آخر 10 مشاركات
تقصير أمد المعارك بل وهزيمة العدو باستخدام حرب الإمدادات           »          إعلام منكرى السنة أن القرآن والإعجاز العلمى بل والعقل والفطرة أثبتوا السنة           »          قسيس أسلم يدك دين الشيعة ويظهر شيء عجيب فى ضيافة صاهر دين الشيعة فراج الصهيبى           »          نسف العقيدة الشيعية كلها من كتاب الله وسنة نبيه وكتب الشيعة واعترافات أكابر علماء الش           »          معنى قوله ﷺ (اصبر واحتسب)           »          سلسلة لطائف قرآنية           »          متى يكون أو متى يجب الخروج على الحاكم وكيف يكون - الشيخ مقبل بن هادي الوادعي           »          محاضرة (القدوة الحسنة) مع فضيلة الشيخ سليمان الجبيلان           »          رفض أم كلثوم بنت أبي بكر الزواج من عمر بن الخطاب           »          الرئيس الأمريكي يعلن رسميًا الاعتراف بـالقدس عاصمة إسرائيل


منتديات أهل السنة في العراق

منتدى الحوارات العقائدية الحوارات والمناقشات بين اهل السنة و الفرق المخالفة , شبهات , ردود , روايات تاريخية



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2016-05-27, 09:54 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

العقل منكرٌ للنص

1- إن القول بأن الله تعالى هو الذي نصب وعيَّن الأئمَّة وفرض طاعتهم على العالمين وحرم الجنة على من لم يعرفهم أو لم يتبعهم، مع نسبة صفات الأنبياء لهم مثل أن الوحي يأتيهم وأن عند كل منهم صحيفة خاصة من الله تعالى يؤمر بالعمل بها، وأنهم شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، يأتيهم الملاك ويسمعون صوته وإن كانوا لا يرونه، وأن روح القدس الذي يكون للنبي ينتقل بعده للإمام.. الخ - كما نجد ذلك في عدد من الروايات في كتبنا الحديثية الأساسية خاصة أحاديث كتاب الحجة من كتاب أصول الكافي(110) حيث نُسِبَتْ إليهم في بعض الروايات صفات تفوق حتى صفات الأنبياء، أي لا يوجد في القرآن مثلها حتى للأنبياء أولي العزم من الرسل أصحاب التشريع، فضلاً عن الأنبياء ذوي النبوّة التبليغيّة فقط!(111) - أقول إن مثل هذا القول لا يتناسب مع قاعدة ختم النبوة التي هي موضع اتفاق جميع فرق المسلمين وإجماع الأمة قاطبة.

إذ إن نصبَ الله تعالى وتعيينه أئمةً بمثل تلك الخصائص التي هي من خصائص الأنبياء وفرضَ طاعتهم على كل بني الإنسان، سيكون بمثابة بعث أنبياء جدد بعد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل إن تلك الخصائص المذكورة للأئمة عليهم السلام أعلى وأهم من خصائص الأنبياء المبلغين الذين كانوا يبعثون لتأييد وتبليغ رسالة النبي الذي ســبقهم(112)، أو على الأقل ليست دونهم مرتبة، وهذا لا يتفق أبداً مع مبدأ ختم النبوّة، فإذا كانت العهود التي سبقت نبينا الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) احتاجت لمثل أولئك الأنبياء المبلغين بعد أنبيائهم، فإن عهد الرشد الذي وصلت إليه البشرية بعد خاتم النبيين وسد باب النبوة والرسالة نهائياً، برسالة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يبقِ مجالاً لبعث أنبياء بعده. فإن قيل: لا أحد يعتبر أو يسمي الأئمةَ أنبياءَ، بل رواياتنا تمنع وتكره تسميتهم بذلك بشدة، قلنا إن ذلك لا يغير من حقيقة الأمر شيئاً، فالعبرة ليست بالاسم بل بالمعنى، فإذا نسبت لأولـئك الأئمة كل أوصاف الأنبياء وخصائصهم الإلـهية مثل التعيين من الله تعالى وفرض طاعتهم على العالمين ووحي الله تعالى إليهم بواسطة الملاك وروح القدس الخاص بالأنبياء وعصمتهم المطلقة وأن كل واحد منهم عنده كتاب خاص من الله تعالى يعمل به، وأن معرفتهم والإيمان بهم شرط النجاة الأبدية يوم القيامة... الخ، فهم كالأنبياء بكل معنى الكلمة وإنكار ذلك مجرد تلاعب بالألفاظ.

وأنا أعتقد أن الذين يصرّون كل هذا الإصرار على الإمامة المنصوص عليها من الله، لم يدركوا كما يجب معنى ختم النبوة.

و قد ألف أحد الفضلاء المعاصرين وهو العلامة الشيخ الأستاذ "مرتضى مطهري" كتاباً قيّماً باسم "ختم النبوة" شرح فيه بشكل ممتاز فلسفة ختم النبوة - هذا رغم أنه بقي على القول بالإمامة بالنص دون أن ينتبه إلى أنها تتناقض مع لوازم نظريته ـ، ومن المفيد هنا أن ننقل بعض العبارات من كتابه ذاك، قال: «إن رسالة نبي الإسلام تختلف عن رسالات سائر الأنبياء الذين سبقوه بأنها من نوع القانون لا البرنامج المفصل، أي أنها دستور عام للبشرية (ص 26). «وحي هذا النبي هو في مستوى دستور كلي أبدي» (ص 30). «النبي الخاتم هو الذي طوى جميع المراحل ولم يبقِ - من ناحية الوحي الإلـهي - أي طريق لم يُـطرَق أو نقطة لم تُكـتَشـف» (ص34). «الوحي الإلـهي أعلى مظاهر الهداية وأرقى درجاتها. الوحي يتضمن إرشادات خارجة عن متناول الحس والخيال والعقل والعلم، ولذلك لا يمكن لشيء من هذه الأمور أن يحل محل الوحي. ولكن الوحي الذي له تلك الخواص هو الوحي التشريعي لا التبليغي، أما الوحي التبليغي فعلى العكس. طالما لم تصل البشرية بعد إلى درجة النضوج الكامل في العقل والعلم والمدنية بحيث يمكنها أن تقوم بنفسها بحمل رسالة الله والقيام بمهمة الدعوة والتعليم والتبليغ والتفسير والاجتهاد، فإن الحاجة للوحي التبليغي تكون لا زالت باقية. ظهور العلم والعقل وبعبارة أخرى وصول الإنسانية لمرحلة الرشد والبلوغ، ينهي تلقائياً مرحلة الوحي التبليغي، حيث يصبح العلماء هم ورثة الأنبياء» (ص 47). «في الواقع، أحد أركان الخاتمية هو البلوغ الاجتماعي للبشر إلى الحد الذي يصبحون معه قادرين على حفظ مواريثه العلمية والدينية والقيام بنشرها وتعليمها وتفسيرها» (ص 13).

و إذا رأينا أن نبياً من أنبياء بني إسرائيل يقوم - بأمر الله تعالى - بتعيين "طالوت" ملكاً عليهم (البقرة/ آية 246)، وهو ما يدّعي مثله القائلون بالإمامة بالنص بالنسبة للأئمة عليهم السلام، فإنّ هذا إنّما تمّ (بالنسبة لطالوت) لأنه كان من الأمور التي - على حد قول الأستاذ مطهري ـ: «لا بد أن تتم بالوحي في مرحلة طفولة البشرية» (ص 87) أي المرحلة التي تكون البشرية فيها لا تزال بحاجة لكلا نوعي النبوة: التشريعي والتبليغي. «فقد كانت البشرية، قبل عدة آلاف من السنين، غير متمكّنة من الحفاظ على مواريثها الدينية والعلمية ولم يكن من الممكن توقع خلاف ذلك منها» (ص 12) لأنها لم تبلغ في إمكانياتها ووسائلها ورشدها الاجتماعي والسياسي والفكري إلى الحد الذي يمكنها من المحافظة على تراث الأنبياء نقياً بلا تغيير ولذا كانت «التحريفات والتبديلات تظهر في تعاليم الأنبياء وكتبهم المقدسة... وبالتالي كانت تلك الكتب والتعاليم تفقد صلاحيتها لهداية الناس» (ص:11). ولكن بعد نزول قوله تعالى ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر:9] «انتفى الداعي الرئيس للرسالات الجديدة ولبعث أنبياء جدد» (ص 12). وعلى حد قول المفكر الباكستاني محمد إقبال اللاهوري: «لا يمكن للبشرية أن تبقى للأبد بمرحلة الطفولة والحاجة للإرشاد من الخارج. إلغاء الكهانة والملك الوراثي في الإسلام، والتأكيد الدائم في القرآن الكريم على العقل والتجربة، والأهمية التي أولاها ذلك الكتاب المبين للطبيعة والتاريخ كمصادر للمعرفة البشرية، كل هذا مظاهر مختلفة لفكرة واحدة هي ختم الرسالة»(113).

لذلك نرى - في ضوء ما ذكر أعلاه - أن النص من جانب الله، على إمامة وحكم أفراد معينين، إن تم مثله قبل ختم النبوة، - مع أننا لم نجد مثل تلك الأوصاف الخارقة التي تنسَب للأئمة عليهم السلام حتى للأنبياء المبلغين السابقين! - فإنه ليس معقولا ولا يمكن أن يتم بعد ختم النبوة والرسالة بنوعيها التشريعي والتبليغي.

2 - إن تعيين ونصب عدد معين من الأشخاص سواء اثنا عشر أو إحدى عشر أو سبع..الخ لحكم البشرية وسياستها لمدة مئات آلاف السنين إلى يوم القيامة أمر مخالف للعقل وللمنطق ولواقع الحياة، لأن المدة التي يمكن لهؤلاء الاثني عشر شخصاً أن يعيشوا فيها ويحكموا الناس فعلا، لن تتجاوز المائتين وسبعين إلى ثلاثمائة عام! في حين أن الإسلام دين أبدي خالد، والمسلمون يحتاجون لحاكم فعلي يسوسهم وينفذ فيهم أحكام الله تعالى في جميع الأزمنة والأعصار، حيث لا يجوز تعطيل أحكام الشرع ولا لحظة واحدة. فلا بد أن يكون الشارع المقدس قد بين الطريق والمنهج الكلي في قضية الحاكم واختياره عندئذ، لأنه لا يمكن أن يترك الشرع هذا الأمر الحياتي دون أن بيان إطاره أو خطوطه العريضة الكلية للناس وهو الدين الأبدي الكامل.

فإذا أقر القائلون بالنص على وجود مثل هذا التعليم لكن قيدوه بما بعد انتهاء عهد ظهور الأئمة المنصوبين المنصوص عليهم، أرجعنا نحن نفس هذا التعليم إلى كل الفترة الزمنية التي تتلو رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يوم القيامة بلا استثناء، لأنه لا يمكن أن يكون هناك تفاوت في تعاليم الشرع بين فترة زمنية وفترة أخرى، أي لا يمكن أن يكون هناك تعليم خاصٌّ بالنسبة إلى جزء من الزمن بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعليم آخر مختلف بالنسبة إلى بقية الزمن بعد ذلك إلى يوم القيامة، إلا بدليل، ولا دليل لدينا تقوم به الحجة القاطعة.

3 - النص من جانب الله تعالى على أشخاص معينين بأسمائهم ليكونوا حكاماً زمنيين على الناس، في العصر الذي بلغت فيه البشرية سن الرشد وختمت به النبوات وحُفِظ فيه الكتاب السماوي الخالد بلا تغيير أو تبديل أو زيادة أو نقصان، أمر لا ينسجم مع فلسفة التشريع وهدف الخلق الذي هو ابتلاء الناس وامتحانهم. فقد صار على المسلمين الآن أن يديروا مجتمعاتهم بأنفسهم ويُمْـتَـحنوا في مدى التزامهم بالعمل بمشيئة الله وتعاليم كتابه. عليهم - بالرجوع إلى أوامر الشرع المقدس ونواهيه - أن ينتخبوا رئيسهم وأن يميزوا بين الصالح والطالح وبين المتقي والفاجر، ثم يكونوا رقباء عليه يطيعوه ويعينوه إذا أصاب ويسددوه ويقوموه إذا انحرف، أما إذا عين الله تعالى فرداً أو أفراداً مخصوصين لحكم وسياسة المسلمين على الدوام، فإن كل فلسفة ابتلاء الناس وامتحانهم وفتنتهم هذه تبطل، وتصبح كل أوامر ونواهي الشرع التي تبين من تجب طاعته ومن يتوجب عصيانه، بلا معنى، حيث يخرج الاختيار من يد الفرد والجماعة عندما يتوجب عليهم الطاعة العمياء للقائد الحاكم الذي له القدرة، بسلطته، على إجبار الناس على تنفيذ أقواله واتباع أوامره، خاصة أن القائلين بالنص يعتقدون أن المنصوص عليهم معصومون مطلقاً فلا مجال للسؤال والنقاش عند إطاعة أوامرهم. هذا في حين أننا نرى أن في القرآن الكريم آيات عديدة تحدد من تجب طاعته ومن تجب معصيته:

فأوَّلاً: ليس في القرآن الكريم أمر بالطاعة المطلقة إلا لِـلَّـه ورسوله فقط، وذلك في قوله تعالى: ﴿ قل أطيعوا الله والرسول... ﴾ [آل عمران:32]، ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله... ﴾ [النساء:64]، ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله... ﴾ [النساء:80]. أما ما عدا الله تعالى ورسوله فطاعته مشروطة بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [النساء:59].

وثانيا: حددت كثير من الآيات صفات من تجب طاعته كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ... ﴾ [التوبة:100]، ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟ ﴾ [يونس:35]، ﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ [لقمان:15]، ﴿ وَقَالَ الَّذِي ءَامَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر:38]. ونحوها من الآيات الكريمة.

في حين بينت آيات عديدة أخرى صفات من تجب معصيتهم وتحرم طاعتهم، مثل: ﴿ ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾ [الأعراف:142]، ﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف:28]، ﴿ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ. الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ﴾ [الشعراء:151-152]، ﴿ ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ﴾ [الجاثية:18]، ﴿ فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ. وَدُّوا لَو تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ. وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ. هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ. مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴾ [القلم:8-13]، ﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِمًا أَو كَفُورًا ﴾ [الإنسان:24]، ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء:115].

فلو كان ثمة أئمة حكامٌ منصوصٌ عليهم ومعصومون، وبالتالي الوحيدون الذين تجب طاعتهم المطلقة على المؤمنين، لقال الشارع عليكم طاعة فلان وفلان فقط، ولما كان هناك حاجة لمثل تلك الأوامر والنواهي الكلية! في حين أن هذه التعاليم تعتبر دستوراً تسترشد به الأمة في تعيينها لحاكمها، وتميّز به بين اللائق لهذا المقام ومن لا يليق به، أي أن زمن المسؤولية ابتدأ مع ابتداء عهد ختم النبوَّة، وفي الواقع إن الإسلام لديه حسن ظن بالبشرية أكثر من القائلين بالإمامة المنصوصة(114).

4 - لم يكن لأي نبي من الأنبياء السابقين ولا في أي شريعة من الشرائع الإلـهية الماضية أوصياءُ منصوصٌ عليهم للإمامة والحكم، معصومون يجب على الأمة طاعتهم تعبداً وديانةً. والادعاء بأن لكل نبيٍّ وصيٌّ نصَّ عليه ليخلفه في شأن الحكم واستلام زمام الأمور ادعاء عار من الحقيقة ولا أساس له، ولا غرو فمثل هذا لو حصل يكون، كما أوضحنا سالفاً، نقضاً للغرض المراد من وراء تشريع الشرائع، أعني امتحان الناس واختبارهم، إذ يسلب من الناس (المحكومين) مجال الاختيار والتمييز بين الصواب والخطأ في كل فعل وأمر، والقرآن المجيد والعقل السليم لا يصدقان مثل هذا الادعاء، كما لا يوجد في التاريخ ما يؤيده.

نعم يمكن للنبي أن يعين وصياً أو أوصياء للقيام بأمور شخصية خاصّة مثل غسله وكفنه ودفن جثمانه وأداء ديونه أو القيام بشأن عياله وأولاده الصغار ونحو ذلك، أما تعيين وصي ليكون إماماً وحاكماً ورئيس سلطة مفروضاً من الله ويحكم بأمر الله، فهذا - في تصورنا ورأينا - ما لا يفعله لأنه لا ينسجم مع جوهر الدين القائم على الامتحان الإلـهي للعباد.

5- فور وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام المهاجرون والأنصار، دون إضاعة للوقت، بالاجتماع في سقيفة بني ساعدة لتعيين الرئيس الذي سيكون حاكما عليهم، وأخذوا يتناقشون ويتشاورون لتحقيق هذا الغرض مما يفيد أن هذا الأمر سبيله، في نظرهم، هو البحث والتشاور، وأن إقامة الحاكم هو بلا شك واجب شرعي ضروري على المسلمين، ولم يأت خلال المناقشات، كما بينا، أي ذكر لكون الحاكم لا يُختار بل هو منصوص عليه من الله، ومن البديهي أنه لو كان للحكومة أي ارتباط بالنص والتعيين الإلـهي، لوقعت الإشارة لذلك ولذكَّر به البعض على الأقل، مع أن أحداً لم يتكلم بمثل هذا أبداً، ولا أحد طلب من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينصب لهم الحاكم بنفسه لأنهم كانوا يدركون أن هذا مناف لأصل التكليف.

6- في تاريخ الأديان السماوية، وجدت حالات قليلة لحكام عينهم الله تعالى نفسه للحكم في ظروف محددة معينة، مثال ذلك تعيين الله تعالى لطالوت ملكاً على بني إسرائيل، ليقودهم في محاربة الوثنيين الذين كانوا لا يتوقفون عن شن الغارات عليهم ويخرجونهم من ديارهم ويقتلون أبناءهم.. كما أخبرنا الله تعالى في سورة البقرة (انظر الآيات: 246 إلى 251). ولكن طالوت الملك على الرغم من أن الله تعالى اصطفاه لهم لما أوتي من بسطة في العلم والجسم، إلا أنه لم يكن معصوماً، بل عندما قَتـلَ داودُ جالوتَ، وكان طالوتُ قد وعد من قَتل جالوت أن ينكحه ابنته، لكن بعد أن صارت لداود شعبية وأصبح محبوباً في بني إسرائيل خشي طالوت منه على ملكه فسعى في قتله فعلم داود ذلك ففر منه... إلى آخر ما جاء في التواريخ التي ذكرت هذه القصة. فتبين أنه بالنسبة لذلك الحاكم الذي ابتدأ تعيينه ونصبه بأمر من الله لم تكن هناك عصمة مطلقة!

أما بالنسبة لتواريخ سائر الأمم والشعوب من أتباع الأديان غير السماوية فقد حصلت ادعاءات للحكم بأمر الله وبتعيينٍ منه بل اعتبرت بعض الشعوب حكامها ممثلين لِـلَّهِ تعالى في الأرض أو ظل الله في أرضه، يحكمون بإرادته وأمره وتجري في عروقهم دماء زرقاء تختلف عن دماء سائر البشر، مثل فراعنة مصر وملوك فارس وأباطرة اليونان والرومان، وأباطرة اليابان والصين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء الشمس ووارثي سلطان الله على الدنيا (و أن الملك حقهم الإلهي) تتوارثه ذريتهم جيلا بعد جيل، وهذا النوع من الحكم أطلق عليه اسم الحكم الثيوقراطي. وإذا كان مثل هذا النوع من الحكم الثيوقراطي من الممكن أن يلقى قبولا في العصور القديمة والقرون الوسطى وعهود الظلام والجهل القديمة، أما اليوم وبفضل نور الدين والعلم وتقدم البشر في الحقوق الاجتماعية والإنسانية، لم يعد لمثل هذه الادعاءات رونق ولا قبول، سيما أن الناس رأت كيف أنه عندما يصبح المُلْكُ مطلقاً ووراثياً فإنه يتحول إلى آلة فساد واستبداد ويأتي إليه من لا يتصف بالصفات الضرورية للحاكم كالعلم والعدل والمساواة والنـزاهة والاستقامة وحسن التدبير والشجاعة.

الهوامش:


(110) كحديث أن الأئمة عليهم السلام: « ..شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة» (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 221 فما بعد)، وأنهم: «مُحدَّثون يسمعون صوت الملاك ولكنهم لا يرون ولا يعاينون الملاك» (المصدر السابق: ج1 / 176 - 177)، وأنهم: «خزان علم الله وتراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض..» (المصدر السابق: ج1 / ص 269 - 270)، وأن: «روح القدس به حمل النبوة فإذا قبض النبي (صلى الله عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام..» (المصدر السابق: ج1 /ص 270 فما بعد)، و«إن في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح: روح القدس وروح الإيمان وروح الحياة وروح القوة وروح الشهوة…فبروح القدس عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى…» (المصدر السابق: ج1 / ص 271 فما بعد). وأن: «الأئمة لم يفعلوا شيئا ولا يفعلوا إلا بعهد من الله عز وجل لا يتجاوزونه، وأن الله عز وجل أنزل على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا قبل وفاته فقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النخبة من أهلك… علي بن أبي طالب وولده عليهم السلام، وكان على الكتاب خواتيم من ذهب كل إمام يفك خاتما ويعمل بما فيه ثم يدفعه لمن بعده فيفك خاتما ويعمل بما فيه … الحديث» (المصدر السابق: ج1 / ص 279 فما بعد، الحديث 1 و4) . بل في حديث صريح منسوب للإمام الصادق عليه السلام: «الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إلا أنهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي، فأما ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله).» (المصدر السابق: ج1 / ص 270). (م)

(111) كالأحاديث التي تصف علم الأئمة عليهم السلام بأنهم: «يعلمون ما كان وما يكون وأنهم لا يخفى عليهم شيء» (أصول الكافي: كتاب الحجة: ج1 / ص 260)، وأنهم: «يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل» (المصدر السابق: ج1 / ص 255 فما بعد)، وأن: «الإمام لا يخفى عليه كلام (لغة) أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح..» (المصدر السابق: ج1 / ص 285)، وأن: «عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل وأنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها» (المصدر السابق: ج1 / ص 227)، وأن: «أعمال العباد تعرض عليهم في الصباح والمساء..» المصدر السابق: ج1 / ص 219 فما بعد)، وأن: «عندهم ألواح موسى وعصاه وقميص آدم (الذي ألقي على وجه يعقوب فارتد بصيراً) وخاتم سليمان (الذي كان يسخّر به الجن والشياطين)..» (المصدر السابق: ج1 / ص 231 - 232). أو الأحاديث التي تصف خلقتهم بأوصاف خارجة عن أوصاف سائر البشر مثل أن: «للإمام عشر علامات: يولد مطهرا مختوناً وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعا صوته بالشهادتين، ولا يجنب، تنام عينيه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك والأرض موكلة بستره وابتلاعه … الحديث» (أصول الكافي: كتاب الحجة /باب مواليد الأئمة عليهم السلام، حديث رقم 8، ج1/ص 385 فما بعد)، ورواية أخرى أن الإمام: «إذا وقع من بطن أمه وقع واضعاً يديه على الأرض رافعاً رأسه إلى السماء، فأما وضعه يديه على الأرض فإنه يقبض كل علم للهِ أنزله من السماء إلى الأرض، وأما رفع رأسه إلى السماء فإن منادياً ينادي من بطنان العرش من قبل رب العزة من الأفق الأعلى باسمه واسم أبيه يقول: يا فلان بن فلان، اثبت تثبت، فلعظيم ما خلقتك، أنت صفوتي من خلقي وموضع سري وعيبة علمي وأميني على وحيي وخليفتي في أرضي... فيجيبه (الإمام المولود) واضعاً يديه رافعاً رأسه إلى السماء: {شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} آل عمران/ 18» (المصدر السابق نفس الكتاب والباب: حديث رقم 1)، وأن الإمام يمكن أن يقوم بالحجة وهو ابن ثلاث سنين! (المصدر السابق: ج1 /ص321، الأحاديث 10 و13)، وأن: «الله خلقهم من نور عظمته وخلقت أبدانهم من طينة مخزونة لم يخلق منه أحد إلا الأنبياء .. الحديث» (المصدر السابق: ج1 / ص 389). (م)

(112) أي مثل كثير من أنبياء بني إسرائيل الذين لم يبعثوا برسالة أو كتاب جديد، بل كانوا على شريعة التوراة وإنما بعثوا للهداية وإرشاد الخلق وإحياء التوراة والعمل بالدين ونصرته، مثل يوشع بن نون وصموئيل وحزقيل ودانيال و... وزكريا ويحيى ومئات الأنبياء الذين كان يبعث العشرات منهم أحيانا في نفس الوقت. (ت)

(113) كل ما ذكر بين المعقوفتين في الصفحات الثلاث الأخيرة اقتباسات من كتاب "ختم النبوة" للأستاذ العلامة الشيخ مرتضى مطهري، نشر دار صدرى، طهران.

(114) أرجو أن ينتبه القراء جيداً إلى هذه النقطة، فكما يقول الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري: «لقد كان وضع البشر في الأدوار السابقة يشبه تلميذ المدرسة الذي يُعطى كتاباً ليتعلَّم منه، فإذا به يحوله إلى مزق بعد عدد قليل من الأيام!، أما البشرية في العهد الإسلامي (عهد ختم النبوة) فتشبه العالم كبير السن الذي يعتني بكتبه ويحفظها غاية الحفظ، رغم رجوعه المتكرر إليها». انتهى من كتاب ختم النبوة للأستاذ المرحوم مرتضى مطهري، ص 49. (م).












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 09:56 PM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

إذن ما حقيقة قصة الغدير؟

أحد القضايا التي يغفلها الكثيرون ولا يميلون للبحث فيها في موضوع الإمامة بالنص هو دراسة خلفية حادثة الغدير، أي الأمور التي حدثت في السنة العاشرة للهجرة وكانت الخلفية الأساسية التي أدت لواقعة الغدير، في حين أن الاطلاع على هذه الخلفية ضروري جدَّاً للفهم الصحيح لخطبة غدير خم.

خلاصة قصة الغدير، طبقاً لما روته كتب التاريخ الإسلامي مثل سيرة ابن هشام (ج 4/ص 274) التي هي أقدم كتب السيرة المتوفرة، وتواريخ وتفاسير الفريقين الشيعة والسنة، كتفسير جمال الدين أبي الفتوح الرازي(115) وتفسير ابن كثير وتاريخ البداية والنهاية لابن كثير أيضاً، وكتاب مجالس المؤمنين (ج1/ص43) للقاضي نور الله الشوشتري(116) وغيرها من كتب الرواية والحديث لدى الفريقين(117)، ما يلي:

في السنة العاشرة للهجـرة توجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى مكة المكرمة ليؤدي مناسك الحج الإسلامي ويعلّمها الناس ولتكون فرصة يعطي فيها المسلمين الذين انضووا تحت رسالته آخر وصاياه، وأرسل (صلّى الله عليه وآله) رسائل إلى رؤساء القبائل العربية وعماله في نواحي الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى المجيء لمكة في أيام الحج ليؤدوا المناسك معه، وكان من جملة الرسائل كتابٌ بعث به إلى علي بن أبي طالب عليه السلام الذي كان في ذلك الحين في اليمن، حيث كان (صلّى الله عليه وآله) بعثه لجمع أموال الزكاة فيها، دعاه فيه كذلك إلى الحضور لمكة أيام الحج، فوصل الكتاب لعليٍّ وهو في اليمن أو في طريقه من اليمن إلى المدينة حاملاً أموال الزكاة، فرأى عليه السلام أنه لو أراد أن يأتي مكة بما معه من أموال بيت المال - التي كان أغلبها في ذلك الوقت من المواشي كالإبل والبقر والغنم - لما استطاع الوصول إلى الحج في الوقت المطلوب، لذا اضطر أن يوكل أمر حمل أموال الزكاة إلى الذين كانوا برفقته، كأبي بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد وغيرهما، وينطلق بمفرده مسرعاً إلى مكة، فوصل مكة ولقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم السابع أو الثامن من ذي الحجة، وبعد أداء مناسك الحج، قـفل راجعاً إلى طريق اليمن ليكمل مهمته في حمل أموال بيت المال، فلقي القافلة وهي في طريقها إلى المدينة، ووجد بريدة الأسلمي وخالد بن الوليد تصرّفا في بعض أموالها، سيما بعض الحلل اليمنية، فغضب، كما هي عادته تجاه أي تصرف شخصي ليس في محله في بيت مال المسلمين، فنهر بريدة وخالداً ووبخهم على صنيعهم، وفي بعض التواريخ أنه عليه السلام سبهم وضربهم، فكبر ذلك عليهم، لا سيما أنهما كانا من الوجهاء والأكابر في قومهما، فحملا في قلبهما بغضاً لِعَليٍّ واستعدّا للانتقام لأنفسهما فأرسلا شخصاً إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذي كان في طريق عودته من مكة إلى المدينة، وفي بعض التواريخ أنهم ذهبوا إليه بأنفسهم، واشتكوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عنف وشدَّة علي معهم، إلى درجة أن بعض التواريخ تذكر أنهم سبُّوا علياً في محضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلما رأوا علامات الغضب على وجهه (صلّى الله عليه وآله) وظنوا أنه غضب لأجلهم من علي، واصلوا الشكوى بلهجة أكثر حدة، عند ذلك نهاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومنعهم من هذا الكلام وذكر طرفاً من فضائله، وكان مما قال: "ارفعوا ألسنتكم عن علي فإنه خشن في ذات الله غير مداهن في دينه"، أو: "أيها الناس لا تشكو علياً فوالله إنه لأخشن في ذات الله، أو في سبيل الله، من أن يُشكَى"(118)، أو "ما لكم ولعلِيّ! علِيٌّ منّي وأنا منه وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي"(119)، أو "من كنت مولاه فعلِيٌّ مولاه"(120).

لكن خالداً وبريدةَ والآخرين كانوا قد أساؤا القول من قبل بحق عليٍّ أمام الصحابة الآخرين بما فيه الكفاية، ولعلهم استمروا في ذلك حتى بعد نهي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم، مما شـوّه صورة علي في ذهن عديد من الصحابة، لا سيما أن عدداً منهم لم يكن قد تعرّف على عليٍّ بعد، فلما رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك، شعر أنه لا بد من الدفاع عن شخصية حضرة عليّ البارزة المتميزة ويعرّف المسلمين بعلو مقامه وذلك قبل أن يتفرق المسلمون هنا وهناك عائدين إلى بلدانهم(121)، ثم بالإضافة لكون الدفاع عن شخصية مؤمن مسلم ممتاز أمراً لازماً وواجباً شرعاً، فإنه مما لا شك فيه أيضاً أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يميل في قلبه إلى أن يرتضي المسلمون من بعده علياً لولاية أمرهم وإمامتهم وحكمهم، لهذا كله قام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أثناء توقفه لصلاة الظهر بجوار غديرٍ يُدْعى خُـمَّاً - بإلقاء كلمة عقب الصلاة أشار فيها لدنو رحيله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولمقام أهل بيته ثم عرَّف المسلمين بذلك الجناب (أي علي) وبيّن وجوبَ موالاته ومحبته على كلّ مسلم، لكن ما قاله وبيّنه لم يكن معناه أبداً فرضَ إمارته والنصّ على خلافته بأمر الله تعالى وحكمه، وذلك للدلائل العقلية والنقلية التي سبقت والتي ستأتي إن شاء الله.

الهوامش:


(115) تفسير "رَوح الجَنان ورُوح الجِنان" لجمال الدين أبي الفتوح الرازي، تصحيح علي أكبر غفاري، ج4 / ص 275 إلى 277.

(116) السيد نور الله بن شريف الدين الحسيني المرعشي التستري أو الشوشتري الهندي، يعرف بالشهيد الثالث، متكلم فقيه إمامي، دافع عن المذهب ورد على مبطليه في عدة كتب شهيرة، توفي مقتولا سنة 1019 هـ. (ت)

(117) في ذلك أحاديث مشتهرة روتها - إضافة لكتب السيرة - كتب الحديث من السنن والمسانيد، انظر مثلا: سنن الترمذي: كتاب المناقب/باب مناقب علي بن أبي طالب، والسنن الكبرى للنسائي / باب مناقب علي، ومقدمة سنن ابن ماجة / باب مناقب علي بن أبي طالب، ومسند أحمد/ مسند علي بن أبي طالب.. الخ

(118) انظر سيرة ابن هشام ج4/ ص 603، بتحقيق مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، طبع دار ابن كثير. وانظر المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري : ج3 / 145، ح 4656/252، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. (ت)

(119) أخرج نحوه الترمذي في سننه: 50- كتاب المناقب/ 20- باب مناقب علي بن أبي طالب، ح 3712، (5/632) وقال: قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده: 4 / ص 437 – 438. وجملة «وأنت ولي كل مؤمن بعدي) أخرجها أيضاً أبو داوود الطيالسي في مسنده: ح 2752، والنسائي في الخصائص العلوية. (ت)

(120) أخرجه الترمذي في سننه: 50- كتاب المناقب / 20- باب مناقب علي رضي الله عنه، ح 3713 (5/633) وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ الله عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم نَحْوَهُ وَأَبُو سَرِيحَةَ هُو حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ الْغِفَارِيُّ صَاحِبُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده من طرق متعددة ومختلفة وعن عدد كثير من الصحابة، مثلا في:ج 1/ص 88، ورقم 670 (ط.شاكر) وعلق عليه القاضي محمد شاكر (محقق مسند أحمد) بقوله: إسناده صحيح. وكذلك في المسند في: ج1/ص 119 وهو برقم 951 (ط.شاكر)، وفي ج 1/ص 281. قلت: وقد ذكر الأئمة الحفاظ، الذين أفردوا كتباً خاصة للأحاديث المتواترة، حديثَ: "من كنت مولاه فعلي مولاه" في الأحاديث المتواترة، منهم الإمام السيوطي في كتابه: "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة"، والإمام المناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير"، وشارح المواهب اللدنية، والفقيه المحدث محمد بن جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني في كتابه:"نظم المتناثر من الحديث المتواتر". (ت).

(121) وإلا لو كان القصد من التوقف وخطبة الغدير هو إعلان فرض الإمارة السياسية المباشرة لعلي (ع) فهناك سؤال هام يطرح نفسه تلقائيا وهو أنه لماذا لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في خطبة حجة الوداع؟؟ وسبب السؤال هو أولا: أن خطبة حجة الوداع كان يحضرها آلاف المسلمين من مختلف أنحاء الجزيرة العربية وإعلان مثل هذا الأمر السياسي الخطير أولى أن يتم في مثل ذلك المقام، وثانيا: لأنه (ص) كان بذلك يطلع جميع أهل مكة على إمارة علي ويقيم عليهم الحجة بذلك؟! وكذلك يُطرح الإشكال والتساؤل بأنه لماذا على الأقل لم يخطب هذه الخطبة في المدينة ليطلع عليها ويسمعها جميع أهل المدينة - الذين لعبوا الدور الأول والأساسي في تولية أبي بكر رضي الله عنه.












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 09:59 PM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

هل أُريد بحديث الغدير النص على عليٍّ بالإمارة والخلافة؟
للدلائل التالية نعتقد أن هذا الحديث ليس نصّاً على عليٍّ بالإمارة السياسية:
1- أوّل دليل على ذلك أن أحداً من الذين شهدوا ذلك الاجتماع وسمعوا تلك الخطبة لم يفهم منها هذا المعنى، ولهذا لم يأت أحدٌ على حديث الغدير بذكر في سقيفة بني ساعدة ولا حتّى أُشير إليه مجرّد إشارة، ولا استند إليه أحدٌ بعد ذلك في تمام عهد الخلفاء الراشدين، إلى أن جاء المفرِّقون بعد عهدٍ طويلٍ فاستندوا إليه وقالوا ما قالوا.

2- لم يأت أمير المؤمنين عليٌّ عليه السلام نفسه ولا أنصاره من بني هاشم وغيرهم في السقيفة وبعد نصب أبي بكر رضي الله عنه للخلافة، على حديث الغدير بذكر ولا استندوا عليه لإثبات النص على علي، وحتى الاثني عشر نفراً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين - طبقاً لادعاء بعض الروايات - احتجوا على أبي بكر رضي الله عنه مؤيدين لحق علي في الخلافة، لم يستندوا إلى هذا الحديث لإثبات أولويته عليه السلام بأمر الخلافة، وعندما جاء في كلمات بعضهم ذكر لهذا الحديث، كان على سبيل ذكر الفضائل والمناقب لا على أساس أنه نص إلهي قاطع من جانب الله، هذا بغض النظر عن أن حديث احتجاج النفر الاثني عشر يحتاج لتمحيص أكثر للتأكد من صحته أو سقمه لأن احتمال وضعه قوي جدَّاً بل يقيني.

3- قوة إيمان أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومدح القـرآن لهم يتناقض تماماً مع ادعاء كتمانهم للإمامة وردهم للخلافة المقررة من قبل الله عز وجل، خاصة أنه كما تبين معنا لم يكن لدى الكثير منهم أي مانع أو اعتراض على زعامته حيث صرّحوا أنهم لو سمعوا كلام علي قبل تمام بيعتهم لأبي بكر لما تخلفوا عن بيعته، مما يؤكد عدم وجود أي دافع لهم لكتمان خطبة الغدير أو للإعراض عن العمل بها لو كانوا قد فهموا منها حقَّاً النصب الإلـهي لعلي خليفةً وإماماً.

4- كون قصة الغدير - كما تبين - أوجبتها قضية تصرف خالد وبريدة بأموال الزكاة بلا وجه حق والتي أدت لغضب علي عليه السلام وتعنيفه لهم(122) مما أثار سخطهم عليه وشكايتهم إياه إلى رسول الله، يبين أن مراده (صلى الله عليه وآله وسلم) من خطبته تلك أن يؤكد على المسلمين محبة ونصرة وتقدير علي عليه السلام.

5- الجملة المهمة والحاسمة في حديث غدير خم والتي يتفق جميع المسلمين على صحة صدورها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): [من كنت مولاه فهذا علي مولاه]. والانتباه الدقيق لمعنى هذه الجملة من شأنه أن يرفع كثير من الإشكالات. فهذه الجملة لا تفيد بالضرورة معنى الخلافة والإمامة لعلي بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للدلائل التالية:

أ - ذكر العلامة عبد الحسين الأميني في كتابه "الغدير" - نقلا عن علماء اللغة - لكلمة "المولى" سبعة وعشرين معنى وهي:

1- الربّ 2- العمّ 3- ابن العمّ 4- الابن 5- ابن الأخت

6- المعتِـق 7- المعتَق 8- العبد 9- المالك 10- التابع

11- المنعَم عليه 12- الشريك 13- الحليف 14- الصاحب 15- الجار

16- النـزيل 17- الصهر 18- القريب 19- المنعِم 20- الفقيد

21- الولي 22- الأولى بالشيء 23- السيد غير المالك والمعـتِق 24- المحب

25- الناصر 26- المتصرِّف في الأمر 27- المتولي في الأمر.

ورغم كل ما بذله العلامة الأميني من جهد، لم يُوَفَّق في استخراج معنى: الخليفة أو الحاكم أو الأمير... لكلمة "المولى"، واعترف أن لفظ "المولى" من الألفاظ المشتركة وأنه أكثر ما يقصد به هو "الأولى بالشيء" (أي المعنى الثاني والعشرون). وعليه فلا يمكن فهم المعنى المراد من "المولى" بدون قرينة. فإذا انتبهنا لقرينة السبب الذي أوجب إلقاء هذه الكلمة، وإلى القرينة اللفظية المتجلية في تتمة الحديث: «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره...» لم يعد من الصعب أن نعرف أن المعنى المراد من "المولى" هنا هو شيء يجمعه المعاني: الصاحب (الصديق) المحب الناصر (المعاني: 14 و24 و25)، لأن معنى التتمة هو: اللهم صادق وأحب ووالي كل من يصادق ويحب ويوالي علياً وعاد كل من يبغض ويعادي علياً(123).

ب - كان الرسول صلى الله عليه وسلم يريد من الناس محبة علي، حيث أن الباعث لكلمته تلك كان موقف خالد وأبي بريدة وبعض الصحابة من علي كما بينّا.

ج - لا يُفْهَم أبداً من كلمة المولى معنى الخليفة والإمام ولم تأت هذه الكلمة في لغة العرب بهذا المعنى.

6 - في جملة "من كنت مولاه فعلي مولاه" نقطة ذات دلالة مهمة جدَّاً، كثيراً ما حالت غوغاء الجدال والعصبية المذهبية من التنبه إليها رغم وضوحها الشديد، وهي أن كلمة "مولاه" أيا كان المعنى المراد منها، فإن معنى الجملة لن يكون إلا أنه: كل من أنا الآن مولاه فإن عليّاً الآن أيضاً مولاه، وبعبارة أخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة "فعلي مولاه" يريد تأكيد الثبوت المتزامن لعلي لنفس الأمر الذي هو ثابت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الآن. فلو فرضنا جدلا أن المقصود من كلمة "مولاه": حاكمه وإمامه (رغم عدم مساعدة اللغة على ذلك)، للزم أن يقيّدها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بقيد: [بعدي]، لأنَّ علياً لا يمكنه أبداً أن يكون إمام المسلمين وحاكمهم مع وجود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)!، مع أن مثل هذا القيد لا يوجد في أيٍّ من روايات الحديث.

7- طبقاً للروايات والأحاديث الضعيفة الواهية السند الكثيرة للقائلين بالنص، فإن خلافة وولاية علي عليه السلام أهم غرض ومراد لرب العالمين! إذ يدَّعون أن جميع رسل الله تعالى وأنبيائه الكرام من لدن آدم إلى النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، بينوا لأقوامهم مسألة إمامة علي وولايته، كما بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الأمر أكثر من ألف مرة منذ بداية بعثته وإلى رحلته (صلى الله عليه وآله وسلم) وذكّر به في كل مناسبة، في مجالس فردية أو جماعية، كما نزلت أكثر آيات القرآن في هذا الأمر، رغم كل ذلك لم يول أحد هذا الأمر عناية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكأن الله تعالى - والعياذ بالله - عجز عن تحقيق إرادته، مع أنه القائل: ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ﴾ [المجادلة:21]. فكيف تأتَّى أن يُهْجَرَ مثل ذلك الأمر ويُنْسَى نهائيا على ذلك النحو؟؟ ألا يدل ذلك على أنه لم يكن على الصورة التي ذكروها؟

8 - تشير سنة الله تعالى إلى أنه عندما يريد أن يختار أحداً من عباده ويبعثه للدعوة والإصلاح، فإنه يصطفيه من بين الضعفاء والفقراء ويخلع عليه خلعة النبوة، ثم يؤيده وينصره على جبابرة الدنيا وعتاتها، ليحقق بذلك إرادته. ومن هنا نرى أن الله سبحانه يجتبي إبراهيم عليه السلام من عائلة وثنية تنحت الأصنام، فيبعثه سبحانه ليشيد بنيان التوحيد على ذلك النحو، ورغم اضطهاده وإجباره على الهجرة والخروج من بيته وموطنه، كانت إرادة الله تعالى هي الغالبة في نهاية المطاف، ووصل إبراهيم لذلك المقام العظيم الذي قال فيه سبحانه: ﴿ ...فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:54]. وأرسل موسى عليه السلام بلباس الراعي ونعله وعصاه، إلى فرعون، مدّعي الألوهية ومالك ملك مصر، فنصره عليه ومنحه قوة وقدرة جعلت فرعون وآله يصيرون إلى قاع البحر، وغدا موسى بعصاه ويده البيضاء مؤسساً لسلطان ملوك كبار من بعده (من بني إسرائيل)، ويأتي بدين وكتاب بعث الله تعالى بعده أكثر من سبعين ألف نبيٍّ لتجديده وإحيائه.

وكذلك اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتيم أمي من أم أرملة فقيرة توفي زوجها قبل أن يولد وما ترك لها إلا وليدها الصغير وأربع عنزات وبغلة، فأضفى عليه سبحانه عظمة وقدرة وأصبح دينه أبدياً خالداً، وأخضع له رقاب كبار الطغاة في عصره، فإذا به يكتب، خلال المدة القصيرة لبعثته، رسائل لستةٍ من كبار سلاطين الدنيا في عصره الذين كانوا ملوك العصر الذين لا يُنازَعون، يدعوهم فيها للدخول في دينه، ثم لا تمضي مدة قصيرة إلا وتنضوي جميع تلك البلدان، التي كتب لملوكها الرسائل، تحت سلطان الدولة الإسلامية التي أسسها، ويبقى دينه خالداً ما بقي الدهر.

فلو أن خلافة علي وولايته كانت حقاً غاية إلهية عظيمة من وراء خلق الكون، وكان الله ورسوله يريدان ذلك كما تشير إليه كل تلك الأحاديث الواهية والروايات الضعيفة السند، فلماذا لم يستطع الله(!) - تعالى الله عن ذلك - حتى بيان ذلك المطلب بشكل قاطع وصريح في كتابه الكريم وبواسطة نبيه الكريم أو أي أحد آخر من عباده لتتحقق إرادته وينتصر هدفه ولا يضل الناس ذلك الضلال المبين؟، هذا إن كان عدم توليته ضلالاً مبيناً حقاً، أوليس هو تعالى القائل: ﴿ والله غالبٌ على أمره ﴾ والقائل: ﴿ ألا إن حزب الله هم الغالبون ﴾؟ فكيف نفسر هذا الفشل في تحقيق ذلك المراد الخطير؟ اللهم إلا أن نعترف بأنه لم يكن هناك مثل هذا الهدف والقصد وأن تلك الادعاءات العريضة ادعاءات لا أساس لها.

9- والأهم من ذلك هو تلك الطريقة العجيبة التي ليس لها سابقة والتي لا يمكن أبداً تبريرها التي يدعون أن الشارع تعالى بين بها أصل "الإمامة المنصوص عليها"، رغم أهميته العظيمة. وهذه قضية جديرة بأن تفتح الطريق أمام المنصفين والمتجردين لطلب الحق لاكتشاف حقيقة القضية.

فإن في القرآن الكريم مئات الآيات البينة المحكمة التي تقرر أصل "التوحيد" وكذلك عشرات بل مئات الآيات التي تتكلم عن "اليوم الآخر"، وكذلك ليست قليلة الآيات الواضحة التي تقرر أصل "النبوة العامة" وتبين وتستدل على أصل "نبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الخاصة"، وهكذا حول بقية أصول الدين وأركان الإيمان، بل لقد بين القرآن أيضاً كثيراً من الفروع (حتى الجزئية الصغيرة منها كلزوم رد التحية بأحسن منها والتوسع في المجالس.. إلخ)، وقد بين القرآن كل تلك الأصول بعبارات واضحة جلية محكمة لا مجال للبس أو الاحتمال أو الغموض فيها، يفهم منها المراد مباشرة - بنحو الإجمال على أقل تقدير - بدون الحاجة للاعتماد على الحديث. ولكن لماذا ترك القرآن هذه الطريقة في بيانه أصل "الإمامة" الخطير الذي هو مناط السعادة وحفظ الدين كما يقولون؟؟! وأما الآيات التي يذكرونها على أنها تنص على موضوع الإمامة فهي آيات يقتضي قبول ارتباطها بموضوع الإمامة أن نغمض النظر عما قبلها وما بعدها من آيات أي عن سياقها، بل أحياناً يقتضي أن لا نكمل الآية إلى آخرها أي أن نقصّ العبارة من الآيات قصّاً!! علاوة على الإشكال الأكبر وهو أنها آيات لا تفيد المدعى إلا بمساعدة الحديث، وبدونه لا تدل على المطلوب أبداً؟!! حقّاً إنه لعجيب جدَّاً هذا الاستثناء في طريقة الشارع المقدّس في بيانه لأصول الدين، حيث بدلاً من الصراحة والوضوح المعهودين دائماً منه، يختار هنا - في هدايته الأمة لهذا الأصل العظيم - الإبهام والغموض. وحتى عندما نأتي للحديث الذي يدعون أنه نص على الإمامة نجده غير قاطع في المراد، ونجده يستخدم كلمة "مولى" التي يعترف المؤيدون للإمامة بالنص، أن لها على الأقل سبعة وعشرون معنى في اللغة العربية!!! ونجد سياق الحديث وملابساته وقرائنه تدل على أن المراد بالمولى أمر غير الإمامة والإمارة. هذا في حين أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان شديد الحرص على هداية قومه(124) وكان "أفصح من نطق بالضاد"، فلا شك أنه لو أراد هداية أمته وإتمام الحجة عليها ببيان أصل أساسي وخطير من أصول الدين لبينه بعبارات واضحة جلية لا لبس فيها، لا بعبارات مشتبهة مشتركة يعسر فهم المراد منها!!(125).

هل أهمية أصل "الإمامة" أقل من قصة "زيد بن حارثة" رضي الله عنه الذي ذُكِر اسمه صريحاً في القرآن؟! هل يمكن قبول هذا التفاوت إلى هذا الحد في طريقة بيان أصول الدين؟! ليت شعري هل فكَّر القائلون بالإمامة المنصوصة من الله تعالى بهذه القضية أنه لماذا لا يوجد في القرآن الكريم أي أثرٍ لأصل هذه الإمامة رغم أنها عندهم أعلى من "النبوة والرسالة"؟!(126) هل يمكن أن نتصور أن قائل: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام:38] و﴿ ..وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل:89] يغفل ذكر موضوع على ذلك الجانب من الخطورة والأهمية؟؟! هل أهمية قصة أصحاب الكهف الذي لم يغفل الله تعالى حتى ذكر كلبهم أكثر من أهمية موضوع الإمامة؟؟ هل يترك القرآن الكريم - الذي أنزله الله تعالى لهداية الناس إلى يوم القيامة - البيان القاطع الشافي لموضوع وقع فيه الاختلاف بين الأمة لقرون بل أدى أحياناً لحروب ومنازعات بينها في حين يذكر بالتفصيل قصص السابقين مثل ذي القرنين ولقمان وهارون و...؟ هل يمتنع الله تعالى الذي لم يمتنع عن ذكر البعوضة في القرآن أن يذكر موضوع الإمامة؟؟ هل هكذا كانت تكون طريقة هداية الناس؟

في رأينا إن كل من له معرفة وأنس بالقرآن الكريم، لن يرتاب أبداً في أن هذا النحو المدعى من موقف القرآن وبيانه عن الإمامة لا يتناسب مع طريقة القرآن الكريم، في بيان أصول الدين، من قريب ولا بعيد.

الهوامش:


(122) يروي العلامة الأميني في كتابه الغدير (ج1/ص 384، الطبعة الثالثة) : «عن بريدة قال: غزوت مع علي اليمن، فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت عليّاً فتنقَّصته، فرأيت وجه رسول الله يتغير، فقال: يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه».

(123) انظر لسان العرب لابن منظور:ج 15 / ص 409 حيث يقول: "والى فلان فلانا: إذا أحبَّ" ويقول قبل ذلك:"وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم ) اللهم وال من والاه: أي أحب من أحبه".

(124) إشارة إلى ما جاء في سورة الكهف/ آية 6: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} ونحوها في سورة الشعراء/ آية 3. وكذلك قوله تعالى: {إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل} النحل/37، وقوله عز من قائل: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} التوبة/ 128. (م)

(125) هذا الغموض كان لدرجة أنه انعكس حتى في روايات المعتقدين بالإمامة المنصوصة من الله لعلي هم يعترفون بهذا المغموض!! فمن جملة ذلك ما رواه الطبرسي في "الاحتجاج" أن الأنصار لم يفهموا مراد الرسول من خطبة الغدير!! واضطروا لأجل ذلك أن يرسلوا شخصا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله عن مقصوده من ذلك الحديث، والنبي صلى الله عليه وسلم - طبق هذه الرواية - حتى في توضيحه لحديثه لم يستخدم أيضاً لفظة: "ولي الأمر"؟! وسنتعرض لهذه الرواية بالتفصيل في الصفحات القادمة إن شاء الله. (م)

(126) يعتقد الإمامية أن مقام " الإمامة" أعلى من مقام "النبوة والرسالة" أما أنهم كيف إذن لم يعتبروا عليّاً (ع) أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بل يجمعون على علوّ وأفضلية النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فسببه أنهم يقولون أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حائزاً أيضاً على مقام الإمامة علاوة على مقام النبوة والرسالة. (م)












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:00 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

عليٌّ إمام المسلمين بحق

مما لا نحتاج لتنبيه القارئ إليه أن ما ذكرناه ودللنا عليه من عدم النص والفرض الإلـهي المباشر لعليٍّ حاكماً وخليفةً سياسياً مباشراً، ليس معناه أبداً إنكار إمامة علي للمسلمين، بل هو أحق من استحق في كل التاريخ لقب خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا من جهة كونه خليفة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنص خاص من جانب الله عز وجل، بل من جهة كونه خليفة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حقيقةً وفي واقع الأمر أي من جهة ملكات علي عليه السلام الذاتية ومناقبه الشخصية وكونه خير من تجسَّـدت به شخصية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتعاليم الإسلام، فهو إمام المسلمين بلا منازع وأولاهم بخلافة النبي انطلاقاً من مقامه الروحي والعلمي وأفضليته الدينية التي لا يرقى إليها أحد من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فعلي عليه السلام كان بلا شك أليق وأحق من جميع المسلمين بإمامة الأمة بمعنييها الروحي والسياسي، فهو الخليفة بحق، لأن الإمام في أمة الإسلام يجب أن يكون أعلم وأشجع وأتقى وأليق الأمة، وهذه الصفات كانت متوفرة في حضرته بشكلها الأتم والأكمل ولم يكن من بين الصحابة من يصل إلى درجته، حتى أنه يمكن القول بأنه لم يكن يوجد في الصحابة من ينكر ذلك الأمر، بقي أن نفسر إذا لماذا سبقه غيره من الصحابة إلى منصب الخلافة وتقدم عليه؟ بتأمل ملابسات الخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتبين أن علل ذلك يمكن تلخيصها بالأسباب التالية:

1- تمت بيعة السقيفة بشكلٍ مفاجئٍ وسريعٍ حتى أن عمر رضي الله عنه أقر منصفاً أكثر من مرة أن: "بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرَّها!"(127)، وأن: "من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فإنه لا بيعة له ولا الذي بايعه"(128)، وعلة ذلك عدة أمور:

أ) كانت مدة مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قصيرة لم تتجاوز الأسبوع، وقد وجدت آثار التحسن في حاله الشريفة أكثر من مرة خلال هذه المدة بحيث أنه ما كان يُظّنُّ أن الرسول سيفارق الدنيا على أثر هذا المرض، لذا لم يكن لدى الصحابة المجال الكافي للتفكير والتدبر في الأمر برويّة.

ب) وقـعت وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت كان فيه أربعة من الدجَّالين قد ادعوا النبوَّة في أطراف المدينة المنوَّرة وهم مسيلمة وسجاح والأسود وأبو طليحة، فلو حصل أي تردد أو تأخير في تعيين الحاكم ورئيس الجماعة المسلمة لكان من الممكن أن يجد مدّعوا النبوَّة - الذين كانوا أعداء متربصين بالإسلام- الفرصة سانحة لمحاصرة المدينة والاستيلاء عليها وقد ينجر ذلك لوقوع مذبحة للمسلمين.

ج) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كتب في أواخر حياته الشريفة رسائل إلى ملوك ورؤساء الدنيا حوله يدعوهم فيها إلى الإسلام، كرسائله التي كتبها لهرقل عظيم الروم في سوريا والمقوقس ملك الأقباط في مصر، وخسـرو پرويز (كسـرى) ملك الفرس، ولذلك كان هؤلاء يتحسَّبون لخطر المسلمين، فإذا عرفوا أن نبي المسلمين قد فارق الدنيا وأن أصحابه انقسموا في شأن خلافته ولا زالوا بلا قائدٍ يوحدهم، لربما سارعوا إلى الانقضاض على المدينة وإخضاع المسلمين، لذا كان (الصحابة يشعرون أنه) لا بد من الإسراع في نصب الخليفة دفعاً لهذه الأخطار المحتملة.

د) كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حال احتضاره قد جهَّز جيشاً بقيادة أسامة بن زيد وأمره بالتحرُّك نحو اليرموك، ولكن طروء وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم) أوقع الجيش في ارتباك وحيرة وما عاد يعرف ماذا يتوجب عليه فعله في هذا الظرف الجديد، لذا كان لا بد من تعيين سريع لإمام وحاكم على المسلمين ليعين تكليف هذا الجيش.

هـ) كان المسلمون يدركون أن تعيين الرئيس الحاكم عليهم، وصاحب السلطة التنفيذية لتنفيذ أحكام الإسلام، من أهم الواجبات، خاصة في تلك الظروف الحرجة والأوضاع المضطربة المذكورة(129). وهذا ما أشار إليه علي عليه السلام في رسالة جوابية كتبها لمعاوية حيث قال: [والواجب في حكم الله وحكم الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم أو يُقتَل، ضالاً كان أو مهتدياً، مظلوماً كان أو ظالماً، أن لا يعملوا عملاً ولا يُحْدِثوا حدثاً ولا يقدِّموا يداً أو رجلاً ولا يبدؤوا بشيء قبل أن يختاروا لأنفسهم إماماً يجمع أمرهم...](130).

و) وقوع اختلاف بين المهاجرين والأنصار في إحدى الغزوات، وكذلك بين الأوس والخزرج، كان دالا على أن العصبية القبائلية لم تجف جذورها بل لا زالت ذات أثر فيهم، وهي عصبية قد تؤدي لنـزاع إذا لم يتم كبحها بسرعة، لذا كان لا بد من عدم التواني لحظة في نصب الإمام والحاكم لضبط الأمور ومنع حدوث أي صراع أو نزاع قد يضعف شوكة المسلمين، ولمواصلة تطبيق أحكام وأوامر الشريعة الإلـهية الخالدة التي لا يجوز تعطيلها حتى ولا دقيقة واحدة، من هذا المنطلق كان الصحابة في غاية العجلة لتحقيق هذا الأمر، يضاف إلى ذلك أن جماعة المهاجرين الذين كانوا قد سمعوه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «الأئمة من قريش» وسمعوه يوصي بالأنصار قائلا: «اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»(131)، و«إن الأنصار كَرِشي وعيبتي.. فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم..»(132)، فهموا من ذلك - كما فهم علي عليه السلام ذلك أيضاً(133)- موافقته (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن ولاية الأمر ليست فيهم بل في قريش والمهاجرين شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لذلك اضطرهم ما رأوه من استعجال الأنصار في سعيهم لتنصيب خليفة من بينهم أن يتداركوا الأمر بسرعة ويمنعوهم من ذلك قبل أن يخرج الأمر عن أيديهم وينقسم المسلمون على بعضهم، فجزاهم الله تعالى عن الإسلام وأهله كل خير.

2 - كان علي عليه السلام مشغولا بتجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يشارك في المشورة في السقيفة ولم يطرح نفسه لانتخاب الناس، ولعله لم يسرع في هذا الأمر لأنه ما كان يتوقع أن يعدل عنه الناس، ولربما فهم بعض الناس من عدم حضوره السقيفة أو إرساله من ينوب عنه فيها، عدم رغبته في الأمر، ولذلك لم يتعرضوا لانتخابه، ومن دون شك أنه لو كان قد طرح نفسه للخلافة من البداية واستدل على أولويته بما هو معهود من فصاحته وبلاغته المحيرة وقدرته على الإقناع لما عدل الصحابة عنه إلى غيره ولما وُجِدَ له معارض، كما مر معنا أن عددا من الأنصار لما سمعوا كلامه بعد حادثة السقيفة اعترفوا قائلين: لو سمعنا كلامك هذا من قبل لبايعناك.

3- لم يكن يوجد في ذلك الحين كل هذا الكم الكبير من بعض الروايات والأخبار الواهية السند التي انتشرت في الكتب في عهد متأخر بشأن المبالغات في فضائل ومناقب علي عليه السلام التي يرفعه بعضها إلى مقامات فوق بشرية أو ينسب إليه أقوالاً تجعله المتصـرّف بالكون والقائم بأفعال الله... الخ والتي نراها في بعض كتبنا اليوم، ولا كل تلك التأويلات للآيات القرآنية في حقه، ولا كان أحد يعتبر عليّاً "عين الله الناظرة ويد الله الباسطة"! ولا كان أحد قد وقع بعد في تلك الحيرة (!) التي واجهت أحد شعراء العصور التالية فقال مخاطباً عليّاً عليه السلام:

من اگر خداي ندانمت متحيرم كه چه خوانمت؟؟

أي: إن لم أعتبرك الله فأنا محتار ماذا أعتبرك؟؟

بل كانوا يعتبرونه صحابيا من السابقين المهاجرين المجاهدين العالمين الفقهاء بالقرآن وأحكام الإسلام، ورغم أن تميزه وأفضليته لم تكن مجهولة لدى الصحابة إلا أنهم لم يكونوا ملتزمين بالضرورة بأن يكون هو الإمام حتما، ولا كان هذا التميز لدرجة تمنع بالضرورة الآخرين من ذوي الفضل والسابقة في الإسلام أن يتقدموا لهذا المنصب، ولعلهم كانوا يرجحون الشيوخ ذوي التجربة على الشباب من أصحاب الفضل والجهاد، ولذا انتخبوا غيره، ومع ذلك كان في صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من يرى عليّاً أحق الناس بها لا من جهة أنه منصوص عليه من قـِبَل الله تعالى ورسوله، بل من جهة منزلته من رسول الله ومقامه في الإسلام وأعلميته بأحكام شرع الله في كل موضوع، ونفس أمير المؤمنين كان يعتبر نفسه أحق وأولى بمقام الإمامة من الآخرين، لهذه الحيثيات كما يظهر ذلك في جميع احتجاجاته أو اعتراضاته التي لا نجد فيها إشارة لموضوع نص إلـهي عليه، كما نجد ذلك واضحا فما يلي:

الهوامش:


(127) صحيح البخاري : كتاب الحدود، باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت، حديث رقم 6328، وأحمد في مسنده، مسند العشرة المبشرين، أول مسند عمر بن الخطاب. (ت)

(128) انظر سيرة ابن هشام : ج4 / ص 307.

(129) تذكر كتب التاريخ مثل السيرة النبوية لابن هشام (ج 4/ ص 316) والكامل في التاريخ لابن الأثير أنه: "لما توفي رسول الله ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية ونجم النفاق وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم" وتذكر أيضاً: "أن أكثر أهل مكة لما توفي رسول الله هموا بالرجوع عن الإسلام وأرادوا ذلك، حتى خافهم عتاب بن أسيد فتوارى، فقام سهيل بن عمرو فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة".(م)

(130) بحار الأنوار ج 33/ ص 143، باب 16- باب كتبه إلى معاوية... .(طبعة مؤسسة الوفاء – بيروت – 1404 هـ.ق. في 110 مجلدات)

(131) أخرجه مسلم في صحيحه: 44- كتاب فضائل الصحابة/ حديث 172 عن زيد بن أرقم، والترمذي في جامعه: ج 5/ 3902) عن قتادة. (ت)

(132) أخرجه البخاري في صحيحه (63 - كتاب فضائل الأنصار/ 11 - باب قول النبي اقبلوا من محسنهم..) ومسلم في صحيحه (44 - كتاب فضائل الصحابة / ح 176). (ت)

(133) جاء في الخطبة رقم 67 من نهج البلاغة أنه: «لما انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال عليه السلام: ما قالت الأنصار؟ قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال عليه السلام: فهلا احتججتم عليهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصى بأن يُحسَن إلى محسنهم ويُتَجاوز عن مسيئهم؟ قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال عليه السلام: لو كانت الإمامة فيهم لم تكن الوصية بهم. ثم قال عليه السلام: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عليه السلام: احتجوا بالشجرة، وأضاعوا الثمرة !». ونلاحظ هنا أيضاً أن عليّاً لم يشر في هذا المقام إلى موضوع النص عليه في غدير خم، رغم أن المقام كان يوجب الإشارة لذلك والاحتجاج به، بل كل ما قاله أنه أولى بالرسول صلى الله عليه وسلم لأنه إذا كانت قريش والمهاجرون شجرة الرسول فهو لب هذه الشجرة وثمرتها. ولا شك أنه لو كان عليه السلام يعتقد بأن الله تعالى نص عليه فعلا في الغدير، لقال للناس عوضا عن ذلك - من باب الأمر بالمعروف وإرشاد خلق الله وتذكير الناس بالحق وإتمام الحجة عليهم - : لماذا لم يذكروا أو لم يحتجوا بخطبة غدير خم؟ ولماذا تخلفوا عن أمر الله تعالى؟ حقا إنه غير قابل للتصديق أن يكتفي علي عليه السلام ببيان أولويته وأصلحيته، ويسكت عن بيان أمر الله تعالى ونصه (برقعي).












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:02 PM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

احتجاجات عليٍّ عَلَى أولويَّتِهِ بالخلافة ليس فيها إشارة لنصٍّ من الله عليه

1) خطبته الشقشقية المشهورة تفيد أن الإمام علي عليه السلام كان يرى نفسه أحق الناس بولاية أمر المسلمين والقيام بزمام أمورهم، لا من حيث أن الله أنزل فيه نصا وأمرا ملزما فرضه على الناس في ذلك، بل من حيث الفضل والعلم والفقه والمعرفة، حيث يقول: [لقد تقمَّصها فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلى الطير..](134) فالكلام فيها عن مقامه المعنوي وعلو كعبه، الذي لا يُرقى إليه، في الفقه والعلم، لا عن نصبٍ وتعيينٍ إلهي.

2) ما جاء في كلام آخر له في نهج البلاغة (قسم رسائله عليه السلام/ الرسالة رقم 62) حين قال: [فلما مضى تنازع المسلمون الأمر من بعده فوالله ما كان يُلقى في روعي ولا خطر على بالي أن العرب تزعج هذا الأمر مِن بعدِهِ مِن أهل بيته] فهو يتعجب كيف أزيحت الخلافة عن أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دون أن يحتج في ذلك باختصاصه بنص خاص من الله والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الخلافة.

3) ما رواه ابن طاوس(135)، في كتابه "الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف (ج2/ ص411)"، والعلامة المجلسي في "البحار" (ج6/ ص 310) عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: [... فسمعت علياً يقول: بايع الناس أبا بكر وأنَا والله أولى بالأمر منه، وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع القوم كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف...].

4) في رسالته التي كتبها عليه السلام إلى شيعته بعد منصرفه من النهروان وبعد مقتل محمد بن أبي بكر، وأمر بقراءتها على الناس بعد كل صلاة جمعة، كما رواها ابن طاوس في كتابه "كشف المحجَّة لثمرة المهجة"(136) وإبراهيم الثقفي(137) في كتابه "الغارات"، قال: [فلما رأيت الناس قد انثالوا على بيعة أبي بكر أمسكت يدي وظننت أني أولى وأحق بمقام رسول الله منه ومن غيره..](138).

5) في خطبة له عليه السلام رواها الثقفي في "الغارات" (ج1/ص 202) والسيد ابن طاوس في "كشف المحجة" والمجلسي في البحار (ج 8/ ص 175 من طبعة تبريز أو ج30/ص 16 من طبعة بيروت» جاء: «... أجمعوا على منازعتي حقّاً كنت أولى به منهم فاستلبونيه».

6) في نهج البلاغة أيضاً (الخطبة 74) لما بايع الناس عثمان قال: «لقد علمتم أني أحق بها من غيري والله لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين».

7) ما رواه سليم بن قيس الهلالي(139) في كتابه، ضمن حديثٍ طويلٍ، عن الإمام علي عليه السلام من قوله: [.. فـوَلّـَوْا أمرهم قبلي ثلاثة رهط ما بينهم رجل جمع القرآن ولا يدعي أن له علما بكتاب الله وسنة نبيه وقد علموا أني أعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه وأفقههم وأقرؤهم لكتاب الله وأقضاهم بحكم الله...]. ومثل هذا جاء أيضاً في كثير في كلماته الأخرى عليه السلام.

ولقد ذكرنا في كتابنا "حكومت در اسلام " (أي الحكومة في الإسلام) من الصفحة 141 إلى 149 ما جاء من كلمات الإمام علي عليه السلام حول هذا الموضوع منقولة من كتب الشيعة (الإمامية) المعتمدة، حيث تبين فيها جميعا أن الإمام كان يعتبر نفسه الأولى والأحق بهذا الأمر من الآخرين، فقط لا غير، ولم يحتجّ بنص من جانب الله أو الرسول، ولم يقل أن الخلافة حقي الإلـهي الذي أمر الله تعالى به نبيه (صلى الله عليه وآله) أن ينصِّبني فيه في غدير خم!

ولكن أصحاب القول بالنص ذكروا أدلة عديدة تؤيد رأيهم فيما يلي بيانها ثم الإجابة عنها:

الهوامش:


(134) من الجدير بالذكر أن راوي هذه الخطبة عن علي عليه السلام هو "عكرمة مولى ابن عباس" وقد قال عنه الممقاني في رجاله: « قال عنه العلامة الحلي في خلاصة الرجال في القسم الثاني من كتابه المخصص للضعفاء: "إنه ليس على طريقتنا ولا من أصحابنا ولم يرد فيه توثيق." وأورد الشيخ الكليني في الكافي ضمن حديثٍ: "هذا عكرمة في الموت! (أي حاله الروائي ميت) وكان يرى رأي الخوارج." (ثم استنتج الممقاني قائلاً "على كل حال فكون عكرمة مولى ابن عباس منحرفا لا يحتاج إلى برهان كما نبه على ذلك السيد ابن طاووس"» انظر تنقيح المقال في أحوال الرجال للممقاني: ج2 / ص 256. وهذا ما يجعلنا نتحفظ في صحة نسبة كل هذه الخطبة لعلي عليه السلام إذ من المحتمل جدَّاً أن يكون عكرمة الخارجي - والخوارج كانوا ألدّ أعداء علي كما هو معروف وهم الذين قتلوه - نسبها لعلي ليشوهه في نظر المسلمين ويُعرِّفه لهم على أنه كان كارها لخلافة الشيخين لدرجة أنه لولا ضعف اليد لقام ضدهم بالقوة، في حين أن التواريخ الشيعية والسنية أثبتت أن الإمام - حفاظاً على وحدة المسلمين - بايع الخلفاء وصلى وراءهم وصاهرهم وناصرهم وناصحهم، رغم إيمانه بأولويته لهذا لمقام، هذا والله تعالى أعلم! (م)

(135) السيد رضي الدين أبو القاسم علي بن موسى بن طاوس الحلي، متكلم إمامي مشارك من أشهر كتبه «الإقبال» و«مهج الدعوات». توفي 664هـ (ت)

(136) رواها عنه المجلسي في بحار الأنوار: تتمة كتاب الفتن، 16 - باب آخر فيما كتب عليه السلام إلى أصحابه في ذلك تصريحاً وتلويحاً: ج30 / ص 7 – 26. (طبعة بيروت: مؤسسة الوفاء)

(137) أبو اسحق إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال المعروف بابن هلال الثقفي الكوفي من علماء القرن الهجري الثالث، كان في أول أمره زيدياً ثم انتقل إلى القول بالإمامة، نشأ بالكوفة ثم انتقل إلى أصفهان وتوفي فيها سنة 283هـ (ت)

(138) الغارات، أو الاستنفار والغارات: ص 202 (بيروت، دار الأضواء، 1407هـ/ 1987) (ت)

(139) انظر الكلام عليه وعلى كتابه المسوم بـ "أسرار آل محمد" في فقرة "قول محققي العلماء في سليم بن قيس وكتابه" في الصفحات القادمة من هذا الكتاب. (ت)












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:03 PM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

شبهات المخالفين على الأدلة التي ذكرناها والإجابة عليها

(قال بعض الأخباريين)(140): السبب في عدم وجود آيات قرآنية صريحة في القرآن الكريم في النص الصريح على إمامة وإمارة علي السياسية وخلافته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن مخالفي إمامة الإمام حذفوا تلك الآيات وأسقطوا كتابتها لمَّا دونوا القرآن!

والجواب: وهل كان القرآن الكريم وآياته ملكاً خاصاً ومنحصراً بيد رقباء ومنافسي الإمام علي حتى يتمكنوا من التصرف به كما يشاؤون فيَحْذِفون أو يسقطون كتابة بعض الآيات؟؟ وأين كان بقية المسلمين الذين يتلون آيات الله آناء الليل وأطراف النهار؟ ألم يكن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) يتلو كل ما يتنَزَّل عليه من آيات على مسامع المسلمين الحاضرين، سواء في مكة أو المدينة، ثم يبلِّغها لمن كان غائباً، تنفيذاً لأمر الله تعالى له بإبلاغ ما أنزله إليه، ليس للعرب فقط بل للعالمين، كما قال سبحانه في سورة الأنعام/ 19: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ.. ﴾ أو قال في سورة المائدة/67: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ﴾؟

فكانت آيات القرآن الكريم تُتْلى على مسامع الآلاف من المسلمين، وليس هذا فحسب، بل كان المسلمون أيضاً مأمورين بأن يتلوا القرآن بأنفسهم في الليل والنهار، وفي صلواتهم الخمس، كما قال سبحانه: ﴿ فاقرَؤُا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر:29]، هذا وقد استجاب المؤمنون لهذا النداء الإلـهي فكانوا كما وصفهم الله: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ... ﴾ [البقرة:121]، وبناءً عليه فإن الآيات القرآنية التي كانت تُسمَع وتُتْلَى من قبل الآلاف وعلى مدار 23 عاماً، لن يستطيع أحد أن يتصرف بها، كما أنه من المستحيل أن تتعرض تلك الآيات بهذه السرعة للنسيان بحيث يتمكّن عدد من الأشـخاص من إسـقاطها وحذفـها دون أن يلتـفت إلى ذلك الآخرون؟! إن العقل والمنطق يؤكدان استحالة حدوث مثل هذا الأمر وعدم انسجامه مع وقائع الأمور.

وعلاوةً على ما سبق، ألم يضمن ربُّ العالمين ومُنْزِلُ القرآن المبين حفظَ كتابه وصيانَتَه من الضياع أو التغيير والتبديل حين قال: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر:9]؟؟ فهل نصدِّق قول الله تعالى الذي أنزل القرآن وأكَّد أنه سيحفظه أم قول ذلك المتعصب الجاهل الذي يدعي أن آيات من القرآن حُذِفَت وأسقطت؟؟ وبالمناسبة فإن صيانة القرآن وحفظه من أي نقص هو أمر مجمع عليه لدى العلماء الأصوليين من الشيعة الإمامية الذين يؤكدون أن القرآن الذي أنزل على سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو نفس هذا الذي بين الدفتين الآن لم يُنْقَص منه حرف ولم يُزَد فيه حرف.

هذا وأقر بعضهم بأنه لم تنزل في القرآن أية آية تتعلق بِـ"الإمامة المنصوص عليها" وأن الأئمة الاثني عشر ليس لهم ذكر صريح مباشر في القرآن، وأن القرآن مصون من أي زيادة أو نقصان، إلا أنه زعم أن علة وسبب عدم وجود أي إشارة لهم في القرآن هي أنهم لو ذكروا في كتاب الله لقام أعداء الأئمة بحذف تلك الآيات من القرآن ولوقع التحريف في القرآن الكريم، ولذا لم تذكر أسماء الأئمة حفاظاً على القرآن من أن تمسه يد التحريف!

وهذا أيضاً تفسير غير مقبول وغير معقول، فكيف نقرأ قوله تعالى ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام:38]، ثم نقبل أن القرآن ترك ذكر أصل من أصول الدين وبيان أئمة المسلمين الذين معرفتهم شرط للنجاة يوم الدين، مهما كانت أسباب ذلك؟! ثم هل ينطبق ذلك الادعاء، مع الإيمان بالله تعالى القادر على كل شيء؟! أليس في قدرة الله تعالى أن يذكر الإمامة والأئمة في كتابه وبنفس الوقت يصون كتابه من تدخل الأعداء ويحفظه. هل يعقل أن الله تعالى القادر المتعال الفعال لما يشاء يضطر لترك أمر يريده ويغير مشيئته خوفا من العمل المحتمل لبعض عباده الضعفاء؟!

الهوامش:


(140) قمت بترتيب هذا الباب واختيار عناوين مناسبة له إذْ كان غير مرتب وبدون عناوين. (ت)












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:08 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

شبهة آية يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك

يستند القائلون بالنص إلى قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [المائدة:67] كدليل على مدعاهم قائلين أن الذي أُمِرَ الرسول بتبليغه في هذه الآية هو النص الإلهي على خلافة علي وولاية أمره.

والجواب: أنه ليس في مضمون الآية ولا في سياقها أي شيء يفيد ما يقولونه أبداً، فآيات سورة المائدة بدأً من الآية 13: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً... ﴾ ثم الآيات 41 إلى 45: يبين الله تعالى فيها عصيان اليهود وطغيانهم وتعدِّيهم حدود الله، وعدم حكمهم بما أنزل الله إليهم في التوراة، ثم من الآية 46 فما بعد يتوجه الله تعالى إلى النصارى ويدعوهم للعمل بالإنجيل، ويأمر رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحكم بما أنزله إليه وعدم اتباع أهواء أهل الكتاب والحذر من فتنتهم، وخلال ذلك ينهى المسلمين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ويأمرهم بموالاة الله ورسوله والمؤمنين، ليعود ثانية (في الآية 58 فما بعد) لمذمة أعمال أهل الكتاب وموقفهم في مواجهة دعوة الإسلام، وتقريع اليهود على أفعالهم السيئة من قول الإثم وأكل السحت وإيقاد نيران الحروب والسعي في الأرض بالفساد إلى أن يصل إلى الآية موضع الاستشهاد فيقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ أي بلغ ما أنزلناه إليك بشأن أهل الكتاب ولا تخف فالله سيحميك من شر اليهود والنصارى ويظهر أمرك ودينك لأن الله لا يهدي المعرضين عن الحق الكافرين به من أهل الكتاب، ويعقبها مباشرة بقوله: ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ... ﴾ فيأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لأهل الكتاب أنهم ليسوا على شيءٍ من الدين ولا حتى الإنسانية إلا إذا أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربهم، ثم يذكِّر اليهود كيف نقضوا ميثاقهم وقتلوا أنبياءهم وعَمُوا وصَمُّوا، ثم يعلن بكل صراحة - وهذا أخطر ما في القضية - كفر النصارى الذين قالوا أن الله هو المسيح بن مريم أو الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، ثم يقول للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): ﴿ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا... قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ.... لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ.. ﴾.

فهذه هي الأمور الحاسمة الخطيرة التي أُمِـر (صلوات الله وسلامه عليه وآله) بالصدع بها دون خوف ولا وجل ولو لم يفعل فما بلغ رسالة الله عز وجل.

هذا ما يقتضيه سياق الآيات، ثم كيف يتسق أن نجعل قوله تعالى: ﴿ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ موجها لأصحاب رسول الله، أولئك المسلمين المؤمنين الذين فرغوا لتوهم من أداء فريضة الحج مع رسول الله؟؟ هذا مع أنه تعالى نفسه كان قد مدح أولئك الأصحاب في عشـرات الآيات قبل هذه الآية وبعدها؟

ثم إن الآية تأمر بإبلاغ "ما أُنْزِلَ إليك" وهو تعبير يراد به عادة الوحي القرآني بالذات، فأين الآيات التي ذُكِر فيها النص على علي بالخلافة السياسية والإمارة؟ وكيف سيتم إبلاغ إمامة وحكومة علي ببلاغ ما أنزله الله تعالى إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن، مع أنه لا توجد فيه آية صريحة أو حتى غير صريحة حول هذا الموضوع!



رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

شبهة الاستدلال بالآيات التي تتكلم عن المنافقين

(قال بعضهم): صحيح أن في القرآن آيات في مدح الصحابة، لكن فيه، في مقابل ذلك، آيات عديدة أيضاً تدل على أنه كان من بينهم كثير من المنافقين وذلك كالآيات التالية: في سورة النساء/61: ﴿ ...رَأَيْتَ المُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾، وفي أول سورة "المنافقون": ﴿ إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ إلى آخر السورة، وفي سورة الحشر/11 وما بعدها: ﴿ أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ.. ﴾، وفي سورة الأحزاب/12: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴾ ثم الآية 60: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ.. ﴾. وأوضح ذلك ما جاء في سورة التوبة التي من أسمائها الفاضحة لأنها فضحت المنافقين، ففي الآية 64 منها يقول الحق عز وجل: ﴿ يَحْذَرُ المُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ.. ﴾ وفي الآية 101: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ ونحوها كثير في السورة.

والجواب: إن هذا الاعتراض منشؤه إما عدم الاطلاع الصحيح أو تعمّد تحريف الحقائق. أجل لا شك أنه كان يوجد بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منافقون، لكنهم كانوا متميِّزين بصفات خاصة يبرأ منها بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمكن لمن تتبَّع آيات القرآن الكريم أن يُميِّز المنافقين عن غيرهم من عدّة وجوه:

أ) قسم كبير من المنافقين الذين جاء ذمهم في القرآن الكريم، هم المنافقون الذين امتنعوا عن السفر والخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى غزوة تبوك، وقد نزل قسم كبير من آيات سورة التوبة (من الآية 38 إلى آخر السورة) في ذمهم وكشف أحوالهم وأقوالهم وأعمالهم، ولكن جاء خلال ذلك أيضاً، في السورة نفسها، مدح صادقي الصحابة وذكر أوصافهم العالية التي تميزهم عن المنافقين. مثلا في قوله تعالى: ﴿ إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا.... (إلى قوله): إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله.... (إلى قوله): عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ يذمّ تعالى المنافقين بعدم نصرتهم للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم نفرهم معه للجهاد واعتذارهم الكاذب بأنهم لو استطاعوا لخرجوا معه، ويعاتب الله تعالى ويعفو عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) لإذنه للمنافقين بعدم الخروج معه. لكنه تعالى يقول بعد ذلك: ﴿ لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة:44]، مما يبين أن الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في تلك الغزوة هم غير أولـئك المنافقين القاعدين ولا تنطبق عليهم آيات الذم تلك.

والآن لِنَنْظر من هم أولئك الذين اعتذروا عن الخروج للجهاد واستأذنوا للقعود؟ هل كانوا هم أصحاب القرار في بيعة السقيفة؟ أبداً، إن أدنى من له معرفة بالسيرة وتاريخ صدر الإسلام وأسباب النزول، يعلم أن هؤلاء المنافقين والمتخلفين والقاعدين وكذلك الذين ذمَّهم الله تعالى على لمزهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشأن الصدقات، كما قال عز شأنه: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ [التوبة:58]، لم يكونوا أبداً في سقيفة بني ساعدة ولا كان لهم فيها حلٌّ ولا عقـد.

وأما الآية الكريمة التي تذكر وجود منافقين في أهل المدينة وفيمن حولها: ﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ… ﴾ [التوبة:101]، فقد جاء قبلها تماماً قوله تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ وجاء بعدها بعدة آيات أيضاً: ﴿ لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ… ﴾ [التوبة:117]، وعليه فلا يمكن لأحد مهما كان مغرضاً أو جاهلاً أن يجعل المهاجرين والأنصار في عداد المنافقين، لأن القرآن فرَّق بين الفريقين وقابل بينهما مقابلة النور والظلام والإيمان والكفر، فكيف يسوِّي بينهما إلا مجنون أو رجل أعمى التعصب بصيرته؟! إن الذين مدحهم القرآن لم يُبْتَلَوْا أبداً بالنفاق أو الردّة وهذا أمر في غاية الوضوح والظهور، علاوة على أن آيات القرآن لا يناقض بعضها بعضا، وأن العقل والوجدان لا يمكنهما أن يصدِّقا أبداً اجتماع حالة (الإيمان الكامل ومدح القرآن مع الردة والنفاق) بحق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم(141).

ب) الطائفة الثانية من المنافقين المذمومين في القرآن: هم الذين آمنوا أو بالأحرى تظاهروا بالإسلام مكرهين مجبرين لما رأوا راية الإسلام ارتفعت فوق رؤوسهم، وهؤلاء عدةٌ معروفةٌ من أمثال عبد الله بن أُبَيِّ بن سَلُول وأبي سفيان صخر بن حرب والحكم بن أبي العاص ونظائرهم. وقد وصف القرآن الكريم أفعالهم وأقوالهم كقوله عنهم: ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ... ﴾ [النساء:60]، وقوله في سورة: المنافقون/5-7: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ...(ثم يقول): هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا... ﴾ أي كانوا يحرّضون الأنصار على عدم إيواء ومساعدة من هاجر إليهم من المهاجرين وفقراء الصحابة، ثم يقول عنهم: ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ... ﴾ [المنافقون:8]. ومن الواضح أن أحداً من هؤلاء المنافقين لم يكن له حضورٌ في سقيفة بني ساعدة ولا طلب أحدٌ رأيَه في مسألة تعيين الخليفة والإمام، حيث أن بعضهم كان قد مات قبل ذلك والبعض الآخر كان خارج المدينة أو كان على درجة من افتضاح نفاقه لا يتمكَّن معها من حضور مثل تلك الاجتماعات.

ج) والطائفة الثالثة من المنافقين الذين ذمّهم القرآن هم الذين كانوا يوالون أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ويتحالفون معهم خُفيةً، أو يَعِدُونَهم بالنصرة والعون ضدّ المسلمين، وصفتهم هذه كانت تظهر للعيان كلَّما واجه المسلمون عداوةَ أهل الكتاب أو وقعوا في حرب معهم، وكان من الطائفتين السابقتين من يشارك هؤلاء في هذه الصفة الخبيثة، وقد جاء ذكر أمر هؤلاء النمط في عدة سور كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ.. ﴾ الآية 52، وفي سورة النساء: ﴿ بَشِّرِ المُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِـلَّهِ جَمِيعَاً ﴾ الآيتان 138-139، وفي سورة الحشر: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ الآية 11، فإذا دقَّقنا النظر في هذه الآيات (وأسباب نزولها) اتضح لنا مراد الله تعالى من المنافقين وتبين أنه لا يمكن أن نجد أحداً من الأنصار والمهاجرين وسائر الصحابة الكرام الممدوحين في القرآن مبتلىً بتلك الصفات المذكورة، أو حضر، متلبِّساً بالنفاق، في السقيفة ليعارض خلافة عليٍّ على الرغم من نص الله ووصية رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)!

وعلاوة على كل ما سبق، فإن المنافقين كانوا أشخاصاً أمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمجاهدتهم والغلظة عليهم، فأيُّ واحد من الذين حضروا السقيفة كان ممن كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يجاهده ويغلظ عليه؟ هل عمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأمر الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ أم لا؟ فإن عمل فأي واحد من المهاجرين أو الأنصار الحاضرين في السقيفة والذين ساعدوا في البيعة لأبي بكر رضي الله عنه كان من الذين جاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وغلظ عليهم؟؟!

الهوامش:


(141) لقد شهد الله تعالى بالإيمان القلبي الصادق لأهل بيعة الرضوان الذين يشكلون عمدة أهل الحل والعقد في بيعة السقيفة، وذلك في قوله سبحانه: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾ الفتح/18. (م)

رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

شبهة الاستدلال بالآيات التي تتحدث عن إمكان ارتداد بعض المؤمنين

(استدل بعضهم) بأن هناك آيات قرآنية تدل على إمكان ارتداد أولـئك الأصحاب حتى في زمن حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك كقوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ؟!.. ﴾ [آل عمران:144]، وقوله سبحانه: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ.. ﴾ [البقرة:143]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ.. ﴾ [المائدة:54].

وعلاوة على ذلك، فقد حذَّرَ اللهُ تعالى رسولَه الكريم (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في المعصية أو الجنوح لأهواء المضلين، ومثل هذه التحذيرات تدل على أن وقوع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الأمور أمر ممكن ومحتمل (إن لم يعصمه الله)، فإن كان هذا في حق الرسول (صلى الله عليه وآله) ممكناً، أفلا يكون في حق غيره محتملاً بنسبة أكثر بكثير؟ وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً. وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً. إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ [الإسراء:73-75] أو قوله تعالى: ﴿ .. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:145]، أو قوله سبحانه: ﴿ .. وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ. وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [يونس:105-106]، أو قوله: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الأحزاب:1] ونحوها.

قالوا: ففي هذه الآيات حذَّر الله الرسولَ (صلى الله عليه وآله) من الوقوع في الشرك أو الخطأ أو العصيان أو اتباع أهواء الكفار، فلولا أن هذا الأمر ممكن الوقوع عقلاً لما كان هناك معنى للتحذير منه، هذا مع أن العقل والنقل يشهدان أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استحق مدح اللهِ والثناء عليه أكثر من أي أحد، وعليه فكما أنه لم يمنع كل المديح والثناء الذي شرَّف الله به رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بقاء إمكان الانحراف والوقوع بالعصيان منه، أي مجرّد الإمكان العقلي، فمن باب أولى أن يبقى هذا الاحتمال العقلي ممكناً في حقِّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) رغم كل ما جاء في حقهم من مدائح لا سيما أن الله لم يأخذ على نفسه عصمتهم وحفظهم. وهذا ما وقع فعلاً منهم حسبما ندعيه من ردّة أكثرهم بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) طبقاً لحديث: ارتد الناس بعد رسول الله إلا ثلاثة!

والجواب: هذا الاستنتاج من الآيات بأنه حتى الأنبياء ممكن (عقلاً) أن يقعوا في الشرك والعصيان، لا يصح أبداً على مذهب القائلين بالنص لأنهم يقولون بعصمة أئمتهم المطلقة من الولادة وحتى الوفاة، فضلاً عن عصمة الأنبياء المطلقة بل عن إيمان وتوحيد جميع آباء الأنبياء حتى آدم عليه السلام، رغم أن العقل والنقل يدلان على أن آباء بعضهم كانوا كافرين وثنيين(142). ولنفرض أنهم تنازلوا عن عقيدتهم وجعلوا إمكان وقوعهم في المعصية بل في الكفر غير محال وقالوا من باب أولى أن يكون هذا الاحتمال واردا بحق الصحابة، سيما أنه تعالى حذَّرهم بأن من يرتدّ منهم عن دينه فسوف يحبط الله عمله ويستبدلهم بمؤمنين آخرين، فنقول: أجل إن احتمال الوقوع في المعصية والشرك وارد في حق كل ابن آدم أيَّاً كان، ولكن هذا مجرد احتمال وإمكان، والإمكان وَحْده لا يدل على الوقوع، بل لا بد من الإتيان بدليل على الوقوع الفعلي لتلك الردَّة المدَّعاة بحق الصحابة من المهاجرين والأنصار، ودون ذلك خرط القتاد، لأن الردة إنما تحصل إما بإنكار وحدانية الله تعالى أو إنكار رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله) أو إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة مما يكون من أحكام القرآن المسلمة القطعية، فمن الذي أنكر شيئاً من هذا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيما المهاجرين والأنصار منهم؟؟ في أي سورة أو آية من آيات القرآن ورد موضوع الإمامة على النحو الذي يدعونه أو النص على علي فأنكروه؟؟ وأصلاً لو كان لمسألة الإمامة على النحو الذي تدعيه الإمامية أصلٌ في القرآن لكان المقصر الأول في هذا الأمر علي بن أبي طالب نفسه الذي لم يأت على هذا النص أو الآيات بذكر ولم يدَّع النصّ على جنابه من قبل الله تعالى ورسوله في أي مقام وتخاذل في هذا الأمر إلى هذا الحد!! لو كان حضرة عليٍّ قد عُيِّنَ من قِبَل الله تعالى ورسوله للخلافة لوجب عليه أن يخالف وينازع أبا بكر حتى الموت ولا يسمح له بحال أن يرقى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما قال هو نفسه عليه السلام ذلك حسبما رواه عنه قيس بن عباد: [والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو عهد إليَّ رسول الله عهداً لجالدت عليه ولم أترك ابن أبي قحافة يرقى في درجة واحدة من منبره](143)، وكما قال ذلك أيضاً حفيده الحسن المثنى بن الحسن المجتبى عليه السلام فيما أخرجه عنه ابن عساكر في تاريخه قال: «حدثنا الفضيل بن مرزوق قال: سمعت الحسن بن السحن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يغلو فيهم: ويحكم أحبونا لِـلَّـه فإن أطعنا الله فأحبونا، وإن عصينا الله فأبغضونا، قال: فقال له الرجل: إنكم ذوو قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، فقال: ويحكم لو كان الله نافعاً بقرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير عملٍ بطاعته لنفع بذلك من هو أقرب إليه منا أباه وأمه، والله إني لأخاف أن يضاعف الله للعاصي منا العذاب ضعفين، والله إني لأرجو أن يؤتى المحسن منا أجره مرتين. ثم قال: لقد أساء آباؤنا وأمهاتنا إن كان ما تقولون من دين الله حقاً ثم لم يخبرونا به ولم يطلعونا عليه ولم يرغبونا فيه، فنحن والله كنا أقرب منهم قرابة منكم وأوجب عليهم حقا وأحق بأن يرغبوا فيه منكم، ولو كان الأمر كما تقولون: إن الله ورسـوله اختارا عليّاً لهذا الأمر وللقيام على الناس بعده، كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما إذ ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوم فيه كما أمره ويعذر فيه إلى الناس. فقال له الرافضي: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟. قال: أما والله، أن لو يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس، لأفصح لهم بذلك كما أفصح بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم: أيها الناس إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا، فما كان من وراء هذا، فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال الحسن: «أقسم بالله سبحانه أن الله تعالى لو آثر عليّاً لأجل هذا الأمر ولم يُقْدِم عليٌّ كرم الله وجهه لكان أعظم الناس خطأً»(144).

أجل إن سكوت ذلك الجناب وتسليمه لمن سبقه أفضل دليل على عدم النص الإلـهي عند أولي الألباب، وكما يقال: السكوت في موضع البيان، بيان.

الهوامش:


(142) لعله يقصد أبا سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي ذكر القرآن صراحة شركه ونحته للأصنام وعدم توبته. (ت).

(143) نقله القاضي نور الله الشوشتري في كتابه: الصوارم المهرقة في جواب الصواعق المحرقة (ص 281، مطبعة النهضة/طهران، 1367 هـ.ق.) عن كتاب الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي الذي أورده بقوله: وأخرج الدارقطني وروى معناه من طرق كثيرة... فذكر الحديث. ورواه المتقي الهندي في «كنز العمال»: ج5/ص656، حديث رقم 14152، وذكر في بيان مصدره عبارة (العشاري).

(144) انظر تهذيب تاريخ دمشق الكبير، للشيخ عبد القادر بدران: ج 4 / ص 169 ط 2 (بيروت، دار المسيرة 1399 هـ / 1979) أو تاريخ مدينة دمشق: لابن عساكر، دار الفكر، ج13/ص 70 - 71.













توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:10 PM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

عودة لكتاب الاحتجاج ونقد رواياته

كتاب "الاحتجاج على أهل اللجاج" لمؤلفه أحمد بن علي الطبرسي من الكتب التي يرجع الإمامية كثيراً إلى رواياتها وأخبارها في موضوع إثبات الإمامة بالنص، وقد أُلِّفَ الكتاب في مرحلة زمنية متأخرة هي القرن السادس الهجري! ومؤلفه "أحمد بن علي الطبرسي" لا تُعرف تاريخ ولادته أو وفاته بدقة، وكل ما يُعرف عنه أنه من علماء القرن السادس الهجري ومن معاصري أمين الإسلام الطبرسي (ت 548 هـ) صاحب تفسير "مجمع البيان" الشهير، وكلا الطبرسيين من مشايخ ابن شهر آشوب المازندراني المتوفى سنة 588هـ. وقد أورد صاحب الاحتجاج في كتابه عديداً من الروايات الواهية سنداً ومتناً بشأن النص على عليّ والاحتجاج بواقعة الغدير، وسنحاول هنا أن ندرس هذه الروايات دراسة نقدية فاحصة لنرى مدى صلاحيتها لتكون مستنداً لهذه العقيدة الأساسية أي عقيدة النص الإلهي النبوي الصريح على إمامة وإمارة علي والأئمة من أولاده بمعناها الرئاسي الزمني.

فمن جملة الأحاديث والأخبار التي أوردها الطبرسي في كتابه "الاحتجاج على أهل اللجاج"، أنه بعد ذكره لقصة السقيفة على نحو ما ذكره ابن قتيبة في كتابه "الإمامة والسياسة" مما تقدم ذكره، أضاف في آخر الرواية: [.. فقال بشير بن سعد الأنصاري، الذي وطَّأ الأمر لأبي بكر، وقالت جماعة من الأنصار: يا أبا الحسن لو كان هذا الأمر سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف فيك اثنان](145).

قلتُ: هذا الاعتذار من بشير بن سعد وجماعة من الأنصار عذر صادق وصحيح، وهو أكبر شاهد على أنه لم يكن عند الأنصار نية مبيتة وسيئة ضد الإمام علي وإصرار من البداية على ألا يتولى منصب الخلافة!، ولا غرو فلم يكن أحد من المهاجرين أو الأنصار بمنكر لفضائله ومناقبه وعلمه وشجاعته ولياقته لذلك المنصب، فكيف يكون حالهم لو سمعوا النص على عليٍّ من رسول الله؟ فبطريق أولى لم يكن ليختلف على بيعته اثنان.

من ذلك نعلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن قد نصب علياً بصراحة حاكماً سياسياً وخليفة في الإمارة له على المسلمين بأمر من الله تعالى في يوم الغدير، إذ لو حصل ذلك وحصل ما قيل من أنه أخذ البيعة له من جميع الصحابة، لاستحال بعد ذلك أن يتكلم أحد من الأنصار المحبين لعلي في موضوع نصب الخليفة أو يسعى لنيل هذا المقام! ولاستحال أن يرشّح سعد بن عبادة رضي الله عنه - الذي كان من الأوفياء المخلصين والمجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله - نفسه لهذا الأمر.

إن مثل هذا لم يحصل في تاريخ البشر ولا يمكن أن يحصل أبداً، أي أن يبايع جمٌّ غفير يربو على المائة ألف، رجلاً بالإمامة، ويعطوه على ذلك العهد والميثاق، سواء طائعين مختارين أم مكرهين مجبرين، ثم في خلال سبعين أو ثمانين يوماً فقط ينسون جميعاً تلك البيعة التي في أعناقهم أو يجتمعون بأجمعهم على كتمانها وكأنها شيئاً لم يكن؟!! هذا مع كونهم يظهرون عبارات الغدير في سائر مواقفهم الأخرى بكل احترام ويلتزمون بها!(146)

ويتابع الطبرسي روايته فيقول: [قال علي (مجيباً الأنصار): يا هؤلاء أكنت أدع رسول الله مسجىً لا أواريه وأخرج أنازع في سلطانه؟ والله ما خفت أحداً يسمو له وينازعنا أهل البيت ويستحل ما استحللتموه، ولا علمت أن رسول الله ترك يوم غدير خم لأحد حجّة ولا لقائل مقالا، فأنشد الله رجلا سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله، أن يشهد بما سمع](147).

قلت: في مثل هذا المقام، لو كانت قصة الغدير نصاً صريحاً فعلاً على خلافة وإمامة علي، لكان كلام علي هنا (وهو أمير الفصاحة والبيان) ناقصاً وغير مبين للمراد! لأن كل ما ذكره أنه أراد أن يقوم رجل واحد فقط - من بين جماعة كان يربو عددهم على المائة ألف سمعوا وفهموا وسلَّموا وبايعوا - ليشـهد بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال من كان يحبني ويتولاني فليحب عليّاً وليتولاه، اللهم أحب وكنْ نصير من أحبه ونصره وعاد واخذل من عاداه وخذله! حيث ذكرنا سابقا أن لكلمة " مولى " 27 معنى وأنه لا بد من قرينة لفهم المعنى المراد وأن قوله (صلى الله عليه وآله) اللهم وال من والاه وعادِ من عاداه، قرينة على أن المراد من المولى معنى النصير المحب، وأيّاً كان فليس في معاني المولى معنى الخليفة والإمام! فإذا لم يفهم الناس من تلك الخطبة معنى الخلافة والإمامة فعندهم كل الحق في ذلك! لاسيَّما مع وجود القرينة المذكورة. وعلاوة على ذلك فإن نسق الحديث يدل على أن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد من كلمة المولى معنى هو حائز عليه الآن ويريد أن يجعل علياً حائزاً عليه الآن أيضاً (لأنه قال من كنت مولاه فعلي مولاه)، والأمر الذي كان الرسول (صلى الله عليه وآله) متَّصفاً به هو النبوَّة والرسالة وبديهي أنه لا يريد أن يكون علي أيضاً حائزاًُ على هذه المرتبة لا ذلك الوقت ولا بعد وفاته، وإذا قصد بالمولى الخلافة فالرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكن خليفة لأحد حتى يريد جعل الخلافة لعلي أيضاً، ولو سلَّمنا جدلا أن المقصود من المولى الإمامة والرئاسة لوجب أن يقول النبي من كنت مولاه فإن عليّاً مولاه بعدي، لأنه لا يمكن أن يكون عليٌّ أميراً حاكماً على المسلمين في حال رئاسة النبي (صلى الله عليه وآله) وحكومته، لكن مثل هذه الإضافة لم يدع أحدٌ صدورها عن النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا الحديث. لذلك قلنا أن مطالبة علي بمثل هذه الشهادة في ذلك المقام - إن صحَّت - ليست في محلها ولا تؤدي المراد. ونحن نقطع أن هذه المطالبة ليست إلا من اختلاق ووضع الرواة الكذبة ولا ربط لعليٍّ بها أصلاً.

ويتابع صاحب كتاب الاحتجاج روايته فيقول: [قال زيد بن أرقم: فشهد اثنا عشر بدريا بذلك. وكنت ممن سمع القول من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكتمت الشهادة يومئذ، فدعا عَلَيَّ فذهب بصري](148).

قلتُ: هذا الحديث كله رواه الطبرسي عن "أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني" عن رجال ثقة! ولا يعلم أحد من هؤلاء الرجال الثقة؟! أما محمد بن عبد الله الشيباني فقد ذكره النجاشي في رجاله (ص 309) وقال: [أصله كوفي ورأيت جلّ أصحابنا يضعِّفونه] وقال القهبائي في "مجمع الرجال"(ج5/ص241): [محمد بن عبد الله الشيباني أبو الفضل: وضّاع كثير المناكير] وقال عنه الشيخ الطوسي في كتابه "الفهرست": [ضعَّفه جماعةٌ من أصحابنا]، وفي كتاب الأخبار الدخيلة (ص 48) عن الغضائري: [إنه كذابٌ وضّاعٌ للحديث]، هذا من ناحية السند.

ثم إن زيد بن أرقم لم يكن ممن تسمع شهادتهم في ذلك الوقت، ولا طلب أمير المؤمنين منه هذه الشهادة في ذلك الوقت بل طلبها في رحبة الكوفة زمن خلافته عليه السلام كما جاء ذكر ذلك في بحار الأنوار (ج 22/ ص 23).

أما الاثنا عشر بدرياً الذين تقول رواية الطبرسي هذه أنهم شهدوا بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في غدير خم، فيبدو أنهم نفس الاثني عشر الذين ذكرهم الطبرسي في روايته، التالية مباشرة لهذه الرواية، والتي يرويها الطبرسـي من غير سـند (!) بل مرسلة عن أبان بن تغلب أنه سأل حضرة الإمام جعفر الصادق عليه السلام فقال: [قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: جعلت فداك هل كان أحد في أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنكر على أبي بكر فعله وجلوسه مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم كان الذي أنكر على أبي بكر اثني عشر رجلا، من المهاجرين: خالد بن سعيد بن العاص، وكان من بني أمية، وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود وعمار بن ياسر وبريدة الأسلمي، ومن الأنصار: أبو الهيثم بن التيهان وسهل وعثمان ابنا حنيف وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين وأبي بن كعب وأبو أيوب الأنصاري. قال (أي الإمام جعفر الصادق): فلما صعد أبو بكر المنبر تشاوروا بينهم، فقال بعضهم لبعض والله لنأتينَّه ولننـزلنَّه عن منبر رسول الله(149) (صلى الله عليه وآله)، وقال آخرون منهم: والله لئن فعلتم ذلك إذن أعنتم على أنفسكم وقد قال الله عز وجل: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" فانطلِقوا بنا إلى أمير المؤمنين (أي علي) لنستشيره ونستطلع رأيه].

ثم يذكر الراوي أن عليّاً لم يوافقهم على ما أرادوا فعله لما فيه من تهديد حياته بالقتل وقال لهم في آخر كلامه: [فانطلِقوا بأجمعكم إلى الرجل (أي أبو بكر) فعرِّفوه ما سمعتم من قول نبيكم ليكون ذلك أوكد للحجة وأبلغ للعذر وأبعد لهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا وردوا عليه! قال: فسار القوم حتى أحدقوا بمنبر رسـول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يوم الجمعة، فلما صعد أبو بكر المنبر قال المهاجرون للأنصار تقدموا وتكلموا، فقال الأنصار بل تكلموا أنتم](150).

ويستقر الاختيار على خالد بن سعيد بن العاص (و الحال أن خالد بن سعيد هذا إنما كان قد أسلم بفضل دعوة وإرشاد أبي بكر رضي الله عنه فكانت هدايته للإسلام على يده، اشترك في زمان خلافة أبي بكر رضي الله عنه وبأمرٍ منه في معركة "أجنادين" واستشهد فيها وكان ذلك قبل 24 يوما من وفاة أبي بكر) فيقوم خالد فيعظ أبا بكر رضي الله عنه ويذكّره، لكنه لا يذكر في كلامه شيئاً عن غدير خم، بل يذكر حادثة وكلاما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) لعليٍّ يوم بني قريظة ليس له ذكر في أي من التواريخ المتقدمة! والأغرب من ذلك ما ذكره الراوي من أن عمر رضي الله عنه قام فقال: [اسكت يا خالد! فلست من أهل المشورة ولا ممَّن يُقْتَدى برأيه!]، هذا مع أن خالد بن سعيد لا ينقصه شيء عن عمر رضي الله عنه حتى يخاطبه عمر رضي الله عنه بهذه الصورة ويقول له لست من أهل المشورة، دون أن يعترض خالد ولا غيره على ذلك!! إذ لو كانت الأفضلية بالسبق إلى الإسلام فخالد بن سعيد خامس رجل أسلم فكان إسلامه قبل عمر رضي الله عنه بعدة سنوات، وكان من أصحاب الهجرتين إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جميع الغزوات، وأرسله رسول الله(صلى الله عليه وآله) قُبيل وفاته إلى اليمن وعيَّنه حاكما على قبيلة مذحج في قسمٍ من اليمن، ولا ندري كيف أتى به الراوي الكذّاب من اليمن إلى المدينة وجعله أول من تكلم معترضا على أبي بكر!!.. وعلى أي حال فلم يأت في كلام خالد أي ذكر لحديث الغدير مع كونه أهم مستند للخلافة المنصوص عليها، بل كل ما كان في احتجاجه هو سباب وشتائم لعمر رضي الله عنه حتى أنه قال له: [وإنك في هذا الأمر بمنزلة الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين!](151).

وكل مطلع على تاريخ صدر الإسلام يعلم يقيناً كذب مثل هذه الأقاويل. ثم كان سلمان الفارسي ثاني من تكلم من المهاجرين ولم يشر في كلامه أيضاً لمسألة النص على عليٍّ يوم الغدير بل اقتصر كلامه على ذكر بعض فضائل علي وتذكير أبي بكر بأنه كان عليه النفوذ في جيش أسامة بن زيد(152)... أما المحتجّ الثالث فكان أبا ذر الذي لم يشر كذلك لا من قريب ولا بعيد للغدير، وكذلك فعل الذي بعده أي المقداد بن الأسود(153) ثم بريدة الأسلمي وكان عمار بن ياسر آخر من تكلم من المهاجرين واقتصر كلامه على تخويف أبي بكر عاقبة فعله وتذكيره بفضائل أهل البيت حيث قال: [و إن أهل بيت نبيكم أولى وأحق بإرثه و... (إلى قوله) فقد علمتم أن بني هاشم أولى بهذا الأمر منكم..] ثم ذكر عدداً من فضائل علي.

ثم جاء دور الأنصار فكان أول من تكلم منهم أبي بن كعب الذي أنَّب أبا بكر دون أن يأتي في كلامه بأي إشارة لغدير خم، وتكلم بعده خزيمة بن ثابت فاقتصر كلامه على ذكر فضائل أهل البيت، وكان المتكلم الثالث أبو الهيثم بن التيهان وكان أول من أشار لمسألة الغدير، لكن الذي يُفهم من كلامه أن خطبة الغدير كانت غامضة فحصل خلاف بين الصحابة في فهم معناها، حيث يقول الراوي: [فقالت الأنصار: ما أقامه للخلافة، وقال بعضهم: ما أقامه إلا ليعلم الناس أنه مولى من كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مولاه، وكثر الخوض في ذلك فبعثنا رجالا منا إلى رسول الله فسألوه عن ذلك فقال: قولوا لهم عليٌّ ولي المؤمنين بعدي وأنصح الناس لأمتي..]. وهنا أيضاً لا نرى كلاماً صريحاً في الخلافة والنص على علي بالحكومة والإمارة بأمر من الله عز وجل، بل إن دل كلام الراوي على شيء فإنه يدل على إثباته النقص والقصور في بيان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (حاشاه من ذلك)(154).

أما الإشكال الأكبر من هذا، في هذه الرواية، فهو أن التواريخ تؤكد أن "أبا عمارة خزيمة بن ثابت الأوسي، ذي الشهادتين" و" أبا الهيثم مالك بن التيهان الأوسي" رغم كونهما من أنصار ومؤيدي علي عليه السلام، لم يكونا قطعا من المعتقدين بالنص النبوي الإلـهي على إمارته. ينقل "أحمد بن يحيى البلاذري" في كتابه "أنساب الأشراف" الذي يعد من أقدم التواريخ الإسلامية، أن هذان الشخصان كانا مترددين حتى في القتال إلى جانب علي في حربه مع معاوية، مع وضوح عدم حقانية معاوية وبغيه فيها!، وبقوا مترددين في المشاركة مع علي في القتال إلى أن استشهد - في صف علي - عمار بن ياسر رضي الله عنه عند ذلك وضح الحق لهما، فخاضا الحرب بكل إخلاص إلى جانب علي عليه السلام واستشهدا في نصرته! قال البلاذري: «عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، قال: شهد خزيمة الجمل فلم يسل سيفاً وشهد صفين فقال لا أقاتل أبداً حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: تقتله الفئة الباغية، قال: فلما قتل عمار، قال خزيمة: قد بانت الضلالة فقاتل حتى قتل»(155). ويروي الكشي في كتابه الرجال (ص 51) نقلا عن محمد بن عمار بن خزيمة أيضاً: «ما زال جدي بسلاحه يوم الجمل وصفين، حتى قتل عمار، (فعند ذلك) سـلَّ سيفه حتى قُـتِل». وكذلك ذكر "البلاذري" في "أنساب الأشراف" عن أبي الهيثم: «حضر أبو الهيثم بن التيهان الصفين، لما رأى عمارا قد قتل، قاتل حتى قُـتِل، فصلى عليه علي ودفنه»(156).

ولذلك فقد كان اختيار واضع رواية الاحتجاج لهاتين الشخصيتين لأداء ذلك الدور الذي نسبه لهما اختيارا غير موفق وغير خبير!!

ثم تذكر رواية الاحتجاج أن المعترض الرابع كان سهل بن حنيف الذي قام وشهد أنه رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا المكان (يعني روضة المسجد النبوي) وقد أخذ بيد علي وقال: أيها الناس هذا علي إمامكم من بعدي ووصيي في حياتي وبعد وفاتي..] ولكنه لم يشر لموضوع الغدير، وقام بعده أخوه عثمان بن حنيف فقال: [سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أهل بيتي نجوم الأرض فلا تتقدموهم وقدموهم فهم الولاة من بعدي]، وكان آخر المتكلمين أبو أيوب الأنصاري الذي بدأ كلامه قائلا: [اتقوا الله عباد الله في أهل بيت نبيكم ارددوا إليهم حقهم...] ثم ذكر فضيلة لأهل البيت ولعلي دون أن يأت بأي ذكر لقضية غدير خم.(157)

رغم أن متن هذا الحديث يكفي للحكم بوضعه، لكننا سنفرض جدلاً أنه صحيح وأن هذا الاعتراض من أولئك الاثني عشر قد تم فعلاً بالصورة المذكورة، فلنا أن نسأل: لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد نصَّ صراحةً على خلافة وإمارة علي في غدير خم وأخذ له البيعة من الناس، ألم يكن من المنطقي أن يذكر أولئك المعترضون هذا الأمر قبل أي شيء آخر باعتباره أوضح دليل وأقطع حجة على أن الخليفة الحق هو علي ولا يمكن أن يكون غيره؟؟ أليس عدم ذكرهم لذلك يؤكد ما قلناه من أن قضية غدير خم لم تكن أبداً نصّاً على علي بالخلافة بل كل ما في الأمر أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خشي من عداوة بعض المسلمين لعلي، فأراد أن يبين للمسلمين وجوب محبته؟ بل يمكن القول أن هذا الحديث من معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) إذ يشير إلى أن النبي نُبِّئ بما سيلقاه عليٌّ في عهد خلافته من عداء ومحاربة، لذا أوصى بمحبته وموالاته مرات عديدة، تلك المحبة والموالاة الصادقة التي تنفع عليّاً وتعينه على نصرة الحق ولا تتركه لوحده، لا المحبة والولاء الادعائي الذي يكون وسيلة للتجرُّؤ على المعاصي وتعدي حدود الله تعالى، كما يفعل اليوم عديد من الأراذل قائلين (حبُّ عليٍّ حسنـةٌ لا تضرُّ معها سيئة!) فيغرّهم الشيطان بارتكاب المعاصي والآثام، لا والله.

و يتابع الطبرسي روايته الواضحة الاختلاق والمنسوبة كذباً للإمام الصادق عليه السلام فيقول: [قال الصادق عليه السلام: فأُفْحِم أبو بكر على المنبر حتى لم يَحِرْ جواباً، ثم قال: وُليتكم ولست بخيركم أقيلوني أقيلوني! فقال له عمر بن الخطاب: انزل عنها يا لُكَع(158)، إذا كنت لا تقوم بحجج قريش، إذاً لم أقمت نفسك هذا المقام؟ والله لقد هممت أن أخلعك وأجعلها في سالم مولى أبي حذيفة! قال: فنزل (أبو بكر) ثم أخذ (عمر) بيده وانطلق إلى منزله وبقوا ثلاثة أيام لا يدخلون مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما كان في اليوم الرابع جاءهم خالد بن الوليد ومعه ألف رجل فقال لهم: ما جلوسكم فقد طمع فيها والله بنو هاشم؟ وجاءهم سالم مولى أبي حذيفة ومعه ألف رجل، وجاءهم معاذ بن جبل ومعه ألف رجل، فما زال يجتمع إليهم رجل رجل حتى اجتمع أربعة آلاف رجل، فخرجوا شاهرين بأسيافهم يقدمهم عمر بن الخطَّاب حتى وقفوا بمسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال عمر: والله يا أصحاب علي لئن ذهب منكم رجل يتكلم بالذي تكلم بالأمس لنأخذن الذي فيه عيناه.

فقام إليه خالد بن سعيد بن العاص وقال: يا بن صهاك الحبشية أبأسيافكم تهددوننا أم بجمعكم تفزعوننا، والله إن أسيافنا أحد من أسيافكم وإنا لأكثر منكم وإن كنا قليلين لأن حجة الله فينا، والله لولا أني أعلم أن طاعة الله ورسوله وطاعة إمامي أولى بي لشهرت سيفي وجاهدتكم في الله إلى أن أبلي عذري.

فقال أمير المؤمنين: اجلس يا خالد فقد عرف الله لك مقامك وشكر لك سعيك، فجلس وقام إليه سلمان الفارسي فقال: الله أكبر الله أكبر سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين الأذنين وإلا صمتا يقول: "بينا أخي وابن عمي جالس في مسجدي مع نفر من أصحابه إذ تكبسه جماعة من كلاب أصحاب النار يريدون قتله وقتل من معه، فلست أشك إلا وأنكم هم"، فَهَمَّ به عمر بن الخطَّاب فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ بمجامع ثوبه ثم جلد به الأرض ثم قال: يابن صهاك الحبشية لولا كتابٌ من الله سبق وعهد من رسول الله تقدم لأريتك أيُّنا أضعف ناصرا وأقل عددا. ثم التفت إلى أصحابه فقال: انصرفوا رحمكم الله، فوالله لا دخلت المسجد إلا كما دخل أخواي موسى وهارون، إذ قال له أصحابه: "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هيهنا قاعدون" والله لا دخلته إلا لزيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو لقضية أقضيها فإنه لا يجوز بحجة أقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يترك الناس في حيرة](159).

قلت: إن هذه القصة المختلقة أشبه ما تكون بحكايات القصاصين في القهاوي الشعبية التي يثيرون بها السذَّج من العوام البسطاء تلقاء أجر من المال. وللأسف فإن كتاب الاحتجاج مليء بأمثال هذه القصص الخرافية، من جملتها تلك الرواية التي ذكرها عقب روايته السابقة، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال:

[ثم إن عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوتٍ مستترون(160)، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي عليه السلام فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل، فراسلهم علي أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن.

قال: وخرجت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم فوقفت خلف الباب ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله (صلى الله عليه وآله) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة](161).

قلت: إن الراوي عبد الله بن عبد الرحمن هذا، لا يُعْرَفُ من هو، ويظهر أنه نفس " عبد الله بن عبد الرحمن الأصم المسمعي البصري " الذي اعتبرته كتب الرجال ضعيفا وليس بشيء، وذكر عنه الغضائري " أنه وضع زيارات تدل على خبث عظيم ومذهب متهافت وكان من كذَّابة أهل البصرة "(162).

أجل لا يروي مثل تلك الأكاذيب وينسبها للآخرين إلا أمثال هؤلاء الغلاة الذين لا يتورعون عن الكذب لخدمة هواهم!

ثم يذكر صاحب الاحتجاج رواية يرويها عن "سليم بن قيس الهلالي" عن سلمان الفارسي أنه قال: [أتيت عليّاً عليه السلام وهو يغسّل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد كان أوصى أن لا يغسّله غير علي عليه السلام، وأُخْبِرَ أنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قُلِبَ له، وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام لرسول الله (صلى الله عليه وآله): من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل. فلما غسّله وكفّنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا عليهم السلام فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشةُ في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها، ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه، وقلت لعلي عليه السلام حين غسّل رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن القوم فعلوا كذا وكذا وإن أبا بكر الساعة لعلَى منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما يرضى الناس أن يبايعوا له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا. فقال علي عليه السلام: يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين خُصِمَتِ الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطَّاب ثم سالم مولى أبي حذيفة و[معاذ بن جبل]. قال: لست أسألك عن هذا، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قلت: لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجادة، شديد التشمير وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني ولم يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان ابسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد. فقال لي علي عليه السلام: يا سلمان وهل تدري من هو؟ قلت: لا ولكني ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسـول الله (صلى الله عليه وآله). قال عليٌّ: إن ذلك إبليس لعنه الله!](163).

ويتابع "سليم بن قيس" هذا الهراء وحديث الخرافة، فيذكر كيف حمل عليٌّ فاطمة على حمار وأخذ ابنيه الحسن والحسـين يستنصر الناس على أبي بكر، فلم يستجب له في النهاية إلا أربعة هم سلمان وأبو ذر والمقداد والزبير! ثم يحكي كيفية مطالبة أبي بكر وعمر علياً بالبيعة وإجباره بالعنف على ذلك، وتآمر مؤيدي أبي بكر على قتل عليٍّ وسبّ الزبير لعمر وقصة الستة أهل تابوت جهنم وأصحاب الصحيفة الملعونة!...إلخ.

و إذا وصل الأمر لسليم بن قيس فلا بد من كلمة عنه، فقد أكثر صاحب "الاحتجاج" من نقل أمثال هذه الروايات - التي لا ريب أنها من موضوعات الغلاة - عنه، ولا نستغرب من سليم بن قيس أمثال هذه القصص، فعدد من العلماء يتفقون معنا في تكذيبه والحكم بالوضع وعدم الأصالة على كتابه الذي يروج له يعض الوعاظ من أنصاف المتعلمين عندنا ويسمونه بـ"أبجد الشيعة" أو "أسرار آل محمد"! ويجعلون قراءته فرضاً على كل شيعي! - فلنر موقف المحققين من رجاليينا (أي علماء الرجال الشيعة) من سليم بن قيس هذا وكتابه:

الهوامش:


(145) الاحتجاج: ج 1 / ص 96 ( طبع قم )، أو ج1/ ص 184 من الطبعة التي حققها الشيخان إبراهيم البهادري ومحمد هادي به، بإشراف الشيخ جعفر السبحاني (طبع قم، انتشارات أسوة، 1413 هـ ) وهي الطبعة التي سأوثق منها من الآن فصاعداً نظراً لأنها المتوفرة لدي حالياً. (ت)

(146) من ذلك ما ينقله العلامة عبد الحسن الأميني في كتابه "الغدير" فيقول: «أخرج الحافظ ابن السمان كما في الرياض النضرة ج2/ص170، وذخائر العقبى للمحب الطبري ص 68، ووسيلة المآل للشيخ أحمد بن باكثير المكي، ومناقب الخوارزمي ص 97، والصواعق ص 107 عن الحافظ الدارقطني عن عُمَـرَ وقد جاءه أعرابيان يختصمان فقال لعلي: اقض بينهما، فقال أحدهما: هذا يقضي بيننا؟ فوثب إليه عمر وأخذ بتلبـيـبه وقال: ويحك ما تدري من هذا؟ هذا مولاي ومولى كل مؤمن، ومن لم يكن مولاه فليس بمؤمن. وعنه نازعه رجلٌ في مسألة فقال: بيني وبينك هذا الجالس، وأشار إلى علي بن أبي طالب، فقال الرجل: هذا الأبطن؟ فنهض عمر عن مجلسه وأخذ بتلبـيـبه حتى شاله من الأرض ثم قال: أتدري من صغَّرت؟ هذا مولاي ومولى كل مسلم. وفي الفتوحات الإسلامية ج2 / ص 307: حكم عليٌّ مرةً على أعرابي بحكم فلم يرض بحكمه فتلـبَّـبه عمر بن الخطاب وقال له: ويلك إنه مولاك ومولى كل مؤمن ومؤمنة. وأخرج الطبراني أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعليٍّ - أي من التعظيم - شيئاً لا تصنع مع أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه مولاي. وذكره الزرقاني في شرح المواهب ص 13 عن الدارقطني.» انتهى من "الغدير" ج1/ص 382 - 383. (م)

(147) المصدر السابق ج 1 / ص 184 (ت)

(148) المصدر السابق ج 1 / ص 185 ، هذا ويجدر أن نذكر أننا سبق وأشرنا إلى أن الروايات متضاربة بشأن شهادة أو عدم شهادة زيد بن أرقم فهناك عدة روايات لا تذكر عنه أنه لم يشهد.

(149) من المفروض - حسب حديث ارتد الناس إلا ثلاثة - أن يكون سائر هؤلاء الاثني عشر، ما عدا سلمان وأبو ذر والمقداد ثم عمار، في عداد المرتدين!! ولكنهم هنا في هذه الرواية يقسمون بالله على أنهم سينزلون أبا بكر عن منبر الرسول أي أنهم غير قابلين لبيعته بل يعتقدون بخلافة علي وأدوا الشهادة بذلك، فأي الروايات نقبل: رواية أنهم مرتدون أم رواية أنهم ثابتون مؤمنون ؟؟! أم أنها أكاذيب وحبل الكذب قصير! (م)

(150) الاحتجاج: ج1 / ص 186 - 187 (ت)

(151) المصدر السابق: ج1 / ص 191- 192. (ت)

(152) في الواقع إن أبا بكر رضي الله عنه ، مثله مثل علي عليه السلام ، لم يكن مأموراً من قبل النبي صلى الله عليه وسلم بالانضمام لجيش أسامة. يقول ابن كثير في السيرة النبوية (ج4 / ص 441): « ومن قال إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط! فإن رسول الله اشتد به المرض وجيش أسامة مخيم بالجرف وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس، كما سيأتي، فكيف يكون في الجيش؟!». ثم ذكر في الصفحات 459 فما بعد الروايات العديدة التي تدل على أمر النبيِّ أبا بكر رضي الله عنه أن يؤم الناس في الصلاة. (م)

(153) عرفنا مما سبق أن المقداد رضي الله عنه لم يكن يعتقد بالنص على علي عليه السلام ولكن الراوي الغافل اختاره ليجعله من ضمن المعترضين على أبي بكر رضي الله عنه . (م)

(154) هل يعقل أن نبي الله لذي أوتي فصاحة البيان وجوامع الكلم يوقف الناس في الصحراء الحارة ليلقي كلمة هامة ولكنه يعجز عن أن يبين مقصوده منها ويتم حجته على المستمعين حتى يضطروا أن يرسلوا شخصاً ليسأله عن مقصوده من كلمته ؟! (م).

(155) أنساب الأشراف، البلاذري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات: تصحيح محمد باقر المحمودي، ج2/ص31.

(156) المرجع السابق: ج2 / ص 319.

(157) المصدر السابق: ج 1 / ص 199 (ت).

(158) اللكع: اللئيم والعبد الأحمق. (ت).

(159) المصدر السابق: ج 1 /ص 200 - 201. (ت)

(160) نكرر القول: إذا كان هذا صحيحاً فلماذا قال الغلاة ارتدّ الناس إلا ثلاثة أو سبعة؟! والحال أن كل هؤلاء رفضوا البيعة واستتروا في بيوتهم وما أتوها إلا مكرهين، كما تقول هذه الرواية؟! حقاً إن حبل الكذب لقصير! (ت)

(161) المصدر السابق: ج 1 / ص 201 - 203 ، أو: صفحة 105 من الطبعة القديمة. (ت)

(162) انظر جامع الرواة، للأردبيلي: ج 1/ص494. (بيروت: دار الأضواء، 1403هـ/ 1983م) (ت)

(163) الاحتجاج: ج 1 / ص 205 من الطبعة المحققة، أو ج 1 / ص 105 من الطبعة القديمة (ت)












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:11 PM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

قول محققي العلماء في سليم بن قيس الهلالي وكتابه

زبدة القول بشأن سليم بن قيس وكتابه ما قاله ابن الغضائري: [.. وكان أصحابنا يقولون أن سليما لا يُعْرَف ولا ذُكِرَ في حديثٍ، وقد وجدتُ ذكره في مواضع من غير جهة كتابه ولا من رواية أبان بن عياش عنه، وقد ذَكَرَ ابن عقدة في رجال أمير المؤمنين عليه السلام أحاديث عنه، والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات منها ما ذكر أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك](164)، وذلك لأن سن محمد بن أبي بكر عند وفاة أبيه، لم تكن تتجاوز السنتين وعدة أشهر، فكيف وعظ أباه وهو بهذه السن؟!(165) وأمثال تلك الأخطاء الفاضحة في هذا الكتاب كثيرة، منها أنه أورد في أحد أحاديثه التي رواها - بغرض إثبات إمامة الأئمة الاثني عشر - حديثاً مطولاً يروي فيه عن علي عليه السلام أن رسول الله (صلىالله عليه وآله وسلم) قال له: «لست أتخوف عليك النسيان والجهل ولكن اكـتُـبُ لشركائك الذين من بعدك...» فيسأله عليٌّ عليه السلام: ومن شركائي يا رسول الله؟ فيعرِّفه الرسول على الأئمة من ولده.

هذا الحديث، - حسبما جاء في كتاب "إثبات الهداة" للحر العاملي (ج2/ص 455) - رواه "الفضل بن شاذان" في كتابه "إثبات الرجعة" ونقله عنه الشيخ الصدوق فقال: «عن سليم بن قيس أنه حدث الحسن والحسين بهذا الحديث بعد موت معاوية، فقالا: صدقت يا سليم! حدثك أمير المؤمنين ونحن جلوس...». هذا في حين أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان قد توفي قبل وفاة معاوية بعشر سنوات، إذ توفي الحسن سنة خمسين للهجرة وتوفي معاوية سنة ستين باتفاق المؤرخين، فكيف تـأتَّـى لسليم أن يعرض هذا الحديث على الحسن وأخيه بعد وفاة معاوية؟!! فهذا كاف لبيان مدى الجهل الفاضح، لواضع هذا الحديث، بالتاريخ.

من هنا فقد أورد العلامة الشـوشـتري في كتابه "قاموس الرجال" (ج4/ص44) نقولاً عن عدد من العلماء في ذم هذا الكتاب واعتباره موضوعا (مختلقا) من أساسه.

وقال الشيخ المفيد في شرحه لعقائد الصدوق (الصفحة 72): [إن هذا الكتاب غير موثوق به وقد حصل فيه تخليط وتدليس ولا يجوز العمل على أكثره فينبغي للمتديِّن أن يجتنب العمل بكل ما فيه].

وقال ابن أبي داود الحلي في رجاله: [سليم بن قيس الهلالي ينسب إليه الكتاب المشهور وهو موضوع بدليل أنه قال إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند موته وقال فيه إن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد وأسانيده مختلفة. لم يرو عنه إلا ابن أبي عياش، وفي الكتاب مناكير مشتهرة وما أظنه إلا موضوعاً](166).

أما العلامة الحلي فقد حاول في كتابه " خلاصة الأقوال في معرفة الرجال" تعديل سليم بن قيس حيث قال: [و الوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في المفاسد من كتابه]، لكن "الشهيد الثاني" انتقد ذلك قائلاً فيما علقه بخطه على الخلاصة: [وأما حكمه بتعديله فلا يظهر له وجه أصلاً، ولا وافقه عليه غيره] كما قال بشأن كتابه: [في الطريق ابراهيم بن عمر الصنعاني وأبان بن أبي عياش طعن فيهما ابن الغضائري وضعَّفهما، ولا وجه للتوقُّف في الفاسد (من كتابه) بل في الكتاب (كله) لضعف سنده على ما رأيت، وعلى التنـزّل كان ينبغي أن يُقال: ورد الفاسد منه والتوقف في غيره](167).

والنتيجة أن الكتاب ساقط وموضوع من أصله، وعلاوة على ذلك فقد صرح علماء الرجال بأن كتاب "سليم بن قيس" لم يُرْوَ إلا من طريق رجل واحد هو "أبان بن أبي عياش"، وهو مجروح مضعَّف في كتب الرجال:

أ- ففي كتاب "مجمع الرجال" للقهبائي (ص 16) قال: [غض: أبان بن أبي عياش ضعيف لا يُلْتَفَتُ إليه وينسِب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه].

ب- وضعَّفه ابن داود في كتابه "الرجال" (ص 414) بنفس تلك العبارات.

ج- وأورده الشيخ طه نجف أيضاً في (ص 254) من كتابه " إتقان الرجال " في عداد الضعفاء.

د- وقال التفرشي في "نقد الرجال" (ص 4) [أبان بن عياش تابعي ضعيف لا يُلتفت إليه ونُسِبَ وضع كتاب سليم بن قيس إليه].

فإن قيل: إذا كان الكتاب ضعيفاَّ ومتهافتاً لهذه الدرجة(168) فما السر في توقف بعض أكابر العلماء فيه، كما فعل العلامة الحلي وغيره، فلم يردوه مطلقا؟ فالجواب واضح: لو تخلوا عن كتاب سليم بن قيس وكتاب "الاحتجاج" للطبرسي وأمثالهما من الكتب ككتاب "إرشاد القلوب" للديلمي، وكتاب "غاية المرام" للبحراني، والمئات من أمثال هذه الكتب المليئة بالأخبار والروايات الضعيفة والموضوعة بحكم العقل والوجدان والتي علامات الوضع فيها ظاهرة، لما بقي في لديهم شيء هام يثبتون به النص الصريح أو بقية الأمور التي يدعونها. فهذه الكتب وأمثالها هي السند الأساسي والحجج القاطعة (!) للقائلين بالنص.

وما دمنا قد ذكرنا كتاب "إرشاد القلوب" للديلمي، فلا بأس أن نشير أيضاً إلى طرف مما رواه حول موضوع السقيفة وبيعة أبي بكر رضي الله عنه، لنرى إلى أي حد حُشِيَتْ به هذه القصة بالأكاذيب والخرافات، في أمثال هذه الكتب، فقد روى الديلمي احتجاجاً طويلاً لعليٍّ على أبي بكر لتولّيه الخلافة وصل لغاية أن قال علي لأبي بكر: [الله ورسوله عليك من الشاهدين يا أبا بكر إن رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله حياً يقول لك إنك ظالم في أخذ حقي الذي جعله الله ورسوله لي دونك ودون المسلمين أن تسلم هذا الأمر إلي وتخلع نفسك؟ فقال أبو بكر: يا أبا الحسن! وهذا يكون أن أرى رسول الله حيا بعد موته فيقول لي ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين عليه السلام نعم يا أبا بكر، قال: فأرني إن كان ذلك حقا...قال: تسعى إلى مسجد قبا، فلما ورداه... فإذا هما برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس في قبلة المسـجد، فلما رآه أبو بكر سقط لوجهه كالمغشي عليه فناداه رسول الله: ارفع رأسك أيها الضليل المفتون..... ويلك يا أبا بكر أنسيت ما عاهدت الله ورسوله عليه في المواطن الأربعة لعلي عليه السلام...قال: هل من توبة يا رسول الله؟...إلخ](169). ثم يروي أن أبا بكر رضي الله عنه ندم على تولِّيه الخلافة وقرَّر أن يذهب لمسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليعلن انسحابه منها وتسليمها لعلي فلما علم عمر بذلك أخذ يثنيه عن ذلك فقال له أبو بكر: إنك شيطاني يا عمر.... ثم أقنعه عمر أن يذهب إلى بيته بحجة الوضوء فيشرب خمرا - وهم في شهر رمضان! - ويقول شعراً ينضح بالكفر(170).... بعدها يروي قصة محاربة أشجع بن مزاحم الثقفي - الذي كان من مؤيدي أبي بكر - لعلي بصورة لا يمكن حتى لمجنون أن يصدقها، إذ يروي أن أمير المؤمنين خرج من المدينة لحيازة ضيعة له فوقعت مواجهة بينه وبين أشجع تحولت لمعركة، ولما ظهرت علائم الهزيمة على أشجع، سارع أبو بكر بإمداد أشجع في حربه لعلي بفريق من المقاتلين، لكن هذا لم يحل دون انتصار علي على أشجع وأسره له ثم فعل علي كذا وكذا... وحقا إن الإنسان ليستحي من قراءة مثل هذه الأباطيل والخزعبلات. أجل بمثل هذه الأساطير والأوهام أرادوا أن يثبتوا النص على علي، فأوهنوا بالأحرى أسس دين الإسلام، وهم لا يشعرون!

الهوامش:


(164) انظر "جامع الرواة " للفاضل الأردبيلي: ج 1/ ص74 (بيروت: دار الأضواء، 1403هـ). (ت).

(165) محمد بن أبي بكر، هو ابن "أسماء بنت عميس" التي كانت من قبل تحت جعفر بن أبي طالب، ولما استشهد جعفر في غزوة مؤتة سنة ثماني للهجرة، تزوج أبو بكر من أسماء فولدت له محمد بن أبي بكر هذا، وتوفي عنها أبو بكر في السنة الثالثة عشرة للهجرة، أي كان عمر ابنه محمد سنتين وعدة أشهر فقط، من هنا استحالة أن يعظ أباه وهو في هذه السن! (م)

(166) الرجال ، ابن أبي داود الحلي، المطبعة الحيدرية ، النجف، ص 249. هذا وقد قال زعيم الحوزة العلمية في النجف آية الله السيد أبو القاسم الخوئي عن الكتاب: [ والكتاب موضوع لا مرية فيه وعلى ذلك علامات فيه تدل على ما ذكرناه، منها أن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت ومنها أن الأئمة ثلاثة عشر وغير ذلك، قال المفيد: هذا الكتاب غير موثوق به وقد حصل فيه تخليط وتدليس] (معجم رجال الحديث ، السيد أبو القاسم الخوئي: قم، ج8/ ص 219) (م)

(167) أعيان الشيعة للعلامة السيد محسن الأمين العاملي: ج 7/ص 293 (بيروت: دار التعارف، 1403هـ) (ت)

(168) لمزيد من الاطلاع على فساد هذا الكتاب انظر الطبعة الأولى من كتاب"معرفة الحديث" للشيخ "محمد باقر البهبودي"، طبع "مركز انتشارات علمي وفرهنگي" ( الصفحات: 256 إلى 260) (برقعي).

(169) إرشاد القلوب: ج 2 / ص 58 إلى 63.

(170) بالإضافة لمتن الرواية الذي يشهد وحده بوضعها، فإن التاريخ أيضاً يؤكد كذبها، لأن أقصى مدة امتناع علي عن بيعة أبي بكر ستـةُ أشهر على قول من يقول أن فاطمة لحقت بأبيها (صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد ستة أشهر من وفاته، أو خمسةٌ وسبعون يوما على قول أكثر روايات الشيعة التي ترى أنها لحقت به بعد 75 يوما من وفاته فقط، حيث أن الجميع متفق على أن عليّاً بايع أبا بكر عقب وفاة فاطمة عليها السلام فإذا كانت وفاته (صلى الله عليه وآله وسلم )، حسب رواية الشيعة، في شهر صفر، فمعنى هذا أن عليّاً بايع أبا بكر قبل رمضان فكيف أمكن أن تقع هذه الحادثة في رمضان؟! (برقعي)












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
قديم 2016-05-27, 10:13 PM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
ياس
اللقب:
المشرف العام
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Nov 2014
العضوية: 2315
المشاركات: 3,965 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 108
نقاط التقييم: 3177
ياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond reputeياس has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
ياس غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ياس المنتدى : منتدى الحوارات العقائدية
افتراضي رد: نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)

خلاصـة ما سبق

1- لو كانت مسألة الإمامة - التي اختلفت الأمة حولها كل هذا الاختلاف وألفت فيها مئات بل آلاف الكتب - هامة فعلاً إلى هذا الحد في نظر الشارع، أعني لو كان الشارع تبارك وتعالى قد اختار لها أشخاصاً معينين فرض طاعتهم المطلقة على العالمين، تماماً كطاعة الأنبياء والمرسلين؛ لحكم العقل والوجدان أن يبين الله عز وجلّ ذلك في تنزيله العزيز وذكره الحميد بأوضح بيان وأن يحفظ هذه الآيات، بقدرته، من عبث العابثين، حتى لا تختلف الأمة ولا تضل.

2- يحكم العقل أيضاً أن تعيين أئمة وحكام معينين لأجل شريعة أبدية ستبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، أمر غير مناسب ولا معقول، بل يعد نقضا لأبدية هذا الدين؛ إذ كيف يعيَّن له عدد محدود من الأئمة هم اثنا عشر فقط، مع أنه دين خاتم باقٍ ما دامت السموات والأرض؟

3- تعيين أشخاص معينين لحكم المسلمين بأمر الله تعالى إلى يوم الدين يضيق دائرة تكليف المؤمنين وميدان عملهم وتكاملهم، ويضعف حريتهم واختيارهم ويذهب بالتالي بهدف النبوة الخاتمة كما سبق توضيحه، كما أنه يناقض أساس الشرائع الإلـهية، والهدف الذي لأجله خلق الله البرية والذي يستلزم وجود الاختيار والافتتان ليمتحن الله تعالى الناس ويرى أيهم أحسن عملا؟!

4- لو كانت مسألة النص على الإمام على ذلك المقدار من الخطورة والأهمية لبلغها الرسول صلى الله عليه وآله بشكل واضح وصريح ولنادى بها في الملأ العام ولأعلن بها كل صباح ومساء، ولما اقتصر على حديث الغدير الذي لم يستطع حتى أقـرباء وأنصار علي عليه السلام أن يدركوا منه معنى التعيين لمنصب الخلافة والإمامة، كما مر معنا من مقالة أبي الهيثم بن التيهان لدى ذكر احتجاج الاثني عشر شخصاً على أبي بكر، على الرغم من أن الحديث،في الغالب، موضوع من أساسه، لكنه على أي حال إقرار من واضعه بغموض دلالة الحديث على النصب للإمامة.

وكذلك لا يمكن اعتبار أحاديث مثل حديث "الطير المشوي" وحديث "المؤاخاة" وحديث "إعطاء الراية" وأمثالها من الأحاديث الواردة في كتب الفريقين في مناقب وفضائل علي عليه السلام دليلا على النص عليه وتعيينه إماماً مفترض الطاعة من قِبَلِ الله تعالى على المؤمنين طاعة مطلقة كطاعة الرسول صلى الله عليه وآله؛ نعم هي أحاديث صحيحة في فضل علي عليه السلام وعظيم مقامه، لكنها ليست مستندا للقول بإمارته وخلافته المنصوص عليها من الله بل أكثر ما تفيده أولويته وأفضليته لمنصب الإمارة والخلافة بلا شك.

5- كان حديث الغدير - الذي هو أهم ما يستند إليه القوم في إثبات النص على علي بالإمامة - بعيداً جداً في نظر الصحابة عن إفادة هذا المعنى لدرجة أن أحداً منهم لم يستند إليه للاستدلال على النص على الإمام ولم يستفد منه موضوع الإمارة والخلافة! هذا في حين أن الأنصار لما ذُكِّروا بحديث "الأئمة من قريش"، الذي ربما لم يسمعه من النبي (صلىالله عليه وآله وسلم) إلا القليل، تقاعدوا عن الإصرار على تولي منصب الإمامة واقتنعوا بحجة المهاجرين عملا بقول نبيهم الكريم، فكيف كان من الممكن أن يعرضوا عن نص صريح دال على إمامة علي عليه السلام؟؟! هذا مع التذكير بما قلناه مراراً أن عليّاً عليه السلام كان دائماً محباً وحامياً للأنصار (أي لم يكن عندهم أي داع لرفض إمامته عليهم).

أجل لم يكن لحديث الغدير من الأهمية، حتى في أنظار شيعة علي وأنصاره، ما كان لحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّار بن ياسر رضي الله عنه: [تقتلك الفئة الباغية](171) والذي ربما لم يقله أكثر من مرة واحدة، لكنه كان في نظر الصحابة على درجة من الأهمية بحيث أنه لما قتل عمّار في وقعة صفين على أيدي جيش معاوية، وقعت ضجة واضطراب وصخب في صفوف الطرفين، حتى كاد جيش معاوية ينقلب ضده أو على الأقل يتخلى عنه وعن القتال معه، هذا من جهة جيش معاوية، ومن الجهة الأخرى أقدم عدد من المتردِّدين من أصحاب علي - بعد استشهاد عمار - على الحرب معه ضد معاوية وجنده بكل ميل ورغبة، حتى أن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، الذي جعله صاحب كتاب الاحتجاج أحد المحتجين الاثني عشر على أبي بكر، لم يكن مستعداً في البداية أن يشهر سيفه ويقاتل إلى جانب علي في صفين بيقين واطمئنان! - كما يروي ذلك البلاذري صاحب أحد أقدم الكتب التاريخية أي كتاب "أنسـاب الأشـراف" - لكنه لما علم باستشهاد عمار وقتله على يد فئة معاوية أيقن أن معاوية وجماعته هم البغاة بنص الحديث فأقدم بكل حماس وإيمان على القتال إلى جانب علي حتى نال شربة الشهادة رضي الله عنه(172). إذن كان حديث " عمار مع الحق، تقتله الفئة الباغية "، في نظر خزيمة، أهم من حديث: "عليّ مع الحق"، فضلاً عن حديث: "من كنت مولاه فعليٌّ مولاه..الخ"، وكذلك أبو الهيثم بن التيهان رضي الله عنه، الذي يذكر صاحب كتاب الاحتجاج عنه أيضاً أنه كان من المحتجين الاثني عشر على أبي بكر رضي الله عنه، لم يكن مستعداً للقتال في صف علي عليه السلام في بداية صفين إلى أن استشهد عمار، عندها أقدم على القتال إلى جانب علي حتى نال الشهادة، كما نقل عنه هذا الأمر "البلاذري" أيضاً في كتابه المذكور (ج2/ص 319).

إذاً لو كان حديث الغدير "من كنت مولاه فهذا علي مولاه.." يدل على الإمارة والخلافة المنصوص عليها من الله تعالى لعليّ لما أعرض عنها أولـئك الأصحاب أبداً، ولذكرها واستند إليها الأنصار على الأقل.

أما خطبة الغدير الطويلة جداً التي يُذكَر فيها النص على إمارة وخلافة علي بكل صراحة ووضوح والتي توردها بعض كتب الشيعة منسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، كتلك التي يرويها الطبرسي في كتابه "الاحتجاج"، فهي خطبة موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله وفيما يلي بيان ذلك:

الهوامش:


(171) حديث متواتر روي عن نيف وعشرين صحابيا،رواه البخاري في صحيحه وغيره وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي: [ قال ابن عبد البر: تواترت بذلك الأخبار وهو من أصح الحديث ] (ت).

(172) هل يمكن للعقل والوجدان السليمين أن يقبلا بأن يكون مثل هؤلاء الصحابة الذين كانوا مؤمنين مطيعين لتعاليم نبيهم ومستسلمين لأوامره إلى هذه الدرجة، أن يكونوا قد سمعوا نصاً منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في تنصيب علي عليهم إماماً أي أميراً وخليفةً ومع ذلك يكتموا هذا النص ولا يولوه أي عناية؟؟! (م).












توقيع : ياس

عرض البوم صور ياس   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

نقض الامامة والنص عليها من كتاب (طريق الاتحاد)


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
الفرحة الامريكية بخروج بريطانيا من الاتحاد الاوربي
عقيدة البداء عند الشيعة تهدم الوصية والنص بالامامة!!
لماذا لا تتعلم إيران من الاتحاد السوفييتي البائد؟ / د.فيصل القاسم
تساؤلات من سني عراقي إلى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


الساعة الآن 10:58 AM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML