلة ، وادعوا أن هذا هو المفهوم لغة من صيغة الأمر،
_________________________
(1) ((المسودة)) ص 20 ، (( الإحكام)) لابن حزم ج 3 ص 318، (( لطائف الإشارات)) ص 24 ، و الآمدي ج 2 ص 225 و ما بعدها، و قال بعضهم: ان صيغة الأمر بذاتها تدل على إتيان المأمور به مرة واحدة، الشوكاني ص 97.
(2) الآمدي ج 2 ص 225-236، و الشوكاني ص 97.

-297-



بدليل ما روي أن النبي عليه السلام قال : ((أيُّها النَّاس إن الله كَتَبَ عليكُم الحجّ))
فقام رجل من المسلمين ، وقال : أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال عليه السلام : لو قُلْتُها لوجَبَت ، ولو وجَبَت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا ، إن الحج مرة وما زاد فتطوع.
و وجه الدلالة بهذا الخبر أن السائل كان عارفاً باللغة العربية ، فلو لم يكن الأمر مقتضياً للتكرار لغة لما سأل ذلك الرجل هذا السؤال ، ولخطأه الرسول ﷺ(1).
والحق أن هذا الاستدلال ضعيف ، ولا ينهض حجة لما ذهبوا إليه ، إذ يمكن أن يقول : إن هذا الخبر يدل على عكس ما ذهبوا إليه ، لأنه لوكان الأمر يدل على التكرار لغة فلم سأل هذا السؤال؟ ألا يدل سؤاله على أن المفهوم لغة من الأمر هو مجرد طلب الفعل لا تكراره ، فأراد أن يتأكد من بقاء هذا المفهوم بالنسبة للحج أو إلحاقه بالعبادات المتكررة كالصلاة والزكاة؟ يوضحه أن بعض العبادات كالصلاة والصيام والزكاة تتكرر بتكرر الأوقات . والحج متعلق بالزمان والمكان فكان له شبه بالعبادات المتكررة ، فاستشكل عليه الأمر، أيلحق بها باعتبار تعلقه بالزمان ، أو لا يلحق بها باعتبار تعلقه بالمكان؟ و لهذا سأل الرسول ﷺ دفعاً لهذا الإشكال .
272- دلالة الأمر على الفورية أو التراخي(2):
هل يدل الأمر على فعل المأمور به فوراً أو على التراخي؟ اختلاف عند الفقهاء ، فالقائلون بالتكرار، يقولون بالفور. وأما غيرهم فيقولون : الأمر إما مقيد بوقت ، وإما غير مقيد بوقت.
والأول إما أن يكون مقيداً بوقت موسع أو مضيق . فالموسع يجوز فيه التأخير إلى آخر الوقت ، أي يجوز تأخير أداء الواجب الى آخر الوقت، والمضيق لا يحتمل التأخير.
وأما غير المقيد بوقت محدد كالأمر بالكفارات ، فهو لمجرد طلب الفعل في المستقبل ، فيجوز التأخير، أي إتيان المأمور به على التراخي كما يجوز إتيانه فوراً.
_______________________
(1) ((شرح المنار)) ص 136 و ما بعدها . ((شرح مسلم الثبوت)) ص 384 . ((المسوّدة)) ص 20.
(2) ((لطائف الإرشادات)) ص 24 ، ((الإحكام)) لابن حزم ج 3 ص 294، ((ارشاد الفحول)) ص 8، الآمدي ج 2 ص 242 و ما بعدها.

-298-












توقيع : ياسمين الجزائر



عرض البوم صور ياسمين الجزائر   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-11, 11:45 PM   المشاركة رقم: 85
المعلومات
الكاتب:
ياسمين الجزائر
اللقب:
:: رئيسة الملتقيات الادبية & الاسرة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2013
العضوية: 974
المشاركات: 2,932 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 76
نقاط التقييم: 1088
ياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud ofياسمين الجزائر has much to be proud of

الإتصالات
الحالة:
ياسمين الجزائر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

وهذا هو الصحيح عند الحنفية والجعفرية ومن وافقهم ، وهو الراجح عندنا، لأن صيغة الأمر لا تدل إلا على مجرد الطلب في الزمان المستقبل في أي جزء منه ، وإنما تستفاد الفورية من القرينة ، كقول القائل لخادمه : اسقني ماء ، فإن العادة قاضية بأن طلب السقي لا يكون إلا عند الحاجة ولحوق العطش ، فيكون الأمر دالاً على الفورية في هذه الحالة للقرينة .
ومع أن الأمر للتراخي لا للفور، فإن المسارعة إلى أداء الواجب خير من التأخير، لأن في التأخير آفات، وربما يلحق الإنسان الموت قبل أداء الواجب، لأن الآجال مجهولة وهي بيد الله ، ولهذا المعنى تستحب الفورية . قال تعالى: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة:48] ، وقال تعالى : ﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [آل عمران:133] ، فلفظ ((فاستبقوا)) و ((سارعوا)) تدلان على استحباب المبادرة إلى أداء الواجب، و لا تدلان على الوجوب ، لأنه لا يقال لمن يأتي بالواجب في وقته : مستبق أو مسارع(1).
273- ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:
علمنا مما تقدم : أن الأمر يفيد الوجوب، أي إيجاد الفعل المأمور به على وجه الحتم والإلزام ، وصيرورة هذا الفعل واجباً في حق المخاطب . ولكن إيجاد الفعل المأمور به ، أي الواجب، قد يتوقف على إيجاد شيء آخر، فهل يكون هذا الشيء واجباً أيضاً بنفس الأمر الأول الذي أثبت أصل الواجب ، أم لا؟ للجواب على هذا السؤال لا بد من شيء من التفصيل، فنقول : الشيء الذي يتوقف عليه إيجاد الواجب قسمان :
القسم الأول : أن لا يكون مقدوراً للمكلف ، مثل : الاستطاعة لأداء واجب الحج ، و النصاب للزكاة ، و تكامل العدد اللازم لأداء صلاة الجمعة ، و نحو ذلك.
فهذا القسم لا يكلف به الإنسان ولا يتناوله الأمر، فلا يجب على المكلف تحصيل
____________________________
(1) ((شرح مسلم الثبوت)) ج 1 ص 288 – 289 ، ((شرح المنار)) ص 222 و ما بعدها.
(2) ((تيسر التحرير)) ج 2 ص 365 و ما بعدها، ((المستصفى)) للغزالي ج 1 ص 71 – 72 ، ((المسودة في أصول الفقه)) ص 65.

-299-



الاستطاعة ليؤدي الحج ، ولا تحصيل النصاب ليؤدي الزكاة ، ولا إيجاد العددالمطلوب لصحة أداء الجمعة .
القسم الثاني : أن يكون الشيء مقدوراً للمكلف وهو نوعان:
النوع الأول : ما ورد في وجوبه أمر خاص ، وهذا لا كلام لنا فيه ، ولا يدخل في موضوع تساؤلنا ، ولا هو مقصود بحثنا هنا . ومن هذا النوع الوضوء للصلاة، فإنه واجب على المكلف بأمر مستقل ، لا بقوله تعالى : ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ﴾ ، وهذا الأمر المستقل هو قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:6] .
النوع الثاني: ما يتوقف عليه أداء الواجب ، ولم يرد بوجوبه أمر خاص.
وهذا هو المقصود بسؤالنا الذي قدمنا . وقد قرر الأصوليون أن هذا النوع يكون واجباً بنفس الأمر الأول الذي ثبت به أصل الواجب . والأمثلة على ذلك كثيرة :
الأمر بالحج يقتضي السفر إلى مكة لأداء هذا الواجب، فيكون هذا السفر واجباً بنفس الأمر بالحج ، لأن واجب الحج لا يتم أداؤه إلا بهذا السفر . والأمر بأداء الصلاة جماعة - على قول القائلين بالوجوب - لا يتم إلا بالسعي إلى المساجد ، فيكون هذا السعي واجباً بنفس الأمر بأداء الصلاة جماعة . والأمر بإعداد القوة الكافية من قبل الأمة ، الثابت بقوله تعالى: «﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال:60] لا يتم إلا بتعلم العلوم الحديثة التي استجدت في مجال الصناعة والكيمياء والفيزياء ونحوها ، فنكون تعلم هذه العلوم واجباً على الكفاية بنفس الأمر القاضي بإعداد القوة . والأمر بإقامة العدل بين الناس ودفع الظلم عنهم يقتضي تعيين القضاة للقيام ‎ بواجب إقامة العدل، فتعيين القضاة واجب بنفس الأمر القاضي بإقامة العدل .. هكذا.
و يخلص لنا مما تقدم : أن الأمر بواجب أمر بالشيء الذي ‏يتوقف عليه أداء هذا الواجب إذا لم يأت به أمر خاص.


-300-












توقيع : ياسمين الجزائر



عرض البوم صور ياسمين الجزائر   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-12, 01:26 AM   المشاركة رقم: 86
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد

الفرع الثالث
النهي

274- النهي في اللغة : المنع ، وسمي العقل نهية : لأنه ينهى صاحبه عن الوقوع فيما يخالف الحق والصواب .

وفي الاصطلاح: طلب الكف عن الفعل على جهة الاستعلاء ، بالصيغة الدالة عليه .

ومن صيغ النهي: الصيغة المشهورة ((لا تفعل))، كقوله تعالى : ((وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنى )) [الاسراء :32] . ومنها نفي الحل ، كقوله تعالى : ((فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ)). والتعبير بلفظ يدل بمادته على النهي والتحريم، كقوله تعالى: ((وَيَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ)) [النحل:90] وقوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ))[النساء: 23] الاآية.

وقد يأتي النهي باستعمال صيغة الأمر الدالة على النهي ، مثل قوله تعالى : ((وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)) [الانعام: 120].

275- موجب النهي(1):

صيغة النهي استعملت في عدة معان : كالتحريم والكراهة، والدعاء ، والتأييس ، والإرشاد ، وغيرها ، فمن الأول : (( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ))[الأنعام:151 ،الإسراء:23]. ومن الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تُصَلُّوا في مَبَارِك الإبل)). ومن الثالث: قوله تعالى : ((رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ))[آل عمران:8]. ومن الرابع: قوله تعالى: ((لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ)) [التحريم:7].




_____________________________________
1-((منهاج الوصول إلى علم الأصول)) للبيضاويص49، ((المسودة)) ص82، ((إرشاد الفحول))ص96، الآمدي ج2 ص274-275.


301




الخامس : قومه تعالى : ((لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))[المائدة:101].
ولاختلاف المعاني التى يستعمل فيها النهي ، اختلف العلماء في معناه الحقيقى ، أي في موجبه أي في حكمه ، أي فيما يدل عليه النهي إذا تجرد عن القرائن . فقال قوم: إنه يدل على الكراهة ، وهذا هومعناه الحقيقي ، ولا يدل على غيرها إلا بقرينة ، وقال آخرون : إنه مشترك بين الكراهة والتحريم ، وهذا هو أصل معناه، والقرينة هي التي تصرفه إلى واحد منهما . وقال الجمهور: إن موجب النهي هو التحريم ، فهذا هومعناه الحقيقي الذي وضع له ، ولا يستعمل في غيره إلا على سبيل المجاز ، والقرينة هي التي تدل على إرادة هذا للجاز، أما لوتجرد عن القرائن ، فيفهم
منه التحريم لا غير. وقول الجمهور هو الراجح ، فصيغة النهي ، وضعت لتدل على طلب الكف عن الفعل جزماً ، والعقل يفهم الحتم من صيغة النهي المجردة عن القرينة ، ولا معنى للتحريم إلا هذا ، يؤيده أن السلف كانوا يستدلون بصيغة النهي المجردة عل التحريم .

276- هل يقتضي النهي الفور والتكرار(1)؟
ذهب البعض إلى أن النهي لا يدل بصيغته على الفور والتكرار ، لأن طبيعته لا تستلزم ذلك ، وإنما يجيء ذلك من أمر خارج عن الصيغة ، أي بالقرينة الدالة على الفور والتكرار .
وذهب البعض: إلى أن النهي ، في أصله ، يفيد الفور والتكرار، تكرار الكف ، واستدامته في جميع الأزمنة ، كما يقتضي ترك الفعل فوراً ، أي في الحال ، فإذا نهى الشارع عن شيء فعلى المكلف الكف عنه حالاً ودائماً، لأن الامتثال في باب النهي لا يتحقق الا بالمبادرة الى الامتناع عن الفعل حالاً ،والاستمرار عل هذا الامتناع .
وأيضاً فإن الفعل إنما نهى الشارع عنه لمفسدته، ولا يمكن درء هذه المفسدة إلا بالامتناع عنه حالاً ودائماً، وهذا ما نرجحه.


___________________________________
‎ ‏1-((المسودة))ص81،((لطائف الإشارات))ص25،الامدي ج2ص284 وما بعدها.
302



277- هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه(1)؟

النهي كما قلنا ، على الراجح من الأقوال ، يفيد التحريم ، إذ تجردت صيغته من القرائن ، فلا يجوز للمكلف فعل المنهي عنه وإلا لحقه الإثم والعقاب في الآخرة، وهذا جزاء أخروي. ولكن هل يقتضي النهي فساد المنهي عنه إذا كان من العبادات والمعاملات ، فلا تتعلق بها الآثار الشرعية المقررة لها لو كانت وقعت صحيحة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة ، ونحن نوجز خلاصة أقوالهم فيما يلي :

أولاً: إذا انصب النهي على ما يؤثرفي حقيقة الفعل وكيانه الشرعي ، كم لو ورد النهي عن بيع الجنين في بطن أمه ، أو بيع المعدوم ، أو عن الصلاة بلا وضوء ، أو نكاح الأمهات ، فإن النهي في هذه الحالة ، يقتضي فساد المنهي عنه وبطلانه واعتبار كأن لم يكن ، فهو والمعدوم سواء ، والمعدوم لا يترتب عليه الأثر المقرر له شرعاً لوكان قد وجد صحيحاً . وهذا النوع من المنهي عنه هوما يعبر عنه بعض العلماء بقولهم : هو مانهى عنه الشارع لعينه ، أي لذات الفعل أو لجزئه.

ثانياً : إذا كان النهي غير متوجه إلى ذات الشيء ، وإنما إلى أمر مقارن أو مجاور له ولكنه غير لازم للفعل ، كالنهي عن البيع وقت والأذان لصلاة الجمعة ، وكالصلاة في الأرض المغصوية ، فإن أثر النهي هنا ، هو كراهة الفعل، لا فساده وبطلانه ، بمعنى : أن الفعل تترتب عليه آثاره المقررة شرعاً، مع لحوق الكراهة به لنهي الشارع عنه . وهذا هو قول جمهور الفقهاء ، وذهب قليل منهم ، كالظاهرية ، إلى فساد الفعل في هذه الحالة ، لأن النهي عندهم يقتضي الفساد ، سواء كان وروده لذات الشيء وما به قوامه ، أو لأمر مقارن له.

ثالثاً : إذا كان النهي ، في حقيقته ، يلاقي بعض أوصاف الفعل الحلة اللازمة له ، أي
بعض شروط وجوده ، ولا يتجه إلى ذات الفعل وحقيقته ، كما في النهي عن البيع بثمن آجل مع جهالة الأجل ، وكالبيع بشرط فاسد، وكالصوم في يوم




___________________________________
1- ((لطائف الأشارات)) ص25-26، ((إرشاد الفحول))ص98، الآمدي ج2 ص275 وما بعدها


303





عيد ، فالجمهور يذهبون إلى فساد الفعل وبطلانه ، والحنفية يفصلون فيقولون بفساد وبطلان الفعل إن كان من العبادات ، وبالفساد لا البطلان إن كان من المعبادات ، والفاسد عندهم تترتب عليه بعض الآثار ،بعكس الباطل إذ لا يترتب عليه أثر ما . وحجتهم في ذلك : أن العبادة وضعت للاختبار والامتثال والطاعة ابتغاء رضوان الله، ولا سبيل لهذا كله إلا بإيقاعها كما أمر الشارع ، ولا يتحقق هذا الإيقاع المطلوب إلا إذا لم تحصل فيه مخالفة لا في ذاته ولا في وصفه، ومن ثم كان الفساد في العبادات كالبطلان فيها ، فالفاسد هو الباطل عندهم في العبادات .

اما المعاملات ، فالمقصود بها تحقيق مصالح العباد ،وآثارهاتتوقف عل أركان وشروطها،فإذا تحققت هذه الأركان فقد وجد الشيء ، وثبت له كيانه . إلا أن هذا الكيان قد يكون كاملاً إذا وجدت أوصافه كافة ، وفي هذه الحالة يكون صحيحاً . وقد يكون كيانه مختلاً، مع وجوده ، لفوات بعض أوصافه ، وفي هذه الحالة قد تتحقق به مصلحة ما ، فيجب أن تترتب عليه
بعض الآئار،وهذا هوالفاسد ، فهو مرتبة بين الباطل والصحيح .

فكأنَّ الحنفية أعطوا للفعل ما يستحق من رعاية بناء على وجود كيانه ، وأعطوا النهي حقه نظراً لفوات بعض أوصاف الفعل ، فقالوا بالفساد ، لا البطلان.

ويقول الشوكاني : ((والحق أن كل نهي من غير فرق بين العبادات والمعاملات يقتضي تحريم المنهي عنه وفسادهم المرادف للبطلان اقتضاء شرعياً، ولا يخرج عن ذلك إلا ما قام الدليل على عدم اقتضائه لذلك . ومما يستدل به قوله صلى الله عليه وسلم :«كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد» ، والمنهي عنه ليس عليه أمرنا فهو رد ، وما كان مردوداً فهو باطل، وهذا هو المراد بكون النهي مقتضياً للفساد))(1).




_____________________
1-((إرشاد الفحول))ص97-98.

304





المطلب الثاني
العام



278- تعريف العام:

العام في اللغة : الشامل المتعدد ، ومنه قولهم : عمَّهم الخير، أى شملهم.
وفي الاصطلاح : لفظ يستغرق جميع ما يصلح له ، بوضع واحد دفعة واحدة
من غيرحصر(1).
ومعنى هذا : أن العام لفظ وضع في اللغة وضعاً واحداً لا متعدداً ، لشمول جميع أفراد مفهومه ، أي لجميع الأفراد التي يصدق عليها معناه ، من غير حصر بعدد معين ، أي من غير أن يكون في اللفظ دلالة على انحصاره بعدد معين ، وإن كان في الخارج والواقع محصوراً، كالسموات مثلاً، وكعلماء البلد .
فكلمة (( الرجال)) لفظ عام ، لأنه وضع في اللغة وضعاً واحداً للدلالة على شمول جميع الآحاد التي يصدق عليها معنى هذا اللقظ ، وبدفعة واحدة(2).

279- ألفاظ العموم(3):

الألفاظ الدالة عل العموم كثيرة، من أشهرها ما يلى
اولاً : لفظ ((كل وجمع)). وهما يفيدان العموم فيما يضافان إليه ، مثل قوله تعالى:




___________________________________
ا - البيضاوي ص 0 5 ، المحلاوي ص 36 ، «المسودة» ص574، الآمدي ج 2 ص 286-287.
2- ومن تعريف العام يتبين الفرق بينه وبين المطلق ، فالعام يشمل كل فرد من افراده دفعة واحدة بينما المطلق لا يتناول ولا يشمل دفعة واحدة الا فردا شائعاً أو أفرادا شائعة لا جميع الافراد .
3-المحلاوي ص65 وما بعدها. ((المسودة))ص89.


305





((كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ)) ، وقوله تعالى : ((كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ))[الطور:21]،
وقوله عليه الصلاة والسلام : ((كلُّ راعٍ مسؤول عن رعيته)).

ثانياً : الجمع المعرف بأل للاستغراق ، أو بالإضافه .
فمن الأول : قوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ))[البقرة:233]،(( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ))[النساء:7]و((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ))[البقرة:228]فألفاظ
الجموع الواردة في هذه النصوص ، تفيد استغراق أفرادها.أما الجموع المنكرة مثل : مسلمين، رجال، فإنها لا تفيد العموم، وإنما تحمل على أقل الجمع وهو ثلاثة(1).
ومن المعرّف بالإضافة : قوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً))[التوبة:103] ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ))[النساء:11].
ولا يهم كون الجمع ،جمع مذكر سالم ،أو مؤنث سالم أو تكسير،فكلها من الفاظ العموم إذا ما عرفت بأل الاستغراق أو بالاضافة .
ثالثاً : المفرد المعرف بأل المفيدة للاستغراق ، مثل قوله تعالى : ((وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ))[العصر:1-3]
فلفظ الإنسان هنا يشمل جميع أفراد الإنسان . ومنه أيضاً قول الله جل جلاله : ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا))[البقرة:275] ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ))[النور:2]((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ))[المائدة:38] وقول النبي صلى الله عليه وسلم((مطل الغني ظلم)).
ويلاحظ هنا : ان المفرد المعرف بأل، إنما يكون من ألفاظ العموم ، إذا لم
‎ ‏
‎ ‏


______________________
1-((المسودة))ص105.

306





تكن ((أل)) للعهد أو للجنس ، فإذا كانت لواحد منهما، لم يكن اللفظ من الفاظ العموم ، فمن ((أل)) العهدية كلمة «الرسول» في قوله تعالى : ((كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ))[المزمل: 15،16] ومن ((أل))الجنسية، لفظ الرجل والمرأة في قول القائل: ((الرجل خير من المرأة))، أي إن جنس الرجل خير من جنس المرأة ، فلا تفيد كلمة الرجل ولا المرأة العموم ، فالتفضيل هنا منصب على الجملة، فهوتفضيل جملة على جملة،
لا تفضيل فرد على فرد.

رابعاً : المفرد المعرف بالإضافة:
مثل قوله تعالى : ((وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا))[إبراهيم:34، النحل: 18] وقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم : ((هو الطهور ماؤه الحلُّ مَيْتَتُه))، يدل على حل ميتة البحر بجميع أنواعها .

خامسا: الأسماءالموصولة كما في قوله تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا))[النساء:10] (( وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ)) [النساء: 24] فكلمة ((ما)) تشمل كل ما عدا المحرمات المذكورة قبل هذه الآية.
وقوله تعالى : ((مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ? وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ))[النحل:96] ((وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ))[ الطلاق:4] ((وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ))[النساء:22] ((وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ))[النساء:34].
سادساً: أسماء الاستفهام مثل(من) كقوله تعالى: ((مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ))[البقرة:245، الحديد: 11].
سابعاً: أسماء الشرط ، مثل: من، وما، وأين. مثل قوله تعالى((فَمنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ))البقرة:185] ((وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)) [البقرة:
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

‎ ‏307




197] ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا))[النساء:93]((فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[الزلزلة:7،8]((أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))[النساء:78].
ثامناً : النكرة الواردة في سياق النفي أو النهي، مثل قوله تعالى : (( وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ))[االتوبة:48] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يقتل والدٌ بولده)) و(( لا
وصية لوارث)) و((لاضرر ولا ضرار)). وهي تفيد العموم ظاهراً إذا لم يكن فيها حرف (من)،فإن دخل عليها حرف (من) أفادته قطعاً ولم تحتمل التأويل ، كقولك : ما رأيت من رجل ، وماجاءَني من أحد(1).
أما النكرة الواردة في سياق الإثبات فليست من ألفاظ العموم ، كقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً))[البقرة:67]وقد تدل على العموم
بقرينة كقوله تعالى في نعيم الجنة وأهلها : ((لَهًمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ))[يس: 57]فالفاكهة، هنا تشمل جميع أنواعها، بقرينة الامتنان على العباد . وكذلك تدل على العموم إذا كانت في سياق الشرط مثل : من يأتني بأسير فله دينار . فهذا يعم كل أسير.

280- دخول الإناث في خطاب الذكور:
ويلاحظ هنا : أن الفاظ الجموع من حيث دلالتها على الذكور والاناث،
أقسام :
فمنها : ما يختص بالدلالة على الذكور دون النساء ، وبالعكس ، إلا بدليل خارج عن اللفظ ، كلفظ «رجال» خاص بالذكور ، ولفظ (( النساء )) خاص بالإناث، ولا ينصرف أحدهما إلى معنى الآخر إلا بدليل خارج عن اللفط .
ومنهما : ما يشمل الذكور والإناث بحسب وضعه ، وهو الذي لم تظهر فيه علامة تذكير ولا تأنيث: كالناس ، والإنس ، والبشر.



______________________________
1-((المسودة))ص103

308




ومنها : ما يشملها بأصل وضعه ولا يختص باحدهما إلا ببيان ، وذلك نحو: ما ومن .

ومنها : ما يستعمل بعلامة التأنيث في جمع المؤنث السالم مثل : مسلمات، وبعلامة التذكير في جمع المذكر السالم ، مثل : مسلمون . وكاستعمال الواو في جموع التذكير. والنون في جمع الإناث ، فمن الأول : فعلوا ، ومن الثاني : فعلن ،فهل تشمل هذه الجموع الصنفين من الذكور والإناث ، أو يختص كل جمع بما تدل عليه علامته؟
ذهب الجمهور إلى الاختصاص ، فلا يدخل النساء فيما هو للذكورإلا بدليل، كما لا يدخل الرجال فيما هو للنساء إلا بدليل، لأن الأسماء وضعت للدلالة على مسمياتها ، فحصل بهذا الوضع تمييز كل نوع عن غيره، ولكن قد تقوم قرائن تقتضي دخول الإناث في جمع المذكر، كما في قرينة عموم التشريع للجميع ، وقد لا تقوم قرينة ومع ذلك تلحق الإناث بالذكور على سبيل التغليب، كما في قوله تعالى : (( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَميعاً))[البقرة:38].

وقال البعض: إن جوع المذكر تشمل الإناث بالوضع.
وقول ا لجمهورهو الراجح الذي ينبغي المصير إليه(1).

281-أقل الجمع:
اختلف العلماء في أقل الجمع: هل هو اثنان أو ثلاثة؟ قال الجمهور: إنه اثنان ، وعلى هذا يصح إطلاقه لفظ الجمع على الاثنين على وجه الحقيقة لا المجاز، وقال البعض : إنه ثلاثة ، فلا يطلق على الاثنين إلا على وجه المجاز. واحتج كل فريق بجملة أدلة ، والراجح هو قول الجمهور(2).

282- دخول النبي صلى الله عليه وسلم في خطاب امته:
هل يدخل النبي صلى الله عليه وسلم في الخطابات القرآنية ، مثل : ((يَا أَيُّها الَّذِينَ


___________________________
1-((المسودة))ص49، الآمدي ج2ص386-392، ((إرشاد الفحول))ص112.
2- انظر ادلة الفريقين في كتاب((الإحكام))للآمدي ج2ص324-335.

309




آمنوا )) ((يَا أَيُّهَا النَّاس)) ((يَا عِبَادِي))؟ قال الجمهور بالإيجاب،وقال البعض بالنفي.
والراجح قول الجمهور ، لأن هذه الصيغ عامة لكل إنسان ولكل مؤمن ، وهو صلى الله عليه وسلم سيد الناس وسيد المؤمنين ، فلا يخرج منها إلا بدليل(1).

283-تخصيص العام(2):

قلنا : إن العام يستغرق جميع أفراد مفهومه ، وإن الحكم المتعلق به يثبت لكل أفراده . ولكن قد يقوم الدليل على أن مراد الشارع من العام ابتداء ليس هوالعموم، أي ليس هو استغراق جمع افراد مفهومه ، ولا ثبوت الحكم لجميع أفراده، وإنما مراده ابتداء بعض افراد العام ، وثبوت الحكم لهذا البعض وهذا هو المقصود بتخصيص العام . فالتخصيص ، إذن ، هو قصر العام على بعض مسمياته ، أي أفراده ، والدليل الذى دل عليه يسمى ((المخصص)). وقد اشترط البعض كالحنفية
في المخصص أن يكون مقارناً للعام ، ومستقلاً عن الكلام الذي ورد فيه ، فإن لم يكن
مقارناً للعام كان ناسخاً لا مخصصاً، وكذلك إن لم يكن مستقلاً عن لفظ العام ،كالاستثناء ، لا يسمى : مخصصاً، وإنما يسمى: صرف العموم به عن عمومه، وقصره على بعض أفراده قصراً ، وهو دليل القصر .
ولكن الجمهور ،لم يشترطوا في المخصص ما اشترطه الحنفية فيه ، فعندهم قد يكون التخصيص بدليل مستقل أو غيرمستقل ، مقارن للنص العام أو غير مقارن له ، ولكن بشرط أن لا يتأخر وروده عن وقت العمل به ، وإلا عد ناسخاً لا مخصصاً(3).



____________________________
1-الآمدي ج2 ص397-399.
2-((كشف الأسرار))ج1 ص306، ((شرح مسلم الثبوت))ج1 ص300،المحلاوي ص72،الآمدي ج2 ص407 وما بعدها.
3- من الفروق بين النسخ والتخصيص، أن النسخ رفع للحكم بعد ثبوته، والتخصيص بيان ما قصد باللفظ العام . والتخصيص لا يكون الا لبعض الافراد بخلاف النسخ فانه يكون لكل الافراد((ارشاد الفحول))ص125.

310














توقيع : ياس


التعديل الأخير تم بواسطة ياس ; 2016-10-12 الساعة 01:36 AM
عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-12, 01:53 AM   المشاركة رقم: 87
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد



ونذكر فيما يلي دليل التخصيص على قول غير الحنفية ، وهو قول الجمهور:

284-دليل التخصيص: (1):

أدلة تخصيص العام نوعان : متصل ، ومنفصل ، أما المتصل : فهو ما لا يستقل بنفسه ، بل يكون مذكورا مع العام ، ويتعلق معناه باللفظ الذي قبله ، ويكون جزءاً من الكلام الذي اشتمل على اللفظ العام . أما المنفصل : فهو ما يستقل بنفسه ولا يكون جزءاً من ا لكلام الذي اشتمل على اللفظ العام .

285- المخصص المنفصل، أي المستقل:

وهو أربعة أنواع : الأول : الكلام المستقل المتصل بالعام . الثاني : الكلام المستقل المنفصل عن العام . الثالث : العقل . الرابع : العرف .

أولاً : الكلام ا لمستقل المتصل بالعام :

ومعنى (( مستقل)) أي تام بنفسه . ومعنى متصل بالعام أي مذكورمعه بأن يأتي عقبه.
ومثاله : قوله تعالى : (( فَمنْ شَهِدَ مِنْكُم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)) [البقرة:185] فالعموم الوارد فيه يشمل كل من حضر شهر الصوم، فيجب عليه صيامه ، ولكن خص هذا العموم بمن عدا المريض والمسافر بدليل ما جاء بعده من كلام مستقل متصل به ، وهو قوله تعالى : ((وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) فالمريض والمسافر غيرمشمولين بعموم النص القاضي بوجوب الصيام على من شهد الشهر .

ثانياً: الكلام المستقل المنفصل:
وهو الكلام التام بنفسه ، ولكنه غير موصول بالنص الوارد فيه اللفظ العام .
ومثاله : قوله تعالة: (( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة:


_______________________________
1- ((الموافقات)) للشاطبي ج3 ص181 وما بعدها، ((تيسير التحرير)) ج1 ص375 وما بعدها،البيضاوي ص54 وما بعدها ، الآمدي ج2 ص416 وما بعدها، ((شرح مسلم الثبوت)) ج1 ص300 وما بعدها ، المحلاوي ص72 ، ((التوضيح)) ج1 ص42، ((سلم الوصول لعلم الأصول)) ص191،

311




228]، فلفظ «المطلقات» عام يشمل كله مطلقة ، مدخول بها أو غير مدخول بها، فتجب عليها العدة بما ذكر من القروء ، ولكن هذا العموم خص بالمطلقات المدخول بهن ، أي أن النص ينصرف إلى المدخول بهن دون غيرهن ، بقوله تعالى -وهو المخصص هنا - : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)) [الأحزاب: 49]. ومثله قوله تعالى: ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اْلمَيْتَةُ)) [المائدة :3] عام في كل ميتة
فيكون حكمها التحريم ، ولكن خص بغير ميتة البحر، لقول الني صلى الله عليه وسلم عن البحر: ((هو الطَّهُورُ ماُؤه، الحِلُّ مَيْتَتُهً)).

ومثاله أيضاً : قوله تعالى ، في القذف وعقوبته : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) [النور: 4،5]، أفاد هذا النص عموم القاذفين ،لأن اللفظ(( الذين ))عام، فيدخل فيه الأزواج وغيرهم إذا قذفوا ،كما يدخل في عموم لفظ ((المحصنات)) زوجات القاذفين وزوجات غيرهم، فيجب حد كل قاذف زوجاًكان أو غير زوج ، ولكن هذا العموم المستفاد من هذا النص خص بغير الزوج ،بدليل قوله تعالى: ((وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ))[النور: 6-9] فهذا النص خصص عموم النص الأول، وجعله قاصراً على غير الأزواج إذا قذفوا ،أما الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم فيشملهم ما جاء بالنص المخصص. وهذا على رأي الجمهور، لأنهم لايشترطون في المخصص أن يكون مقارناً للعام .أما الحنفية، فلا يعتبرون هذا تخصيصاً بل يعتبرونه نسخاً جزئياً ،أي إن النص الثاني نسخ من حكم العام ما يتعلق بالأزواج وقذفهم لزوجاتهم، فأبطل حكم العام عنهم، وخصهم بحكم دون غيرهم.

‎ ‏
‎ ‏

‎ ‏

312




ثالثاً: العقل(1):

وهو يصلح أن يكون دليلاً على تخصيص جميع النصوص المشتملة عل تكليفات شرعية ، بقصرها على من هم أهل للتكليف دون غيرهم من صغار ومجانين ، وقد أيد الشرع دليل العقل، فجعل مناط التكليف البلوغ مع العقل ،كما ذكرنا من قبل.

ومثال التخصيص بالعقل ، قوله تعالى: ((أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)) ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ))، ونحوذلك من النصوص العامة في التكليفات الشرعية ، كلها خصت بغير الصغار والمجانين ، والمخصص هو العقل ، والشرع دل على ما دل، عليه العقل .

وكذلك النصوص العامة ، التي لا تشتمل على تكليفات، ولكن العقل يقضي بتخصيصها ، مثاله قوله تعالى : ((الله خَالِقُ كُلَّ شَيْءٍ))[الزمر:62] خاص بما عدا الله جل جلاله ، فهو الدائم الباقي غير المخلوق .

وكذلك قوله تعالى : ((والله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ)) فلا تشمل القدرة خلق الله نفسه لما قلناه آنفاً .
رابعاً : العرف(2):

وهو يصلح أن يكون مخصصا للفظ العام ، وهذا مذهب المالكية ، قال القرافي : وعندنا العوائد مخصصة للعموم . ومن أمثلة تخصيص العموم بالعرف ما قالوه في قوله تعالى : ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ? لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ))[البقرة:233] إنه خص بغير الوالدات اللاتي ليس من عادتهم إرضاع ل أولادهن .

ومنه ايضا : تخصيص لفظ الطعام الوارد في الحديث : ((نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام بجنسه متفاضلاً ))، بالطعام الذي كان يطلق عليه هذا الاسم عرفاً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، كما ذهب إلى هذا غير واحد من العلماء .

ومنه أيضاً : قول الله تعالى عن الريح التي دمرت بعض الأمم الظالمة ، ((تُدَمِّرُ


_____________________________
1-((المسودة))ص118،الآمدي ج2 ص459-465.
2-((المسودة))ص123-124،((الفروق))للقرافي ج1 ص187.

313




كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا)) [الأحقاف: 25] أي تدمركل شيء جرت العادة بتدميره بمثل
هذه الريح ، بدليل ما ذكره الله تعالى بعد هذه العبارة ، وهوقوله تعالى : (( فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ)) (1).
ومنه أيضاً ما قاله تعالى عن ملكة سبأ : ((وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ))[النمل: 23] أي أوتيت من كل شيء مما يحوزه أمثالها من ذوي الحكم والسلطان(2).

ومن التخصيص بالعرف ما إذا أوصى ((بدوابه)) ، وكان في بلد يقضي عرفه بإطلاق هذا الاسم على الخيل ققط دون غيرها من الدواب ، فإن وصيته تحمل على الخيول دون ما عنده من أبقار وأغنام .

286- المخصص المتصل ، أي غير المستقل(3):
وهو، كما قلنا : ما كان جزء مِن عبارة النص التي اشتملت على اللفظ العام .
فهو، إذن، كلام غير تام بنفسه ، وهوأنواع :

أولاً : الاستثناء :

الاستثناء : هو عبارة عن لفظ متصل بجملة، وهذا اللفظ لا يستقل بنفسه بل بحرف ((إلا)) أو أخواتها ، على أن مدلوله غيرمراد مما اتصل به ، وهو ليس بشرط ولا صفة ولا غاية .

ومن صيغ الاستثناء : إلا ، وهي المشهورة ، وغير، وعدا ، وما عدا ، وما خلا ، وليس ، ونحوها .

ويشترط لصحة الاستثناء أن يكون متصلا بالمستثنى منه من غير تخلل فاصل بينهما ، أو ما هو في حكم المتصل ، وقيل بصحة الاستثناء المنقصل وإن طال الزمان



___________________________
1- ((الموافقات)) للشاطبي ج3 ص172.
2- يسمي البعض دليل التخصص في هذا المثال والذي قبله ب ((دليل الحس)) اي ان الحس يشهد باختصاص العام ببعض افراده . انظر «ارشاد الفحول» ص 128.
3- الآمدي ج2 ص416 وما بعدها، ((لطائف الإشارات))ص30-31 ((إرشاد الفحول))ص129-135.




314



شهراً ، وهذا قول مرجوح ،والراجح ماذكرناه،وعليه جمهور الفقهاء
ومثاله أيضاً : قوله تعالى: ((مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ))[النحل:106] الاستثناء هنا قصر ((من كفر)) وهولفظ عام ، على من كفر باختياره ورضاه ، أما من كفر مكرهاً فلا يكون كافراً.

ومثله أيضاً : قوله تعالى : ((وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَ?ئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ))[الفرقان: 68-70] فالإثم يلحق من فعل هذه المنكرات ولم يتب ويؤمن ويعمل الصالحات .
هذا ومن المفيد بيانه هنا : أن الاستثناء إذا ورد بعد جمل متعاطفة فإنه يعود الى الجمع ما لم يخصه دليل . وذهب البعض إلى أن الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة، إلا أن يقوم الدليل على التعميم، ومن أمثلة ذلك : قوله تعالى : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلّا الّذِينَ تَابُوا ....)) فإن الاستثناء راج إلى الفاسقين ، لا إلى القائلين برجوع الاستثناء إلى جميع الجمل، وحجتهم: أن الدليل خص الاستثناء في هذه الآية بالجملة الأخيرة.
ومثله : قوله تعالى في القتل الخطأ : ((فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا)) [النساء:92] فالاستثناء راجع إلى الدية دون الإعتاق،لأن الدية هي الجملة الأخيرة فقط ، أو لأن الدليل دل على تخصيص الاستثناء بالدية فقط على رأي القائلين برجوع الاستثناء إلى جميع الجمل المتعاطفة.

ثانياً: الصفة:
والمقصود بها هنا كما قال الشوكاني: الصفة المعنوية لا مجرد النعت المذكور في




315





علم النحو، كقوله تعالى : (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ- إلى قوله تعالى -وَرَبَئِبُكُمُ اللاتِي في جُحُورِكُم مِنْ نِسَائِكُمْ الَّلاتيِ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ...)) فتحريم الربائب مقصور على بنات الزوجات المدخول بهن . هذا وإذا ورددت الصفة بعد جمل ، فالكلام في عود الصفة إلى الجملة، الأخيرة أو إلى جميع الجمل: كالكلام في رجوع الاستثناء ،الذي الذي تكلمنا عنه قبل قليل.

ثالثاً: الشرط:

وهو، كما قال الغزالي ، ما لا يوجد المشروط دونه ، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده . وصيغه كثيرة، منها: إن الشرطية، وإذا، ومن، ومهما، وحيثما، وأينما، مثل قوله تعالى: (( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ))[البقرة:233] فنفي الجناح - وهوعام لأنه نكرة في سياق النفي -مشروط بالشرط المذكور في الآية ،أي إن نفي الجناح مقصورعلى هذه الحالة. ومثله قوله تعالى: (( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ-إلى قوله تعالى - وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ))[النساء:12] فميراث النصف والربع مقصور على حالة عدم وجوه الولد للمورث الميت.

رابعاً: الغاية:

وهي نهاية الشىء المقتضية لثبوت الحكم لا قبلها وانتفائه عما بعدها . وصيغها: إلى، وحتى ، ولا بد أن يكون حكم مابعدها مخالفاً لما قبلها . وهي لاتخلو أيضاً إما أن تكون مذكورة عقب جملة واحدة أو جمل متعددة ، فإن كانت عقب جملة واحدة كان ذلك دالاً على إخراج مابعد الغاية من عموم اللفظ ، واختصاص ماقبلها بالحكم، مثل قولنا((أنفق على طلاب الكلية إلى أن يتخرجوا))، وأن كانت الغاية متعددة وهي عقب جملة واحدة ،ينظر فإن كانت الغاية على الجمع،
أي ورودها بواو العطف، فالحكم مختص بما قبلها ،وإن كانت على البدل، أي ورودها بحرف التخيير، فالحكم مختص بما قبل إحدى الغايتين مثل: ((أَنفق على طلاب الكلية إلى أن يتخرجوا،ويسافروا الى بلادهم))فالحكم مختص ومقصور على الطلاب قبل

‎ ‏
‎ ‏316


تخرجهم وسفرهم ، ولا يكفي تخرجهم دون سفرهم لإيقاف الإنفاق ، وهذا بخلاف قولنا ، «أنقق على طلاب الكلية إلى أن يتخرجوا ، أو يسافروا إلى بلادهم)) فإن الإنفاق مقصور عل الطلبة قبل تخرجهم أو قبل سفرهم ، فالإنقاق يقف عندتحقق إحدى الغايتين . هذا وإن العلماء اختلقوا في الغاية نفسها هل تدخل في المغيا ، ققال بعضهم : أنها تدخل فيما قبلها ، وقال غيرهم: لا تدخل . ومثاله قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)) فهل تدخل المرافق في الغسل؟ على قول البعض لا تدخل ، وعلى قول غيرهم تدخل، والاحتياط يقضي بدخولها .

287-دلالة العام (1):

العام يدل على أفراده على سبيل الاستغراق ، كما قلنا غير مرة ، ولكن العلماء اختلفوا في دلالته على هذا الشمول ، أهي قطعية أم ظنية؟ قولان للعلماء .
فذهب بعضهم ، ومنهم الحنفية ، إلى أن دلالته على أفراده قطعيةما لم يخصص ، فإذا خصص صارت دلالته على ما بقي من أفراده ظنية لا قطعية .
ومعنى القطعية التي يثبتها هؤلاء للعام ، هو انتفاء احتمال التخصيص الناشيء عن دليل ، لا نفي احتمال التخصيص مطلقاً، فإذا لم يقم دليل على تخصيصه ، فإن دلالته على العموم تبقى قطعية .

وقال ا لجمهو ر: إن دلالة العام على شمول جميع أفراده دلالة ظنية لا قطعية قلبل
التخصيص وبعده.

‎ ‏288- احتج أصحاب القول الأول بأن اللفظ العام وضع لغة لاستغراق جميع أفراده، وهذا هو المعنى الحقيقي للفظ العام، فيلزم حمله عليه عند أطلاقه ، ولا يجوز صرفه عنه إلا بدليل يدل على تخصيصه وقصره على بعض أفراده . أما احتمال التخصيص دون أن ينهض دليل على هذا الاحتمال، فهو مما لا يؤبه به ولا يلتفت



____________________________________
1- ((إرشاد الفحول))ص117 وما بعدها، ((أصول))السرخسي ج1 ص 132-134، ((فواتح الرحموت)) ج1 ص265 وما بعدها، ((الموافقات)) للشاطبي ج3 ص166 وما بعدها، ((المحلاوي)) ص70-71
‎ ‏
‎ ‏

317



إليه ، ولا يعول عليه ، فتبقى دلالة العام على شمول أفراده قطعية ولا يؤثر فيها مجرد احتمال التخصيص بلا دليل ، إذ أن هذا الاحتمال من قبيل التوهم ، ولا عبرة بالوهم ولا بالتوهم

298- واحتج أصحاب القول الثاني ، وهم الجمهور ، بأن الغالب في العام تخصيصه ، وعلى هذا دل استقراء النصوص الشرعية التي وردت فيها ألفاظ العام، فما من عام إلا وقد حصص إلا في القليل النادر ، حتى شاع بين أهل العلم : أنه ما من عام إلا وقد خص منه البعض .. فإذا كان تخصيص العام هو الغالب الشائع ، فإن احتمال تخصيصه يكون قريباً ، لا وهماً ولا توهماً ، وبالتالي لا تكون دلالته على الاستغراق قطعية.

290- ثمرة الخلاف في دلالة العام :

وقد ترتب على خلاف العلماء في قوة دلالة العام ، أي من جهة قطعيتها أو ظنيتها ، اختلافهم في أمرين:

الأمر الأول:
تخصيص عام القرآن بخاص خير الآحاد . فالعلماء متفقون على أن اللفظ العام الوارد في القرآن يجوز تخصيصه بالقرآن أو بالسنة المتواترة ، ولكنهم يختلفون في جواز تخصيصه بسنة الآحاد، لأن القران قطعي الثبوت ، والسنة الآحادية ظنية الثبوت ، فلا يقوى الظني على تخصيص القطعي ، وهذا ما قال به الأحناف ، فلا يجوز عندهم تخصيص عام القرآن بسنة الآحاد ،الا إذا خصص عام القرآن بمخصص في قوته كنص من القرآن أو بسنة متواترة، لأنه بعد التخصيص يصير ظني الدلالة، فيخصصه ما هو ظني أيضاً كخبر الآحاد. ويقولون أيضاً إن تخصيص العام من قبيل البيان للمراد منه ، فلا بد أن يكون المبيِّن في قوة المبيَّن أو أقوى منه .
وعند غير الأحناف ، وهم جمهورالعلماء ،يحوز تخصيص اللفظ العام الوارد في القرآن.




______________________________________
1- ((المسودة)) ص119-134 ، الآمدي ج 2 ص472 وما بعدها ،((فواتح الرحموت)) ج1 ص265، ((أصول)) السرخسي ج1 ص133-142 و (( التوضيح والتلويح)) ج1 ص41، ((أصول الفقه)) لأستاذنا ابو زهرة ص171 وما بعدها .

318


باللفظ الخاص الوارد في سنة الآحاد ، لأن خبر الآحاد إن كان ظني الثبوت فهو قطعي الدلالة لكونه خاصاً ، وعام القرآن إن كان قطعي الثبوت فهو ظني الدلالة فتعادلا ، فجاز أن يخصص عام القرآن بخاص الآحاد .
ومن الأمثلة لتخصيصات عمومات القرآن بأخبار الآحد ، تخصيص قوله تعالى : ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اْلمَيْتَةُ)) بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو الطهور ماؤُه،الحلُّ ميتته))، وحديث: ((لا يتوارث أهل ملتين شتى)) خصص عموم الوارث في آيات المواريث ،
وخصصه أيضاً حديث : (( لا يرث القاتل )) ، وخصص عموم قوله تعالى : (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا...)) بقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا قطع في أقل من ربع دينار))، وحديث : (( لا تُنْكَح المرأة عل عمتها ولا على خالتها)) خصص العموم الوارد في قوله
تعالى : ((وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ))[النساء:24].

فوقع التخصيص بسنة الآحاد لعموم القرآن والاحتجاج به ، دليل على صحته.

والحنفية يجيبون على حجة الجمهور بأن التخصيص بهذه الأحاديث لأحد سبين : الأول : إما أن عام القرآن خصص بدليل قطعي ، فصارت دلالته على الباقي من أفراده ظنية ، فجاز تخصيص العموم في الباقي بدليل ظني كما في آية : ((وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَ?لِكُمْ ..))الآية، فإن ((ما))
لفظ عام يشمل بعمومه المشركات وغيرهن،ولكن خص بقوله تعالى: ((وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ))[البقرة:221] فصار بعد هذا التخصيص قابلاً للتخصيص بدليل ظني كخبر الآحاد الذي قالوه وهو : (( لا تُنْكَح المرأة عل عمتها ولا على خالتها)).

أما الأحاديث الأخرى التي احتجوا بها، فهي من السنة المشهورة المستفيضة، والسنة المشهورة يجوز تخصيص عام القرآن بها.

والحق، إن تخصيص القرآن بسنة الآحاد قد وقع ،واحتج به العلماء،وما دفع به الحنفيةمن أن هذه الأحاديث مشهورة،لا يسلم لهم، إذ لا دليل لهم عليه، وإذا

‎ ‏
‎ ‏319


صحت شهرة بعض الآحاد . فإن البعض الآحر يبقى من أخبار الآحاد كما بين علماء الحديث .
وعلى أية حال ، فإن الخلاف بين الأحناف والجمهور تضيق دائرته إذا علمنا ، كما ذكرنا في بحث السنة ، أن من أنواع خبر الآحاد ، عند الجمهور، السنة المشهورة ، وهذه السنة يجوز بها تخصيص عام القرآن على رأي الحنفية .

291- الأمر الثاني :

عند اختلاف حكم العام مع الخاص ، بأن يدل أحدها على حكم يخالف ما دل عليه الآخر في مسألة معينة ، يثبت أصحاب القول الأول ، القائلون بالقطعية ، التعارض بينهما لاستوائهما في قطعية الدلالة ، وفي هذه الحالة إذا علم اقترانهما في الزمان كان الخاص مخصصاً للعام ، وإن تأخر عنه في الورود كان الخاص ناسخاً للعام في بعض أفراده ، وإن جهل تاريخ الورود عمل بالراجح منهما حسب قواعد الترجيح . فإن لم يوجد تساقطا ولم يحتج بواحد منهما .

أما أصحاب القول الثاني ، القائلون بظنية دلالة العام على العموم ، فإنهم لا يثبتون التعارض بين العام والخاص، لأن الخاص قطعي الدلالة ، والعام ظني الدلالة ، والقطعي يقدم على الظني فيعمل به دونه ، أي يخصص به العام سواء علمنا أيهما أسبق تاريخاً أو جهلنا التاريخ ، وهذا عند الحنابلة والشافعية ومن واققهم .

من ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( ما سَقَتْه السماء ففيه العشر)) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة)) ، فالحديث الأول عام يشمل قليل الزرع وكثيره ،وأن فيه العشر .. والثاني خاص لا يشمل غير ما ورد فيه ، وهو خمسة أوسق ، فلا يشمل ما هو أقل منه ، فالجمهور اخذوا بالثاني ، لأنه خاص ودلالته قطعية ،ولم يأخذوا بالأول، لأنه عام ودلالته ظنية، فلم يوجبوا الزكاة فيما دون خمسة أوسق.
والحنفية، من أصحاب القول الأول،أخذوا بالحديث الأول وإن كان عاماً، لأن دلالته قطعية كدلالة الخاص ،ولأنه يوجب الزكاة في القليل والكثير خلافاً

‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏

‎ ‏320
















توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-12, 02:13 AM   المشاركة رقم: 88
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة الوورد




للثاني ، وحيث ان الاحتياط في الوجوب واجب ، فيترجح الأخذ بالحديث الأول دون الثاني ، كما إن الحديث الأول أشهر من الثاني ، والأخذ به أنفع للفقراء.

292-أنواع العام(1):

العام ثلاثة أقسام : الأول : عام دلالته على العموم قطعية ، بأن يقوم الدليل على انتفاء احتمال إرادة الخصوص به ، مثل قوله تعالى : ((وَمَا مِنْ دَابَّةٍ في اْلأَرْضِ إِلا عَلَى الله رِزْقُهَا))[هود:6].
الثاني: عام يراد به الخصوص قطعاً لقيام الدليل على أن المراد بهذا العام بعض أفراده لا كلهم ، مثل قوله تعالى : (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا))[آل عمران:97]وقوله تعالى : (( وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ )) وقوله تعالى : (( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ))[البقرة:185] فالناس ،وضمير الجماعة في أقيموا ،و((من)) ألفاظ العموم ، ولكن يراد بها بعض المكلفين لا كلهم ، لأن العقل يقضي
بإخراج المجانين ونحوهم من عديمي الأهلية من واجب التكليف ، كما أن الحديث الشريف أخرجهم من التكليف ، فقد جاء في الحديث : (( رُفِعَ القلم عن ثلاث : عن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ)). ومثله أيضاً : قوله تعالى مخبراً عن النار : (( وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ))[البقرة: 24،التحريم:6]
فالمراد بالناس بعضهم لا كلهم بدليل قوله تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُولَ?ئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ))[الانبياء:101].
الثالث: عام مخصوص ، وهوالعام المطلق الذي لم تصحبه قرينة تنفي احتمال تخصيصه ، ولا قرينة تنفي دلالته على العموم ، مثل قوله تعالى : ((وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) [البقرة: 228].
‎ ‏
‎ 293-أمثلة العام وتخصيصه من القوانين الوضعية:

أولاً: من أمثلة العام:‏
‎ ‏
‎ نص القانون المدني العراقي في المادة السابعة على ما يأتي: ((من استعمل حقه


______________________________
1-((الرسالة))للإمام الشافعي ص58 وما بعدها، وخلاف ص217-218.
‎ ‏
‎ ‏
‎ ‏321


استعمالاً غير جائز، وجب عليه الضمان)) كلمة (من) تفيد العموم ، لأنها من الفاظه .

ونص قانون العقوبات العراقي في المادة 253:

((كله من طلب أو أخذ أو قبل عطية أو وعداً يشيء لأداء الشهادة زوراً يعاقب ، ومن أعطى أو وعد أو من تدخل بالواسطة في ذلك بالعقويات المقررة للرشرة أو شهادة الزور أيهما اشد)).

كلمة ((كل من )) تفيد العموم، لان كلمة ((كل)) تفيد عموم ما أضيفت إليه ،وكذلك كلمة «من) الواردة في النص تفيد العموم ، لأنها من ،ألفاظه .

ونص قانون العقوبات العراقي في المادة 67 .

إذا ارتكب الحدث مخالفة يحكم عليه بدلاً من العقوبة المقررة لها له القانون بانذاره في الجلسة ...الخ.

كلمة ((الحدث)) تفيد العموم ، لأنها مفرد معرف بأل التعريف التي تفيد الاستغراق .

ونص قانون الأحوال الشخصية العراقي في مادته العاشر:

يسجل عقد الزواج في المحكمة المختصة بدون رسم في سجل خاص ، وفقاً للشروط الاتية :

فعبارة (( عقد الزواج)) تفيد العموم ، لأن المضاف إلى معرفة يفيد العموم .

ثامنا : ومن أمثلة تخصيص العام :
1- نص قانون الأحوال الشخصية العراقي في مادته الثامنه والخمسين على ما يأتي:

((نققة كل انسان في ماله إلا الزوجة فنفقتها على زوجها )) المخصص هنا الاستثناء ، إذ خصص نققة كل إنسان في ماله بما عدا الزوجة ، أى ان الاستثناء


322



قصر (( نفقة كل إنسان في ماله )) وهي عام على ما عدا الزوجة إذ تجب نفقتها على زوجها في جميع الأحوال ، وإن كانت ذات مال .

2 - نص قانون الأحوال الشخصية العراقي في مادته العاشرة على ما يأتي:
يسجل عقد الزواج قي الحكمة المختصة بدون رسم في سجل خاص وفقاً للشروط الآتية:

فكلمة ((المحكمة)) عام ، ولكنه خص بالمحكمة التي أعطاها القانون اختصاص تسجيل عقود الزواج ، والمخصص هنا الصفة وهي كلمة ((المختصة)).

3- القانون المدني العراقي في الفقرة الأولى من مادته السابعة والعشرين ، على ما يأتي:

(( الالتزامات غيرالتعاقدية يسري عليها قانون الدولة التي حدثت سنيها الواقعة المنشئة للالتزام)) المخصص هنا، الصفة وهي (( غير التعاقدية)) خصصت(( الالتزامات )) وهي لفظ عام ، بالالتزامات الموصوفة بأنها غيرالتعاقدية ، أي لم تنشا من العقد، فهذه هي التي يسري عليها قانون الدولة التي حدوث فيها الواقعة المنشئة للالتزام ، وليس قانون القاضي .

4- نص قانون الخدمة المدنية العراقي في الفقرة الرابعة من المادة التاسعة عشرة على ما يأتي :
(( كل موظف مثبت اشترك في دورة تدريبة لا تقل مدتها عن ستة أشهر متصلة وأكملها بنجاح يعطى قدماً لمدة ستة أشهر لغرض الترفيع . . الخ )).
حكم هذه المادة مقصور على الموظفين المثبتين دون غيرهم من الموظفين غير المثبتين ، لأن الصفة وهي كلمة ((مثبت)) خصصت عبارة ((كل موظف)) وهي من العام بالموظفين المثبتين ، فلا يسري حكم المادة على هؤلاء.
323







5- نص قانون العقوبات العراقي في مادته 311 على ما يأتي:

((يعفى الراشي أو الوسيط من العقوبات إذ بادر بإبلاغ السلطات القضائية أو الادارية بالجريمة ، أو اعترف بها قبل اتصال المحكمة بالدعوى)).
حكم المادة هو (( اعفاء الراشي والوسيط من العقوبة))وهما - أي الراشي والوسيط - من ألفاظ العموم ، مخصوص بأولئك الذين يقومون بالإبلاغ المذكور في المادة ، والمخصص هنا الشرط .

294-العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب(1):
اشتهر على ألسنة الأصوليين والفقهاء . قولهم : العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السيب ... ويريدون بهذه العبارة ، أن العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص كسؤال أو واقعة معينة . فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام ، وليست العبرة بالأسباب التي دعت الى مجيء هذه النصوص . فإذا جاء النص بصيغة عامة لزم العمل بعمومه ، دون التفات إلى السبب الذي جاء النص العام من أجله ، سؤالاً كان هذا السبب أو واقعة حدثت ، لأن مجيء النص بصيغة العموم ،يعني أن الشارع أراد أن يكون حكمه عاماً لا خاصاً بسببه. وهذا مذهب الحنابلة والحنفية وغيرهم .

والأمثلة على ذلك كثيرة منها:

أولاً : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من
الماء ، فإن توضأنا به عطشنا ، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» . فقوله : ((الطهور ماؤه)) عام حال السعة والاضطرار، ولا عبرة
بخصوص السؤال وهو السؤال عن التوضيء به لحاجة السائل إلى الماء الذي يحمله ، كما أن الحكم لا يختص بالسائل ، بل يعم الجميع .
ثانيا ً : إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة، فقال : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به )) وفي رواية اخرى : قال النبي صلى الله عليه وسلم ((أيما إهاب دبغ فقد طهره )) فقول
النبي صلى الله عليه وسلم


_______________________
1- ((المسودة))ص130، ((إرشاد الفحول)) ص117-118.

324



جاء عاماً لا خاصاً بالشاة الميتة التي رآها ، ولا بجلد الشاة الميتة دون غيرها ، فيشمل كل جلد من حيث طهارته بالدباغة.
ثالثاً: جاء في السنة أن امرأة سعد بن الربيع جاءت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت
له : هاتان ابنتا سعد بن الربيع ، قتل ابوهما معك في أحد، وقد أخذ معهما مالهما ..
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعم البنتين: أعط البنتين الثلثين، والزوجة الثمن، ومابقي فهو لك.
فهذا الحكم من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة. لا يختص بتلك الواقعة. بل يعم جميع
الناس في مثل هذه الواقعة ، ولا عبرة بكون أن أبا البنتين قتل في سبيل الله ، أو أن البنتين لا مال لهما .
رابعاً : آية اللعان وإن نزلت بسبب واقعة معينة، هي قذف هلال بن أمية زوجته. إلا أنها عامة في جميع الأزواج إذا قذفوا زوجاتهم .
وهكذا فكل عام ورد لسبب خاص من سؤال أو حادثة ، فإنه يعمل بعمومه ولا عبرة بخصوص سببه ، لأنه كما قال الإمام الشافعي : السبب لا يصنع شيئأ إنما تصنع الألفاظ ، وهكذا كان يفعل فقهاء المسلمين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي العصور التي تلته دون إنكار فكان إجماعاً.
ومن الجدير بالتنويه : أن أكثر عمومات القرآن والسنة جاءت بسبب أسئلة يتقدم بها الناس ، أو وقائع تحديث ... ومع هذا فقد عمل بعمومها الفقهاء دون إنكار ، كما قلنا .
ومثل هذا يقال في القوانين الوضعية ، فالعبرة بالفاظها ونصوصها العامة وما اشتملت عليه من أحكام عامة ، وإن كان تشرع الأحكام لأسباب خاصة أو وقائع
معينة دعت إلى تشريعها.

325



المطلب الثالث
المشترك(1)

295-تعريفه:

المشترك عند الأصوليين : لفظ يتناول أفرادا مختلفة الحدود على سبيل البدل .
أو بتعبير آخر المشترك : لفظ وضع لمعنيين أو أكثر بأوضاع متعددة. فهو إذن لم يوضع لمجموع ما يدل عليه بوضع واحد ، بل بأوضاع متعددة، أي وضع لكل معنى من معانيه بوضع على حدة كأن يوضع لهذا المعنى ثم يوضع مرة ثانية لمعنى آخر، وهكذا .

فمن المشترك الموضوع لمعنيين ققط « القرء» ، فقد وضع للطهر والحيضة .
ومن المشترك الموضوع لاكثر من معنيين ، لفط ((العين)) ، فقد وضع لعدة معان ، منها : العين الباصرة ، وعين الماء ، والجاسوس، والسلعة . ووضع هذا اللفظ لهذه المعاني ، كان وضعاً متعدداً ، أي وضع لكل معنى عن هذه المعاني بوضع على حدة. وكالمولى وضع للمعتق وللعتيق .

296- أسباب وجود المشترك في اللغة:

الألفاظ المشتركة موجودة في اللغة العربية ، فلا سبيل إلى إنكارها . وقد ذكر العلماء لهذا الوجود اسهاباً ، أهمها:
أولاً : اختلاف القبائل العربية في وضع الألفاظ لمعانيها ، فقد تضع قبيلة هذا اللفظ لمعنى ،وأخرى تضع نفس اللفظ لمعنى آخر،وثالثة تضعه لمعنى ثالث ، فيتعدد

__________________________________________________ ____
1-((شرح المنار)) ص339،الحلاوي ص81-82،و((أصول الفقه))لاستاذنا ابو زهرة ص160 وما بعدها ((أصول التشريع الإسلامي))علي حسب الله ص217 وما بعدها،((علم أصول الفقه))للشيخ عبد الوهاب خلاف ص207 وما بعدها.

326




الوضع وينقل إلينا اللفظ مستعملاً في هذه المعاني دون ان ينص علماء اللغة على تعدد الوضع أو الواضع .
ثانياً : قد يوضع اللفظ لمعنى، ثم يستعمل في غيره مجازاً، ثم يشتهر استعمال المجازي ، حتى ينسى أنه معنى مجازي للفظ ، فينقل إلينا على أنه موضوع للمعنيين الحقيقي والمجازي .

ثالثاً : أن يكون اللفظ موضوعة لمعنى مشترك بين المعنيين ،فيصح إطلاق اللفظ على كليهما ، ثم يغفل الناس عن هذا المعنى المشترك الذي دعا إلى صحة إطلاق اللفظ على كلا المعنيين ، فيظنون ان اللفظ من قبيل المشترك اللفظي ، كلفظ القرء فإنه في اللغة يطلق عل كل زمان اعتيد فيه أمر معين ، فيقال للحمى قرء، أي زمان دوري معتاد تكون فهه . وللمرأة قراء ، أي وقت دوري تحيض فيه ، ووقت آخر تطهر فيه ، وكالنكاح لفظ وضع لمعنى الضم ، فصح إطلاقه على العقد ذاته ، لأنه فيه ضم اللفظين الإيجاب والقبول ، وصح إطلاقه على الوطء أيضاُ، ولكن اشتهر إطلاقه على العقد ، فظن البعض أنه حقيقة فيه مجاز في غيره ، وظن البعض الآخر أنه في الوطء حقيقة وفي العقد مجاز .

رابعاً : أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى في اللغة ، ثم يوضع في الاصطلاح لمعنى آخر، كلفظ (( الصلاة)) وضع لغة للدعاء ، ثم وضع في اصطلاح الشرع للعبادة المعروفة .

297- حكم المشترك:

إذا ورد لفظ مشترك في نص شرعي من الكتاب أو السنة ، ينظر: فإن كان مشتركاً بين معنى لغوي ومعنى اصطلاي شرعي ، وجب حمله على المعنى الثاني .
وإن كان مشتركاً بين معنيين أو أكثر لغة ، وجب حمله على معنى واحد منها بدليل يدل على هذا الحمل .

298- الأمثلة:
327





أولاً : في قوله تعالى ((الطّلَاقُ مَرَّتَانِ)) يحمل الطلاق على معناه الاصطلاحي الشرعي ، وهو حل الرابطة الزوجية الصحيحة ، ولا يحمل على معناه اللغوي وهو حل القيد مطلقاً .

وقوله تعالى : (( أَقِمُوا الصَّلَاةَ)) يراد بلفظ ((الصلاة)) المعنى الشرعي الاصطلاحي وهو العبادة المعروفة بمهيآتها وأركانها ، لا المعنى اللغوي وهو الدعاء .

والسبب في حمله المشترك على معناه الا صطلاحي لا اللغوي ، هو أن الشارع لما نقل هذا اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي الشرعى الذي استعمله فيه ، كان اللفظ في عرف الشارع متعين الدلالة على ما وضعه الشارع له ، فيجب المصير إليه (1).

ثانياً : وفي قوله تعالى : (( وَاْلمُطلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَّ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ))[البقرة: 228].
لفظ « القرء» استعمل هنا في معناه اللغوي ، وهو إما الطهر وإما الحيضة ، فعلى المجتهد أن يبذل جهده لمعرفة المراد منه ، لأن الشارع ما أراد إلا أحد معنييه.

والمجتهدون يختلفون في تبين المراد منه حسب اجتهادهم وأنظارهم ، ومدى ترجيحهم للقرائن الدالة على هذا المعنى أو ذلك ، ولهذا نراهم اختلقوا في
معنى (( القروء)) ققال بعضهم : إنها الاطهار وقال بعضهم : هي الحيض.

استدل القائلون بالاطهار بقرائن منها : إن (( الثلاثة)) جاءت بتاء التأنيث، والتأنيث يدل على أن المعدود مذكر ،والمذكر هو الطهر لا الحيصة ، فيكون هو المراد من القرء.

واحتج الآخرون يجملة قرائن منها : إن لفظ (( ثلاثة)) خاص ، فيدل على معناه


___________________________________
1- وكذلك يعمل في الالفاظ الواردة في النصوص القانونية الوضعية ، ان كان لها معنيين: معنى لغوي، ومعنى قانوني اصطلاحي، فانها تحمل على المعنى القانوني الاصطلاحي لا اللغوي .

328





قطعاً ، فتكون مدة العدة ثلاثة قروء بلا زيادة ولا نقص ، ولا سبيل إلى هذا المقدار إلا بحمل معنى القرء على الحيضة . ويؤكد هذا المعنى ويرجحه على الأول ، أن العدة يراد بها تعرف براءة الرحم من الحمل ، والحيض هو الذى يعرفنا هذا .

ومن ذلك أيضاً : قوله تعالى : ((وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ))[النساء: 12] فالكلالة لفظ مشترك يطلق على من لم يترك والداً ولا ولداً ، ويطلق أيضاً على من ليس بوالد ولا ولد من المخلفين ((أي الورثة ))، ويطلق ايها على القرابة من جهة غير الوالد او الولد . فعلى المجتهد ان يتبين المعنى المراد من كلمة «كلالة» بالرجوع الى القرائن ونصوص المواريث ، وقد رجح جمهور الفقهاء ، بعد استقرائهم نصوص المواريث : أن المقصود بها هو المعنى الأول ، أى من ليخلف والداً ولا ولداً .

299-عموم المشترك(1):

ومعناه : أن يطلق اللفظ المشترك ويراد به جميع معانيه التي وضع لها. وقد اختلف الاصوليون في هذه المسألة عل أقواله :
القول الأول : المنع من إرادة العموم ؛ فلا يجوز استعماله المشترك إلا في معنى واحد ، فلا يجوز أن يراد به كل معانيه التي وضع لها باستعمال واحد . وهذا ما ذهب إليه جمهور الأصوليين .

والحجة لهذا القول : أن المشترك لم يوضع لجميع ما يدل عليه بوضع واحد ،بل بأوضاع متعددة ، أي وضع لكل معنى من معانيه بوضع على حدة ، فإرادة جميع معانيه بإطلاق واحد يخالف أصل وضعه ، وهذا لا يجوز . يوضحه أن المشترك يدل على معانيه على سبيل البدل لا الشمول ،أي يدل على هذا المعنى أو ذاك ، ولا يدل عليها جميعاً دفعة واحدا ، لأن وضعه لها كان وضعاً متعدداً، وهذا هو الفرق بينه وبين العام ، إذ أن العام يدل علم جميع ما يشتمل عليه لفظه من أفراد على سبيل الشمول والاستغراق ، لا على سيل البدل .


_________________________________
‎ ‏1- الآمدي ج2 ص352 وما بعدها ((شرح المنار)) ص431 وما بعدها ،((فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت))ج1 ص200.
329





القول الثاني : الجواز؛ فالمشترك ، وإن كان الأصل فيه إطلاقه على معنى واحد ، إلا أنه يجوز أن يراد به كل معانيه دفعة واحدة ، فيكون كالعام في شموله على ما يدل عليه . والحجة لهذا القول ، وروده في القرآن بهذا الشمول ، قال تعالى : ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ))[الحج:18] ، فالسجود يعني : وضع الجبهة على الأرض، وهذا في حق الناس ، ويعني : الخضوع والانقياد الجبري وهذا في حق غير الإنسان،فهما معنيان مختلفان مرادان من لفظ ( يسجد)) الواردة في النص . وفي هذا دليل عل جواز استعمال المشترك وإرادة جميع معانيه في هذا الاستعمال.

إلا أن أصحاب القول الأول يردون على هذا الاستدلال بأن السجود في الآية معناه : غاية الخضوع والانقياد ، بغض النظر عن كونه اختيارياً أو قهرياً، وهذا المعنى يتحقق في الإنسان وغيره، ف هومن قبيل المشترك المعنوي لا اللفظي . أما ذكر ((كثير من الناس)) ففيه إشارة إلى الخضوع الاختياري.

القول الثالث : الجواز بتفصيل؛ فيجوز أن يراد به العموم في النفي دون الإثبات ، كما لو حلف أن لا يكلم موالي فلان ، فإنه يحنث إذا كلم المولى الأعلى والأسفل.

وإذا أوصى بثلث ماله لمواليه أو مولاه ، بطلت الوصية ، لجهالة الموصى له ، لأن اسم المولى مشترك بين المعتق والعتيق ، ولا عموم للمشترك في الاثبات .

والراجح هوقول الجمهور، فلا يراد بالمشترك إلا أحد معانيه ، ويعرف المعنى المطلوب بالقرينة المعتبرة .
330














توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-12, 07:39 PM   المشاركة رقم: 89
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة word



المبحث الثاني
اللفظ باعتبار استعماله في المعنى
أولاً: الحقيقة(1)

300- اللفظ باعتبار استعماله في المعنى الموضوع له أو في غيره ، ينقسم إلى أربعة أقسام هي : الحقيقة ، والمجاز، والصريح ، والكناية ونتكلم عن كل واحد منها يإيجاز .

301- الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له . وقد تكون هذه الحقيقة لغوية ، وقد تكون شرعية ، وقد تكون عرفية . فاللغوية منسوبة إلى واضع اللغة، والشرعية منسوبة إلى الشارع ، والعرفية منسوية ألى العرف الخاص أو العام .

فالحقيقة اللغوية : وهي اللفظ المستعمل في معناه اللغوي الموضوع له، كالشمس والقمر و النجوم ، فهذه الألفاظ موضوعة لغة لهذه الأجرام المضيئة المعروفة .
والحقيقة الشرعية : هي اللفظ المستعمل في معناه الشرعي ، أي في المعنى الذي أراده الشرع ، كالصلاة والحج والزكاة ، للعبادات المخصوصة المعروفة ......
وكالزواج والطلاق والخلع للمعاني الشرعية الموضوعة لها .
والحقيقة العرفية : هي اللفظ المستعمل في معناه العرفي ، أي في المعنى الذي جرى العرف في استعمال اللفظ فيه، سواء كان هذا العرف عرفاً عاماً ،أو خاصاً بأرباب حرفة معينة أو علم خاص ، كلفظ السيارة ، فقد جرى العرف العام على إطلاقها على واسطة النقل المعروفة ، وكالدابة على ذات الأرجل الأربعة ، وكالألفاظ الاصطلاحية المستعملة في عرف أصحاب الحرف ، أوعلم من العلوم ، كما في الرفع

_______________________________
‎ ‏1-((أصول))السرخسي ج1 ص170-171،((منهاج الوصول إلى علم الأصول))للبيضاوي ص2 والمحلاوي ص91-93.

331



والنصب في عرف اللغويين ، والحد والماهية عند علماء المنطق ، والفقه عند علماء الفقه ، والإنذار والنسخ والإقالة عند علماء القانونى ، وهكدا .

302- حكم الحقيقة :
حكم الحقيقة بأنواعها ، ثبوت المعنى الذي وضع له اللفظ في اصطلاح المتخاطبين وعدم انتقائه عنه ، وتعلق الحكم به . وعلى هذا إذا أوصى شخص لولد زيد بألف دينار ، ثبتت الوصية له دون غيره ، لأنه لا يمكن أن يقال لولد زيد أنه ليس بولده .
وقوله تعالى : ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)) القتل حقيقة في إزهاق روح الإنسان ، والنهي منصب على هذه الحقيقة فلا يحوز إرتكابها بغيرحق . ومن حكم الحقيقة أيضاً رجحانها على المجاز ، ولهذا يثبت لها الحكم دون المجاز كلما أمكن حمل اللفظ على الحقيقة . فمن أوصى لولد زيد يشيء ، ثبتت له الوصية دون ولد ولد زيد ، لأن الولد حقيقة في الولد الصلبي مجاز في ولد الولد ، فيحمل اللفظ على الحقيقة لا على المجاز، لأنه متى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز، لأنه خلف عنها والخلف لا يعارض الأصل .

ثانياً المجاز(1)
303- المجاز : هو اللفظ المستعمل في غيرما وضع له لعلاقة بينهما وقرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقى للفظ ، كاستعمال لفظ أسد للرجل الشجاع ، والعلاقة هى المعنى الجامع بين المعنى الأصلي للفظ والمعنى المستعمل فيه اللفظ وهي الشجاعة .
ويقصد بالقرينة : العلامة الصالحة للدلالة على عدم إرادة المعنى الحقيقي للفظ من قبل المتكلم ، وإنما أراد المعنى المجازي .

304- أنواع العلاقة :
أ- المشابهة : أي الاشتراك في وصف معين بين المعنى الحقيقي للفظ ، وبين معناه المجازي المستعمل فيه ، كما في قول أهل المدينة للرسول صلى الله عليه وسلم لما قدم إليهم :


________________________________
1-((أصول))السرخسي ج1 ص171 وما بعدها،((شرح التلويح على التوضيح))ص73 وما ص169، المحلاوي ص97-94،محاضرات في أصول الفقه، للأستاذ بدر المتولى عبد الباسط ج2 ص21 وما بعدها.

332



((طلع البدرعلينا)) بجامع الإنارة بين البدرفي السماء وبين وجه النبي الكريم ..
وكما في قولنا : خالد أسد ، لاشتراكهما في وصف الشجاعة .. وكما في تسميتنا الماكر المخادع بالثعلب ، بجامع وصف المكر بينهما ، وهكذا.

ب - الكون : ومعناهُ تسمية الشيء بما كان عليه ، أي تسميته بما كان متصفاً به من قبل ، مثل قوله تعالى : ((وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)) [النساء:2] أي البالغين الراشدين الذين كانوا يتامى ، لأن دفع المال إلى اليتيم - وهو الصغير الذي مات أبوه- لا يكون إالا بعد البلوغ والرشد بدليل قوله تعالى : ((وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ))[النساء:6].
ج- الأول: أي أن يسمى الشىء بما يؤول إليه في المستقيل ، كما في قولي تعالى
حكاية عن صاحب يوسف في السجن ، وهو يقص رؤياه : (( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا )) [يوسف: 36] أي أعصر عنباً يؤول إلى الخمر .

د - الاستعداد : وهو أن يسمى الشيء بما فيه من قوة واستعداد لإحداث أثر معين
كما في قولنا : السم مميت ، أي فيه قوة الإماتة.

ه- الحلول : بإن يذكر المحل ويراد به الحال ، كما في قوله تعالى (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ )) [يوسف:82] أي أهلها ، فذكر المحل وأراد الحال فيها . ومثله : جرى النهر، أي ماؤه .

و- الجزئية وعكسها : بأن يطلق الجزء ويراد به الكل ، ويطلق الكل ويراد به الجزء

فمن الأولى : قوله تعالى : ((فَكُّ رَ قَبَةٍ)) وقوله تعالى في كفارة الظهار : ((فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ )) فالمراد بالرقيةفي الآيتين شخص الرقيق ، فيراد تحريره، ومثله : (( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ )) أطلق الجزء وأراد الكل ، أي شخص أبي لهب.

ومن الثاني : قوله تعالى : ((يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم))[البقرة:19]، أي أناملهم ،فأطلق الكل وأراد الجزء.
333



ز- السببية : بأن يطلق السبب ويراد المسبب ، أو بالعكس .

من الأول : قول القائلين : فلان أكل دم أخيه ، اي ديته ، لأن إراقة دمه سبب الدية التي استحقها الأخ.

ومن الثاني : قول الزوج لزوجته : اعتدى ، يريد طلاقها لأن العدة سببها الطلاق ، فأطلق المسبب وأراد السبب .

هذا وإن المجاز الذي علاقته المشابهة يسمى استعارة . والذي علاقته غير المشابهةيسمى المجاز المرسل
305- أنواع القرينة:

القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي للفظ أنواع :

أ- قرينة حسية : كقوله القائل : أكلت من هذه الشجرة ، أي من ثمرتها ، لأن الحس
يمنع إرادة أكل عين الشجرة

ب - قرينة عادية أو حالية : أي حسب العادة وظروف الحال ، كما في قول الزوج لزوجته ، وهى تريد الخروج وهو يريد منعها : إن خرجت فأنت طالق ، فيحمل كلامه على الخروج في ذلك الظرف دون غيره .

ج- قرينة شرعية : كما في التوكيل بالخصومة ، تحمل على إعطاء الجواب ومدافعة حجج الخصم أمام القضاء ، ولا تحمل على النزاع والخصام والاعتداء على الخصم ، لأن هذه المعاني ممنوعة شرعاً . وكما في الفاظ العموم الواردة بصيغ المذكر مثل: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)) تُحمَل على الذكور والإناث ، لما عرف في الشرع من عموم التكليف بالنسية للرجال والنساء .

306- حكم المجاز :
أ- ثبوت المعنى المجازي للفظ ، وتعلق الحكم به ، كما في قوله تعالى : ((أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ))[النساء:43،المائدة:6]، يراد بالغائط هنا: الحدث
334



الأصغر ،ولا يراد معناه الحقيتي : وهو المحل المنخفض ، ويتعلق الحكم به:

وهو التيمم عند إرادة الصلاة إذا لم يتيسر الماء ، ومثله قول تعالى : (( أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ)) يراد بالملامسة هنا معناها المجازي وهو الوطء، لا معناها الحقيقي وهو
المس باليد .

ب - لا يصار إلى المجاز إذا أمكن المعنى الحقيقي ، أي إن الكلام يحمل على الحقيقة كلما أمكن هذا الحمل ، لأن الحقيقة أصل ، والمجاز خلف عنه وفرع ، ولا يصار إلى الخلف أو الفرع إذا أمكن الأصل . ولكن إذا تعذر حمل الكلام على الحقيقة فإنه يصار إلى المجاز، لأن إعمال الكلام خير من إهماله .
وعلى هذا إذا أوصى لولد زيد بألف دينار، حمل الكلام على الحقيقة فلا تثبت الوصية إلا لولد زيد الصلبي ، فإن لم يكن له ولد صلبي ، ينظر : فإن كان له ولد ولدٍ، حمل الكلام عليىه وثبتت له الوصية ، لأنه المعنى المجازي لكلمة الولد ، وقد تعذرت الحقيقة فيصار إلى المجاز . وإذا لم يوجد له ولد ولد ،أهمل الكلام لتعذر حمله على واحد منهما ، ومثال إهمال الكلام : دعوة البنوة إذا كان المدعى عليه بها أ كبر سناً من المدعي .
307- الجمع بين الحقيقة والمجاز :
لا يمكن أن يراد باللفظ الواحد الحقيقة والمجاز في حالة واحدة على أن يكون كل واحد منها مراداً، مثاله : لا تقتل الأسد ، وتريد به السبع والرجل الشجاع ، لأن المعنى الجقيقي هو المتبادر من اللفظ عند الإطلاق، وإذا وجدت قرينة على إرادة المعنى المجازي تعين اللفظ لهذا المعنى المجازي ، وانتفت إرادة المعنى الحقيقي .
وذهب بعضهم إلى جواز ذلك ، والصواب الأول .
نعم ، يجوز استعماله اللفظ في معنى مجازي يندرج تحته المعنى الحقيقي ،وهو الذي يسمونه عموم المجاز فيمكن ، مثل حمل لفظ الأم على الأصل ، فيشمل الأم الوالدة والجدات ، ومثله ايضاً: إذا حلف شخص أن لا يضع قدمه في دار فلان فيراد من وضع القدم الدخول ، لأنه سبب ، فذكر اسم اسبب وأراد المسبب ، وهو معنى
335




مجازي شامل للدخول حافياً أو منتعلاً ، فيحنث بعموم المجاز لا بالجمع بين الحقيقة والمجاز.

ثالثاً : الصريح والكناية(1)

308- الصريح : هو اللفظ الذي ظهر المراد منه ظهوراً تاماً لكثرة استعماله فيه ، حقيقة كان أو مجازاً فمن الأول : أنت طالق ، فإنه حقيقة شرعية في إزالة النكاح صريح فيه.
ومن الثاني قوله تعالى : (( وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)) فهو صريح وإن كان مجازاً ، لأنه صريح في أن المراد به: وأسأل أهل القرية . ومثله أيضاً : قول القائل : والله لاآكل من هذه الشجرة ، فإنه مجاز مشتهر لهجر الحقيقية ، لأن أكل عين الشجرة متعذر عادة ، فينصرف يمينه إلى المجاز وهو أكل ثمرها.

309- حكم الصريح:

وحكم الصريح : ثبوت موجبه بلا نية ، أي تعلق الحكم بنفس الكلام دون توقف ذلك على نية المتكلم ، أي سواء نوى معناه أو لم ينوه لظهور معناه ووضوحه كلفظ الطلاق جعله الشارع سبباً لوقوع الفرقة ، فيثبت هذا الحكم قضاء بمجرد التلقظ بلفظ الطلاق إذا ما توافرت شروط صحة الطلاق ، ولا يصدق في أنه نوى الخلاص من القيد ، لأن اللفظ صريح في الطلاق فيحكم القاضي بظاهر. وكلفظ
البيع - إذا ما اقترن به القبول- جعله الشارع سبباً لانتقال ملكية المبيع من البائع الى المشتري ، فثبت هذا الحكم بمجرد ذكرهما إذاما توافرت الشروط اللازمة لاعتبار البيع وصحته ، سواء نوى العاقدان معنى ما تلفظا به أو لم ينويا .

310- الكنابة:
وهي في اللغة : أن تتكلم بشيء وتريد به غيره.
وفي الاصطلاح : لفظ استتر المعنى المراد به بحسب الاستعمال ، ولا يفهم إلا بقرينة ، سواء كان هذا اللفظ حقيقة أو مجازاً غير متعارف(2) ، مثل قول الرجل


____________________________________
1- المحلاوي ص98-100،((أصول))السرخسي ج1 ص187 وما بعدها.
2- قال الاصوليون ، الحقيقة المهجورة كتاية ، والمستعملة صريحة ، والمجاز المتعارف صريح وغير المتعارف كناية . المحلاوي ص 99


336



لزوجته : حبلك على غاربك ، أو الحقي بأهلك ، أو اعتدي ، فهذه العبارات كناية عن الطلاق .

وحكم الكناية : عدم ثبوت موجبها إلا بالنية أو بدلالة الحال ، كقول الرجل لزوجته : اعتدي ، يريد الطلاق . أو قال لها ذلك بعد أن طلبت هي منه الطلاق .

ومن أحكام الكناية أيضاً : أنه لا يثبث بها ما يندرىء بالشبهات كحد القذف، فلو قال شخصى لآخر : أما أنا فلست بزانٍ . فهذا لا يعتبر قذقاً موجباً لحد القذف
لأن الكناية ، فكان خفاء المراد منها شبهة تدرأ حد القذف عن القائل .


337



‫المبحث الثالث‬
‫دلالة اللفظ على المعنى‬

‫‪ اللفظ باعتبار وضوح دلالته على معناه ‪ -311
،أو خفاء هذه الأدلة ينقسم الى‬ ‫قسمين‪ :‬واضح الدلالة وغير واضح الدلالة‪ .‬ونتكلم عن كل قسم في مطلب على‬ ‫حدة ‪.‬‬

‫المطلب الأول‬

‫الواضح‬ ‫الدلالة‬

‫‪ - 312 ‬الواضح الدلالة أربعة أقسام ‪ :‬الظاهر‪ ،‬والنص ‪ ،‬والمفسر‪،‬‬ ‫والمحكم ‪ .‬وأساس هذه القسمة تفاوت هذه الأقسام في قوة وضوح دلالتها وضعفها‪،‬‬ ‫فأقلها وضوحاً ‪ :‬الظاهر‪ ،‬ثم يليه النص ‪ ،‬ثم يشتد الوضوح في المفسر‪ ،‬ثم يبلغ‬ ‫ذروته في المحكم ‪ ،‬ونتكلم فيما يلي عن كل واحد منها على انفراد ‪.‬‬

‫أولاً ‪ :‬الظاهر(1)

‫‪ - 313‬الظاهر في اللغة‪ :‬هو الواضح ‪ ،‬وفي الاصطلاح ‪ :‬هو الذي ظهر المراد‬ ‫منه بنفسه‪ ،‬أي من غير توقف على أمر خارجي ‪ ،‬ولم يكن المراد منه هو المقصود أصالة‬ ‫من السياق‪ ،‬أي من سياق الكلام ‪.‬‬

‫مثاله‪ :‬قوله تعالى : (( و‪ أحل الله البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) [البقرة‪[ 275 :‬ ظاهر في‬ ‫إحلال البيع وتحريم الربا ‪ ،‬لأن هذا المعنى هو المعنى الظاهر المتبادر فهمه من كلمتي ‪:‬‬


1- ((‬أصول)) السرخسي ج ‪ 1‬ص163-164 ‪‬ ((فواتح الرحموت))‪ ‬ج ‪ 2‬ص 19، ‪ ‬شرح المنار‪ ،‬ص349-350 ،‬‫‪ ‬وعبد الوهاب خلاف ص188-189. ‪ ‬‬
‫‪338




‫أحل وحرم ‪ ،‬من غير حاجة إلى قرينة خارجية‪ ،‬وهو غير مقصود اصالة من سياق الآية‬ ‫الكريمة‪ ،‬لأن المقصود الأصلي منها هو نفي المماثلة بين البيع والربا‪ ،‬ورداً على الذين‬ ‫قالوا‪ :‬إنما البيع مثل الربا ‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪ :‬قوله تعالى‪ )) :‬وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عنه فانتهوا))‬ ‫[الحشر‪ [ 7:‬ظاهر في دلالته على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يأمر به أو ينهى‬ عنه ‪ ،‬وهذا المعنى هو المتبادر فهمه من نفس ألفاظ الآية الكريمة‪ ،‬إلا انه ليس هو‬ ‫المقصود الأصلى من سياق الآية‪ ،‬لأن الآية مسوقة أصلاً للدلالة على وجوب طاعة‬ ‫الرسول صلى الله عليه وسلم في قسمة الفيء‪ ،‬وتدل تبعاً على وجوب طاعته مطلقاً‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪:‬‬

‫قوله تعالى‪)) :‬فانكحوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النساءِ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ‬ ‫ألاَّ تَعْدِلوا فَواحِدةً)) [النساء‪ . [3 :‬ظاهر في إباحة نكاح ما حل من النساء‪،‬‬ ‫وهذا المعنى غير مقصود أصالة من سياق الآية‪ ،‬وإنما المقصود الأصلي من‬ ‫سياقها هو إباحة تعدد الزوجات إلى حد أربع زوجات عند أمن الجور‪ ،‬وإلا‬
‫فواحدة غند الخوف من عدم العدل ‪.‬‬

‫وقوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن طهورية ماء البحر‪)) :‬هو الطهور ماؤه ‪ ،‬الحل ميتته)) ‫فهو ظاهر في حكم ميتة البحر‪ ،‬لأنه ليس هو المقصود أصالة من البيان ‪ ،‬لأن السؤال‬ ‫وقع عن ماء البحر لا عن ميتته ‪.‬‬

‫‪ 314‬ - حكم الظاهر‪:‬‬

‫‪ - 1‬إنه يحتمل التأويل‪ ،‬أي صرفه عن ظاهره وارادة معنى آخر منه‪ ،‬كأن يخصص إن‬ ‫كان عاماً‪ ،‬ويقيد إن كان مطلقاً‪ ،‬ويحمل على المجازلا على الحقيقة‪ ،‬وغير ذلك‬ ‫من أنواع التأويل ‪.‬‬

‫‪ ‬2- وجوبه العمل بمعناه الظاهر ما لم يقم دليل يقتضي العدول عنه‪ ،‬أي تأويله إلى‬ ‫غير معناه الظاهر‪ ،‬لأن الأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره‪ ،‬إلا بدليل‬ ‫يقتضى ذلك‪ ،‬مثاله‪ :‬قوله تعالى‪)) :‬وَأَحَلّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّيا)) ظاهر في‬ ‫عموم البيع وحله‪ ،‬ولكن خص منه بيع الخمر فلا يجوز‪ ،‬وكذابيع الإنسان ما‬
‫‪



339



‫ليس عنده وغير ذلك من البيوع التي نهى الشارع عنها‪ ،‬فلا تندرج في عموم‬ ‫البيع الحلال المستفاد من ظاهر الآية ‪.‬‬
‫‪ ‬3- يقبل النسخ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه لا نسخ بعده صلى الله عليه وسلم ‪.‬‬

‫ثانياً‪:‬‬ ‫النص (1)‬‬

‫‪- 315‬النص‪ ‬في الاصطلاح‪ :‬ما دل بنفس لفظه وصيغته على المعنى دون‬ ‫توقف على أمر خارجي ‪ ،‬وكان هذا المعنى هو المقصود الأصلي من سوق الكلام (2).‬‬ ‫وعلى هذا فإن النص أظهر من الظاهر في‬ ‫دلالته‬ علي معناه وأظهريته‬ ‫هذه جاءت‬ بسبب سوق الكلام لبيان هذا المعنى‪ ،‬لا لذات صيغته‪ ،‬مثاله‪ :‬قوله تعالى‪)) :‬وَأَحَل‬ ‫الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) فإنه ظاهر في تحليل البيع وتحريم الربا‪ ،‬ونص في التفرقة بين‬ ‫البيع والربا‪ ،‬لأن هذا المعنى ‪ -‬وهو التفرقة بين البيع والربا ‪ -‬هو المتبادر فهمه من‬
‫الأية ‪ ،‬وهذا المعنى هو المقصود الأصلي من سياق الآية‪ ،‬لأنها وردت للرد على الكفار‬ ‫الذين قالوا‪ :‬إنما البيع مثل الربا ‪.‬‬

‫‪ ‬316- حكم النص‪:‬‬
‫أنه يقبل التأويل‪ ،‬ويقبل النسخ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فقط‪ ،‬ويجب العمل به ما‬
‫لم يقم دليل على تأويله‪ ،‬أي ما لم يقم دليل على العدول عنه وإرادة غير ما نص عليه‪،‬‬ ‫فيعمل بموجب التأويل ‪.‬‬
‫‪- 317‬الفرق بين الظاهر والنص‪:‬‬

‫أولاً‪ :‬إن دلالة النص على معناه أوضح من دلالة الظاهر على معناه‪.‬‬
‫ثانياً‪ :‬إن معنى النص هو المقضود الأصلي من سوق الكلام ‪ ،‬أما الظاهر فمعناه‬ ‫مقصود تبعاً لا أصالة من سوق الكلام ‪.
‫ثالثاً‪ :‬إن احتمال النص للتأويل أبعد من احتمال الظاهر له.


________________________________________
1- ((أصول ))السرخسي ج1 ص 164-165، ((فواتح الرحموت))ج2 ص109 المحلاوي ص84-85.

‫2- ويطلق «النص» على كل آية قرآنية أو حديث نبوي فيقال ‪ :‬نصوص القرآن والسنة‪ ،‬فيشمل لفظ‬
‫((النص ))‪ ،‬بهذا المعنى ‪ :‬الظاهر والنص والمفسر والمحكم بمعانيها الاصطلاحية‪.‬‬


340
















توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-10-12, 07:53 PM   المشاركة رقم: 90
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,746 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 93
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة word




رابعاً :عند التعارض بينهما يرجح النص على الظاهر.
318- التأويل (1) :

التأويل في اللغة مأخوذ من :آل يؤول أي رجع ،ومنه قوله تعالى : (( وَابْتِغَاءَ تَأْوِيِلِهِ» [آل عمران : 7] أي ما يؤول إليه أي ما يرجع إليه .وفي الاصطلاح الشرعي ، التأويل من حيث هو تأويل ،هو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله له. وأما التأويل الصحيح فهو حمل اللفظ على غير مدلوله الظاهر منه مع احتماله بدليل يعضده. وعرفه صاحب ((التلويح )) بأنه صرف اللفظ عن معناه
الظاهر إلى معنى مرجوح يحتمله لدليل دل على ذلك .

وقد قلنا :إن كُلّاً من الظاهر والنص يحتمل التأويل فيصرف عن معناه الظاهر المتبادر إلى معنى آخر لدليل يقتضي هذا التأويل.والأصل عدم صرف اللفظ عن ظاهره، ومعنى ذلك أن حمله على غير ظاهره، أي تأويله لا بد أن يستند إلى دليل مقبول ، ولهذا كان التأويل قسمين: صحيح مقبول ،وفاسد مرفوض. فالصحيح ما توافرت فيه شروط صحة التأويل وهي:

أولاً: أن يكون اللفظ قابلاً للتأويل وهو الظاهر والنص. أما المفسر والمحكم فلا يقبل واحد منهما التأويل .
ثانياً: أن يكون اللفظ محتملاً للتأويل ،?أي يحتمل المعنى الذي يصرف إليه اللفظ ولو احتمالاً مرجوحاً? ،أما إذا لم يحتمله أصلاً فلا يكون التأويل صحيحاً.

ثالثاً: أن يكون التأويل مبنياً على دليل معقول من نص أو قياس أو إجماع أو حكمة التشريع ومبادئه العامة. فإذا لم يستند التأويل إلى دليل مقبول كان تأويلاً غير مقبول .

رابعاً: أن لا يعارض التأويل نصاً صريحاً.


__________________________
1- الأمدي ج 3ص 73وما بعدها (( ،فواتح الرحموات )) ج 2ص 22وخلاف ص 191وما بعدها. ((والتلويح والتوضيح)) ج 1ص 125 ((إرشاد الفحول)) ص177.


341



والتأويل بعد هذا ،قد يكون تأويلاً قريباً إلى الفهم يكفي في إثباته أدنى دليل.
وقد يكون تأويلاً بعيداً عن الفهم فلا يكفي فيه أي دليل، بل لا بد فيه من دليل قوي
يجعله تأويلاً سائغاً مقبولاً، وإلا كان بمنزلة التأويل غير المقبول فيرفض.

319- فمن التأويل الصحيح ،تخصيص عموم البيع المستفاد من قوله تعالى : «وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ» بالسنة التي نهت عن بيوع معينة كبيع الإنسان ما ليس عنده.
ومن التأويل الصحيح أيضاً: أن عموم المطلقات المستفاد من قوله تعالى : «والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَيُصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ» خص بالمدخول بهن، بدليل قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا» [الأحزاب 49 :] كما خص عمومات المطلقات بغير الحامل، لأن عدة الحامل وضع الحمل، بدليل قوله تعالى : (( وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ))[الطلاق: 4].
ومن التأويل السائغ : تأويل الشاة في الحديث الشريف)) : وفي كل أربعين شاة ،شاة)) بالقيمة ،فيكون معنى الحديث الشريف : أن الواجب في زكاة الأربعين شاة هو شاة أو قيمتها. دليل هذا التأويل : هو أن المقصود من الزكاة سد حاجة الفقراء، وهذا المقصود كما يحصل في إخراج الشاة بعينها وإعطائها للفقير، يحصل أيضاً بإخراج قيمتها وتوزيعها على المستحقين (1).

ومن التأويل السائغ : حمل البيع على الهبة وبالعكس ، لدليل دل على ذلك لاحتمال كل من اللفظين للأخر من حيث الجملة .

وقد يكون التأويل بعيداً لا يستند إلى دليل مقبول، فلا يكون تأويلاً سائغاً فلا يقبل، ومثاله: جاء في الحديث الشريف أن فيروزا الديلمي أسلم على أختين، أي إنه أسلم وعنده زوجتان هما أختان ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( أمسك أيتهما شئت ، وفارق الأخرى)) المعنى الظاهر المتبادر إلى الفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لفيروز أن يفارق أيتهما شاء ، ويمسك الأخرى ، إلا أن الحنفية أولوا هذا الحديث فقالوا : إن معناه إمساك


______________________________
1- اعتبر الأمدي هذا التأويل من الحنفية من التأويلات البعيدة وبالتالي لم يعتبره مقبولا. الآمدي ج3ص79.
342




الزوجة الأولى ومفارقة الأخرى إذا كان الزواج بهما جرى في عقد واحد. ودليل تأويل الحنفية القياس على المسلم إذا تزوج أختين في عقد واحد أو في عقدين متتاليين.
وهذا دليل ضعيف فيكون تأويلهم بعيداً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل فيروزاً عن كيفية زواجه بهما، وهل جرى في عقد واحد أو في عقدين ، ولو كان المراد من الحديث ما قاله الأحناف ،لسأله هذا السؤال أو لبين له الحكم ابتداء ، لأنه حديث عهد بأحكام الإسلام فينبغي تعريفه بها، وحيث لم يحدث شيء من هذا، فإن تأويل الأحناف يبدو ضعيفاً مرجوحاً فلا يُقبَل.


320- التأويل في القوانين الوضعية :
والتأويل في الظاهر والنص كما يجوز في النصوص الشرعية، يجوز كذلك في النصوص القانونية إذا كان سائغاً، ومن أمثلة ذلك: كلمة «الليل» الواردة في قانون العقوبات المصري في جريمة السرقة ،واعتباره ظرفاً مشدداً في المادة 313والمادة ،713وكذلك جعل ((الليل)) ظرفاً مشدداً في تخريب آلات الزراعة المنصوص عليها في المادة 352 ، 356من قانون العقوبات المصري .فالظاهر من كلمة الليل هو من غروب الشمس إلى شروقها، ولكن يحتمل التأويل إلى وقت اشتداد ظلمة الليل.
بقرينة أن الداعي لتشديد العقوبة هو اغتنام السارق فرصة الظلام لإيقاع جريمته ، والظلام لا يعم أثر غروب الشمس مباشرة. وعلى كل حال يجب التأني في التأويل والحذر من مباشرته، والتأكد من وجود الدليل على صحته لئلا يقع الفقيه في الخلط ، واتباع الأهواء بزعم التأويل .

ثالثاً : المفسر(1)

321- المفسر مأخوذ من الفسر وهو الكشف ،فهو المكشوف معناه. وفي الاصطلاح: هو ما ازداد وضوحاً على النص ودل بنفسه على معناه المفصل على وجه
لا يبقى فيه احتمال للتأويل ،ومثاله قوله تعالى: (( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً ))[التوبة :36] فإن كلمة المشركين اسم ظاهر عام ولكن يحتمل التخصيص، فلما
___________________________________
1-((فواتح الرحموت))ج2 ص19-20،المحلاوي ص85-86، خلاف ص193،((أصول)) السرخسي ج1 ص 165.
343




ذكر بعده كلمة ((كافة)) ارتفع احتمال التخصيص فصار مفسراً.
ومثاله أيضاً: قوله تعالى : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً )) [النور: 4] فإن لفظ ثمانين لا يحتمل التأويل، لأنه عدد معين لا يقبل الزيادة والنقصان فيكون من المفسر .

ومثاله أيضاً: قوله تعالى في نفي العدة عن المطلقات قبل الدخول: (( فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا))[الاحزاب:49] فإن كلمة ((تعتدوتها)) نفت احتمال تأويل العدة بغير المدة المعهودة التي تتربصها المطلقة، فتكون العدة هنا من قبيل المفسر . ومثاله أيضاً: طلقي نفسك واحدة . فإن كلمة «طلقي » خاص يحتمل التأويل بالثلاث ، ولكن بذكر الواحدة ارتفع احتمال التأويل .

ومثاله أيضاً: الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم مجملة، وفصلتها السنة تفصيلاً قطعياً أزال إجمالها ،فإنها تصير من المفسر، كقوله تعالى: (( أقيمُوا الصَّلاة وَآتُوا الزَّكاة)) (( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا )) [آل عمران : 97]. فإن النبي صلى الله عليه وسلم فصل معاني الصلاة والزكاة والحج ، وبين المقصود منها بأقواله وأفعاله، فصارت هذه الألفاظ من المفسر الذي لا يحتمل التأويل .

322- أما حكم المفسر: فهو وجوب العمل به كما فصل، وبما دل عليه قطعاً مع احتماله النسخ في عهد الرسالة إذا كان من الأحكام القابلة للنسخ . أما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فكل من القرآن والسنة من المحكم الذي لا يحتمل النسخ الانقطاع الوحي.

323- الفرق بين التفسير والتأويل :
التفسير الذي يكون به المفسر غير قابل للتأويل ، هو التفسير المستفاد من نفس الصيغة كما في الأمثلة التي ذكرناها من النصوص القرآنية، أو المستفاد من بيان تفسيري قطعي وارد من الشارع نفسه، كما ذكرنا في أمثلة الصلاة والزكاة والحج ، التي فسرتها السنة النبوية وجعلتها غير قابلة للتأويل، ويعتبر هذا التفسير ملحقاً بنفس الصيغة أو اللفظ ويكون جزءاً من النص. وأما التأويل فهو بيان للمراد من

344




اللفظ بدليل ظني عن طريق الاجتهاد، ولكنه ليس قطعياً كما هو بالمفسر الذي جاءه التفسير، أي بيان المراد من النص ، من قبل الشارع نفسه، ولهذا كان تأويل المجتهدين غير قطعي ، ويمكن أن يكون المراد غير ما ذكروه.
324- المفسر في القوانين الوضعية :
إذا جاءت النصوص القانونية الوضعية دالة بنفس صيغها على معانيها المفصلة على وجه ينفي احتمال تأويلها، كانت في هذه الحالة من المفسر مثاله: المادة 451 من القانون المدني العراقي التي نصت على ما يأتي : (( تكون السندات الرسمية حجة على الناس كافة بما دون فيها من أمور قام بها الموظف العام في حدود مهمته أو وقعت من ذوي الشأن في حضوره ما لم يتبين تزويرها بالطرق المقررة قانوناً ))فالسندات المذكورة في هذه المادة حجة على جميع الناس بلا استثناء، لأن ورود كلمة كافة بعد الناس نفي احتمال التخصيص فصار من المفسر.
325- ما ومن المفسر في القوانين الوضعية جميع الألفاظ الواردة فيها والتي بينت هذه القوانين نفسها المعنى المراد منها، والغالب في القوانين العراقية الوضعية أنها تبين المعاني المقصودة من العبارات والألفاظ الواردة فيها، فتعتبر هذه النصوص وهذه الألفاظ والعبارات من المفسر الذي لا يحتمل التأويل ،مثاله: المادة الثانية من قانون الخدمة المدنية المعدل رقم 24لسنة 1960. حيث نصت هذه المادة على الآتي.
يقصد في هذا القانون بتعبير:
الموظف : كل شخص عهدت إليه وظيفة دائمة داخلة في الملاك الخاص بالموظفين .

المستخدم : كل شخص تستخدمه الحكومة في خدمة داخلة في الملاك الدائم الخاص بالمستخدمين .

الملاك : مجموع الوظائف والدرجات المعينة لها المصادق عليها بموجب قانون الميزانية أو من قبل وزير المالية .
الوزير: رئيس الوزراء فيما يختص بموظفي ومستخدمي ديوان مجلس الوزراء

345



والدوائر التابعة له ، والوزير المختص فيما يختص بموظفي ومستخدمي وزارته.....الخ.
فالمعنى المراد من الموظف أو المستخدم أو الملاك أو الوزير.. إلخ ، بينه القانون نفسه على نحو ينفي احتمال تأويله إلى غير المعنى الذي بينه ، فيكون من المفسر.

326- ومن المفسر أيضاً في القوانين الوضعية، أن يقوم المشرِّع الوضعي بنفسه بإيراد التفسير لنص قانوني، ويبين معناه بتفصيل وتحديد ينفي عنه احتمال إرادة غير المعنى الذي فصله وحدده ،?فيكون النص في هذه الحالة من المفسر، ويلحق التفسير بالنص الأصلي ويكون جزءاً منه ،سواء صدر هذا التفسير من المشرِّع نفسه كما قلنا ، أو صدر ممن خوله حق إصدار هذا التفسير، ومن أمثلة هذا التفسير الصادر ممن خوله المشرع الوضعي إصداره ، أن القانون المصري رقم 164لسنة 1952 أضاف إلى قانون الإصلاح الزراعي المصري رقم 178لسنة 1952مادة جديدة برقم14( مكرر) يعطي الهيئة العليا للإصلاح الزراعي سلطة تفسير أحكام هذا القانون ، واعتبر قراراتها في هذا الشأن تفسيراً تشريعياً ملزماً، وتنشر هذه القرارات في الجريدة الرسمية(1).

رابعاً: المحكم(2)

327- المحكم في اللغة: المتقن ، وفي الاصطلاح الشرعي : هو اللفظ الذي ظهرت دلالته بنفسه على معناه ظهوراً قوياً على نحو أكثر مما عليه المفسر، ولا يقبل التأويل ولا النسخ .

فهو لا يحتمل التأويل، لأن وضوح دلالته بلغت حداً ينتفي معها أي احتمال للتأويل . وهو لا يقبل النسخ ، لأنه يدل على حكم أصلي لا يقبل بطبيعته التبديل والتغيير، أو يقبله بطبيعته، ولكن اقترن به ما ينفي احتمال نسخه .
_________________________
1- ((المدخل للعلوم القانونية)) لاستاذنا الدكتور عبد المنعم البدراوي ص 211-
2- ((المسودة)) ص ، 161-162 المحلاوي ص 86 -87، السرخسي ج1 ص165،خلاف ص 195-196.

346




فمن الأحكام الأصلية الأساسية التي لا تقبل بطبيعتها أي نسخ ، النصوص الواردة بالإيمان بالله واليوم الآخر والرسل، وتحريم الظلم ، ووجوب العدل ونحو ذلك .

ومن الأحكام الجزئية التي اقترن بها ما يدل على تأييدها، قوله تعالى في قاذفي
المحصنات : (( وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدَاً )) [النور:4]، وقوله تعالى في تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده : (( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدَاً )) [الأحزاب: 53] ،وقوله صلى الله عليه وسلم : (( الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة)).
ويسمى هذا النوع : محكماً لعينه ، وهذا القسم هو المراد هنا. وقد يكون المحكم لانقطاع الوحي بموته صلى الله عليه وسلم ،ويسمى : محكاً لغيره، وهو غير مقصود هنا.

328- حكم المحكم :
وجوب العمل بما دل عليه قطعياً، ولا يحتمل إرادة غير معناه، ولا يحتمل نسخاً ولا إبطالاً.

329- مراتب واضح الدلالة :
قلنا: إن واضح الدلالة أربعة أنواع : الظاهري، النص، المفسر، المحكم .
وكلها واضحة الدلالة، ولكنها تتفاوت في قوة وضوح دلالتها على المراد منها، فأقواها في وضوح الدلالة :المحكم، ثم المفسر، ثم النص، ثم الظاهر. ويظهر أثر هذا التفاوت عند التعارض ،فإذا تعارض ظاهر ونص قدم النص ، لأنه أوضح دلالة من الظاهر. وإذا تعارض نص ومفسر رجح المفسر على النص ،ويرجح المحكم على الجميع . وسنذكر الأمثلة على ذلك عند الكلام عن التعارض والترجيح في الفصل
الثالث .

المطلب الثاني
غير الواضح الدلالة
330- وهو اللفظ الذي في دلالته على معناه خفاء وغموض ، فلا يدل على


347




المراد منه بنفسه ، بل يتوقف ذلك على أمر خارجى . وهو في الخفاء على مراتب : أعلاها المتشابه ،وأقل منه خفاء المجمل ، ثم المشاكل ، ثم الخفى . ونتكلم فيما يلي عن كل واحد على حدة .

أولاً : الخفي(1)

331- الخفي لفظ دلالته على معناه ظاهرة، إلا ان فى انطباق معناه على بعض أفراده غموضاً وخفاءً يحتاج إلى شيء من النظر والتأمل لإزالة هذا الغموض أو الخفاء بالنسبة إلى هذا البعض من الافراد .

مثاله : لفظ السارق في قوله تعالى: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا )) والسارق هو من يأخذ مال الغير خفية من حرز مثله. والظاهر من لفظ السارق أنه يتناول جميع أفراده ، حتى من يسرق الناس في يقظتهم بنوع من المهارة وخفة اليد وهو المسمى «الطرار»، كا يتناول لفظ السارق،حسب الظاهر، من يسرق أكفان الموتى من قبورهم وهو المسمى بالنباش . ولكن اختصاص الأول باسم الطرار، واختصاص الثاني باسم النياش، جعل لفظ السارق خفى المعنى بالنسبة إليهما، لأن انطباق
معناه عليهما لا يفهم من نفس اللفظ، بل لابد له من أمر خارجى. ووجه الخفاء ما يرد إلى الذهن من أن اختصاصهما بهذين الاسمين يعنى أنهما ليسا من أفراد السارق. ولكن بالنظر والتأمل يتبين أن اختصاص الطرار بهذا الاسم مرده زيادة في معنى السرقة لحذقه ومهارته في مسارقة الأعين المستيقظة، منتهزاً غفلة المسروق منه، فسرقته بهذا الاعتبار أخطر وجريمته أفظع، فيتناوله لفظ السارق، ويقام عليه حد
السرقة. أما النباش فقد اختص بهذا الاسم لنقصانه في معنى السرقة، لأنه لا يأخذ مالاً مرغوباً فيه من حرز أو حافظ، لأن القبر لا يصلح حرزاً والميت لا يصلح حافظاً ، فلا يتناوله لفظ السارق فلا يقام عليه حد السرقة وإنما يعزر، وهذا على مذهب بعض الفقهاء كأبي حنيفة رحمه الله .

وقال الجمهور: إن لفظ السارق يتناول النبَّاش، لأن اختصاصه بهذا الاسم

____________________________
1- ((أصول )) السرخسي ج1 ص167 ، المحلاوي ص87-88 خلاف ص 198-200.
348




‫لا ينفي انطباق معنى السارق عليه‪ ،‬وإنما يكون هذا الاختصاص كاختصاص نوع‬ معين من أنواع الجنس باسم فيبقى مندرجاً تحت هذا الجنس‪ ،‬وهنا يكون النباش‬ نوعاً من أنواع جنس السارق‪ ،‬فيصدق عليه اسم السارق‪ .‬أما كون القبر غير حرز‪،‬‬ ‫فمردود ‪ ،‬لأنه يصلح أن يكون حرزاً بالنسبة للكفن‪ ،‬لأن حرز كل شيء بما يناسبه‪،‬‬ ‫وكون الكفن غير مرغوب فيه لا يمنع ماليته وتقومه‪ ،‬فيتحقق الشرط في المسروق وهو‬ كونه مالاً منقوماً‪ ،‬وعلى هذا يقام حد السرقة على النباش‪ .‬وقول الجمهور هذا هو‬ ‫الراجح ‪.‬‬

‫ومثاله أيضاً‪ :‬لفظ القاتل في الحديث الشريف‪)) :‬لا يرث القاتل‪ ((‬فهو لفظ‬ عام يشمل بظاهره القاتل عمداً وخطأ‪ .‬ودلالته على القاتل عمداً ظاهرة‪ ،‬ولكن في‬ ‫انطباق معناه على القاتل خطأ شيئاً من الخفاء والغموض سببه وصف القتل بالخطأ‪،‬‬ ‫لأن الحرمان من الإرث عقوبة ‪ ،‬والخطأ عادة يختلف عن العمد في استحقاق‬ ‫العقوبة ‪ ،‬فهل يساويه هنا في الحرمان من الإرث ‪ ،‬وينطبق عليه معنى الحديث أم لا؟‬

‫ذهب بعض الفقهاء إلى مساواته في العقوبة فيكون لفظ القاتل متناولاً للقاتل خطأ‬ كتناوله للقاتل عمداً‪ ،‬فيحرم كلاهما من الميراث‪ .‬وحجة هذا الرأي أن القاتل خطأ ‫يصدق عليه اسم قاتل ‪ ،‬ولأنه قصر في الاحتياط والتحرز فيحرم من الميراث جزاء‬ ‫تقصيره‪ ،‬ولأن الحرمان من الميراث عقوبة قاصرة لا عقوبة كاملة فلا مانع من مساواته‬ ‫فيها للقاتل العمد واختلافه معه في عقوبة القصاص‪ ،‬ولأنه إذا لم يعاقب بهذه العقوبة‬ ‫القاصرة فإنه يؤدي إلى شيوع القتل بين الورثة وادعاء الخطأ فيه‪ .‬فسداً لهذا الباب‬ ‫ومنعاً لذريعة الإجرام واستعجال الشيء قبل أوانه‪ ،‬يجب حرمانه من الميراث‪.‬‬
‫وذهب البعض الآخر من الفقهاء إلى أن لفظ القاتل في الحديث الشريف لا‬ يشمل القاتل خطأ لانعدام القصد السيء عنده‪ ،‬فلا يستحق العقوبة الكاملة وهي‬ ‫القصاص ‪ ،‬ولا يستحق العقوبة القاصرة وهي الحرمان من الميراث ‪.‬‬

‫وهكذا الحال في كل لفظ ظاهر الدلالة على معناه مع خفاء في انطباق هذا‬ ‫المعنى على بعض أفراده‪ ،‬فهو خفي بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد‪ ،‬فإما أن‬ ‫ينطبق عليه بعد التأمل والنظر فيسري عليه حكمه‪ ،‬وإما أن لا ينطبق عليه معناه فلا‬



349





‫يجرى عليه حكمه كما مثلنا ‪ .‬وأنظار الفقهاء تختلف في هذا المجال ‪.‬‬

‫‪ - 332‬ومن أمثلة الخفي في القوانين الوضعية المادة ‪ 311‬من قانون العقوبات‬ ‫المصري التي نصت كل من اختلس منقولاً مملوكاً لغيره فهو سارق‪ ،‬فهل ينطبق‬ ‫النص على سارق التيار الكهربائي؟ سبب الخفاء في اعتبار التيار الكهربائي مالاً‬ ‫منقولاً‪ ،‬إن المنقول عادة ما أمكن نقله من مكان إلى مكان آخر فهل ينطبق هذا المعنى‬ على التيار الكهربائي ؟ والذي انتهت إليه محكمة النقض المصرية أنه يعتبر منقولاً‪،‬‬ وبالتالي ينطبق على سارقه نص هذه المادة‪.‬‬

‫‪ - 333‬حكم الخفي ‪:‬‬
‫وجوب النظر والتأمل في العارض الذي أوجب الخفاء في انطباق اللفظ على‬ ‫بعض أفراده‪ ،‬فإن رُئيَ أن اللفظ يتناوله جعل من أفراده وأخذ حكمه كما في الطرار‪،‬‬ وإن رُئيَ أن اللفظ لا يتناوله لم يأخذ حكمه كما في النباش ‪ .‬وقد يتفق الفقهاء في نتيجة‬ ‫تأملهم ونظرهم وقد يختلفون ‪.‬‬

‫ثانياً‪ :‬المشكل (1)‬‬
‫‪ - 334‬المشكل ‪ :‬مأخوذ من قول القائل ‪ :‬أشكل علي كذا‪ ،‬أي دخل في‬ ‫أشكاله وأمثاله‪ ،‬وفي الاصطلاح ‪ :‬اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على‬ ‫وجه لا يعرف المراد إلا يدليل يتميز به من بين سائر الأشكال‪ .‬وبتعبير آخر‪،‬‬ ‫المشكل‪ :‬اسم لكلام أو لفظ يحتمل المعاني المتعددة‪ ،‬ويكون المراد واحداً منها‪ ،‬لكنه‬ قد دخل في أشكاله وهي تلك المعاني المتعددة فاختفى بسبب هذا الدخول على‬

‫السامع وصار محتاجاً إلى الطلب والتأمل ليتميز عن أشكاله وأمثاله‪ .‬فسبب الخفاء في‬ ‫المشكل نفس لفظه وصيغته‪ ،‬فهو لا يدل بصيغته على المراد منه ‪ ،‬بل لا بد من قرينة‬ ‫خارجية تبين المراد منها‪ ،‬وهذا بخلاف الخفي ‪ ،‬فإن خفاءه ليس من نفس اللفظ وإنما‬

_______________________________
1- ((أصول )) السرخسي ج1 ص 168، ‪ ‬المحلاوي ص ‪89‬-‪ 88‬ خلاف ص200-201 (( ‪ ‬أصول الفقه‪‫))
لاستاذنا ابو زهرة ص 122-123. ‪ ‬‬
350






‫من الاشتباه في انطباق معناه على بعض الأفراد لعوامل خارجة عن اللفظ كما بينا ‪.‬‬

‫‪ - 335‬ومن أمثلة المشكل‪ :‬اللفظ المشترك‪ ،‬فإنه موضوع في اللغة لأكثر من‬ معنى ‪ ،‬فلا يدل بنفسه على معنى معين‪ ،‬وإنما الذي يحدد المعنى المراد منه هو وجود‬ ‫القرائن الخارجية ‪ .‬وهذا ما تختلف فيه أنظار المجتهدين‪ ،‬كما في لفظ القرء في قوله‬‫تعالى‪:‬‬ ‫(( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)) فهو موضوع للطهر وللحيض ‪،‬‬ ‫والقرائن هي التي تعين المراد منه‪ .‬ومثله أيضاً‪ :‬كلمة (أنَّى ) ‪‬في قوله تعالى ‪:‬‬
((نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ)) [البقرة‪ ،[ 223:‬فكلمة (أنَّى)‬ ‫تستعمل لغة بمعنى «كيف» كما تستعمل بمعنى «من أين»‪ ،‬والقرائن وسياق النص هي‬ ‫التي تعين المراد‪ ،‬وقد عينته‪ ،‬فدل النص على تعميم الأحوال دون المحال‪.‬‬

‫‪ 336‬- ومن أمثلة المشكل في القوانين الوضعية ‪ :‬المادة الثامنة من قانون‬ ‫الأحوال الشخصية العراقي رقم ‪ 188‬لسنة ‪ 1959‬ونصها‪:‬‬
‫((تكمل أهلية الزواج بتمام الثامنة عشرة‪ (( ‬فهذا النص يبين أن أهلية الزواج‬ ‫تكمل بتمام الثامنة عشرة‪ ،‬أي الثامنة عشرة سنة‪ ،‬ولكن كلمة سنة تحتمل أن تكون‬ ‫سنة قمرية أو سنة شمسية‪ ،‬فهي إذن من المشكل‪ ،‬فلا بد من تبين المراد من السنة‪،‬‬ ‫وهل هي قمرية أو شمسية؟ وعند التأمل نجد أن هذا القانون يتناول مسائل الأسرة‪،‬‬ ‫وهي محكومة بالشريعة الإسلامية‪ ،‬سواء منها ما قنن من أحكامها في هذا القانون أو‬ ‫ما ترك لها في غير المنصوص عليه في هذا القانون‪ ،‬كما جاء في المادة الاولى منه‪ ،‬وحيث‬ أن الشريعة الإسلامية تعتبر السنة في حسابها السنة القمرية‪ ،‬فيكون ذلك قرينة على‬ ‫أن المقصود بتمام الثامنة عشرة‪ ،‬هو تمام الثامنة عشرة سنة قمرية‪.‬‬

‫‪ - 336‬حكم المشاكل ‪:‬‬

‫وعلى هذا‪ ،‬فإن حكم المشكل ‪ :‬هو البحث والنظر في القرائن والدلائل الدالة‬ ‫على المعنى المراد من اللفظ المشاكل والعمل بما يؤدي إليه البحث والنظر‪ ،‬وذلك بأن‬ ‫ننظر أولاً في مفهومات اللفظ جميعها فتضبطها‪ ،‬ثم نتأمل فيها لاستخراج المعنى‬ ‫المقصود ‪.‬‬
‫‪
351




‫ثالثاً‪ :‬المجمل (1)
‬‬
‫‪ - 337‬المجمل في اللغة‪ :‬المبهم ‪ ،‬مأخوذ من أجمل الأمر أيهمه ‪ .‬وفي‬ ‫الاصطلاح كما يقول الإمام السرخسي ‪ :‬لفظ لا يفهم المراد منه إلا باستفسار من‬ ‫المجمل ‪ ،‬وبيان من جهته يعرف به المراد ‪ .‬فهو لفظ خفي المراد منه بحيث لا يدرك إلا‬ ‫ببيان من المتكلم به ‪ ،‬إذ لا قرينة تدل على معناه الذي قصده المتكلم ‪ .‬فسبب الخفاء‬ ‫في المجمل لفظي لا عارضي ‪ ،‬أي ان اللفظ المجمل لا يدل بصيغته على المراد منه، ‬‬‫ولا توج تي ان لفظية أو حالية تبينه‪ ،‬بل لا بد من الرجوع إلى الشارع نفسه لمعرفة‬ ‫المراد من اللفظ ‪.‬‬

‫وسبب الإجمال قد يكون لأن اللفظ من المشترك الذي لا توجد معه قرائن تعين‬ ‫المعنى المطلوب منه‪ ،‬وقد يكون السبب غرابة اللفظ كما في لفظ (( هلوع )) في قوله‬ ‫تعالى : ((إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً)) [المعارج:19] ولهذا فسرته الآية إذ جاء فيها ‪‫بعده‪)):‬إِذَا مَسَّهُ الشِّرُ جَرُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً)) ‪ .‬ومثله لفظ ((القارعة‪ ((‬التي جاء‬ ‫تفسيرها في نفس الآية وهي قوله تعالى ‪: ))‬الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ. يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ. وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ))[القارعة: 1-5].‬‬ ‫وقد يكون سبب الإجمال نقل اللفظ عن معناه اللغوي إلى معناه الاصطلاحي‬ ‫كلفظ الحج والصلاة والزكاة‪ ،‬ولهذا بينت السنة النبوية المعاني الشرعية المرادة من‬ ‫هذه الألفاظ ‪ ،‬ولولا بيان الشارع لما أمكن معرفة المعنى الشرعي الذي أراده الشارع‬ ‫من هذه الألفاظ ‪.‬‬

‫‪ - 388‬حكم المجمل ‪:‬‬

‫التوقف في تعيين المراد منه فلا يجوز العمل به إلا إذا وَرَدَ من الشارع ما يزيل‬ ‫إجماله ويكشف معناه‪ .‬فإذا كان البيان وافياً قطعياً صار المجمل من المفسر كالبيان‬ ‫الذي صدر عنه صلى الله عليه وسلم للزكاة والصلاة ونحوهما‪ ،‬وإن لم يكن البيان بهذه الكيفية صار‬

________________________________________
1-((أصول)) السرخسي ج‬‫‪ 1‬ص‪ ، 168 ‬خلاف ص 304‬‬.
‫‪



352




‫المجمل من المشكل فيحتاج إلى نظر وتأمل لإزالة إشكاله ومعرفة المقصود منه ‪ ،‬لأن‬ ‫الشارع لما بين ما أجمله بعض التبيين‪ ،‬فتح الباب للتأمل والاجتهاد لمعرفة المعنى‬ ‫المقصود‪ .‬ومثاله الربا‪ ،‬ورد في القران مجملا‪ ،‬وبينته السنة النبوية بحديث الأموال‬ ‫الربوية الستة‪ ،‬ولكن هذا البيان ليس وافياً‪ ،‬لأنه لم يحصر الربا فيها‪ ،‬فجاز‬ ‫الاجتهاد لبيان ما يكون فيه الربا قياساً على ما ورد في الحديث ‪.‬‬

‫رابعاً‪:‬‬

‫المتشابه(1)‬‬

‫‪ - 339‬هو اللفظ الذي خفي المراد منه ‪ ،‬فلا تدل صيغته على المراد منه ولا‬ ‫سبيل إلى إدراكه‪ ،‬إذ لا توجد قرينة تزيل هذا الخفاء‪ ،‬واستأثر الشارع بعلمه ‪.‬‬
‫هذا ما قاله علماء الأصول في تعريف المتشابه‪ ،‬ومثلوا له بالحروف المقطعة في‬ ‫أوائل السور مثل «حمعسق»‪ .‬كما مثلوا له بآيات الصفات كقوله تعالى : ((الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى)) [طه: 5‬]‪ ((يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)) ،
‫والحق أن المتشابه بالمعنى الذي أراده الأصوليون ليس من بحث الأصول وإنما‬ ‫هو من أبحاث علم الكلام ‪ ،‬ويكفينا هنا أن نقول متعجلين ‪ :‬إن الحروف المقطعة‬ ‫وآيات الصفات ليست من قبيل المتشابه الذي يريدونه ‪ ،‬فالحروف المقطعة جاء ت‬ ‫لبيان أن القرآن الكريم مؤلف من هذه الحروف وأمثالها‪ ،‬ومع هذا فقد عجز البشر‬ ‫عن محاكاته وهذه آية إعجازه وكونه من عند الله ‪ .‬وآيات الصفات معناها معروف‪،‬‬
‫وتحمل على المعنى اللائق بالله عز وجل ‪ ،‬أي تثبت له هذه الصفات على نحو يخالف‬ صفات المخلوقين ‪ ،‬فكما أن ذات الله لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه‬ ‫الصفات‪ ،‬وعلى هذا تدل الآية الكريمة ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)).

‫ويلاحظ هنا ‪ :‬أن الألفاظ المتشابهة لا توجد في آيات وأحاديث الأحكام‬ ‫الشرعية العملية كما ثبت ذلك بالاستقراء ‪ ،‬لأن نصوص الأحكام يراد بها العمل‬ ‫والتطبيق لا مجرد الاعتقاد‪ ،‬ولا يمكن العمل بها إذا كانت متشابهة‪ ،‬وحيث أنها‬ شرعت للعمل بمقتضاها فيلزم أن لا يكون فيها أي اشتباه أو تشابه ‪.‬‬

______________________________
‫1- ((‬أصول‪ ((‬السرخسي ج1 ص169، ‪ ))‬أصول الفقه‪ ((‬لاستاذنا ابو زهرة ص128-129، خلاف ص205.
‫‪

353




‫المبحث الرابع‬
‫كيفية دلالة اللفظ على المعنى‬
340-تمهيد:
‫‪ ‬‬

‫تكلمنا في المبحث الثالث على تقسيمات‬ ‫اللفظ من حيث وضوح دلالته على‬ ‫المعنى أو خفائها‪ .‬ونتكلم في هذا المبحث على طرق دلالة اللفظ على المعنى ‪ .‬واللفظ‬ بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أقسام‪ :‬دال بعبارة النص ‪ ،‬أو بإشارته ‪ ،‬أو بدلالته‪ ،‬أو‬ ‫باقتضائه ‪.‬‬

‫ووجه هذا التقسيم أن المعنى قد يفهم من اللفظ عن طريق عبارة النص‪ ،‬أو‬ ‫إشارته ‪ ،‬أو دلالته ‪ ،‬أو اقتضائه ‪ ،‬وهذه هي أقسام دلالة اللفظ على المعنى ‪ ،‬وزاد‬ ‫الجمهور‪ ،‬غير الأحناف ‪ ،‬دلالة خاصة هي مفهوم المخالفة‪ .‬ونتكلم فيما يلي عن كل‬ ‫نوع من أنواع هذه الدلالات على حدة‪.‬‬

‫أولاً ‪ :‬عبارة النص(1)

‫‪ - 341‬وهي دلالة اللفظ على المعنى المتبادر فهمه من نفس صيغته ‪ ،‬سواء كان‬ هذا المعنى هو المقصود من سياقه أصالة أو تبعاً‪ .‬فكل معنى يفهم من ذات اللفظ‪،‬‬ واللفظ مسوق لإفادة هذا المعنى أصالة أو تبعاً يعتبر من دلالة العبارة‪ .‬ويطلق عليه ‫المعنى الحرفي للنص ‪ ،‬أي المعنى المستفاد من مفردات الكلام وجمله ‪.‬‬

‫‪ - 342‬مثاله قوله تعالى‪)) :‬وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ التيِ حَرَّمَ الله إِلاَ بالْحَقِّ)) دلت‬ هذه الآية بعبارتها‪ ،‬أي بنفس ألفاظها على حرمة قتل النفس ‪ .‬ومثله ‪ ،‬قوله تعالى ‪:‬‬

__________________________________
1- ((أصول)) السرخسي ‪ 1‬ج ص ‪ 236‬المحلاوي ص ‪101‬‬
354














توقيع : ياس


التعديل الأخير تم بواسطة ياس ; 2016-10-12 الساعة 08:03 PM
عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

كتاب الوجيز في اصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان - بصيغة word


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
تحذير : كتاب الفقه الأكبر لا تصح نسبته الى الامام السني ابي حنيفة رحمه الله
قصيدة - نطقتْ دموعي - للشاعر - فاضل الكبيسي - في رثاء العلّامة - عبد الكريم زيدان -
منتديات أهل السّنة تنعى - عبد الكريم زيدان - أحد كبار مراجع أهل السنة والجماعة
صلاة الجنازة على العلامة - عبد الكريم زيدان - ومراسيم التشييع في الأعظمية 2014/1/29
الامة الاسلامية تنعى فقيدها العلّامة العراقي - عبد الكريم زيدان -


الساعة الآن 03:24 AM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML