آخر 10 مشاركات
سلسلة لعلهم يتفكرون           »          أطفئ نيرآن خطايآك           »          موسوعة الأحاديث القدسية ( 40 )           »          موسوعة الأحاديث القدسية ( 38 )           »          إعلام منكرى السنة أن القرآن والإعجاز العلمى بل والعقل والفطرة أثبتوا السنة           »          يقول أتحدى كل علماء الشيعة ان يردوا على هذا السؤال           »          التفسير النبوي للقرآن الكريم           »          كتاب (فتاوى الحج والعمرة) لأبن باز ولأبن عثيمين ولأبن جبرين           »          قسيس أسلم يدك دين الشيعة ويظهر شيء عجيب فى ضيافة صاهر دين الشيعة فراج الصهيبى           »          علاقة عمر الوالدين بخطر إصابة الطفل بالتوحد


منتديات أهل السنة في العراق

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2016-06-01, 06:19 PM   المشاركة رقم: 41
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 39: {فإِذا فرغت فانصب * وإِلى ربِّك فارغب}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة التاسعة والثلاثون : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ }


الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء جديد مع قاعدة من قواعد تربية النفس، وتوجيه علاقتها مع الله عز وجل، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ( 7 ) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 )}[الشرح](قال العلامة النحرير الطاهر ابن عاشور: ـ كما في التحرير والتنوير 30/368 ـ: "وهذه الآية من جوامع الكلم القرآنية لما احتوت عليه من كثرة المعاني").

وهذه القاعدة ـ كما لا يخفى ـ جزء من سورة الشرح، وقد بدئت بحرف الفاء المرتبط بالجملة الشرطية، وهذه الفاء هي فاء التفريع، أي أن ما بعدها فرع عما قبلها، فلننظر فيما قبلها، يقول الله عز وجل:
{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ( 8 )} .

وغني عن القول أن هذه السورة العظيمة ـ سورة الشرح ـ "احتوت على ذكرِ عنايةِ الله تعالى لرسوله بلطف الله له, وإزالةِ الغمّ والحرجِ عنه، وتيسير ما عسر عليه، وتشريفِ قدره؛ لِيُنَفِّسَ عنه؛ فمضمونُها شبيهٌ بأنه حجةٌ على مضمون سورة الضحى؛ تثبيتاً له بتذكيره سالف عنايته به, وإنارة سبيل الحق, وترفيع الدرجة؛ ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته ما كان لِيقطع عنه فضله، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم" (التحرير والتنوير 30/359).

فإذا اتضح تبين موقع هذه القاعدة التي نتحدث عنها: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } والتي يأمر الله فيها نبيه صلى الله عليه وسلم إذا انتهى من طاعة أو عملٍ ما أن ينصب ويبدأ في عمل أو طاعة أخرى، وأن يرغب إلى ربه في الدعاء والعبادة، والتضرع والتبتل، لأن حياة المسلم الحق كلها لله، فليس فيها مجال لسفاسف الأمور، بل إن اللهو الذي تبيحه الشريعة لأصناف من الناس كالنساء والصبيان، أو في بعض الأوقات كالأعياد والأفراح؛ فإن من أعظم مقاصد ذلك أن يعيش أن يستجم الإنسان ـ والاستجمام للجد مرة ثانيةً من الشغل النافع ـ وأن يعيش العبودية لله في جميع أحواله، فهو يعيشها في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وفي الحضر والسفر، وفي الضحك والبكاء، ليتمثل حقاً قول الله تعالى:
{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام: 162]،
متأسياً ـ قدر الطاقة بالثلة المباركة من أنبياء الله ورسله ـ الذين أثنى الله عليهم بقوله عز وجل:
{ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)}[الأنبياء].

قال ابن القيم رحمه الله: "وأما الرغبة في الله، وإرادةُ وجهه، والشوقُ إلى لقائه، فهي رأس مال العبد، وملاكُ أمره، وقوامُ حياته الطيبة، وأصلُ سعادته وفلاحه ونعيمه، وقرةُ عينه، ولذلك خلق، وبه أُمِرَ، وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده، فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده، كما قال الله تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}[الشرح]" (روضة المحبين (405)).

أيها القراء الكرام:
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه القاعدة: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } معنى عظيم، وهو أصل من الأصول التي تدل على أن الإسلام يكره من أبنائه أن يكونوا فارغين من أي عمل ديني أو دنيوي! وبهذا نطقت الآثار عن السلف الصالح رحمهم الله:
يقول ابن مسعود رضي الله عنه: إني لأمقت أن أرى الرجل فارغاً لا في عمل دنيا ولا آخرة (المعجم الكبير 9/102)، وسبب مقت ابن مسعود رضي الله عنه لهذا النوع من الناس؛ لأن "قعود الرجل فارغاً من غير شغل، أو اشتغاله بما لا يعينه في دينه أو دنياه من سفه الرأي، وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة" (الكشاف 4/777).

ولقد دلّ القرآن على أن هذا النوع من الناس الفارغين ـ وإن شئت فسمهم البطالين ـ ليسوا أهلاً لطاعة أوامرهم، بل تنبغي مجانبتهم؛ لئلا يُعدوا بطبعهم الرديء، كما قال تعالى: { ... وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)} [الكهف]، يقول العلامة السعدي رحمه الله: "ودلت الآية، على أن الذي ينبغي أن يطاع، ويكون إماماً للناس، من امتلأ قلبه بمحبة الله، وفاض ذلك على لسانه، فلهج بذكر الله، واتبع مراضي ربه، فقدمها على هواه، فحفظ بذلك ما حفظ من وقته، وصلحت أحواله، واستقامت أفعاله، ودعا الناس إلى ما من الله به عليه، فحقيق بذلك، أن يتبع ويجعل إماماً" (تفسير السعدي: (475)).

أيها الإخوة المؤمنون:
ومن هدايات هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } أنها تربي في المؤمن سرعة إنجاز الأمور ـ ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ـ وعدمِ إحالة إنجازها إلى وقت الفراغ، فإن ذلك الأساليب التي يخدع بها بعض الناس نفسه، ويبرر بها عجزه، وإن من عجز عن امتلاك يومه فهو عن امتلاك غده أعجز!

قال بعض الصالحين: "كان الصديقون يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس"
علق ابن رجب: على هذا فقال: "يشير إلى أنهم كانوا لا يرضون كل يوم إلا بالزيادة من عمل الخير، ويستحيون من فقد ذلك و يعدونه خسراناً" (لطائف المعارف: (321))، ومن جميل ما قيل في هذا المعنى ذينك البيتين السائرين:

إذا هجع النوام أسبلت عبرتي * وأنشدت بيتاً فهو من أحسن الشعر
أليس من الخسران أنَّ ليالياً * تمر بلا شيء وتحسب من عمر

ومن الحكم السائرة: لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد! وهي حكمة صحيحة يشهد القرآن بصحتها، وقد روي عن الإمام أحمد: أنه قال: إن التأخير له آفات! وصدق:، والشواهد على هذا كثيرة:
ـ فمن الناس من يكون عليه التزامات شرعية بينه وبين الله، كقضاء الصيام، أو أداء فرض الحج ـ مثلاً ـ فتراه يسوّف ويماطل، حتى يتضايق عليه الوقت في الصيام، أو يفجأه الموت قبل أن يحج! ولئن كان هذا قبيحاً ومذموماً في حقوق الله، فهو في حقوق الخلق ـ المبنية على المشاحة ـ أشد وأعظم، وكم ندم من كانت عليهم ديون حين تساهلوا في تسديدها وهي قليلة، فتراكمت عليهم، فعجزوا عنها، وصاروا بين ملاحقة الغرماء، والركض وراء الناس وإراقة ماء الوجه للاستدانة من جديد، أو للأخذ من الزكاة!! فهل من معتبر؟!

ـ ومن آثار مخالفة هذه القاعدة: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ }: أن بعض الناس لا يهتبل ولا يستغل الفرص التي تسنح في طلب العلم، وتحصيله، فإذا انفرط عليه العمر، وتقضى الزمن، ندم على أنه لم يكن قد حصل شيئاً من العلم ينفعه في حياته وبعد مماته!

وقل مثل ذلك: في تفريط كثير من الناس ـ وخصوصاً الشباب والفتيات ـ في التوبة، والإنابة، والرغبة إلى الله، بحجة أنهم إذا كبروا تابوا، وهذا لعمر الله من تلبيس إبليس!

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد بما كان أرصدا
وقوله تعالى ـ في هذه القاعدة التي هي مدار حديثنا ـ: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } أبلغ، وأعظم حادٍ إلى العمل، والجد في استثمار الزمن قبل الندم.
وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-02, 03:03 PM   المشاركة رقم: 42
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 40 : { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الأربعون: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }


الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية، وكلمةٍ جامعة، وهي من أعظم قواعد الشرائع السماوية كلها، والتي لا يشذ عنها شيء، تلكم القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى:
{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }[النحل: 90].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة من أعظم القواعد الشرعية، والتي يدخل تحتها من الفروع ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وتتفق عليها جميع الشرائع السماوية؛ ذلك أن الشرائع كلها من لدن حكيم عليم، قال سبحانه وتعالى:
{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)} [الأنعام]
قال أهل العلم: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.
ومَرَدُّ معرفة العدل من الجور إلى أدلة الشريعة المطهرة، ونصوصها المفصلة.

يقول الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله: "العدل حصن يلجأ إليه كل خائف، وذلك أنك ترى الظالم وغير الظالم إذا رأى من يريد ظلمه، دعا إلى العدل وأنكر الظلم حينئذ وذمه، ولا ترى أحداً يذم العدل، فمن كان العدل في طبعه فهو ساكن في ذلك الحصن الحصين" (الأخلاق والسير: (162)).

وقال العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله: "والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماءُ الأمم، وسجلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية، ومصرية، وهندية.

وحسن العدل بمعزل عن هوى يغلب عليها في قضية خاصة، أو في مبدأ خاص تنتفع فيه بما يخالف العدل بدافع إحدى القوتين: الشاهية والغاضبة" (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام،ص: (186)).

ويقول ابن تيمية رحمه الله: "إن جماع الحسنات: العدل، وجماع السيئات: الظلم" (مجموع الفتاوى (1/86)).
وقال الماورديّ: "إنّ ممّا تصلح به حال الدّنيا قاعدة العدل الشّامل، الّذي يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطّاعة، وتعمر به البلاد، وتنمو به الأموال، ويكبر معه النّسل، ويأمن به السّلطان، وليس شيء أسرع في خراب الأرض، ولا أفسد لضمائر الخلق من الجور؛ لأنّه ليس يقف على حدّ، ولا ينتهي إلى غاية، ولكلّ جزء منه قسط من الفساد حتّى يستكمل" (أدب الدنيا والدين للماوردي (141)).

أيها القارئ الكريم:
إن هذا المعنى الشرعي العظيم ـ وهو العدل ـ الذين نتفيأ ظلال الحديث عنه من وحي هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } لهو معنى تعشقه النفوس الكريمة، والفطر السوية، ولله! كم كان تحقيقه سبباً في خيرات عظيمة، ومنح كثيرة؟! والعكس صحيح، وكم كان تحقيق هذا العدل سبباً في إسلام أناس ما حثهم على الإسلام إلا تحقيق هذا الأصل الكبير: العدل، وإليكم هذا الموقف الذي يبين شيئاً من آثار العدل في نفوس الخصوم قبل الأصدقاء:

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق (42 / 487) من طريق الشعبي قال:
وجد علي بن أبي طالب درعه عند رجل نصراني، فأقبل به إلى شريح يخاصمه ـ وشريح هذا أحد أشهر القضاة في عهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه ـ قال: فجاء علي حتى جلس إلى جنب شريح،
فقال له علي: يا شريح! لو كان خصمي مسلماً ما جلست إلا معه، ولكنه نصراني! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم وإياهم في طريق فاضطروهم إلى مضايقه، وصغروا بهم كما صغر الله تعالى بهم، من غير أن تطغوا، ثم قال علي: هذا الدرع درعي،لم أبع ولم أهب!
فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟
فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب،
فالتفت شريح إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين! هل من بيّنة؟
قال: فضحك علي وقال: أصاب شريح! ما لي بينة، فقضى بها للنصراني!
قال: فمشى خُطىً ثم رجع، فقال النصراني: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء! أميرُ المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الدرع والله درعك، يا أمير المؤمنين، أتبعتُ الجيش ـ وأنت منطلق إلى صفين ـ فخرجتْ من بعيرك الأوْرق،
فقال: أما إذا أسلمت فهي لك، وحمله على فرس،
فقال الشعبي: فأخبرني من رآه يقاتل الخوارج مع علي يوم النهروان.

فتأمل يا عبدالله! كيف أثّر هذا الموقف العجيب من الرجل الأول في الدولة آنذاك في إسلامه، بل والانضمام إلى جيوشه التي تقاتل الخوارج المارقين، وليست هذه فضيلة إقامة العدل في مثل هذه المواقف، بل إن الإمام العادل أحدُ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه.

وفي الموقف مَلْحظٌ آخر: ألا وهو أن هذا القاضي لم يكن ليجرؤ على مثل هذا الحكم لولا أنه وجد ما يسنده ويقوي جانبه في إصدار مثل هذا الحكم على خليفة المسلمين آنذاك، من الخليفة نفسه، ومتى شعر القاضي أنه لا يستطيع أن يحكم بالعدل الذي يراه، فعلى القضاء السلام.

وهذا الموقف ـ أيضاً ـ يبرز جانباً من جوانب عظمة هذا الدين في العدل مع الخصوم والأعداء، فلم يمنع شريحاً كون الخصم نصرانياً أن يقضي له، وهذا تطبيق عملي لقوله تعالى:
{ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى }[المائدة: 8].

أيها الإخوة الكرام:
وتمتد ظلال هذه القاعدة العظيمة { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ } لتشمل جميع شؤون الحياة، فمن ذلك:
ـ العدل مع الزوجات: وهذا من الأمور المحكمات في باب العلاقة الزوجية، وهو أظهر من أن يفصل فيه، إلا أن الذي أرى أنه من المهم التوكيد عليه: هو تذكير الإخوة المعددين، بأن يتقوا الله في العدل بين زوجاتهم، وأن يحذروا من آثار عدمه السيئة في الحياة قبل الممات: وذلك فيما يقع بين الأولاد غير الأشقاء من نزاعات وخلافات، حتى يكونوا شماتة للآخرين، وأما في الآخرة فهو أعظم وأشد، وعليهم أن يتأملوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته التسع، ففيها الغناء والعبرة.

ومن صور تطبيقات هذه القاعدة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }:
ـ العدل مع الأولاد: ذلك أن على الوالدين أن يعدلوا بينهم، وأن يتجنبوا تفضيل بعضهم على بعض، سواء في الأمور المعنوية كالحب والحنان والعطف ونحو ذلك، أو في الأمور المادية كالهدايا والهبات، ونحوها.

ـ العدل والإنصاف في إصدار الأقوال، وتقييم الآخرين: قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)} [النساء] ، وقال عز وجل:
{ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا }[الأنعام: 152].
وهذا باب واسع جداً، يدخل فيه الكلام على الأفراد، والجماعات، والفرق، والكتب، والمقالات، وغير ذلك.

وما أجمل ما قاله ابن القيم في نونيته:

وتحل بالإنصاف أفخر حلة * زِيْنَتْ بها الأعطاف والكتفان

أيها الإخوة:
ومن صور العدل التي دلّت عليها هذه القاعدة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }:
ـ العدل في العبادة: بحيث لا يتجاوز بها صاحبها العدل، ويتعدى الحد، ولا يقصّر في أدائها على الوجه الشرعي.

ـ العدل في النفقات: قال تعالى:
{ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)} [الإسراء]، وقال سبحانه وتعالى مثنياً على عباد الرحمن:
{ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)}[الفرقان]،
وكان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم العظيمة: " وأسألك القصد في الفقر والغنى "(سنن النسائي (3/54) ح (1305)، وصححه ابن حبان ح (1971)).

وبالجملة ـ أيها الكرام ـ: فمن تأمل أوامر الله تعالى وجدها وسطاً بين خلقين ذميمين: تفريط وإفراط، وهذا هو معنى هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ }.
وإلى هنا ينتهي ما أردت ذكره من إشارات عابرة حول معاني هذه القاعدة القرآنية الكريمة.

وإلى لقاء قادم في حلقة جديدة بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-03, 06:38 PM   المشاركة رقم: 43
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة41:{وما أَصابكم من مُصيبة فبِما كسبتْ أَيديكم ويعفو عن كثير}

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الحادية والأربعون : { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد مع قاعدة قرآنية محكمة، ذات البعد الإيماني والتربوي، وله صلة شديدة بواقعنا اليومي، إنها القاعدة التي دلّ عليها قول ربنا جل جلاله: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)} [الشورى].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة تكررت بلفظ قريب في عدد من المواضع، كما تكرر معناها في مواضع أخرى.
فمن نظائرها اللفظية المقاربة قول الله عز وجل:
{ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)} [آل عمران]، وقال سبحانه:
{ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [النساء: 79]، ويقول عز وجل:
{ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ...} [القصص: 47].

وأما الآيات التي وردت في تقرير هذا المعنى فكثيرة جدا، ومن ذلك قوله سبحانه:
{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)} [القصص]، وكقوله عز وجل:
{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)} [الروم]، وقال جل وعلا:
{ ... وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182)} [آل عمران] في ثلاث مواضع من كتاب الله عز وجل.
ويقول سبحانه:
{ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)} [الروم]،
يقول شيخ الإسلام ابن تيميه: ملخصاً ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة بتلخيص العالم المتتبع المستقرئ لنصوص القرآن الكريم، يقول رحمه الله: "والقرآن يبين في غير موضع: أن الله لم يهلك أحداً ولم يعذبه إلا بذنب" (مجموع الفتاوى (14/424)).

أيها الإخوة الكرام:
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآيات الكريمة دلت عليه أيضا نصوص من الوحي الآخر، ألا وهو السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبى ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ في الحديث القدسي العظيم ـ الذي يرويه عن ربه تعالى قال الله عز وجل:
" إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلوم إلا نفسه " (صحيح مسلم (2577)).

وفى صحيح البخاري من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت... الحديث " (صحيح البخاري (6306)).

وفى الصحيحين لما سأل أبو بكر - رضي الله عنه - النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، قال له عليه الصلاة والسلام:
" قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " (صحيح البخاري (834)، صحيح مسلم (2705)).

فتأمل ـ أيها المؤمن ـ في هذه الأحاديث جيداً! فَمَنْ هو السائل؟ ومَنْ هو المجيب؟
أما السائل فهو أبو بكر الصديق الأكبر الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة في مواضع متعددة، وأما المجيب فهو الرسول الناصح المشفق صلوات الله وسلامه عليه! ومع هذا يطلب منه عليه الصلاة والسلام أن يعترف بذنوبه، وظلمه الكبير والكثير، ويسأل ربه مغفرة ذلك والعفو عنه، والسؤال هنا ـ أيها الأخوة القراء ـ مَنْ الناس بعد أبي بكر رضي الله عنه؟

أيها القراء الفضلاء:
إذا تقررت هذه الحقيقة الشرعية ـ وهي أن الذنوب سببٌ للعقوبات العامة والخاصة ـ فحري بالعاقل أن يبدأ بنفسه، فيفتش عن مناطق الزلل فيه، وأن يسأل ربه أن يهديه لمعرفة ذلك، فإن من الناس من يستمرئ الذنب تلو الذنب، والمعصية تلو المعصية، ولا ينتبه لذلك! بل قد لا يبالى! ولربما استحسن ذلك ـ عياذاً بالله ـ فتتابع العقوبات عليه وهو لا يشعر، فتكون مصيبته حين إذن مضاعفه!

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ـ وهو يتحدث عن الأمور التي تورث العبد الصبر وتعينه عليه ليبلغ مرتبة الإمامة في الدين ـ قال رحمه الله: "أن يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلط الناس عليه بسبب ذنبه، كما قال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ }، فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتعل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه بسببها عن ذنبهم ولومهم، والوقيعة فيه، وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة حققية، وإذا تاب واستغفر، وقال: هذا بذنوبي، صارت في حقه نعمة، قال علي رضي الله عنه كلمة من جواهر الكلام: " لا يرجونّ عبدٌ إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه "، وروي عنه وعن غيره: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة" (قاعدة في الصبر: (1/169) طبعت ضمن مجموع رسائله (ط.عالم الفوائد)) انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله.

ويقول تلميذه ابن القيم رحمة الله عليه ـ وهو يوضح شيئاً من دلالات هذه القاعدة القرآنية المحكمة { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } قال رحمه الله:
وهل فى الدنيا والآخرة شرور وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟!
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء؟ وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه؟ فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّلَ بالقرب بعداً، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قبحاً، وبالجنة ناراً تلظى، وبالايمان كفراً، وبموالات الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجلَ الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الايمان لباس الكفر والفسوق والعصيان؟ فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحلّ عليه غضب الرب تعالى، فأهواه ومقته أكبر المقت!
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم؟ حتى علا الماء فوق رأس الجبال، وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الارض، كأنهم أعجاز نخل خاوية؟ ودمرت ما مرَّ عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم؟ حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة، حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها؟ فأهلكهم جميعاً ثم أتبعهم حجارة من سجيل السماء، أمطرها عليهم فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه علي أمة غيرهم، ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد.
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل؟ فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم ناراً تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات، ودمرها تدميراً؟... إلى أن قال رحمه الله:
قال الإمام أحمد: حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا صفوان بن عمر، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه قال: لما فتحت قبرص، فُرِّقَ بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي! فقلت: يا أبا الدرداء! ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟
فقال: ويحك يا جبير! ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره؟! بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى!انتهى كلام بن القيم:.
والذي استطرد كثيرا في بيان آثار الذنوب والمعاصي السيئة على الفرد والمجتمع في كتابه النافع الجواب الكافي وذكر كلاما نفيسا يحسن الرجوع إليه والاستفادة منه.

إخوة الإيمان:
وليُعْلَم أنه ينبغي أن ندرك أن العقوبات حينما تذكر، فلا يصح حصرها في العقوبات الحسية أو العقوبات الجماعية ـ التي أشار ابن القيم إلى شيء منها ـ كالهدم والغرق والصيحة، أو السجن والعذاب الحسي، ونحو ذلك، فهذه لا شك أنها أنواع من العقوبات، ولكن ثمة أنواع من العقوبات قد تكون أشد وأعظم، وهى تلك العقوبات التي تتسلط على القلب، فيضرب بالغفلة وقسوته، حتى إن جبال الدنيا لو تناطحت أمامه ما اعتبر ولا اتعظ ـ عياذاً بالله ـ بل يظن المسكين، أو تظن أمة من الأمم ـ وهى ترى النعم تتابع وتزداد مع استمرارها في البعد عن شرع الله ـ تظن أن ذلك علامةً على رضى الله عز وجل عنها، وهذه لعمر الله من أعظم العقوبات التي يبتلى بها العبد وتبتلى بها أمة من الأمم.

استمع جيدا إلى قول الله عز وجل:
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا } فما الذي حصل؟ هل تابوا أم رجعوا؟ اقرأ تتمة الآية:
{ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)} [الأنعام]
فنعوذ بالله أن نكون من أهل هذه الآية، ونسأله بمنه وكرمه أن يتوب علينا وأن يبصرنا بمواطن الزلل منا، وأن لا يضربنا بقسوة القلب، وأن لا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا إن ربي سميع مجيب الدعاء،

وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-04, 11:35 PM   المشاركة رقم: 44
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 42 : { وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثانية والأربعون: { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم }


الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته أيها القراء الكرام، وحياكم الله في هذا المرفأ الجديد من مرافئ هذا الشاطئ الإيماني الذي يستمد روحه من كتاب الله؛ لنتذاكر شيئاً من معاني قاعدة قرآنية محكمة، وثيقة الصلة بواقع الناس، إذ لا ينفك أحدٌ عنها، لكثرة تلبسهم بها، فكان التذكير بها وبما دلّت عليه أمراً مهماً، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم }[المائدة: 89].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة جاءت ضمن سياق الحديث عن كفارة اليمين في سورة المائدة، قال تعالى:
{ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)} [المائدة].

ومعنى هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم } : هو حفظها عن ثلاثة أمور:
الأمر الأول: حفظها عن الحلف بالله كاذباً.
والأمر الثاني: حفظها عن كثرة الحلف والأيمان.
والأمر الثالث: حفظها عن الحنث فيها إذا حلف الإنسان، اللهم إلا إذا كان الحنث خيراً، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، ولا يكون يمينه سبباً في ترك ذلك الخير الذي حلف على تركه (ينظر: تفسير الطبري (10/562)، وتفسير القرطبي (6/285)، وتفسير السعدي: (242))، وبيان هذه الأمور فيما يلي:

أما حفظ الأيمان عن الحلف الكاذب:
فإن هذا من أكبر الكبائر، وتلك هي اليمين الغموس ـ التي تغمس صاحبها في الإثم ـ يقول النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما في البخاري ـ من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:
جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما الكبائر؟!
قال: " الإشراك بالله
قال: ثم ماذا ؟
قال: " ثم عقوق الوالدين
قال: ثم ماذا ؟
قال: " اليمين الغموس
قلت: وما اليمين الغموس؟
قال: " الذي يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب " (صحيح البخاري (6522)).

وقد بوّب البخاري: على هذا الحديث فقال: باب اليمين الغموس،قال تعالى :
{ وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94)} [النحل]؛ دَخَلاً: مكراً وخيانة.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ومناسبة ذكر هذه الآية لليمين الغموس: ورود الوعيد على من حلف كاذباً متعمداً" (فتح الباري: (11/556)).
وإنك لتعجب ـ مع وضوح هذا الأمر بحفظ اليمين، والتحذير من اليمين الكاذبة ـ أن يتجرأ بعض الناس على الأيمان الكاذبة، من أجل لعاعة من الدنيا، أو من أجل دفع مضرة عن نفسه بسبب كذبه أو تحايله!
ألم يعلم هؤلاء أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؟!
ألم يسمع هؤلاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرتجف له القلب:
" من حلف على يمين صبْر يقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ ـ هو فيها فاجر ـ لقي الله وهو عليه غضبان " (صحيح مسلم (220))
ويمين الصبر ـ كما قال العلماء ـ: هي التي يحبس الحالف نفسه عليها، وتسمى هذه اليمين الغموس (ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم (2/160)).

أما الأمر الثاني ـ الذي يشمله اسم الحفظ ـ في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُم } :
فهو الإقلال من الحلف، وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ (10)} [القلم] وقال في هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: { وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ }. والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف، كما قال كُثَيّر:

قليل الألايا حافظ ليمينه * وإن سبقت منه الألية برت
والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان:
1 ـ أن من حلف في كلِّ قليل وكثير بالله، انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين.
2 ـ كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله تعالى كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية (ينظر: تفسير الرازي (6/65)).
3 ـ أنه يقلل ثقة الإنسان بنفسه، وثقة الناس به، فهو يشعر بأنه لا يصدق فيحلف، ولهذا وصفه الله تعالى بالمهين (ينظر: تفسير المنار (2 / 291)).

لذا ينبغي للآباء والأمهات والمربين أن ينتبهوا لهذا الخلل الذي يقع فيه بعض الناس، وأن يربوا من تحت أيديهم على تعظيم الله عز وجل، ومن صور ذلك: نهيهم عن كثرة الأيمان بلا حاجة.
والملاحظ: أنه لو فُتّش في أكبر أسباب فشو هذه الظاهرة لوجِدَ أنه من قبل الأبوين والمربين، وهذا يفضي إلى عدم تعظيم اسم الله واحترامه وهيبته.

ومن اللطائف أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي امتدت دعوته ثلاثة وعشرين عاماً، لم يحفظ عنه أنه حلف إلا في بضع وثمانين موضعاً!
فماذا سيكون جواب بعض الناس الذين لو أحصيت أيمانهم في سنة واحدة لوجدتها بالعشرات، ولغير حاجة ملحّة، فرحم الله عبداً حفظ يمينه، ووقّر ربه، وعظم اسمه، ولم يحلف إلا عند الحاجة!

أيها الإخوة الكرام:
وثالث المعاني التي يشملها اسم الحفظ الذي أمرت به هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ }:
حفظها عن الحنث فيها إذا حلف الإنسان، فإن الواجب على المؤمن إذا حلف على شيء من أمور الخير أو من المباحات أن يتقي الله ويبر بيمينه؛ لأن هذا من تعظيم المحلوف به وتوقيره ـ وهو الله عز وجل ـ.
ويستثنى من ذلك: إذا كان الحنث ومخالفة اليمين خيراً من الاستمرار فيه، فتمام الحفظ: أن يفعل الخير، وأن لا تكون يمينه سبباً في ترك ذلك الخير الذي حلف على تركه.
ومعنى الحنث هنا: مخالفة المحلوف عليه.
ومثال ذلك: أن يحلف على أن لا يأكل النوع الفلاني من الطعام، أو لا يدخل البيت الفلاني، فإن الأفضل هنا أن لا يستمر في يمينه، خاصة إن ترجحت المصلحة في الحنث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أعتم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله، فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له، فأكل فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه " (مسلم (1650)).

وفي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إني ـ والله ـ إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها "(البخاري (6342)، ومسلم (1649))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

والمقصود ـ أيها القراء الكرام ـ أن نتأمل هذه القاعدة القرآنية جيداً: { وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ } بأن نحفظها عن الحلف بالله كاذباً، وأن نحفظها عن كثرة الحلف والأيمان من غير حاجة، وأن نحفظها عن الحنث فيها إلا إذا كان الحنث خيراً من المضي فيها.

وكلُّ ما مضى ـ أيها الإخوة ـ يجعلنا ندرك أن الشرع الحكيم أولى موضوع الأيمان أهمية بالغة، وبيّن أحكامها تمام البيان، من أجل أن يعرف المسلم حدود هذه العبادة، وأحكامها، وما يجب وما يحرم وما يستحب، وأن ذلك كلّه إنما شرع ووضح تعظيماً لله جل وعلا، وليحفظ العبد يمينه من العبث بها، أو التقليل من شأنها، رزقنا الله وإياكم معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، وتعظيمها على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وأن يمنحنا الفقه في دينه، والبصيرة فيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-05, 10:45 PM   المشاركة رقم: 45
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 43:{ ومَن يُوقَ شُحَّ نفسه فأُولئك هم المفلِحون }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الثالثة والأربعون : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }

الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فحياكم الله إلى هذه الحلقة الجديدة من حلقات هذه السلسلة القرآنية المباركة ـ إن شاء الله ـ: قواعد قرآنية؛ لنتذاكر شيئاً من معاني قاعدة قرآنية محكمة، وثيقة الصلة بموضوع الأخلاق، إنها القاعدة القرآنية التي دل عليها قول الله تعالى: {... وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} [الحشر] (وقد أشار إلى كونها قاعدة كلية شيخنا العثيمين: في فتاوى نور على الدرب).

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة ـ في باب الأخلاق ـ لها صلة قوية بتربية القلب وتزكيته، كما أن لها صلةً بعلاقة الإنسان بغيره من الناس.

وهذه القاعدة وردت في كتاب الله في موضعين:
الأول: في سياق الثناء على الأنصار رضي الله عنهم في سورة الحشر، قال تعالى:
{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)} .

الثاني: في سورة التغابن في سياق الحديث عن فتنة الأموال والأولاد والأزواج، قال تعالى:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)} .

ومعنى هذه القاعدة باختصار لا يتضح إلا ببيان معنى الشح:
فالشح ـ في أصل مادته اللغوية ـ "الأصل فيه المنع، ثم يكون منعاً مَعَ حِرص، ومن ذلك الشُّحُّ، وهو البُخل مع حِرص، ويقال: تَشَاحَّ الرّجلانِ على الأمر، إذا أراد كلُّ واحدٍ منهما الفوزَ به ومنْعَه من صاحبه" (معجم مقاييس اللغة لابن فارس (3 /178)).

ولما كان الشحُّ غريزةً في النفس أضافه الله إلى النفس { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } وهذا لا يعني أنه لا يمكن الخلاص منه، بل الخلاص منه يسير على مَن يسَّره الله عليه، ولكن الخلاص التام منه بأنواعه كلها الحسية والمعنوية، لا يوفق له إلا المفلحون، ولهذا رؤي عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه ـ وهو يطوف بالبيت ـ ويقول: رب قني شح نفسي! رب قني شح نفسي! لا يزيد على ذلك،
فقيل له في هذا؟
فقال: إذا وقيت شح نفسي لم أسرق، ولم أزنِ، ولم أفعل (تاريخ دمشق (35/294)).
وهذا من عمق فهم السلف، والصحابة منهم خصوصاً لمعاني كلام الله تعالى.

وقد قال جمع من المفسرين في قوله تعالى: { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } هو ألا يأخذ شيئا مما نهاه الله عنه، ولا يمنع شيئا أمره الله بأدائه، فالشح يأمر بخلاف أمر الله ورسوله، فإن الله ينهى عن الظلم ويأمر بالإحسان، والشح يأمر بالظلم وينهى عن الإحسان (مجموع الفتاوى (10/589)).

ويقول ابن تيمية رحمه الله: "فالشح ـ الذي هو شدة حرص النفس ـ يوجب البخل بمنع ما هو عليه؛ والظلمَ بأخذ مال الغير، ويوجب قطيعةَ الرحم، ويوجب الحسد" (مجموع الفتاوى (28/144)).
وقال في موضع آخر رحمه الله: "والشح يكون في الرجل مع الحرص وقوة الرغبة في المال، وبغضٍ للغير وظلمٍ له، كما قال تعالى:
{ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)} [الأحزاب] فشحهم على المؤمنين وعلى الخير يتضمن كراهيته وبغضه، وبغض الخير يأمر بالشر، وبغض الإنسان يأمر بظلمه وقطيعته كالحسد؛ فإن الحاسد يأمر حاسده بظلم المحسود وقطيعته كابني آدم وإخوة يوسف" (مجموع الفتاوى (10/590)) اهـ.

ولعلك لاحظتَ ـ أيها القارئ الكريم ـ ارتباط هذه القاعدة ـ في سورة الحشر والتغابن ـ بموضوع المال! لأنه ـ والله أعلم ـ هو أظهر ما يتضح فيه خلق الشح، وإن كان الشح لا ينحصر بالمال.

ومن الأمثلة التطبيقية التي توضح معنى هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }:

1 ـ ما وضحته آية الحشر، من المنقبة العظيمة التي مدح الله بها الأنصار الذين فتحوا بيوتهم وصدورهم لإخوانهم من المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين، رغم قلة ذات يد كثير منهم، وحسبك بهذه المدحة الإلهية، من العليم الخبير ـ الذي يعلم ما تكنه النفوس ـ:
{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)}[الحشر].

فتأمل هذه الأعمال القلبية التي كشفها ربنا عنهم، وهي كلها تدل على سلامتهم من شح نفوسهم:
أ ـ أما العمل الأول { يُحِبُّونَ } إذ من شأن القبائل أن يتحرجوا من الذين يهاجرون إلى ديارهم لمضايقتهم.
ب ـ وأما العمل الثاني: ففي قوله: { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا } لأنها لو كانت موجودة لأدركوها في نفوسهم.
ج ـ أما العمل الثالث: فهو الإيثار، وهو: ترجيح شيء على غيره بمكرمة أو منفعة، والمعنى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ } في ذلك اختياراً منهم، والخصاصة: شدة الاحتياج (ينظر: التحرير والتنوير (15/72-75)).
فهل تريد ـ أيها القارئ نموذجاً ـ لم تسمع الدنيا بمثله؟!

استمع إلى هذا الموقف الذي رواه لنا الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس رضي الله عنه قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال،
فقال سعد: قد عَلِمَت الأنصارُ أني من أكثرها مالاً، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها، حتى إذا حلت تزوجتها،
فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك، دلني على السوق (البخاري (3570))!
فتأمل هذا السخاء النادر، والإيثار العظيم!
والله لو كان الموقف يحكي تنازله عن جزء يسير من ماله لكان شهامةً ونُبلاً، فكيف وهو يتنازل عن شطر ماله! بل ويعرض عليه فراق إحدى زوجتيه!! أي نفوس هذه؟!
أين المطلعون على أخبار الأمم؛ ليأتونا بأمثال هؤلاء الرجال تلاميذ مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم!

أيها الإخوة الكرام:
2 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة: { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ما ذكره الله تعالى في حال خوف المرأة من نشوز زوجها وترفعه عنها وعدم رغبته فيها وإعراضه عنها، فالأحسن ـ والحال هذه ـ أن يصلحا بينهما صلحاً بأن تسمح المرأة عن بعض حقوقها اللازمة لزوجها على وجه تبقى مع زوجها، فهي خير من الفرقة، ولهذا قال: { وَالصُّلْحُ خَيْرٌ }، ثم ذكر المانع بقوله: { وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ } [النساء:128] أي: جبلت النفوس على الشح، وهو: عدم الرغبة في بذل ما على الإنسان، والحرص على الحق الذي له، فالنفوس مجبولة على ذلك بطبيعتها، والمعنى: أنه ينبغي لكم أن تحرصوا على قلع هذا الخلق الدنيء من نفوسكم، وتستبدلوا به بالسماحة، وهو بذل الحق الذي عليك؛ والاقتناع ببعض الحق الذي لك، فمتى وفق الإنسان لهذا الخلق الحسن، سَهُلَ حينئذ عليه الصلح بينه وبين خصمه ومُعَامِله، بخلاف من لم يجتهد في إزالة الشح من نفسه، فإنه يعسر عليه الصلح والموافقة؛ لأنه لا يرضيه إلا جميع ماله، ولا يرضى أن يؤدي ما عليه، فإن كان خصمه مثله اشتد الأمر (تفسير السعدي: (206)).

3 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة: { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ما أثنى الله به على أهل الإيثار، من الأنصار ومن وافقهم في هذا الخلق العظيم، الذي اعتبره ابن القيم: أحد مدارج السالكين إلى عبودية رب العالمين، فجعل منزلة الإيثار من جملة هذه المنازل.
فما الإيثار؟! الإيثار ضد الشح، فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه، والشحيح: حريص على ما ليس بيده فإذا حصل بيده شيء شح عليه، وبخل بإخراجه، فالبخل ثمرة الشح، والشح يأمر بالبخل.

ولنختم حديثنا بهذا الموقف الذي يدل على عظم نفوس أصحابه:
فهو لقيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما، وقد كان من الأجواد المعروفين، حتى إنه مرض مرةً فاستبطأ إخوانه في العيادة، فسأل عنهم؟
فقالوا: إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهم من الدين!
فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة، ثم أمر منادياً ينادي: من كان لقيس عليه مال فهو منه في حِلٍّ، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه لكثرة من عاده! (مدارج السالكين (2/291)).

فلله تلك النفوس الكبيرة، والأخلاق العظيمة! وأكثر في الناس من أمثالهم،
وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-07, 05:37 AM   المشاركة رقم: 46
المعلومات
الكاتب:
hendlele
اللقب:
:: ضيف أهل السنة ::

البيانات
التسجيل: Jun 2016
العضوية: 3357
المشاركات: 26 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 50
hendlele will become famous soon enough

الإتصالات
الحالة:
hendlele غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: سلسلة قواعد قرآنية

سبحان الله والحمد لله والله اكبر ولا اله الا الله ولا حول ولا قوة الا بالله












عرض البوم صور hendlele   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-10, 10:07 PM   المشاركة رقم: 47
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 44 :{ وما آتَاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الرابعة والأربعون : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }


الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذه حلقة جديدة من حلقات هذه السلسلة القرآنية التي تتابع، لنتذاكر ـ في هذه الحلقة ـ شيئاً من معاني قاعدة قرآنية محكمة، هي من أعظم القواعد التي تعين على تعبيد القلب لرب العالمين، وتربيته على التسليم والانقياد، تلكم هي القاعدة التي دل عليها قوله سبحانه وتعالى: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر: 7].

وهذه القاعدة تدل دلالة واضحة ـ كما يقول أبو نعيم: في بيان شيء من خصائصه صلى الله عليه وسلم ـ على:
"أن الله تعالى فرض طاعته على العالم فرضاً مطلقاً لا شرط فيه، ولا استثناء، فقال: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } وقال عز وجل: { مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ } [النساء:80] وإن الله تعالى أوجب على الناس التأسي به قولاً وفعلاً مطلقاً بلا استثناء، فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)} [الأحزاب] واستثنى في التأسي بخليله، فقال: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ـ إلى أن قال ـ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ....(4)} [الممتحنة] "(نقله السيوطي في الخصائص الكبرى (2 / 297)).
ولقد دأب العلماء على الاستدلال بهذه القاعدة في جميع أبواب العلم والدين:

فالمصنفون في العقائد يجعلونها أصلاً في باب التسليم والانقياد للنصوص الشرعية، وإن خفي معناها، أو عسر فهمها على المكلف، قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا لم نقر بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم رددنا على الله أمره، قال الله عز وجل: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (الإبانة لابن بطة (3 / 59)).

وفي أبواب الفقه: يعمد كثير من المفتين من الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم إلى النزع بهذه القاعدة في إيجاب شيء أو تحريمه، وإن شئت فقل: في الأمر بشيء أو النهي عنه، وإليك هذه القصة التي رواها الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، فإنه حينما حدّث وقال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله!
قال: فبلغ ذلك امرأةً من بني أسد يقال لها: أم يعقوب! ـ وكانت تقرأ القرآن ـ فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك؟ أنك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله؟
فقال عبدالله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟
فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته!
فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }!
فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن قال اذهبي فانظري قال فدخلت على امرأة عبدالله فلم تر شيئاً!
فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئاً! فقال ابن مسعود رضي الله عنه: أما لو كان ذلك لم نجامعها (البخاري (4604)، مسلم (2125)).
وهذا عبدالرحمن بن يزيد رحمه الله: يرى محرماً عليه ثيابه، فنهر المحرم،
فقال: ائتني بآية من كتاب الله عز وجل بنزع ثيابي!
فقرأ عليه: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }.

وهذه قصة أخرى تؤكد وضوح هذا المعنى عند سلف الأمة رحمهم الله:
يقول عبد الله بن محمد الفريابي: سمعت الشافعي ببيت المقدس يقول: سلوني عما شئتم أخبركم عن كتاب الله، وسنة رسوله!
فقلت: إن هذا لجرئ! ما تقول أصلحك الله في المحرم يقتل الزنبور؟
فقال: نعم بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }(تاريخ دمشق (51 /271)).
ويقول محمد بن يزيد بن حكيم المستملي: رأيت الشافعي في المسجد الحرام، وقد جعلت له طنافس، فجلس عليها، فأتاه رجل من أهل خراسان، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول في أكل فرخ الزنبور؟
فقال: حرام.
فقال: حرام؟!
قال: نعم من كتاب الله، وسنة رسول الله، والمعقول، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } (سير أعلام النبلاء (10/88)).

أيها الإخوة الكرام:
إن هذه القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } لتدل بمفهومها على ضرورة حفظ السنة، حفظها من الضياع، وحفظها في الصدور، إذ لا يتأتى العمل بالسنة إلا بعد حفظها حساً ومعنى: قال إسماعيل بن عبيدالله رحمه الله: ينبغي لنا أن نحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يحفظ القرآن لأن الله يقول: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ }(تاريخ دمشق (8/436)).

وأما الحفظ المعنوي: فإن جهود أئمة الحديث من عهد الصحابة رضي الله عنهم ومن تلاهم من التابعين والأئمة لا تخفى على أدنى مطلع، وليس هذا مقام الحديث عن هذا الموضوع، وإنما المقصود: التنبيه على أن الحفظ الذي تحقق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم على أيدي هؤلاء قد قام به أئمة الإسلام خير قيام، فلم يبق على من بعدهم إلا حفظ ألفاظها، والتفقه في معانيها، والعمل بمقتضاها، إذ هذا هو المقصود الأعظم من ذلك كلّه.

معشر القراء الفضلاء:
إن في الآثار التي سقت بعضها وتركتُ كثيراً منها لدلالةً على شمول الآية لجميع الأوامر سواء كانت واجبة أم مستحبة، وشاملة لجميع النواهي سواء كانت محرمة أم مكروهة.
ومن تأمل واقع الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وجدهم أصحاب القدح المعلى في تلقي الأوامر والنواهي بنفوسٍ مُسلِّمة، وقلوب مخبتة، ومستعدة للتنفيذ، ولا تجد في قاموسهم تفتيشا ولا تنقيباً: هل هذا النهي للتحريم أم للكراهة؟ ولا: هل هذا الأمر للوجوب أم للاستحباب؟ بل ينفذون ويفعلون ما يقتضيه النص، فأخذوا هذا الدين بقوة، فصار أثرهم في الناس عظيماً وكبيراً.
ولما طغى على الناس ـ في القرون المتأخرة ـ كثرة السؤال والتنقيب: هل هذا الأمر واجب أم مستحب؟ وهل هذا مكروه أم محرم؟ صار أخذهم لأوامر الله ونواهيه ضعيفاً، فصار أثر التعبد لله هزيلاً، والانقياد عسيراً.

أيها الإخوة الفضلاء:
إنني لا أنكر انقسام الأوامر إلى واجب ومستحب، ولا أنكر انقسام النواهي إلى محرم ومكروه، ولا يُنكر أن الإنسان قد يحتاج إلى تفصيل الحال ـ عند وقوع المخالفة ـ ليتبين حكم الله، وما يجب عليه من كفارة ونحو ذلك، لكن الذي يؤسف عليه: أن أكثر الذين يسألون عن هذا التقسيم، ليس مرادهم طلب العلم وتحرير المسائل، بل التملص، والتنصل من الامتثال، وإلى هؤلاء يتوجه الحديث في هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }.
إنني موقن ـ أيها الإخوة ـ أن من ربى نفسه على ترك كل ما ينهى عنه، وفعل كل ما يستطيعه من الأوامر، من غير تنقيب عن حال هذا النهي أو ذاك الأمر، بل يبادر تعبداً لله تعالى بتعظيم الأمر والنهي، فإنه سيجد لذة عظيمة في قلبه، إنها لذة العيش في كنف العبودية، وظِلِّ الاستكانة والاستجابة والخضوع لله رب العالمين.

أيها الإخوة:
ومن أعظم دلالات هذه القاعدة ـ { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ـ أنها ترد على أولئك الذين يزعمون الاكتفاء بالقرآن فقط في تطبيق أحكام الشريعة، فهاهو القرآن ذاته يأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، ولن يكون ذلك إلا باتباع سنته، بل كيف يتأتى للإنسان أن يصلي، أو يزكي، أو يصوم، أو يحج بمجرد الاقتصار على القرآن؟!
وإلى هنا ينتهي ما أردنا الحديث عنه في هذه القاعدة القرآنية المحكمة، وإلى لقاء قادم بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-11, 05:09 AM   المشاركة رقم: 48
المعلومات
الكاتب:
وصايف
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Apr 2015
العضوية: 2706
المشاركات: 1,542 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 45
نقاط التقييم: 257
وصايف is a jewel in the roughوصايف is a jewel in the roughوصايف is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
وصايف غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: سلسلة قواعد قرآنية

رد: سلسلة قواعد قرآنية
رد: سلسلة قواعد قرآنية
رد: سلسلة قواعد قرآنية
رد: سلسلة قواعد قرآنية












توقيع : وصايف

رد: سلسلة قواعد قرآنية

عرض البوم صور وصايف   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-11, 11:37 AM   المشاركة رقم: 49
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 45 : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة الخامسة والأربعون : { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }



الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا مرفأ جديد من مرافئ مركبنا القرآني ليرسو على شاطئ من شواطئ هذه القواعد القرآنية، نتدارس فيها شيئاً من معاني قاعدة قرآنية محكمة، يحتاجها كل مؤمن، وعلى وجه الخصوص من عزم على الإقبال على ربه، وقرع باب التوبة، تلكم هي القاعدة التي دل عليها قوله سبحانه وتعالى: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } [هود: 114].

وهذه القاعدة هي جزء من آية كريمة في سورة هود، يقول الله تعالى:
{ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)} [هود]، وهذه الآية الكريمة سبقت بجملة من الأوامر العظيمة للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، يحسن ذكرها ليتضح الربط بينها، يقول تعالى:
{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)}[هود].

ومعنى الآية ـ التي تضمنت هذه القاعدة باختصار ـ: أن الله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم ـ وهو خطاب للأمة كلها ـ بأن يقيموا الصلاة طرفي النهار، وساعاتٍ من الليل، ينصب فيها قدميه لله تعالى، ثم ذكر علّلَ هذا الأمر فقال: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } أي يمحونها ويكفرنها حتى كأنها لم تكن ـ على تفصيل سيأتي بعد قليل إن شاء الله ـ والإشارة بقوله: { ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } إلى قوله: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } وما بعده، وقيل: إلى القرآن، { ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ } : أي موعظة للمتعظين (ينظر: فتح القدير 2/678).

أيها القراء الأفاضل:
وكما أن هذه القاعدة صرحت بهذا المعنى، وهو إذهاب الحسنات للسيئات، فقد جاء في السنة ما يوافق هذا اللفظ تقريباً، كما في الحديث الذي رواه الترمذي وحسنّه (وفي بعض النسخ: صحيح، وقد استبعد هذا ابن رجب في تعليقه على هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم" ح (18)) من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " (الترمذي (1987) وقد رجح الدارقطني إرساله، وانظر تعليق ابن رجب عليه في "الجامع" ح (18)).

أيها الإخوة المؤمنون: إذا تبين معنى هذه القاعدة بإجمال، فليعلم أن إذهاب السيّئات يشمل أمرين:
1 ـ إذهاب وقوعها، وحبها في النفس، وكرهها، بحيث يصير انسياق النّفس إلى ترك السيّئات سَهْلاً وهيّناً كقوله تعالى: { وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (7)} [الحجرات] ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها.
2 ـ ويشمل أيضاً محو إثمها إذا وقعت، ويكون هذا من خصائص الحسنات كلّها، فضلاً من الله على عباده الصالحين" (ينظر: التحرير والتنوير (7/284)).

ولقد بحث العلماء ههنا معنى السيئات التي تذهبها الحسنات، والذي يتحرر في الجمع بين أقوالهم أن يقال:
إن كانت الحسنة هي التوبة الصادقة، سواء من الشرك، أو من المعاصي، فإن حسنة التوحيد، والتوبة النصوح لا تبقي سيئة إلا محتها وأذهبتها، قال تعالى:
{ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)} [الفرقان].
وفي صحيح مسلم من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ـ لما جاءه يبايعه على الإسلام والهجرة ـ:
" أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ " (مسلم (121)).

وإن كان المراد بالحسنات عموم الأعمال الصالحة كالصلاة والصيام، فإن القرآن والسنة دلّا صراحةً على أن تكفير الحسنات للسيئات مشروط باجتناب الكبائر، قال تعالى: { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (31)} [النساء]، وقال عز وجل:
{ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمَم } [النجم:32].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر " (مسلم (233)).

أيها الإخوة المؤمنون: إن هذه القاعدة الجليلة: { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } والتي جاءت في مساق الحكم الشرعي، جاء معناها في القرآن الكريم على صور منها:

1 ـ في سياق الثناء على أهل الجنة ـ جعلني الله وإياكم من أهلها ـ قال تعالى: { وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } [الرعد: 22].
قال ابن عباس رضي الله عنهما ـ في بيان معناها ـ: يدفعون بالصالحِ من العملِ السيئَ من العمل.
علق البغوي على كلمة ابن عباس، فقال: وهو معنى قوله: { إنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }" (تفسير البغوي (4/313)).
2 ـ إثبات هذا المعنى في الأمم السابقة، قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ } [المائدة: 65].
3 ـ إثباته في سياق الحديث عن توبة العصاة، كما في آية الفرقان التي تلوتها قبل قليل: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ... إلى قوله: فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ... الآيات} [الفرقان: 68 - 71].

أيها المحبون لكتاب ربهم:
إن الأمثلة التطبيقية التي توضح وتؤكد معنى هذه القاعدة المحكمة: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ } لكثيرة جداً، لكن لعلنا نذكر ما يسمح به وقت البرنامج، وأول ما نبدأ به من الأمثلة هو ما ذكره ربنا في الآية الكريمة التي تضمنتها هذه القاعدة، وهو:

1 ـ إقامة الصلاة طرفي النهار ـ وهو مبتدأه ومنتهاه ـ، وساعات من الليل، ولا ريب أن أول ما يدخل في هذه الصلوات الخمس، كما يدخل فيها: بقية النوافل، كالسنن الرواتب، وقيام الليل. وإذا كانت هذه الآية الكريمة تدل على أن الصلوات المفروضات والنوافل من أعظم الحسنات الماحية للسيئات، فإن السنة صرّحت بهذا ـ كما تقدم ـ بشرط اجتناب الكبائر.
فليبشر الذين يحافظون على صلواتهم فرضها ونفلها بأنهم من أعظم الناس حظاً من هذه القاعدة القرآنية: { إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }، ويا تعاسة وخسارة من فرطوا في فريضة الصلاة!!
2 ـ ومن تطبيقات هذه القاعدة، ما رواه الشيخان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: أن رجلا أصاب من امرأة قُبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأنزل الله { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ }
فقال الرجل: يا رسول الله ألي هذا؟!
قال: " بل لجميع أمتي كلهم " (البخاري (503)، ومسلم (2763)).
3 ـ قصة توبة القاتل الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً ـ وهي في الصحيحين ـ وهي قصة مشهورة جداً، والشاهد منها، أنه لما انطلق من أرض السوء إلى أرض الخير: " أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاه ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة " (البخاري (3283)، ومسلم (2766)).

فإلى كل من أسرف على نفسه، وقنّطه الشيطان من رحمة ربه، لا تأيسنّ ولا تقنطن، فهذا رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فلما صحّت توبته، رحمه ربه ومولاه، مع أنه لم يعمل خيراً قط من أعمال الجوارح سوى هجرته من بلد السوء إلى بلد الخير.. أفلا تحرك فيك هذه القصة الرغبة في هجرة المعاصي، والإقبال على من لا سعادة ولا أنس إلا بالإقبال عليه؟!

وتأمل في هذه الكلمة المعبرة، التي قال الحسن البصري رحمه الله: "استعينوا على السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، وإنكم لن تجدوا شيئا أذهب بسيئة قديمة من حسنة حديثة، وأنا أجد تصديق ذلك في كتاب الله: { إن الحسنات يذهبن السيئات } (تفسير ابن أبي حاتم (8/279)).

اللهم ارزقنا حسناتٍ تذهب سيئاتنا، وتوبة تجلو أنوارها ظلمة الإساءة والعصيان، والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
قديم 2016-06-12, 12:37 PM   المشاركة رقم: 50
المعلومات
الكاتب:
نبيل
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2014
العضوية: 1055
المشاركات: 1,295 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 60
نقاط التقييم: 495
نبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of lightنبيل is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نبيل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نبيل المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي القاعدة 46 : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ }

كتاب قواعد قرآنية - 50 قاعدة قرآنية في النفس والحياة

الشيخ عمر بن عبد الله المقبل

القاعدة السادسة والأربعون : { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ }




الحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبدالله، وعلى وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فهذا لقاء يتجدد بكم ومعكم في حلقة من حلقات هذه السلسلة: قواعد قرآنية، نقلب فيها شيئاً من معاني قاعدة قرآنية محكمة، وثيقة الصلة بقضية مهمة في باب الصلة مع الله، ومع عباده، تلكم هي القاعدة التي دل عليها قوله سبحانه وتعالى: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ }[البقرة: 197].

وهذه القاعدة القرآنية المحكمة، جاء ذكرها ضمن سياق آيات الحج، قال تعالى:
{ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197)} [البقرة].

ويحسن قبل الشروع في مذاكرة هذه القاعدة، أن نوضح معنى الآية التي تضمنتها هذه القاعدة بإيجاز، فيقال:

1 ـ لما تقرر فرض فالحج، وذكرت بعض قبل هذه الآية ـ فيما يخص الإتمام والإحصار ـ بدأ الحديث عن جملة من الآداب والأحكام، ومنها: النهي عن الرفث "وهو الجماع ومقدماته الفعلية والقولية، خصوصا عند النساء بحضرتهن، والفسوق وهو: جميع المعاصي، ومنها محظورات الإحرام، والجدال وهو: المماراة والمنازعة والمخاصمة، لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة" (تفسير السعدي (91)) فـ"لما نهاهم عن إتيان القبيح قولا وفعلا، حثهم على فعل الجميل وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة"(تفسير ابن كثير (1/197)).

2 ـ وفي الإخبار بأنه ما من خير نفعله إلا وهو يعلمه سبحانه وتعالى، دلالة واضحة على أن هذا متضمن الإثابة على هذا، والحض عليه، وإلا فإنه سبحانه وتعالى يعلم الخير والشر، ونظير هذه القاعدة قوله سبحانه وتعالى: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ }[البقرة: 270].

3 ـ وفي قوله تعالى: { مِنْ خَيْرٍ } في سياق هذه الجملة الشرطية: { وَمَا تَفْعَلُوا } دليل على شمول الآية لكل خير قليلاً كان أو كثيراً.

4 ـ ثم ختمت الآية بأمرين مهمين، تضمنهما قوله سبحانه وتعالى: { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، ففي قوله تعالى: { وَتَزَوَّدُوا } أي اتخذوا زاداً لغذاء أجسامكم، وغذاء قلوبكم -وهذا أفضل النوعين - لقوله تعالى: { فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى }، فلما رغب سبحانه وتعالى في التقوى، أمر بها طلباً لخيرها فقال تعالى:
{ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ }، وإنما خوطب أصحاب العقول بهذا الخطاب ـ وهم أولوا الألباب ـ لأنهم هم الذين يدركون فائدة التقوى، وثمرتها؛ أما السفهاء فلا يدركونها" (ينظر: تفسير القرآن للعثيمين: (2/415)).

أيها المحبون لكتاب ربهم:
إن هذه القاعدة الجليلة، لتربي في المؤمن معاني إيمانيةٍ وتربوية كثيرة ـ وهو في سيره إلى الله والدار الآخرة ـ ولعلنا نلخص هذه المعاني فيما يلي:

أولاً: في هذه الآية ترغيب وحض على إخلاص العمل لله جلّ وعلا، وإن لم يطلع عليه أحد، بل إن الموفق من عباد الله من يحرص كل الحرص على إخفاء العمل عن الخلق ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وفي ذلك من الفوائد والعوائد على القلب والنفس الشيء الكثير، ولابن القيم كلمات تكتب بماء الذهب في هذا المعنى، حيث يقول:

"وكم من صاحب قلب وجمَعية وحال مع الله، قد تحدث بها، وأخبر بها، فسلبه إياها الأغيار، فأصبح يقلب كفيه، ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله، وأن لا يطلعوا عليه أحداً، ويتكتمون به غاية التكتم، كما أنشد بعضهم في ذلك:

من سارروه فأبدى السر مجتهداً * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وأبعدوه فلم يظفر بقربهم * وأبدلوه مكان الأنس إيحاشا
لا يأمنون مذيعا بعض سرهم * حاشا وِدادِهِمُ من ذلكم حاشا

والقوم أعظم شيءٍ كتماناً لأحوالهم مع الله، وما وهب الله لهم من محبته والأنس به، وجمعية القلب عليه، ولا سيما للمبتدئ والسالك، فإذا تمكن أحدهم وقوي وثبتت أصول تلك الشجرة الطيبة ـ التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه، بحيث لا يخشي عليه من العواصف ـ فإنه إذا أبدى حاله وشأنه مع الله ليقتدي به ويؤتم به؛لم يبال، وهذا باب عظيم النفع وإنما يعرفه أهله" (بدائع الفوائد 3/847 (ط.عالم الفوائد)).

ثانياً: ومن المعاني التي تربيها هذه القاعدة: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } في نفوس أهلها:

راحة النفس، واطمئنان القلب، ذلك أن المحسن إلى الخلق، المخلص في ذلك لا ينتظر التقدير والثناء من الخلق، بل يجد سهولةً في الصبر على نكران بعض الناس للجميل الذي أسداه، أو المعروف الذي صنعه! فإنه إذا يفعل الخير ويوقن بأن ربّه يعلمه علماً يثيب عليه، هان عليه ما يجده من جحود ونكران، فضلاً عن التقصير في حقه، ولسان حاله ـ كما أخبر الله عن أهل الجنة ـ:
{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)} [الإنسان].
أعرف رجلاً مفضالاً، له شفاعات ووجاهات لنفع الخلق، وابتلي بأناس نسوا جميله، وتنكروا لمعروفه، بل شعر أن بعضهم طعنه من الخلف، أو قلب له ظهر المجن!
فذكرتُ له هذا المعنى ـ الذي ندندن حوله ههنا ـ فاستراح كثيراً.

ومع ما تقدم ذكره، فإني أهدي لإخواني ـ الذين منّ الله عليهم بالإحسان إلى الخلق وابتلوا بجفائهم ـ هذا النص النفيس لشيخ الإسلام ابن تيمية:، حيث يقول في كلام طويل له حول هذا المعنى، قال رحمه الله:
"ولا يحملنك هذا على جفوة الناس؛ وترك الإحسان إليهم؛ واحتمال الأذى منهم؛ بل أحسن إليهم لله لا لرجائهم؛ وكما لا تخفهم فلا ترجهم؛ وخف الله في الناس ولا تخف الناس في الله؛ وارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله؛ وكن ممن قال الله فيه: { وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20)}[الليل]. وقال فيه:
{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)} [الإنسان]" (مجموع الفتاوى (1/31)).

وقال في موضع آخر: موصياً من يتصدى لنفع الخلق:
"وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه الأعلى، ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسناً، ولم يجعله مسيئاً، فيرى أن عمله لله وأنه بالله، وهذا مذكور في فاتحة الكتاب { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)}... فالمؤمن يرى: أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله؛ لأنه إياه يستعين، فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكوراً؛ لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار { إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } [الإنسان: 9]، ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه، فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان، وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص، فعليه هو: أن يشكر الله إذ يسره لليسرى، وعلى ذلك: أن يشكر الله إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزقٍ أو علمٍ أو نصر أو غير ذلك.

ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن عليه، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه، وتعظيمه أو نفع آخر، وقد يمن عليه، فيقول: أنا فعلت بك كذا، فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه، ولا عمل لله ولا عمل بالله، فهو المرائي، وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي... الخ" (مجموع الفتاوى (14/329)).

والمقصود ـ أيها القراء الكرام ـ أن من فهم ما ترشد إليه هذه القاعدة القرآنية المحكمة: { وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ } أقدم على فعل الخير، وسهل عليه الصبر على تقصير الخلق وجفائهم؛ لأنه لا يرجو سوى الله،
نسأل الله تعالى بمنّه وكرمه أن يرزقنا فعل الخيرات، والإخلاص لله تعالى في كل ما نأتي ونذر، والحمد لله رب العالمين.

يتبع












عرض البوم صور نبيل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

سلسلة قواعد قرآنية


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
فوائد قرآنية | الشيخ المغامسي
نفحات قرآنية من سورة الماعون
درر و فوائد قرآنية - متجدد
نفحات قرآنية من سورة القلم
قواعد في شكر النعم


الساعة الآن 11:42 PM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML