آخر 10 مشاركات
مطوية (أَكْثِرُوا مِنْ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)           »          الصدق طمأنينة           »          مخطوطة .. لآ إله إلا الله محمد رسول الله           »          سلسلة لعلهم يتفكرون           »          الموالاة في الطواف           »          عبد الحسين وعبد الرضا وعبد الزهرة ...تسميات لا اصل لها في العصور المتقدمة           »          ابتسامة مع شاعِرَي العراق !           »          من فصيح العامي           »          مصائر ما بنيت الى خراب           »          مطوية (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ)


منتديات أهل السنة في العراق

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2016-05-07, 10:43 AM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة التاسعة:{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة التاسعة والعاشرة: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }


هذه قاعدة من القواعد القرآنية العظيمة، التي هي أثر من آثار كمال علم الله وحكمته وقدرته في خلقه عز وجل، تلكم هي ما دل عليها قوله تعالى: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }[آل عمران: 36].

وهذه الآية جاءت في سياق قصة امرأة عمران، والدة مريم -عليهما السلام -يقول تعالى: { إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم (36)}[آل عمران].

وخلاصة القصة:أن امرأة عمران قد نذرت أن يكون مولودها القادم خادما لبيت المقدس، فلما وضعت مولودها، قالت معتذرة: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }؛لأن قدرة الذكر على خدمة بيت المقدس، والقيام بأعباء ذلك أكثر من الأنثى التي جبلها الله تعالى على الضعف البدني، وما يلحقها من العوارض الطبيعية التي تزيدها ضعفاً: كالحيض والنفاس ومن اللطائف في تركيب هذه القاعدة: أن الله تعالى قال: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى } مع أنه لو قيل: "وليست الأنثى كالذكر" لحصل المقصود،ولكن لما كان الذكر هو المقصود قُدّم في الذكر هنا،ولأنه هو المرجو المأمول؛فهو أسبق إلى لفظ المتكلم. ينظر: التحرير و التنوير: (3/87)..

ولقد بين القرآن هذا التفاوت بين الجنسين في مواضع كثيرة، منها:
قوله تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ } وهم الرجال { عَلَى بَعْضٍ } وهن النساء، ومنها:
قوله تعالى: { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ }(البقرة: 228)، وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة طبيعية، وشرف وجمال، والأنوثة نقص خَلْقي، وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، لا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس، وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله:
{ أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)}[الزخرف]؛ فالأنثى تنشأ في الحلية، أي: الزينة -من أنواع الحلي والحلل -لتجبر بذلك نقصها الخَلْقي (أضواء البيان (3/498) ط.الراجحي).

بل يقال: إن بعض ما جبل الله عليه الأنثى هو نوع من الكمال في حقها، وإن كان نقصاً في حق الرجال، "ألا ترى أن الضعف الخَلْقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال، مع أنه يعد من جملة محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب"(أضواء البيان: (3/501)).

هذا هو حكم الله القدري:أن الذكر ليس كالأنثى،
وهذا حكم الأعلم بالحِكَمِ والمصالح سبحانه وتعالى، هذا كلام الذي خلق الخلق، وعَلِمَ ما بينهم من التفاوت والاختلاف:
{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)}[الملك]، وقد تفرع على ذلك:اختلاف بين الذكر والأنثى في جملة من الأحكام الشرعية -وإن كانا في الأصل سواء-.

وهذا الاختلاف في الأحكام الشرعية بين الذكر والأنثى راجع إلى مراعاة طبيعة المرأة من حيث خلقتها، وتركيبها العقلي، والنفسي، وغير ذلك من صور الاختلاف التي لا ينكرها العقلاء والمنصفون من أي دين، وليعلم المؤمن ههنا قاعدة تنفعه في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة، وهي: أن الشرع لا يمكن أن يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متناقضين، وشأن المؤمن الحق أن لا يعارض الشرع بعقله القاصر، بل شأنه أن يتلمس الحكم من وراء ذلك التفريق، أو هذا الجمع.
ومن توهم أنهما سواء فقد أبطل دلالة القرآن والسنة على ذلك:

أما القرآن فإن القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها دليل واضح على هذا.

وأما السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (البخاري ح(5885) من حديث ابن عباس رضي الله عنه)، فلو كانا متساويين لكان اللعنُ باطلاً.

ولنتأمل شيئاً من حِكَمِ الله تعالى في التفريق بين الذكر والأنثى في بعض الأحكام الشرعية، ومن ذلك:

1 -التفريق في الميراث:
اقتضت سنة الله أن يكون الرجل هو الذي يكدح ويتعب في تحصيل الرزق، وهو الذي يطلب منه دفع الميراث، والمشاركة في دفع الدية -عند قيام المقتضي لذلك -فالذكر مترقب دوماً للنقص من ماله، بعكس الأنثى فهي دوماً تترقب الزيادة في مالها: حينما يدفع لها المهر، وحينما ينفق عليها من قبل وليها.

يقول العلامة الشنقيطي: "وإيثارُ مترقب النقص دائماً على مترقب الزيادة دائماً -لجبر بعض نقصه المترقب -حكمتُه ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي"(أضواءالبيان: (3/500)).

2 -التفريق في الشهادة:

وهذا نصت عليه آية الدين:
{ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى...(282)}[البقرة]، كما دلت عليه السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم،وبين أن سبب هذا هو نقصٌ في عقلها.

وهذا التفريق -لمن تأمله -عين العدل، يقول الشيخ السيد رشيد رضا- مبيناً هذا المعنى-: "إن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية -التي هي شغلها -فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن طبع البشر ذكراناً وإناثاً أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها، ولا ينافي ذلك اشتغال بعض النساء الأجانب في هذا العصر الأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه، والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها"(تفسيرالمنار: (3/104).انتهى.

ولا يظنن أحدٌ أن في ذلك انتقاصاً لقدرها، بل هو تنزيهٌ لها عن ترك مهمتها الأساسية في التربية والقرار في البيت، إلى مهمة أقل شأناً وسمواً، وهي ممارسة التجارة والمعاملات المالية!

وقد أشار فريق من الباحثين إلى أن المرأة الحامل ينكمش عندها حجم الدماغ، ولا يعود لحجمه الطبيعي إلا بعد أشهر من وضعها.

وليُ علم أن هذا الحكم -أعني كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل -ليس مطرداً في جميع الأبواب، بل إنها مثل الرجل في بعض الأحكام، كشهادتها في دخول شهر رمضان، وفي باب الرضاع، والحيض، والولادة، واللعان وغير ذلك من الأحكام.

ونحن بحمد الله مؤمنون بحكم الله وقدره، ولا تزيدنا البحوث الحديثة إلا يقيناً، ونقطع بأن أي بحث يخالف صريح القرآن فنتيجته غلط، وإنما أتي صاحبها من سوء فهمه.

وليس هذا التفريق بين الذكر والأنثى كله في صالح الرجل، بل جاءت أحكام تفرق بينهما تفريقاً لصالح المرأة -إن صحّت العبارة -، ومن ذلك: أن الجهاد لا يجب على النساء لطبيعة أجسادهن، فسبحان العليم الحكيم الخبير.

إذا تبين هذا؛ فعلى المؤمن أن يحذر من كلمة راجت على كثير من الكتاب والمثقفين، وهي كلمة "المساواة" في مقام الحديث عن موضوع المرأة، وهي كلمةٌ لم ترد في القرآن بهذا المعنى الذي يورده أولئك الكتاب، كقوله تعالى:
{ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ...(10)}[الحديد]، وكقوله تعالى:
{ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ...(95)}[النساء]، وكقوله تعالى:
{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ...(16)}[الرعد] ،
والصواب أن يعبر عن ذلك بالعدل؛ لأن الله تعالى يقول:
{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ...(90)}[النحل]، ولم يقل: يأمر بالمساواة! لأن في كلمة المساواة إجمالاً ولبساً بخلاف العدل، فإنها كلمة واضحة بينه صريحة في أن المراد أن يعطى كل ذي حق حقه.

إن دلالة العدل تقتضي أن يتولى الرجل ما يناسبه من أعمال، وأن تتولى المرأة ما يناسبها من أعمال، بينما كلمة مساواة: تعني أن يعمل كلٌ من الجنسين في أعمال الآخر!

ومدلول كلمة العدل: أن تعمل المرأة عدداً من الساعات يناسب بدنها وتكوينها الجسمي والنفسي، بينما مقتضى المساواة: أن تعمل المرأة نفس ساعات الرجل، مهما اختلفت طبيعتهما!

وهذا كلّه عين المضادة للفطرة التي فطر الله عليها كلاً من الرجل والمرأة!

ولهذا لما أصرت بعض المجتمعات الغربية على هذه المصادمة للفطرة، وبدأت تساوي المرأة بالرجل في كل شيء ذاقت ويلاتها ونتائجها المرة، حتى صرخ العقلاء منهم -رجالاً ونساء -وكتبَوا الكتب والرسائل التي تحذر مجتمعاتهم من الاستمرار وراء هذه المصادمة، ومن ذلك:

1 -ما قالته دافيسون - زعيمة حركة كل نساء العالم -: "هناك بعض النساء حطمن حياتهن الزوجية عن طريق إصرارهن على المساواة بالرجل، إن الرجل هو السيد المطاع، ويجب على المرأة أن تعيش في بيت الزوجية، وأن تنسى كل أفكارها حول المساواة"(العدوان على المرأة (ص102) فؤاد بن عبد الكريم).

2 -وهذه هيلين أندلين - وهي خبيرة في شؤون الأسرة الأمريكية - تقول: "إن فكرة المساواة- التماثل- بين الرجل والمرأة غير عملية أو منطقية، وإنها ألحقت أضراراً جسمية بالمرأة والأسرة والمجتمع"ا.هـ.(قضايا المرأة في المؤتمرات الدولية. فؤاد بن عبدالكريم: (ص278).

3 -أما رئيسة الجمعية النسائية الفرنسية - رينيه ماري - فتقول: "إن المطالبة بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة تصل بهما إلى مرحلة الضياع، حيث لا يحصل أحد من الطرفين على حقوقه"ا.هـ (السابق (ص269)، ولو رجعنا إلى لغة الأرقام التي أجريت في بلاد الغرب لطال بنا المقام.

4- وهذه كلمات قالتها امرأة من أشهر دعاة الحرية والمساواة بين الرجل والمرأة في منطقة الخليج (الكاتبة ليلى العثمان):
"سأعترف اليوم بأنني أقف في كثير من الأشياء ضد ما يسمى بـ(حرية المرأة)، تلك الحرية التي تكون على حساب أنوثتها، على حساب كرامتها، وعلى حساب بيتها وأولادها، سأقول: إنني لن أحمّل نفسي– كما تفعل كثيرات – مشقة رفع شعار المساواة بينها وبين الرجل، نعم أنا امرأة!
ثم تقول: هل يعني هذا أن أنظر إلى البيت -الذي هو جنة المرأة -على أنه السجن المؤبد، وأن الأولاد ما هم إلا حبل من مسد يشد على عنقي؟
وأن الزوج ما هو إلا السجان القاهر الذي يكبّل قدمي خشية أن تسبقه خطوتي؟
لا، أنا أنثى وأعتز بأنوثتي، وأنا امرأة أعتز بما وهبني الله، وأنا ربة بيت، ولا بأس بعد ذلك أن أكون عاملة أخدم خارج البيت نطاق الأسرة، ولكن-ويا رب أشهد-!: بيتي أولاً، ثم بيتي، ثم بيتي، ثم العالم الآخر"(رسائل إلى حواء (3/85)) ،انتهى.

وبعد هذا كله: فماذا يقال عمن سوّى بين الذكر والأنثى، والذي خلقهما يقول: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى

إنك لا تتعجب أن يقع الرد لهذا الحكم القدري من كفار أو ملاحدة، وإنما تستغرب أن يقع هذا من بعض المنتسبين لهذا الدين، والذين يصرحون في مقالاتهم وكتاباتهم بأن هذا الحكم كان في فترة نزول الوحي يوم كانت المرأة جاهلة لم تتعلم! أما اليوم فقد تعلمت المرأة، وحصلت على أعلى الشهادات!
وهذا الكلام خطير جداً،وقد يكون رِدّةً عن الدين؛ لأنه ردٌّ على الله تعالى، فإنه هو الذي قدَّر هذا الحكم، وهو الذي يعلم ما ستؤول إليه المرأة إلى يوم القيامة.

ثم إن التاريخ والواقع يُكذِب هذه المقولة من جهتين:
الأولى:
أن تكوين المرأة النفسي والبدني (الفسيولوجي) لم يتغير منذ خلق الله تعالى،فأمُنا حواء من ضلع أبينا آدم، وإلى أن يرث الله ومن عليها! ولم يربط الله تعالى ذلك بعلمٍ تتعلمه، أو بشهادة تحصل عليها.

والجهة الثانية لبيان خطأ هذه المقولة:
أن هذا الحكم يدخل فيه أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن -، وهن -بلا ريب -أعلم نساء هذه الأمة، وأتقاهن، ومن هي التي تبلغ عشر علمهن؟!
ومع ذلك لم تتعرض واحدة منهن على هذه الأحكام الشرعية التي سمعنها مباشرة من زوجهن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم،بل قابلن ذلك بالانقياد والتسليم، والرضى والقبول، وجرى على هذا الهدي من سار على نهجهن من نساء المؤمنين إلى يومنا هذا.

ولعلي أختم هذه القاعدة بهذه القصة الطريفة-التي سمعتها من أحد الباحثين، وهو يتكلم عن زيف الدعوى التي تطالب بفتح الباب للنساء؛ لكي يمارسن الرياضة كما يمارسها الرجال -يقول هذا الباحث وفقه الله:
إن أحد العدَّائين الغربيين المشهورين تعرّف إلى امرأة تمارس نفس رياض العدو، فرغب أن يتزوجها، وتمّ له ما أراد، لكن لم يمض سوى شهرين على زواجهما حتى انتهى الزواج إلى طلاق! فسئل هذا العدّاء: لماذا طلقتها بهذه السرعة؟! فقال: لقد تزوجت رجلاً ولم أتزوج امرأة!! في إشارة منه إلى القسوة في التمارين -التي تتطلبها رياضة العدو -أفقدتها أنوثتها، فأصبحت في جسم يضاهي أجسام الرجال، وصدق الله العظيم، العليم الخبير: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى
فهل من مُدَّكر؟

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-08, 10:46 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 11:{وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الحادية عشرة: { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى }


الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فمهوى أبصارنا ميعاد يتنور مع هتيك المرسوم الموسوم بـ: (قواعد قرآنية)، نمضي فيه الساعة بزورق قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي يحتاجها الناس، كل الناس، وخصوصاً في هذا الزمن الذي روجت فيه سوق السحرة والمشعوذين، إنها القاعدة التي بثها المولى في قوله تعالى: { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } - وممن نص على أن هذه قاعدة كلية من قواعد القرآن: الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب في تفسيره [301]- وفي معنى هذه القاعدة قوله تعالى ـ على لسان موسى ـ: { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ } [يونس:77].

وهذه القاعدة ـ أعني قوله تعالى: { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } ـ جاءت في تضاعيف قصة موسى مع سحرة فرعون في سورة طه، بعد أن واعدهم موسى، هو في خندق، وفرعون ومن معه من السحرة في خندق آخر، فلما اجتمعوا: { قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا (أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)} [طه].

ووجه اطّراد هذه القاعدة أن المتقرر في علم النحو أن الفعل إذا كان في سياق النفي فإن ذلك يكسبه صفة العموم، وهكذا الفعل { لَا يُفْلِحُ } فإنه جاء في سياق النفي، فدل ذلك على عمومه، فلن يفلح ساحر أبداً، مهما احتال، وتأمل كيف عمم ذلك بالأمكنة فقال: { حَيْثُ أَتَى } [أضواء البيان:4/551 ط.الراجحي].

وتأمل ـ وفقك الله وحفك بأوسمة رحمته ـ في سر اختيار الفعل { أَتَى } دون قوله مثلاً ـ: حيث كان، أو حيث حل، ولعل السر في ذلك من أجل مراعاة كون معظم أولئك السحرة مجلوبون من جهات مصر المختلفة، كما قال تعالى: { فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38)} [الشعراء] [التحرير والتنوير:9/144].

يقول العلامة الشنقيطي: معلقاً على نفي الفلاح عن الساحر مطلقاً: "وذلك دليل على كفره، لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر، ويدل على ما ذكرنا أمران:
الأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر، كقوله تعالى:
{ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ...(102)} [البقرة]. فقوله: { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } يدل على أنه لو كان ساحراً ـ وحاشاه من ذلك ـ لكان كافراً، وقوله { وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ } صريح في كفر معلم السحر.

الأمر الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة { لَا يُفْلِحُ } يراد بها الكافر، كقوله تعالى:
{ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69)} [يونس] ، وقولِه أيضا:
{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (1)} [يونس] [أضواء البيان:4/552 ط.الراجحي].

أيْ قارئ المسطور:
كم هي الآيات التي تحدثت عن السحر والسحرة في كتاب الله تعالى؟ وأخبرت عن ضلالهم، وبوارهم وخوارهم، وخسارتهم في الدنيا والآخرة؟ ومع هذا فيتعجب المؤمن ـ أشد العجب ـ من رواج سوق السحر والسحرة في بلاد الإسلام!
وليس العجب من وجود ساحر أو ساحرة، فهذا لم يخل منه أفضل الأزمان،وهو الزمن الذي عاش فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فضلاً عن غيره! وليس العجبُ ـ أيضاً ـ من ساحر يسعى لكسب الأموال بأي طريق، وحيثما أتى، لكن العجب من أمة تقرأ هذا الكتاب العظيم، وتؤمن بصدقه، وتقرأ ما فيه من آيات صريحة واضحة في التحذير من السحر وأهله، وبيان سوء عاقبتهم ومآلهم في الدنيا والآخرة، ومع ذلك يقف أبناء الأمة زرافاتٍ ووحداناً أمام عتبات أولئك السحرة المجرمين! سواء أمام بيوتهم، أم أمام شاشات قنوات السحر والشعوذة، والتي سفرت فاجرة كافرة منذ فترة من الزمن، يلتمسون منهم التسبب في إيقاع الضر بأحد أو إزالته عن آخر، وكأن هؤلاء لم يقرؤوا قول الله تعالى:
{ ...وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون (102)} [البقرة]!

والمقطوع به ـ أيها الإخوة ـ أنه لولا تكاثر الناس على هؤلاء السحرة لما راجت سوقهم، ولما انتشر باطلهم.
إن مرور الإنسان بحالة مرضية صعبة، أو حالة نفسية شديدة، لا يبيح له بحال أن يرد هذه السوق الكاسدة ـ سوق السحرة ـ فإنهم لا يفلحون، وإن الله تعالى أرحم وأحكم من أن يحرم عليهم إتيان السحرة، ولا ينزل لهم دواء لما ابتلوا به، كما قال النبي فيما رواه مسلم من حديث جابر « لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل » [صحيح مسلم:2204].
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي قال: « ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء » [صحيح البخاري:5678].
ولعظيم ضرر السحر، فقد حرمته جميع الشرائع.
إذا.. أيها القارئ المسدد: من أيقن بأن الساحر لا يفلح حيثُ أتى، وأيقن بأنه لا يفلح الساحرون، دفعه هذا إلى أمورٍ، من أهمها:

1- البعد عن إتيان هذا الصنف من الناس الذين نفى الله فلاحهم في الدنيا والآخرة ـ بغية علاج أو نحوه ـ وكيف يرتجى النفع ممن حكم عليه رب العالمين بأنه خاسر في الدنيا والآخرة!!

2- الحذر من التفكير في ممارسة شيء من أنواع السحر، مهما كان المبرر، سواء بقصد العطف، أو الصرف ـ كما تفعله بعض النساء ـ وتظن أن قصدَ استمالةِ الزوج ، أو منعِه من الزواج عليها، ونحو ذلك من الشبه، أن ذلك يبيح لها ما تصنع، فإن هذا كله من تزيين الشيطان وتلبيسه.

3- ليعلم من كل من يمارس السحر أو تسبب في فعله ذلك أنه على خطر عظيم، وأنه قد باع دينه بثمن بخس، وأن الشياطين هم شيوخه وأساتذته في عمله هذا، كما قال تعالى:
{ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } إلى قوله سبحانه: { وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون (102)} [البقرة].

4- إن ضعفت النفس لحظة، وزين الشيطان لها شيئاً من هذه الأفعال المنكرة، فليبادر بالتوبة الآن، وليقلع عن هذا العمل الباطل، وليتحلل ممن لحقه الأذى من جراء هذا الفعل، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وقبل أن يوقف للحساب بين يدي من لا تخفى عليه خافية، الذي يعلم من هو الساحر، ومن هو المسحور، ومن هو المتسبب في ذلك كله، فيقتص للمظلوم من ظالمه، حين تكون الحسنة أغلى من الدنيا وما عليها.

5- إن يقين المؤمن بهذه القاعدة: { وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى } مما يقوي عبادة التوكل عنده، وعدم الخوف من إرهاب هذا الصنف الحقير من الناس، وهم السحرة، ويتذكر عندها، قول الله عز وجل: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } [الزمر:36]، وفي قراءة: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ }؟ والجواب: بلى والله.

ومما يحسن تأمله والتفكرُ فيه: أن هؤلاء السحرة رغم ما يملكون من الأموال، وما يعيشونه من سكرة التفات الناس إليهم، إلا أنهم من أتعس الناس حياةً، وأخبثهم نفوساً، ولا عجب! فمن سلّم قياده للشياطين، وكفر برب العالمين، كيف يسعد أم كيف يفلح؟!

ختاماً لنطلب العون من المالك المدبر المتصرف، وتأكد يقيناً أنه:

إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يقضي عليه اجتهاده
يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-08, 11:07 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 12:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثانية عشرة : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }

الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن، وخلق الإنسان، علمه البيان، والصلاة والسلام على خير من صلى وزكى وصام، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فمنار منيف، وروضة أنف حديث موضوعنا المحجل: (قواعد قرآنية)، نقف فيه ملوحين مع قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي تدل على عظمة هذا الدين، وسموه، وعلو مبادئه، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [الحجرات:13].

إن هذه الآية العظيمة، جاءت في سورة الحجرات، وإن شئت فسمها: جامعة الآداب، فبعد أن ذكر الله تعالى جملةً من الآداب العظيمة، والخلال الكريمة، ونهى عن جملة من الأخلاق الرذيلة، والطباع السيئة، قال الله بعدها، مقرراً الأصل الجامع الذي تنطلق منه الأخلاق الحسنة، وتضعف معه أو تتلاشى الأخلاق السيئة، وأنه معيار التفاضل والكرامة عند الله:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} [الحجرات].
إنها لآية عظيمة، تبرز ميزان العدل الذي لم تظهر تفاصيله كما ظهرت في هذا الدين.

أيها القارئ الحصيف:
لن يتبين لك موقع هذه الآية الكريمة إلا إذا استعرضتَ في ذهنك شيئاً من الموازين التي كان يتعامل بها عرب الجاهلية في نظرتهم لغيرهم من غير قبائلهم، سواءٌ كانوا من قبائل أخرى أقل منها درجة في النسب، أو في نظرتهم للأعاجم، أو في تعاملهم مع العبيد والموالي.
وإليك هذا الموقف الذي وقع في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحدّث به الصحابي - صادق اللهجة - أبو ذر رضي الله عنه:
روى الشيخان من حديث المعرور بن سويد: قال: مررنا بأبي ذر بالربذة، وعليه بُردٌ وعلى غلامه مثله، فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
« يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية »
قلت: يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه،
قال: « يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم » [البخاري:5703، ومسلم:1661].
فهذا أبو ذر مع صدق إيمانه، وسابقته في الإسلام، لامه النبي صلى الله عليه وسلم، وعاتبه لما خالف هذه القاعدة القرآنية العظيمة، وعيّر الرجل بمنطق أهل الجاهلية!

وليس هذا الموقف الوحيد الذي ربّى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - على الاهتداء بهدي هذه القاعدة، بل كررها بعدة أساليب بيانية، وعملية، ولعلي أكتفي بهذين الموقفين الذين لا يمكن أن تنساهما العرب ولا قريش أبد الدهر:

أما الموقف الأول:
فهو يوم فتح مكة، حين أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالاً أن يصعد فوق الكعبة ليرفع الأذان، في مشهد ما ظنّ بعض مُسْلِمةِ الفتح أن يعيش ليرى هذا العبد الحبشي يقف كهذا الموقف! ولكنه الإسلام، والهدي النبوي الذي يربي بالفعل والقول.
وفي ذات اليوم ـ فتحِ مكة ـ يدخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبةَ ويصلي فيها، ولك أن تتفكر من هي الشخصيات المتوقعة التي حظيت بشرف مرافقته في دخوله هذا، والذي أغلق عليه الباب بعد دخوله ومن معه؟!
لعله أبو بكر وعمر رضي الله عنهما؟
كلا.. إذن لعله صهره وزوج ابنتيه ذي النورين عثمان، وابن عمه علي رضي الله عنهما؟
كلا.. إذن لعله دخل بعض مسلمة الفتح من أكابر قريش؟
كلا, بل لم يدخل معه سوى: أسامة بن زيد ـ مولاه ابن مولاه ـ وبلال الحبشي، وعثمان بن طلحة المسؤول عن مفتاح الكعبة [البخاري:2826، ومسلم:1329]!
الله أكبر! أي برهان عملي على إذابة المعايير الجاهلية أكبر من هذا؟ مع أن في الحضور من هو أفضل من بلال وأسامة كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة المبشرين!

وأما الموقف الثاني:
فإنه وقع في أعظم مشهد عرفته الدنيا في ذلك الوقت... إنه مشهد حجة الوداع، ففي بعض مشاهد تلك الحجة، وبينما الناس مستعدون للنفير من عرفة، وإذا بالأبصار ترمق الدابة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يركبها، ويتساءلون: من الذي سيحظى بشرف الارتداف مع النبي صلى الله عليه وسلم؟
فلم يرعهم إلا وأسامة ـ ذلك الغلام الأسود - مولاه وابن مولاه ـ يركب خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - والناس ينظرون!
فعل هذا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو الذي خطب ظهر ذلك اليوم خطبته العظيمة التي قرر فيها أصول التوحيد والإسلام، وهدم فيها أصول الشرك والجاهلية، وقال كلمته المشهورة:
« ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع » [مسلم:1218].

أيها القاريء الكريم:
هذان الموقفان قطرة من بحر سيرته العطر - صلى الله عليه وسلم - أما سيرة أصحابه - رضي الله عنهم - والتابعين لهم بإحسان فالمواقف فيها كثيرة وعظيمة، أكتفي منها بهذا الموقف الذي يدل على نبلهم وفضلهم، وشرف أخلاقهم حقاً، جعلهم أهلاً لأن يكونوا خير من يمثل عالمية الإسلام وعالمية الرسالة.

كان علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم ـ المعروف بزين العابدين وهو من سكان مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دخل المسجد، يتخطى حلق قومه من قريش، حتى يأتي حلقة زيد بن أسلم ـ وهو مولى لكنه من علماء المدينة الكبار في زمانه ـ فيجلس عنده، فكأن بعض الناس لامه: كيف تجلس ـ وأنت الرجل القرشي وحفيد النبي صلى الله عليه وسلم ـ عند رجل من الموالي؟
فقال: كلمة ملؤها العقل: " إنما يجلس الرجل إلى من ينفعه في دينه " [حلية الأولياء:3/138].

أيها القاريء الكريم:
إن من عظمة هذا الدين أنه لم يربط مكانة الإنسان ومنزلته عند الله بشيء لا قدرة عليه به، فالإنسان لا يختار أن يكون شريف النسب، وإلا لتمنى الكل أن يتصل بالسلالة النبوية! ولم يربطه بطول ولا قصر، ولا وسامة ولا دمامة، ولا غير ذلك من المعايير التي ليست في مقدور البشر، بل ربطه بمعيار هو في مقدور الإنسان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في كتاب الله آية واحدةٌ يمدح فيها أحداً بنسبه، ولا يَذُمُّ أحداً بنسبه، وإنما يمدحُ الإيمانَ والتقوى، ويذمَ بالكفرِ والفسوقِ والعصيان" [الفتاوى الكبرى:1/164].

ومما يشهد لما قاله شيخ الإسلام: أن الله تعالى أنزل سورة كاملة في ذم أبي لهبٍ لكفره وعداوته للنبي صلى الله عليه وسلم، ونهى اللهُ نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يطرد المؤمنين من ضعفة أصحابه وإن كان القصدُ من ذلك: الرغبة في كسب قلوب أكابر قريش، فقال سبحانه:
{ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين (52)} [الأنعام]، وقال له في الآية الأخرى:
{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)} [الكهف].

أيها الناظر البصير:
إن مما يؤسف له ـ في واقعنا المعاصر ـ وجود أمثلة كثيرة مخالفة لهذه القاعدة الشريفة: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } تمثلت بصور من عودة العصبية الجاهلية للقبيلة، والتي لم تتوقف عند حد التعارف بين أفراد القبيلة الواحدة فحسب، ولم تتوقف عند التمادح المباح، بل تجاوز ذلك إلى الغلو في المدح، والموالاة المفرطة للقبيلة، بل والتلويح تارة بنبز القبائل الأخرى، والتي ذوبانِ المعايير الشرعية عند البعض بسبب هذه الأساليب التي كرسها وعزز من حضورها المسابقات الشعرية التي تبنتها بعض القنوات الفضائية، والتي ترتب عليها محاذير شرعية أخرى ليس هذا موضع ذكرها، وإنما الغرض الإشارة إلى مخالفتها إلى ما دلت عليه هذه القاعدة القرآنية الكريمة، فليتق الله من يسمع ويقرأ قول ربه: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } من التفاخر المذموم، وليعلم المؤمن أن من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

نسأل الله تعالى أن يعيذنا من أخلاق أهل الجاهلية، وأن يرزقنا التأسي برسوله صلى الله عليه وسلم في جميع أمورنا.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-11, 12:38 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة13:{آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثالثة عشرة: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا }


الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على معلم الناس الخير، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله ، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فانبلاج كانبلاج الصباح، تبرد نسيمه الرياح، في مُرْبع روضنا الأنف، المتربع المسمى: (قواعد قرآنية)، نخبُّ فيه مع قاعدة من القواعد القرآنية، التي توقف العبد، وتطلع الرائي على شيءٍ من عظمة الله تعالى في خلقه وحِكمته في شرعه، وتوقف العبد على قصوره في علمه، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } [النساء:11].
هذه الآية الكريمة جاءت في سياق آيات الفرائض في صدر سورة النساء، والمعنى: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ } يعني: الذين يرثونكم من الآباء والأبناء { لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًاً } أي: لا تعلمون أنهم أنفع لكم في الدين والدنيا، فمنكم من يظن أن الأب أنفع له، فيكون الابن أنفع له، ومنكم من يظن أن الابن أنفع له فيكون الأب أنفع له، وأنا العالم بمن هو أنفع لكم، وقد دبَّرت أمركم على ما فيه المصلحة فاتبعوه" [تفسير البغوي:2/178].
"ولو رد تقدير الإرث إلى عقولكم واختياركم لحصل من الضرر ما الله به عليم؛ لنقص العقول وعدم معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان ومكان" [تفسير السعدي:166].

أيها المبصر المتأمل:
لقد كان أهل الجاهلية يقسمون الميراث بموازين غير منضبطة، فتارة يراعون حاجة الأبوين، وتارة حاجة الأبناء، وتارة يتوسطون، فجاء الشرع المطهر ليلغي تلك الاجتهادات، فتولى الله قسمة المواريث بنفسه، ثم بيّن سبحانه في خاتمة هذه الآية الكريمة معنيين عظيمين يعزب عنهما علم البشر مهما بلغ في سعته، فقال في خاتمتها:

1ـ { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } وهي القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها.

2ـ { فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } [النساء:11] فهذه فرائض، يجب تنفيذها، وعدم الافتيات عليها بتحريف، أو تقصير، وعلل هذا بقوله: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } ليزداد يقين المؤمن أن هذه القسمة صادرة عن علم تام، وحكمة بالغة، لا يمكن أن يلحقها نقص، أو جور.

أيها المبارك:
لنعد إلى قاعدتنا التي نحن بصدد الحديث عنها: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } ولنحاول أن نطبق هذه القاعدة على واقعنا، لعلنا نستفيد منها في تصحيح بعض ما يقع منا من أخطاء في بعض تصوراتنا ومواقفنا الاجتماعية، فمن ذلك:

1ـ أن بعض الآباء قد تكون خَلْفته من الذرية بنات فقط! فيضيق لذلك صدره، ويغتم لهذا الإبتلاء، فتأتي هذه القاعدة لتسكب في قلبه اليقين والرضا، وكم من بنتٍ كانت أنفع لوالديها من عددٍ من الأبناء؟ والواقع شاهدٌ بذلك.
أعرف رجلاً لما كبرت سنه، كان أولاده بعيدون عنه في طلب الرزق، فلم يجد هذا الوالد الذي خارت قواه، وضعفت بُنيته أكثر حنواً ورعاية من ابنته الوحيدة التي قامت بحقه خير قيام من جهة النفقة، والرعاية الصحية، وصدق الله: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } .
هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالأمر أعظم، والموقف أدل وأجل، قال ابن عباس: "أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، والله تعالى يُشَفَّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة رفع إليه ولده، وإن كان الولد أرفع درجة رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم".
ومن المؤسف أن نسمع ونقرأ عن أناسٍ رزقوا عدداً من البنات، يتذمرون بل قد يهددون زوجاتهم إن هُنّ ولدنَ لهم إناثاً، وكأن الأمر بأيديهن، وهذا من الجهل ـ في الحقيقة ـ إذ كيف يلام إنسان على أمر لا طاقة له به؟
ويا ليت من يقعون في هذا الأسلوب يتأملون في أمور منها:

1ـ هذه القاعدة القرآنية: { آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا } [النساء:11].

2ـ ليتهم يتأملون أيضاً قوله تعالى:
{ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)} [الشورى].

قال ابن القيم معلقاً على هذه الآية: "وكفى بالعبد تعرضاً لمقته أن يتسخط ما وهبه" [تحفة المودود بأحكام المولود ص:32، ولكلامه تتمة يحسن ذكرها، وهي قوله: "وبدأ سبحانه بذكر الإناث فقيل جبرا لهن، لأجل استثقال الوالدين لمكانهن، وقيل وهو أحسن إنما قدمهن لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاء لا ما يشاء الأبوان، فإن الأبوين لا يريدان إلا الذكور غالباً، وهو سبحانه قد أخبر أنه يخلق ما يشاء فبدأ بذكر الصنف الذي يشاء ولا يريده الأبوان، وعندي وجه آخر: وهو أنه سبحانه قدم ما كانت تؤخره الجاهلية من أمر البنات حتى كانوا يئدوهن، أي: هذا النوع المؤخر عندكم مُقَدّمٌ عندي في الذكر، وتأمل كيف نكّر سبحانه الإناث، وعرّف الذكور، فجبر نقص الأنوثة بالتقديم، وجبر نقص التأخير بالتعريف، فإن التعريف تنويهٌ كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الأعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم، ثم لما ذكر الصنفين معاً قدم الذكور إعطاء لكل من الجنسين حقه من التقديم والتأخير، والله أعلم بما أراد من ذلك"]

3ـ ومما يحسن بمن ابتلي بالبنات أن يتذكر الأحاديث الواردة في فضل من عال البنات ورباهن حتى يبلغن.
ومما يُذكر به المتضجر من الابتلاء بالبنات، أن يقال له: هب أنك ضجرت، وتذمرت، فهل هذا سينجب لك ذكوراً؟ صحيح أن أغلب الناس جُبِلَ على حب الذكور، لكن المؤمن ينظر إلى هذا الابتلاء بمنظار آخر، وهو: عبودية الصبر، وعبودية الرضا عن الله، بل قد ينتقل بعض الموفقين إلى مرتبة الشكر، لعلمه بأن خيرة الله خير من خيرته لنفسه، وأن الله قد يكون صرف عنه شراً كثيراً حين حرمه من الذكور، أليس الله تعالى قد سلّط الخضر على ذلك الغلام فقتله، ثم علل ذلك بقوله:
{ وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)} [الكهف].
ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن الشيخ علي الطنطاوي ـ وهو ممن ابتلي بالبنات ولم يرزق الذكور ـ كتب مقالاً، أكاد أجزم لو قرأه الذين ابتلوا بالبنات لم يتمنوا إلا ما هم فيه.

وكما أن الآية فيها سلوة لمن ابتلوا بالبنات، ففيها سلوة لأولئك الذين ابتلوا بأولاد معاقين، سواء كانت إعاقتهم سمعيةً أم بصريةً أم عقليةً أم بدنية، فيقال لهم: { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ..(216)} [البقرة] ويقال لهم أيضاً: والله إنكم لا تدرون أي أولادكم أقرب لكم نفعاً! فقد يكون هذا المعاق أقرب لكم نفعاً في الدنيا قبل الآخرة!
أما في الدنيا، فكم فتحت هذه الابتلاءات لوالدي هؤلاء المعاقين من لذة التعلق بالله، ومناجاته، ورجائه الفرج!
وكم ربّت هذه الابتلاءات في نفوس والدي المعاقين من معاني الصبر والاحتمال ما لم تكن تحصل لهم لولا هذه الابتلاءات! وكم .. وكم .. !!
وأما في الآخرة، فلعل أمثال هذه الابتلاءات بهؤلاء المعاقين تكون سبباً في رفعة درجاتهم عند الله تعالى، رفعةً قد لا تبلغها أعمالهم!

قارئ المرقوم:
ولئن كانت الآية واضحة المعنى في موضوع الابتلاء بالبنات أو بأبناء فيهم عاهات أو إعاقات، فإنه يمكن أن يقاس عليها أمور أخرى، مثل: الأعمال الصالحة، والمؤلفات، والمقالات، والكلمات، بل والعبادات، فلا يدري الإنسان أي تلك الأعمال، والمؤلفات، والعبادات أكثر نفعاً له في الدنيا والآخرة.
تأمل في سؤال النبي لبلال ـ حينما سمع خشف نعليه في الجنة ـ:
« يا بلال، حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة »
فقال بلال: "ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي" [صحيح البخاري:1149].
تأمل كيف أنه لم يذكر بلالٌ جهاده مع الرسول، ولا التزامه بالأذان، وهذا كله يدعو العبد لأن يكثر من أبواب الخير، فالإنسان لا يدري أي أعماله التي قد تكون سبباً في نيل رضوان الله والجنة، ولرب عملٍ كبير لكن داخله ما داخله من حظوظ النفس، فلم ينتفع به صاحبه، ولرب عمل قليل عظمت فيه النية، وصدق صاحبها مع الله فأثابه ثواباً لا يخطر على باله، وفي قصة المرأة البغي التي سقت كلباً أكبر شاهد على ذلك.

ختاماً :
طوبى لمن حملته أمواج التوفيق، وأقلته مطايا التسديد، فسلم أمره مبداه ومنتهاه لمولاه، ليرى نتاج سعيه، وثمار زرعه، لا يدري أيه أقرب له نفعاً!!،

ثم الصلاة على المختار سيدنا * وأفضل القول قول هكذا ختما

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-11, 12:39 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة14:{فإِن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الرابعة عشرة : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }

الحمد لله بارئ النسم، خالق الخلق من عدم، مجزل النعم، دافع النقم، ذي الجلال والكرم، والصلاة والسلام على محمد زاكي الشيم، بديع السيم، أجود من الغيث إذا عم، و أنور من البدر إذا تم، وأطهر من الماء إذا زم، وعلى آله وصحبه أولي الهمم، وصعدة القمم، أما بعد:

فبدر يتهادى من خلف تلال العتمة، ومسك يتضوع من باحة مرصوفنا المشيع: (قواعد قرآنية)، نبحر فيها مع قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي تجلي معنى عظيماً ومهماً في باب التسليم والانقياد لأوامر الله ورسوله، والانقياد لحكم الشريعة، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)} [القصص].

وهذه الآية الكريمة جاءت في سورة القصص، في سياق الحجاج مع المشركين، وبيان تنوع أساليبهم في العناد لرد الشريعة، ورميهم للنبي بالعظائم، يقول تعالى:
{ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)} [القصص].

والشاهد الذي نحن بصدد الحديث عنه، هو قوله تعالى:{ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }، وقد بين الله تعالى هذه القاعدة في موضع آخر، فقال عز وجل:
{ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)} [يونس](التبيان في أقسام القرآن لابن القيم:129).

يقول ابن القيم موضحاً هذه القاعدة: " فما هو إلا الهوى أو الوحي، كما قال تعالى: { وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)} [النجم] فجعل النطق نوعين: نطقاً عن الوحي، ونطقاً عن الهوى" [الصواعق المرسلة:3/1052]، "فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، قال تعالى : { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: اتباعٌ لما دعا إليه الرسول واتباعُ الهوى" [إعلام الموقعين عن رب العالمين:1/298]، "فمن ترك استجابته إذا ظهرت له سنة وعَدَلَ عنها إلى خلافها، فقد اتبع هواه" [الصواعق المرسلة:4/1526].

أيها الناظر البصير:
إن الحاجة إلى التذكير بهذه القاعدة القرآنية العظيمة من الأهمية بمكان، خصوصاً في هذا العصر الذي كثرت فيه الأهواء، وتنوعت فيه المشارب في التعامل مع النصوص الشرعية، بدعاوى كثيرة، فهذا ينصر بدعته، وهذا يروج لمنهجه في تناول النصوص، وثالث يتتبع الرخص التي توافق مراد نفسه، لا مراد الله ورسوله.
لقد أتى على الناس زمانٌ لا يحتاج الشخص ليمتثل الأمر أو يترك النهي إلا أن يقال له: "قال الله، قال رسوله، قال الصحابة " فيتمثل وينصاع، ويندر أن تجد من يناقش مناقشة المتملص من الحكم الشرعي، أما اليوم ـ وقد انفتح على الناس أبواب كثيرة يتلقون منها المعلومات ـ فقد سمعوا أقوالاً متنوعة في المسائل الفقهية، وليست هذه هي المشكلة، فالخلاف قديمٌ جداً، ولا يمكن إلغاء أمر قدره الله عز وجل، إلا أن المشكلة، بل المصيبة، أن بعض الناس وجد في بعض تلك الأقوال ـ التي قد تكون شاذةً في المقياس الفقهي ـ فرصةً للأخذ بها، بحجة أنه قد وجد في هذه المسألة قولاً يقول بالإباحة، ضارباً عرض الحائط بالقول الآخر الذي يكاد يكون إجماعاً أو شبه إجماع من السلف الصالح يعلى تحريم هذا الفعل أو ذاك القول!

هذا فضلاً عن تلك المسائل التي تبين فيها خطأ قائلها من أهل العلم ، بسبب خفاء النص عليه، أو لغير ذلك من الأسباب المعروفة التي لأجلها يختلف العلماء (والتي حررها شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته القيمة: رفع الملام عن الأئمة الأعلام)، ولئن كان ذلك الإمام معذوراً مأجوراً ـ لخفاء النص عليه أو لغير ذلك من الأسباب ـ فما عُذْرُ من بلغه النص عن الله أو عن رسوله؟!
ثم بعد ذلك يدعي أنه يسوغ له الأخذ بذلك القول لأجل أنه قد قيل به! مردداً مقولةً كثر تكرارها على ألسنة هذا الصنف من الناس: ما دام أنني لم أخالف إجماعاً قطعياً، ولا نصاً صحيحاً صريحاً، فلا حرج عليّ، ناسياً أو متناسياً قواعد الاستدلال التي قررها الأئمة رحمهم الله.
أليس هؤلاء لهم نصيب من هذه القاعدة: { فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ }؟!
وهنا يَحْسُنُ أن يُذَكّرُ هذا الصنف من الناس بقول الله تعالى:
{ بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)} [القيامة] وهي قاعدة قرآنية محكمة، سبق تناولها في الحلقة الرابعة.
كما ينبغي أن يذكروا بالقاعدة التي جاءت في الحديث المشهور ـ والذي قواه بعض أهل العلم [قال ابن رجب: "وقد روي هذا الحديث عن النبي من وجوه متعددة، بعض طرقه جيدة"، ينظر: جامع العلوم والحكم، شرح الحديث:27]:
« البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر ».

وهذا المعنى ـ الذي دلّ عليه الحديث ـ كما نبه على ذلك العلماء إنما يجده من بقي في قلبه بقية من نور، لم تطمسها ظلمة الشهوات والشبهات، أما من هام في أودية الفسق والفجور، فإن قلبه لا يفتيه إلا بما تهواه نفسه.
وما أجمل ما حكاه ابن الجوزي عن نفسه، وهو يصف حالاً مرّت به، تشبه ما نحن بصدد الحديث عنه من أحوال بعض المترخصين اتباعاً لأهوائهم، يقول: "ترخصت في شيء يجوز في بعض المذاهب، فوجدت في قلبي قسوة عظيمة، و تخايل لي نوع طرد عن الباب وبُعْدٌ، و ظلمة تكاثفت! فقالت نفسي: ما هذا؟ أليس ما خرجت عن إجماع الفقهاء؟ فقلت لها: يا نفس السوء! إنك تأولت ما لا تعتقدين، فلو استُفْتِيْتِ لم تفتِ بما فعلتِ، والثاني: أنه ينبغي لك يا نفسُ الفرح بما وجدت من الظلمة عقيب ذلك؛ لأنه لولا نورٌ في قلبك ما أثر هذا عندك" [صيد الخاطر:162 بتصرف].

لقد جرى لي مرةً حوار عارض مع بعض هذه الفئة التي أخذت تخوض عملياً في جملةٍ من المسائل المخالفة لما عليه جماهير العلماء، وما عليه الفتوى عندنا، فقلتُ له: يا هذا! دعنا من البحث الفقهي المحض، وأخبرني عن قلبك، كيف تجده، وأنت تفعل ما تفعل؟! فأقسم لي بالله: أنه غير مرتاح! وإنما يخادع نفسه بأن الشيخ الفلاني يفتي بهذا، وهو في قرارة نفسه غير مطمئن لتلك الفتوى! فقلتُ له: يا هذا، إن العالم الذي قال بهذه المسألة معذور، لأن هذا هو مبلغ علمه، ولكن انج بنفسك، فإن صنيعك هذا هو الذي قال العلماء: إنه تتبع الرخص، وذموا فاعله، بل جعلوا هذا الفعل نوعاً من النفاق ، واتباع الهوى، ولذا قال جمع من السلف: "من تتبع الرخص فقد تزندق".

ومن تأمل كلمة الهوى في القرآن الكريم ، لم يجدها ذكرت إلا في موطن الذم! ولهذا حذر الله نبياً من خيرة أنبيائه من هذا الداء القلبي الخطير فقال:
{ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)} [ص].
ولك أن تتصور لو أن رجلاً أخذ برخص الفقهاء من عدة مذاهب في مسائل متنوعة، لاجتمع فيه شرٌّ عظيم، ولأصبح دينه مرقعاً ورقيقاً!
وليتذكر المؤمن جيداً ـ وهو يسلك مسلك تتبع الرخص ـ أنه إنما يفعل ما يفعل، ويترك ما يترك ديانةً لله، وقياماً بواجب العبودية لهذا الرب العظيم، فكيف يرضى العبد أن يتعامل مع ربه بدين شعاره الهوى؟!

وقبل أن نختم الحديث عن هذه القاعدة العظيمة، يجب أن نتنبه لأمرين:
الأول: الحذر من تنزيل هذه القاعدة على المسائل الشرعية التي الخلاف فيها معتبر ومعروف عند أهل العلم.
الثاني: أن المقصود بالذم هنا، هو من اتبع هواه في الاستفتاء، بحيث يتنقل بين المفتين، فإن وافقت الفتيا ما في نفسه طبقها، وإلا بحث عن آخر حتى يجد من يفتيه، وهذا هو اتباع الهوى بعينه، نعوذ بالله من اتباع الهوى، ونسأله ـ أن يجعل اتباع الحق رائدنا وغايتنا.

وأختم بقول ابن دريد في "مقصورته":
وآفة العقل الهوى فمن علا * على هواه عقله فقد نجا

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-12, 01:23 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 15: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الخامسة عشرة : { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }

الحمد لله الذي حمد نفسه في السماوات والأرض، وحمد نفسه في الآخرة والأولى، وصلى الله وسلم وبارك على سيد ولد آدم، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فليس مثل ملتقانا بهاءا، ونضرة، لأن حديثنا لا يزال يتردد ويتجدد في آي من القرآن، ورسمه واسمه: (قواعد قرآنية)، لنتأمل جميعاً في قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، التي تبعث الأمل في نفوس أهل الإيمان، وتملأ قلوبهم ثقةً ويقيناً، وراحة وطمأنينة، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [الأعراف:128].

وهذه الآية الكريمة جاءت مرةً على لسان موسى وهو يبشر قومه الذين آمنوا به، بحسن العاقبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، والتمكين في الأرض إن هم لازموا التقوى.
وجاءت هذه القاعدة بلفظ مقارب، في خطاب الله تعالى لنبيه محمد في خواتيم سورة طه:
{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)} [طه].
وجاءت هذه القاعدة ـ أيضاً ـ بعد انتهاء قصة قارون، في خواتيم سورة القصص، قال تعالى:
{ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} [القصص].

ومن المعلوم أن العاقبة هنا لا تنحصر في الآخرة التي ضمن الله النجاة فيها للمتقين، كما في قوله سبحانه:
{ وَالْآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف]، بل هي عامة في الدنيا والآخرة،
ولكن قبل أن نسأل: أين صدق هذه القاعدة، فلنسأل: أين تحقيق التقوى على الوجه الصحيح؟! وإلا فوعد الله لا يتخلف!

أيها القارئ المسدد:
إن أدنى تأمل لمجيء هذه الآيات ـ مع تنوع سياقاتها ـ ليوضح بجلاء اطّراد هذه القاعدة، فقد أخبر بها ربنا جل وعلا في قوله: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }، وبعد قصة قارون قوله:{ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }، وبشر بها موسى ونبينا عليهما الصلاة والسلام.

"وحقيقة العاقبة: أنها كل ما يعقب أمراً، ويقع في آخره من خير وشر، إلا أنها غلب استعمالها في أمور الخير، فالمعنى: أن التقوى تجيء في نهايتها عواقب خير، واللام ـ في قوله "للتقوى" و "للمتقين" للملك، تحقيقاً لإرادة الخير من العاقبة، لأن شأن لام الملك أن تدل على نوال الأمر المرغوب، وإنما يطرد ذلك في عاقبة خير الآخرة، وقد تكون العاقبة في خير الدنيا ـ أيضاً ـ للتقوى.
وجاءت هذه الجملة بهذا الأسلوب لتؤكد معنى العموم، أي: لا تكون العاقبة إلا للتقوى، فهذه الجملة أرسلت مجرى المثل" [التحرير والتنوير:9/193 بتصرف يسير].

فما أحوجنا ونحن نشاهد ما نشاهد سواء على المستوى الفردي أو الجماعي أن نتأمل هذه القاعدة، ولنبدأ بالإشارة إلى المستوى الجماعي: فإن أمة الإسلام تمر منذ قرون بحالة من الضعف والتفرق وتسلط الأعداء على كثير من أهله، وهذه حالٌ تجعل بعض الناس من المنتسبين للإسلام ـ وللأسف ـ يبحث عن موطئ قدم خارج دائرة بلاد الإسلام، فيذهب غرباً أو شرقاً، بحثاً عن مبادئ أخرى، ومذاهب مختلفة، لا تمت إلى الإسلام بصلة، بسبب شعوره البائس بهزيمة داخلية وما تعانيه الأمة الإسلامية من تفرق وتشرذم، وفي الوقت ذاته انبهاره بالتقدم المادي، وما يوجد في تلك البلاد من محاسن تتعلق بحقوق الإنسان، وغيرها من المجالات.

والمؤلم في أمثال هؤلاء أنهم لم يروا من حضارة الشرق أو الغرب إلا الجانب الإيجابي والحسن، وعميت أبصارهم، أو تعاموا عن الجوانب المظلمة ـ وما أكثرها ـ هذه الحضارة التي اعتنت بالجسد، وأهملت الروح، وعمرت الدنيا وخربت الآخرة، وسخّرت ما تملكه من أسباب مادية في التسلط على الشعوب المستضعفة، وفرض ثقافتها، وأجندتها على من تشاء.

وعلى سبيل المثال: فإن نظام الثورة الفرنسية الذي قرر مبادئ حقوق الإنسان والمساواة بين البشر ـ كما يزعم واضعوه ـ لم يمنعه من إبادة ثلث سكان جزيرة هاييتي، لأنهم تمردوا على العبودية! كما أن القائد الفرنسي المشهور نابليون ـ الذي أنجبته الثورة الفرنسية ـ جاء إلى بلاد مصر، ليحتلها ويقيم نظاماً استعمارياً فيها.
والأمثلة كثيرة لا يتسع المقام لسردها، فضلاً عن التفصيل فيها، ولكن لعل من المناسب أن نُذكّر بقضية الساعة هذه الأيام، وهي قضية انهيار النظام الاقتصادي الرأسمالي! الذي قام على مصادمة منهج الله العادل في شأن المال، فرأى أربابه صدق ما توعد الله به أكلة الربا من المحق، وفي كل يوم نسمع عن مليارات ضائعة، وشركات عالمية أفلست، حينها قال من قال: لا بد من العودة إلى المنهج الإسلامي في الاقتصاد! وصدق الله:
{ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} [المائدة]، وصدق الله: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى }.

ألا ما أحوج الدول الإسلامية، والجماعات الإسلامية في بقاع الأرض إلى أن يتدبروا هذه القاعدة جيداً، وأن يتأملوا جيداً في العواقب التي جناها مخالفوا التقوى في الأنظمة والحكم والسلوك، ومن تدبر مجيء قوله تعالى على لسان موسى وهو يخاطب قومة المضطهدين عدة قرون:
{ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين (128)} [الأعراف] من تدبرها عرف حاجة الدول والمجتمعات لتدبر هذه الآية جيداً، وأن وعد الله لا يتخلف لمن اتقاه دولاً كانوا أو شعوباً، تأمل معي قول مَنْ عواقب الأمور كلها إليه:
{ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)} [الحج].

ومن أراد أن يعرف الآثار السيئة التي لقيها العالم من بعد المسلمين عن دينهم، وخسارة العالم لعظيم مبادئ الإسلام فليقرأ كتاب الشيخ أبي الحسن الندوي: ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!

أما على المستوى الفردي: فإن الحديث فيها يحتاج إلى بسط أكثر، ولكن حسبنا في مقامنا هذا أن نشير إشارة مُذِكّرة بأهمية هذه القاعدة في حياتنا اليومية: فإن آية القصص: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } جاءت بعد قصة قارون الذي لم يصبر على شهوة المال!
وفي هذا إشارة إلى حاجة العبد ـ رجلاً كان أو امرأة ـ لتدبر هذه القاعدة جيداً، خصوصاً وهو يعيش في جو من المغريات والفتن والصوارف عن دين الله ـ يتدبرها ويتأملها، لتهوّن عليه الصبرَ عن الشهوات والملذات المحرمة... فكلما دعته نفسه إلى ما يخالف التقوى فليذكرها بحسن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة.
وكذلك الداعية إلى الله، من أحوج ما يكون إليها وهو يسير في طريق الدعوة الطويل، والمليء بالابتلاء بالخير أو بالشر، وخصوصاً إذا كان لا يجد معيناً ولا ناصراً، بل قد يجد مناهضاً ومعادياً!

يقول شيخنا العلامة ابن باز ـ بعد أن ذكر شيئاً مما تعرض له إمام الدعاة محمد – صلى الله عليه وسلم - من أذى وابتلاء، قال:
"فكيف يطمع أحد بعد ذلك أن يسلم؟ أو يقول متى كنت متقياً أو مؤمناً فلا يصيبني شيء؟ ليس الأمر كذلك بل لابد من الامتحان , ومن صبر حَمِدَ العاقبة , كما قال الله جل وعلا: { فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ } ،{ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } فالعاقبة الحميدة لأهل التقوى, متى صبروا واحتسبوا وأخلصوا لله وجاهدوا أعداءه وجاهدوا هذه النفوس , فالعاقبة لهم في الدنيا والآخرة , كما قال عز وجل:
{ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)} [العنكبوت]
فأنت ـ يا عبد الله ـ في أشد الحاجة إلى تقوى ربك، ولزومها، والاستقامة عليها، ولو جرى ما جرى من الامتحان, ولو أصابك ما أصابك من الأذى أو الاستهزاء من أعداء الله, أو من الفسقة والمجرمين فلا تبالِ , واذكر الرسل - عليهم الصلاة والسلام - , واذكر أتباعهم بإحسان , فقد أوذوا، واستهزئ بهم، وسخر بهم، ولكنهم صبروا فكانت لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، فأنت يا أخي كذلك اصبر وصابر" [مجموع فتاوى ابن باز:2/289].

ومفهوم هذه القاعدة القرآنية المحكمة: أن كل من لم يكن تقياً في أحواله، أو أفعاله، فلا عاقبة له حسنة، وإن أمهل زماناً، أو تُركَ دهراً، وهذه سنة الله في خلقه، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية: يستدل بهذه القاعدة القرآنية: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } وبأمثالها ـ إبان هجوم التتار على بلاد الإسلام ـ وكان يقسم بالله أن التتار لن ينصروا، بل سيخذلون وينكسرون، وكان مما قاله حينها: "واعلموا - أصلحكم الله - أن النصرة للمؤمنين والعاقبة للمتقين وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. وهؤلاء القوم مقهورون مقموعون، والله سبحانه وتعالى ناصرنا عليهم ومنتقم لنا منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فأبشروا بنصر الله تعالى وبحسن عاقبته، وهذا أمر قد تيقناه وتحققناه والحمد لله رب العالمين" [مجموع الفتاوى:3/125،28/419].

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-12, 08:50 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة16:{قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السادسة عشرة : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ }


الحمد لله ما حمده الحامدون، وغفل عن ذكره الذاكرون، وصلى الله وسلم على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهلم بادي الخير لنتدبر وقافين مع: (قواعد قرآنية)، لنتأمل جميعاً في قاعدة من القواعد القرآنية، التي يحتاجها الإنسان في مقام التمييز بين الأقوال والأفعال، والسلوكيات والمقالات، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ } [المائدة:100].

والخبيث: ما يكره بسبب رداءته وخساسته، سواء كان شيئاً محسوساً، أو شيئاً معنوياً، فالخبيث إذاً يتناول: كل قول باطلٍ ورديء في الاعتقاد، والكذب في المقال، والقبيح من الفعال، فكل خبيث لا يحبه الله ولا يرضاه، بل مآله إلى جهنم، كما قال سبحانه :
{ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ } [الأنفال:37].
وإذا تبين معنى الخبيث ههنا، فإن الطيب عكس معناه، فالطيب شامل: للطيب والمباح من الأقوال والأفعال والمعتقدات، فدخل في هذه القاعدة كل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الواجبات والمستحبات والمباحات. فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال [ينظر: مفردات الراغب:272، وتفسير ابن جزي والسعدي لهذه الآية].

وهذه القاعدة القرآنية هي صدر الآية الكريمة:
{ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100)} [المائدة] والتي سيقت في معرض الحديث عن أنواع من المطاعم والمشارب والصيد، وتفصيل الحرام والحلال فيها.

ولا ريب أن الغرض من الآية ليس مجرد الإخبار بأن الخبيث لا يستوي هو والطيب، فذلك أمرٌ مركوز في الفَطَر، بل الغرض هو الحث والترغيب في تتبع كل طيب من القول والعمل والاعتقاد والمكسب، والتنفير من كل خبيث من القول والعمل والاعتقاد والمكسب.
ولما كان في بعض النفوس ميلٌ إلى بعض الأقوال أو الأفعال أو المكاسب الخبيثة، ولما كان كثيرٌ من الناس يؤثر العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، جاء التحذير من الخبيث بأسلوب عجيب يقطع الطريق على من قد يحتج بكثرة من يتناول هذا الخبيث، فقال عز وجل: { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } وذلك أن في بعض الخبائث شيءٌ من اللذة الحسية أو المعنوية، كالحصول على مالٍ كثير لكن من طريق حرام، أو الوصول إلى اللذة الجسدية عن طريق الزنا، أو الخمر أو غيرهما من الملذات المحرمة، فهذه قد تغري الإنسان، وتعجبه، إلا أنه مع كثرة مقداره، ولذاذة متناوله، وقرب وجدانه، سبب للحرمان من السعادات الباقية الأبدية السرمدية التي إليها الإشارة بقوله تعالى: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } [الكهف:46]، وإذا كان الأمر كذلك فالخبيث ولو أعجبك كثرته يمتنع أن يكون مساوياً للطيب الذي هو أعظمه: معرفة الله ومحبته، وطاعته، فتلك هي - والله - الحياة الطيبة التي وعد بها من استقام على أمره، بأن يطيب عيشه في الدنيا والبرزخ والآخرة، قال تعالى:
{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل] هؤلاء هم الذين طابت أقوالهم وأفعالهم وحياتهم، فطاب مماتهم ورجوعهم إلى الله، كما قال سبحانه : { الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِين } [النحل:32]
نسأل الله الكريم المنان من فضله الواسع العظيم.

أيها المسلم:
ولعظيم موقع هذه القاعدة وما دلّت عليه، فإن المتأمل للقرآن يجد عجباً من كثرة التأكيد على العمل بما دلّت عليه هذه القاعدة، ومن ذلك:

1- التأكيد على ضرورة العناية بالمكاسب الطيبة، ولم يستثن الله أحداً من عباده المؤمنين في الحث على هذا الأمر، بالإضافة إلى العمومات الآمرة بطيب المكسب، كقوله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين (168)} [البقرة] إلا أن الله تعالى خص الرسل عليهم الصلاة والسلام - الذين كانوا أطيب الناس حساً ومعنى - بخطاب خاص في هذه المسألة بالذات، فقال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51)} [المؤمنون:51].

وكلُّ هذا يؤكد ضرورة العناية بهذا الباب العظيم الذي هو طيب المكسب، ولقد كان سلفنا الصالح شديدي العناية بهذه المسألة، ولربما سافر أحدهم مئات الأميال، وتغرب عن وطنه، كل ذلك بحثاً عن لقمة طيبة حلال، حتى قال سفيان الثوري: "إن طلب الحلال هو عمل الأبطال".
ولقد كان من أعظم أسباب العناية بطيب المكسب عند أسلافنا أمور، من أهمها:

أ- أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
ب- أن هذه المكاسب مما تنبت عليها الأجساد.

ولهذا فإن مما يوصى به كثرة الصدقة كلما كثر المال، أو قويت فيه الشبهة، كما أوصى بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - من يتعاطون التجارة، حيث يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه أهل السنن من حديث قيس بن أبي غرزة - رضي الله عنه - قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم - ونحن نسمى السماسرة - فقال:
« يا معشر التجار، إن الشيطان والإثم يحضران البيع » وفي لفظ: « إنه يشهد بيعكم الحلف واللغو فشوبوه بالصدقة »، « فشوبوا بيعكم بالصدقة » [قال الترمذي: حديث حسن صحيح].

وإذا كان هذا شأن هذه المسألة - أعني طيب المكسب - فعلى الناصح لنفسه أن يجتهد في طيب مكسبه، والحذر من أي شيء يكدره، خصوصاً وقد اتسعت على الناس اليوم أنواع من المكاسب المحرمة فضلاً عن المختلطة والمشتبهة، كبعض الشركات الموجودة في أسواق الأسهم المحلية والعالمية.

2- ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية العظيمة: { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أنه لا يصح - أبداً - أن نجعل الكثرة مقياساً لطيب شيءٍ ما، وصحته وسلامته من المحاذير الشرعية، وهذا أمرٌ يصدق على الأقوال والأفعال والمعتقدات، بل يجب أن نحكم على الأشياء بكيفيتها وصفتها وبمدى موافقتها للشرع المطهر.
تأمل - مثلاً - في قلة أتباع الرسل وكثرة أعدائهم:
{ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [الأنعام:116] ، وهذا مما يؤكد على الداعية أهمية العناية بالمنهج وسلامته، وأن لا يكون ذلك على حساب كثرة الأتباع! وهذا موضعٌ لا يفقهه إلا من وفقه الله تعالى، ولا يصبر عليه إلا من أعانه الله وسدده، لأن في الكثرة فتنة، وفي القلة ابتلاء.

وإليك مثالاً ثالثاً يجلي لك معنى هذه القاعدة بوضوح، وهو أن تتأمل في كثرة المقالات والعقائد الباطلة وكيف أن المعتقد الحق هو شيء واحدٌ فقط، قال تعالى:
{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } [الأنعام:153].

والله الذي لا إله غيره، ما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيّب مثلها وأحسن، مع أمن من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، والعاقل حين يتحرر من هواه، ويمتلئ قلبه من التقوى، ومراقبة الله تعالى، فإنه لا يختار إلا الطيب، بل إن نفسه ستعاف الخبيث، ولو كان ذلك على حساب فوات لذات، ولحوق مشقات، فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة، مسلياً نفسه بقوله تعالى:
{ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)} [النساء].

جعلنا الله وإياكم من الذين طابت أقوالهم وأفعالهم، فطاب منقلبهم ومآلهم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-13, 11:03 AM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 17: {إِنَّ خيرَ مَنِ استأْجرتَ القوِيُّ الْأَمين}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السابعة عشرة : { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين }


حمداً لك اللهم، وصلاةً وسلاماً على خيرتك من خلقك، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فمرحى بكم في مهيع موضوعنا الشائق الرائق: (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة في أبواب المعاملات، والعلاقات بين الناس، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين } [القصص:26].

وهذه الآية الكريمة جاءت ضمن قصة موسى عليه السلام مع صاحب مدين ـ في سورة القصص ـ والذي كان عاجزاً عن طلب الماء فخرجت ابنتاه للسقيا، بيد أنهما تأخرتا انتظاراً لصدور الناس عن البئر، إلا أن مروءة موسى وشهامته حملته على أن يبادر ـ من غير أن ينتظر سؤالهما ـ بقضاء حاجتهما، والسقيِ لهما، فأعجبَ هذا الفعلُ الفتاتين، فذكرتاه لوالدهما المقعد عن العمل، فأرسل في طلبه، فلما جاء وحدثه بخبره، قالت له إحداهما ـ وهي العالمة بعجز والدها عن القيام بمهام الرجال ـ :
{ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)} [القصص] فقولها: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ } تعليل لطلبها، فالقوة في العمل، والأمانة في أدائه على الوجه المطلوب.

وهذا التنصيص على هذين الوصفين هو من وفور عقل هذه المرأة التي رأت اكتمال هاتين الصفتين في موسى عليه السلام، وهو دليل ـ كما سيأتي ـ أن هذا من المطالب التي يتفق عليها عقلاء البشر في كل أمة من الأمم، وشريعة من الشرائع.

وقد أخذ العلماء ـ رحمهم الله ـ هذه الآية مأخذ القاعدة فيمن يلي أمراً من الأمور، وأن الأحق به هو من توفرت فيه هاتان الصفتان، وكلما كانت المهمة والمسؤولية أعظم، كان التشدد في تحقق هاتين الصفتين أكثر وأكبر.

أيها الأخ الموفق:
إن من تأمل القرآن الكريم وجد تلازماً ظاهراً وبيّناً بين هاتين الصفتين (القوة والأمانة) في عدة مواضع، ومن ذلك:
ما وصف الله به مبلغ الوحي والرسالات إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ـ جبريل ـ في قوله سبحانه:
{ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين (21)} [التكوير]
فانظر ـ يا عبدالله ـ كم وصفاً وصف الله به هذا الرسول الملكي الكريم؟! ومن ذلك وصفه بالقوة والأمانة، وهما من أعظم عناصر النجاح والكمال فيمن يؤدي عملاً من الأعمال.

والموضع الثاني من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة، فهو قول يوسف عليه السلام للملك :
{ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)} [يوسف:55]. "أي: حفيظ للذي أتولاه، فلا يضيع منه شيء في غير محله، وضابط للداخل والخارج، عليم بكيفية التدبير والإعطاء والمنع، والتصرف في جميع أنواع التصرفات، وليس ذلك حرصا من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرف من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه" [تفسير السعدي:400].

ولا يخفى أن إدارة أموال مجموعة من الأيتام تحتاج إلى هاتين الصفتين فكيف بإدارة أموال تتعلق بجماعة، أم كيف بإدارة أموال دولة بأكملها، ولهذا أبرزَ يوسفُ عليه السلام هاتين الصفتين، ومدح نفسه بهما، لا لذات المدح، بل لأن الوضع الاقتصادي في مصر آنذاك يقتضي مبادرة في ضبط إدارة أموالها، خصوصاً وقد كانت مقبلة ـ بحسب الرؤيا ـ على سنين عجاف مجدبات، تحتاج إلى حكمة وتعقل في الصرف.

أما الموضع الثالث من المواضع التي لوحظ فيها وصف القوة والأمانة في القرآن الكريم فهو ما جاء في قصة سليمان عليه السلام، وهو يعرض على من كان عنده أمر إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ:
{ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39)} [النمل].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
معلقاً على هذه المواضع الثلاثة بكلام نفيس، أنقل منه ما يناسب المقام: "وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة كما قال تعالى: { إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِين }، والقوة في كل ولاية بحسبها: فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب وإلى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها، فإن الحرب خدْعَةٌ، وإلى القدرة على أنواع القتال: من رمي وطعن وضرب وركوب وكر وفر...، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام. والأمانة ترجع إلى خشية الله، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلاً، وتركِ خشية الناس، وهذه الخصال الثلاث التي اتخذها الله على كل من حَكم على الناس في قوله تعالى:
{ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} [المائدة] إلى أن قال: "اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: اللهم أشكوا إليك جلد الفاجر وعجز الثقة، فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها، فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة، والآخر أعظم قوةً، قدم أنفعهما لتلك الولاية، وأقلهما ضرراً فيها، فتقدم في إمارة الحروب الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور، على الرجل الضعيف العاجز وإن كان أميناً، كما سئل الإمام أحمد: عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو، وأحدهما قوي فاجر، والآخر صالح ضعيف مع أيهما يُغزى؟ فقال: أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين، وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين، فيغزى مع القوي الفاجر.
ثم قال: مبيناً منهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج في هذا الباب: "ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل الرجل لمصلحةٍ مع أنه قد كان يكون مع الأمير من هو أفضل منه في العلم والإيمان"

ثم لخص كلامه الطويل في تعليقه على هذه الآية بقوله: "والمهم ـ في هذا الباب ـ معرفةُ الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عُرِفَتْ المقاصد والوسائل تَمَّ الأمر" [السياسة الشرعية ـ مع تعليق شيخنا العثيمين عليها ـ ص:42-63 باختصار وتصرف].

وكان قد قال كلمة ينبغي أن نعيها جيداً ـ معشر المستمعين والمستمعات: "ثم إن المؤدي للأمانة ـ مع مخالفة هواه، يثبته الله، فيحفظه في أهله وماله بعده، والمطيع لهواه يعاقبه الله بنقيض قصده، فيذل أهله، ويذهب ماله، وفي ذلك الحكاية المشهورة، أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك؟ فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين أقفرتْ أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم - وكان في مرض موته - فقال: أدخلوهم علي، فأدخلوهم، وهم بضعةَ عشر ذكراً، ليس فيهم بالغ، فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بَنَيّ! والله ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني!
قال هذا العالم ـ الذي يحكي هذه القصة ـ: فلقد رأيت بعض بنيه، حمل على مائة فرس في سبيل الله، يعني أعطاها لمن يغزو عليها.
قلت (والكلام لابن تيمية): هذا وقد كان خليفة المسلمين، من أقصى المشرق بلاد الترك، إلى أقصى المغرب، بلادالأندلس وغيرها، ومن جزيرة قبرص، وثغور الشام والعواصم، إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحدٍ من أولاده، من تركته شيئاً يسيراً، يقال: أقل من عشرين درهماً ! قال ـ أي هذا العالم الذي يحدث بهذه القصة القصة ويعظ ذلك الخليفة العباسي ـ: وحضرتُ بعض الخلفاء، وقد اقتسم تركتَه بنوه، فأخذ كلُّ واحدٍ منهم ستّمائة ألف دينار، ولقد رأيتُ بعضهم، يتكفف الناس - أي يسألهم بكفه!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وفي هذا الباب من الحكايات والوقائع المشاهدة في الزمان والمسموعة عما قبله، ما فيه عبرة لكل ذي لب" [السياسة الشرعية ـ مع تعليق شيخنا العثيمين عليها ـ ص:29-31، وسيرة عمر بن عبدالعزيز:338].

ختاماً من أراد أن يتوسع في فهم معاني هذه القاعدة القرآنية العظيمة، فليراجع ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "السياسية الشرعية في إصلاح الراعي والرعية".
رزقنا الله وإياكم فهمَ كتابه والعمل به، وجعلنا وإياكم ممن يقوم بحق ما ولاه الله عليه، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-13, 09:43 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 18:{وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثامنة عشرة : { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا موعد جديد لموضوعنا المتنور: (قواعد قرآنية)، نعيش فيها مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل مع الخلق، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } [فاطر:43].

وهذه القاعدة القرآنية جاءت ضمن سياق آيات في سورة فاطر، يحسن ذكرها ليتضح معناها، يقول تعالى عن طائفة من المعاندين [التحرير والتنوير:12/73 في تفسير ابن عاشور لهذه الآية]:
{ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيْقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بَأَهْلِه فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)} [فاطر].

ومعنى هذه القاعدة التي تضمنتها هذه الآية باختصار: "أن هؤلاء الكفار المعاندين أقسموا بالله أشد الأَيْمان لئن جاءهم رسول من عند الله يخوِّفهم عقاب الله ليكونُنَّ أكثر استقامة واتباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ما زادهم ذلك إلا بُعدًا عن الحق ونفورًا منه، وليس إقسامهم لقَصد حسن وطلبًا للحق، وإنما هو استكبارٌ في الأرض على الخلق، يريدون به المكر السيِّئ، والخداع والباطل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فهل ينتظر المستكبرون الماكرون إلا العذاب الذي نزل بأمثالهم الذين سبقوهم، فلن تجد لطريقة الله تبديلاً ولا تحويلاً فلا يستطيع أحد أن يُبَدِّل، ولا أن يُحَوِّل العذاب عن نفسه أو غيره" [التفسير الميسر (تفسير المجمع)].

وهذا المعنى الذي قررته هذه القاعدة، جاء معناه في آيات أخر من كتاب الله تعالى، تأمل قوله عز وجل:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم } [يونس:23] وقولَه تعالى:
{ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ } [الفتح:10]، بل قد قرر الله تعالى أن هذا الأسلوب ـ وهو المكر ـ إنما هو منهجٌ من مناهج أعداء الرسل مع الأنبياء والرسل، فقال ـ في سورة الرعد:
{ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42)}[الرعد]، وقال عز وجل:
{ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)} [إبراهيم].

وأما الأمثلة الفردية التي تبين معاني هذه القاعدة، فكثيرة في كتاب الله تعالى، لكن حسبنا أن نشير إلى بعضها، فمن ذلك:

1 ـ ما قصه الله تعالى عن مكر إخوة يوسف بأخيهم، فماذا كانت العاقبة؟ يقول تعالى:
{ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)}[يوسف] صحيح أن إخوته تابوا، لكن بعد أن آذوا أباهم وأخاهم بأنواع من الأذى، فعاد مكرهم على غير مرادهم، وفاز بالعاقبة الحسنة، والمآل الحميد من صبر وعفى وحلَم.

2 ـ وتأمل في قول الله تعالى عمن أرادوا كيداً بنبي الله عيسى:
{ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)} [آل عمران]

3 ـ ولما تحايل المشركون بأنواع الحيل لأذية نبينا - صلى الله عليه وسلم- قال الله عنهم:
{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)} [الأنفال].

وأما في السنة، وفي التاريخ فكثيرٌ جداً، ومن قرأ التاريخ قراءة المتدبر المتأمل، وجد من ذلك عبراً، وأدرك معنى هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }.
ولهذا، ولما كان المكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثيراً، والكيدُ له عظيماً، سلاه الله بآية عظيمة، تبعث على الثقة والطمأنينة، والأمل والراحة، ليس له - صلى الله عليه وسلم - وحده، بل لكل داعية يسير على نهجه ممن قد يشعر بكيد الكائدين ومكر الماكرين، فقال سبحانه:
{ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)}[النحل].

"فالله حافظه من المكر والكيد، لا يدعه للماكرين الكائدين وهو مخلص في دعوته لا يبتغي من ورائها شيئاً لنفسه، وقد يقع به الأذى لامتحان صبره، ويبطئ عليه النصر لابتلاء ثقته بربه، ولكن العاقبة مظنونة ومعروفة: { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } ومن كان الله معه فلا عليه ممن يكيدون وممن يمكرون" [في ظلال القرآن:4/499]، والمهم أن يحفظ سياج التقوى، ولا يقطع إحسانه إلى الخلق، ثم ليبشر بعد ذلك ببطلان كيد الماكرين.

أيها القارئ المحب لكلام ربه:
لعلك تلاحظ أن المكر في هذه القاعدة القرآنية: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } لعلك تلاحظ أن المكر أضيف إلى السوء، وهذا يوضح أن المكر من حيث هو لا يذم ولا يمدح إلا بالنظر في عاقبته، فإن كان المكرُ لغاية صحيحة فهو ممدوح، وإلا فلا، ومن بلاغة البيان القرآني التعبير بالحيق مع كلمة المكر، في قوله عز وجل: { وَلَا يَحِيقُ }، فالعرب تقول: حاق به المكروه يحيق به حيقاً، إذا نزل به وأحاط به، ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة، فلا تقول: حاق به الخير، بمعنى: أحاط به [أضواء البيان:4/153].

ولعلك تتأمل معي ـ أيها المستمع الكريم ـ في الحكمة من اتباع هذه القاعدة القرآنية بقوله تعالى: { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا } ليتبين أن هذه القاعدة القرآنية مطردة، وفي ذلك من التحذير من مكر السوء ما فيه، لمن تدبر ووعى، كما سبق في ذكر الآيات الكريمة الدالة على ذلك.

وإذا تقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإنه يدخل في هذه الآية كل مكرٍ سيئ، يقول العلامة ابن عاشور: مبيناً علة اطّراد وثبات هذه القاعدة { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }:
"لأن أمثال هذه المعاملات الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض، والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضاً تنكر بعضهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك، ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم، والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء.
وكم في هذا العالم من نواميس مغفول عنها، وقد قال الله تعالى: { وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ } [البقرة:205].

وفي كتاب ابن المبارك في "الزهد" بسنده عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
« لا تمكر، ولا تُعن ماكراً فإن الله يقول:{ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }».
ومن كلام العرب: من حفر لأخيه جباً وقع فيه منكباً.
فكم انهالت من خلال هذه الآية من آداب عمرانية، ومعجزات قرآنية، ومعجزات نبوية خفية [التحرير والتنوير:22/335-336].

أيها الممعن النظر:
وإذا أردنا أن ننظر في آثار هذه القاعدة { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } على أهلها في الدنيا والآخرة، فلنتأمل هذه القصص التي ذكرها ربنا في كتابه عن أهل المكر بأوليائه والدعاة إلى سبيله، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره عن جملة من الأنبياء، نجد أمثلة أخرى لأتباعهم، نجاهم الله فيها من مكر الأعداء، ومن ذلك:

ـ فرعون! كم كاد لبني إسرائيل لمّا آمنوا به! ومن جملتهم ذلك الرجل الذي عرف بـ "مؤمن آل فرعون" الذي قصّ الله خبره في سورة غافر! تأمل قوله تعالى: { فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)}[غافر] فنجى الله المؤمن، وأما فرعون وجنوده فهم الآن، بل منذ ماتوا وهم يعذبون وإلى يوم القيامة.

ـ وهذا الإمام البخاري ـ صاحب الصحيح ـ كان كثير من أصحابه يقولون له: إن بعض الناس يقع فيك! فيقول:
{ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)} [النساء] ويتلو أيضاً: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } [فاطر:43]، فقال له أحد أصحابه: كيف لا تدعو الله على هؤلاء الذين يظلمونك ويتناولونك ويبهتونك؟
فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
« اصبروا حتى تلقوني على الحوض »، وقال صلى الله عليه وسلم:
« من دعا على ظالمه، فقد انتصر » [سير أعلام النبلاء:23/455].

ـ وقد ذكر ابن القيم أمثلةً تطبيقية وعملية من واقع الناس لهذه القاعدة: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه } في سياق حديثه عن المتحايلين على الأحكام الشرعية، كالمتحايلين على أكل الربا ببعض المعاملات، أو يحتالون على بعض الأنكحة، وأمثال هؤلاء، فقال: "فالمحتال بالباطل مُعَاملٌ بنقيض قصده شرعاً وقَدَرَاً، وقد شاهد الناس عيانا أنه من عاش بالمكر مات بالفقر، ولهذا عاقب الله من احتال على إسقاط نصيب المساكين وقت الجداد بحرمانهم الثمرة كلها (يشير بذلك إلى قصة أصحاب الجنة في سورة القلم)، وعاقب من احتال على الصيد المحرم بأن مسخهم قردة وخنازير، وعاقب من احتال على أكل أموال الناس بالربا بأن يمحق ماله، كما قال تعالى: { يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)} [البقرة] فلا بد أن يمحق مال المرابي ولو بلغ ما بلغ، وأصل هذا أن الله سبحانه جعل عقوبات أصحاب الجرائم بضد ما قصدوا له بتلك الجرائم،... إلى أن قال: وهذا بابٌ واسعٌ جداً عظيمُ النفع، فمن تدبره يجده متضمناً لمعاقبة الرب سبحانه من خرج عن طاعته بأن يعكس عليه مقصوده شرعاً وقدراً، دنياً وأخرى، وقد اطردت سنته الكونية سبحانه في عباده بأن من مكر بالباطل مكر به، ومن احتال احتيل عليه، ومن خادع غيره خُدِعَ، قال الله تعالى: { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }[النساء:142]، وقال تعالى: { وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِه }، فلا تجد ماكراً إلا وهو ممكورٌ به، ولا مخادعا إلا وهو مخدوع ولا محتالا إلا وهو محتال عليه" انتهى كلامه.

وبه تنتهي هذه الوقفات المختصرات مع هذه القاعدة القرآنية الكريمة، ولم تنته بعد وقفاتنا التي نريدها مع بقية القواعد، فإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-14, 01:32 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,298 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 19: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة التاسعة عشرة : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فحي هلا بكم في ملتقانا البديع: (قواعد قرآنية)، نعيش فيه مع قاعدة من القواعد المحكمة في أبواب التعامل بين الخلق، الذين لا تخلو حياة كثير منهم من بغي عدوان، سواء على النفس أو على ما دونها، تلكم هي القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [البقرة:179].

وهذه الآية القاعدة القرآنية العظيمة جاءت بعد قوله سبحانه:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)} [البقرة] ثم قال تعالى مبينًا هذه القاعدة العظيمة في باب الجنايات :
{ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (179)} [البقرة]، ولنا مع هذه القاعدة القرآنية المحكمة وقفات:

الوقفة الأولى:
إن من تأمل في واقع بلاد الدنيا عمومًا ـمسلمها وكافرهاـ فسيجد قلة القتل في البلاد التي يُقتلُ فيها القاتل كما أشار إلى ذلك العلامة الشنقيطي: وعلل ذلك بقوله: "لأن القصاص رادع عن جريمة القتل؛ كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفًا، وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة؛ لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع، كله كلامٌ ساقط، عارٍ من الحكمة؛ لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعةً فإن السفهاء يكثر منهم القتل، فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل" انتهى كلامه.

الوقفة الثانية:
ذلك أن "الحياة أعز شيء على الإنسان في الجبلة، فلا تعادل عقوبة القتل في الردع والانزجار، ومن حكمة ذلك: تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممن اعتدى على قتيلهم، قال تعالى:
{ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِ‌ف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورً‌ا (33)} [الإسراء] أي: لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس" (التحرير والتنوير [2 / 192]).

الوقفة الثالثة:
مع تنكير كلمة (حياة) في هذه القاعدة القرآنية { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }.
فهذا التنكير "للتعظيم، أي: في القصاص حياة لنفوسكم؛ فإن فيه ارتداعُ الناس عن قتل النفوس، فلو أهمل حكم القصاص لما ارتدع الناس؛ لأن أشد ما تتوقاه نفوس البشر من الحوادث هو الموت، فلو علم القاتل أنه يسلم من الموت لأقدم على القتل مستخفًا بالعقوبات كما قال سعد بن ناشب لما أصاب دمًا وهربَ فعاقبه أمير البصرة بهدم داره بها:

سأغسلُ عني العار بالسيف جالبًا * عليَّ قضاء الله ما كان جالبًا
وأذهل عن داري، وأجعل هدمها * لعرضيَ من باقي المذمة حاجبًا
ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت * يميني بإدراكك الذي كنت طالبًا

ولو ترك الأمر للأخذ بالثأر ـكما كان عليه في الجاهليةـ لأفرطوا في القتل وتسلسل الأمر كما تقدم، فكان في مشروعية القصاص حياة عظيمة من الجانبين" (التحرير والتنوير [2/200]).

الوقفة الرابعة :
هي مع ختم هذه القاعدة بقوله تعالى: { يَا أُولِي الْأَلْبَابِ } ففي ذلك "تنبيه على التأمل في حكمة القصاص؛ ففي توجيه النداء إلى أصحاب العقول إشارة إلى أن حكمة القصاص لا يدركها إلا أهل النظر الصحيح؛ إذ هو في بادئ الرأي كأنه عقوبة بمثل الجناية؛ لأن في القصاص رزية ثانية لكنه عند التأمل هو حياة لا رزية للوجهين المتقدمين.
ثم قال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون } إكمالا للعلة، أي لأجل أن تتقوا، فلا تتجاوزوا في أخذ الثأر حد العدل والإنصاف" (التحرير والتنوير [2/200]، بتصرف واختصار).

الوقفة الخامسة :
أن هذه القاعدة العظيمة من جوامع الكلام وبليغِه، فاق ما كان سائرًا مسرى المثل عند بعض المتأخرين وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل). (ينظر في بيان كون هذا المثل منقولاً ومترجماً: وحي القلم [3/407 - 410]).
وقد اشتغل جمع من البلاغيّين في تحليل هذه القاعدة القرآنية { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } للبحث عن مواطن إيجازها المتقَن، ومقارنتِها بالمثل المشهور الذي تكرر وتردد على ألسنة كثير من الأدباء، والكُتاب والصحفيين ذلكم هو قول العرب: (القتلُ أنفى للقتل) فزعم بعضهم أنها أفصح من هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها { فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }، وقبل بيان المقارنة يحسن إيراد كلمة محررة ومتينة لأبي بكرٍ الباقلاني: حيث يقول كلامًا، هو كالقاعدة في بين حال من يريد أن يقارن بين كلام الله وكلام خلقه:
"فإن اشتبه على متأدب أو متشاعر أو ناشئ أو مُرْمَدٍ (أي من في عينيه رمدٌ، إشارة إلى عماه عن إبصار الحقيقة) فصاحة القرآن، وموقع بلاغته وعجيب براعته فما عليك منه! إنما يخبر عن نفسه، ويدل على عجزه، ويبين عن جهله، ويصرح بسخافة فهمه وركاكة عقله" (نقلها الرافعي في وحي القلم: [3/399])!

أيها الإخوة:
وبالمقارنة بين ما نحن بصدده من هذه القاعدة القرآنية: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } وبين ذلك المثل: "الْقَتْلُ أنْفَى لِلْقَتل" ظهر ما يلي:

1- إنّ حروف القاعدة القرآنية: { فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أقل عددًا من عبارة العرب: "الْقَتْلُ أنْفَى للقتل".
2- القاعدة القرآنية ذكرت "الْقِصَاصَ" ولم تقل القتل، فشملت كلَّ ما تُقَابَلُ به الجناية على الأنفس فما دون الأنفس من عقوبة مُمَاثلة، وحدّدَتِ الأمر بأنْ يكون عقوبة وجزاء لخطأ سابق، لا مجرد عدوان، وهذا عين العدل.
أمّا عبارة العرب فقد ذكرت القتل فقط، ولم تقيّده بأن يكون عقوبة، ولم تُشِرْ إلى مبدأ العدل، فهي قاصرة وناقصة.
3- القاعدة القرآنية { فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } نصَّتْ على ثبوت الحياة بتقرير حكم القصاص، أما المثل العربي فذكر نَفْي القتل، وهو لا يَدُلُّ على المعنى الذي يَدُلُّ عليه لفظ "حياة".
4- القاعدة القرآنية خالية من عيب التكرار، بخلاف المثل العربي الذي تكررت فيه كلمة القتل مرتين في جملة قصيرة.
5- القاعدة القرآنية صريحة في دلالتها على معانيها، مستغنية بكلماتها عن تقدير محذوفات، بخلاف عبارة "العرب" فهي تحتاج إلى عدّة تقديراتٍ حتى يَستقيم معناها، إذْ لا بُدَّ فيها من ثلاثة تقديرات، وهي كما يلي: "القتلُ" قصَاصًا "أنْفَى من تركه "لِلقَتْلِ" عمْدًا وعدوانًا.
6- في القاعدة القرآنية سَلاَسة، لاشتمالها على حروف متلائمة سهلة التتابع في النطق، أمّا عبارة "العرب" ففيها تكرير حرف القاف المتحرِّك بين ساكنين، وفي هذا ثقل على الناطق (ينظر ـ في بيان أوجه إعجاز هذه الآية الكريمة ـ: وحي القلم للرافعي [3/402 – 409]، والبلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها [492] للميداني).

وبعد فإن لهذه المقارنة البلاغية الموجزة قصةً أختم بها حديثي في هذه القاعدة القرآنية، وهي أن العلامة محمود شاكر: قرأ مقالةً لأحد الصحفيين يقرر فيها أن عبارة "القتل أنفى للقتل" أبلغ من هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }، فضاق صدر الشيخ محمود شاكر جدًا، ووصف هذه الكلمة بأنها كافرة، فكتب ـوقتهاـ إلى الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي يستحثه على الجواب عن هذه الدعوى المزيفة، يقول الشيخ محمود شاكر: "غلى الدم في رأسي حين رأيت الكاتب يلج في تفضيل قول العرب: "القتل أنفى للقتل" على قول الله تعالى في كتابه الحكيم: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } [البقرة:179]، فذكرت هذه الآية القائلة: { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ } [الأنعام:121]... ففي عنقك أمانة المسلمين جميعًا لتكتبن في الرد على هذه الكلمة الكافرة لإظهار وجه الإعجاز في الآية الكريمة، وأين يكون موقع الكلمة الجاهلية منها؛ فإن هذه زندقة إن تركت تأخذ مأخذها في الناس؛ جعلت البر فاجرًا، وزادت الفاجر فجورًا، هم ذئاب الزندقة الأدبية التي جعلت همها أن تلغ ولوغها في البيان القرآني... الخ كلامه".
فلما بلغ هذا الكلام الأديب الرافعي غضب غضبة مضرية، وانبرى للرد على هذه الكلمة الآثمة في بضع صفحات من كتابه الرائع "وحي القلم"، لخصنا شيئًا منها فيما ذكرته آنفًا، فجزاه الله خيرًا، وغفر له، وإلى هنا ينتهي ما أردتُ بيانه حول هذه القاعدة القرآنية الكريمة: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ }.
وإلى لقاء جديد بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

سلسلة قواعد قرآنية


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
فوائد قرآنية | الشيخ المغامسي
نفحات قرآنية من سورة الماعون
درر و فوائد قرآنية - متجدد
نفحات قرآنية من سورة القلم
قواعد في شكر النعم


الساعة الآن 06:04 PM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML