آخر 10 مشاركات
محاضرة صوتية (ريا البشام) للشيخ علي بن عبد الخالق القرني           »          سلسلة لطائف قرآنية           »          معنى كلمة ( اللغو ) في القرآن الكريم           »          معآنى كلمة ( آية ) في القرآن الكريم           »          تناقض الإمامية في حكم الخروج مع زيد بن علي في ثورته والتخلف عنه           »          ::تجميع لفيديوهات محطمى دين الشيعة::           »          ينكر استواء الله على عرشه ، ويسأل : أين كان الله قبل خلق السموات وقبل خلق العرش ؟! ا           »          شبهة افتضاح نفاق عمر بسؤاله حذيفة بن اليمان           »          تحميل برنامج الواتس اب           »          هِجاء النظآم الدولي


منتديات أهل السنة في العراق

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2016-07-23, 08:23 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
عبدالله الأحد
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Feb 2015
العضوية: 2551
المشاركات: 1,384 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 48
نقاط التقييم: 250
عبدالله الأحد is a jewel in the roughعبدالله الأحد is a jewel in the roughعبدالله الأحد is a jewel in the rough

الإتصالات
الحالة:
عبدالله الأحد غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي تحريم اتخاذ القبر مسجدا

حكم اتخاذ القبور مساجد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فقد كثر في هذه الأيام اتخاذ القبور مساجد، وازداد عدد المساجد التي بُنيت على قبور، وكثر تردد الناس على المساجد التي بها أضرحة للصلاة فيها والدعاء عندها، وكل هذا حرام لا يجوز في دين الله؛ لأنه ذريعة إلى الوقوع في الشرك.

ومن المؤسف أن تجد الكثير من الناس يتردد على هذه المساجد لقصد الضريح الذي في المسجد للدعاء عنده وقلبُه متعلق بصاحب الضريح، ومنهم من يستغيث بصاحب الضريح لرفع جائحة ألمت به، وهذا من الشرك؛ إذ الميت لا يقدر على شيء مما يُطلب منه، ولا يقدر على إجابة الدعاء، والله - سبحانه وتعالى - هو مجيب الدعاء.

ولذلك كان لا بد من بيان حكم اتخاذ القبور مساجد نصيحة لله، والله من وراء القصد.

معنى اتخاذ القبور مساجد:
اتخاذ القبور مساجدَ معناه: جعل القبور مساجد؛ إذ الاتِّخاذ من أفعال التحويل والتصيير، يُعَدَّى إِلى مفعولين، ويجري مجرى الجَعْل[1]، وتَخِذَ الشيءَ تَخَذًا، وتَخْذًا، الأخيرة عن كراع، واتَّخذه: عمله، وقولُه - عزَّ وجلَّ -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ ﴾ [الأعراف: 152] أراد: اتَّخذوه إلهًا، فَحذف الثاني؛ لأن الاتخاذ دليل عليه[2].

واتَّخذَ: افتعل مِن تَخِذ؛ فأُدغم إحدى التاءين في الأخرى، وليس من أخذ في شيءٍ، فإن الافتعال من أخذ ائتخذ؛ لأن فاءها همزةٌ، والهمزة لا تدغم في التاء، وقال الجوهري: الاتخاذ: افتعالٌ من الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله بلفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية، فبنوا منه فعل يفعل، قالوا: تخذ يتخذ، وأهل العربية على خلاف ما قال الجوهري[3].

والاتخاذ أخذُ الشيء لأمر يستمر فيه؛ مثل: الدار يتخذها مسكنًا، والدابة يتخذها قعدة[4].

والمسجد بيت الصلاة[5]، أو المكان المتخذ للصلاة[6]، وهو اسمٌ جامعٌ؛ حيث يسجد عليه، وفيه، وحيث لا يسجد بعد أن يكون اتخذ لذلك، فأما المسجد من الأرض، فموضع السجود نفسه[7]، وقال ابن سيده: المسجد: الموضع الذي يسجد فيه، وقال الزجاج: كل موضع يتعبد فيه فهو مسجد[8].

وكل موضعٍ قصدت الصلاة فيه، فقد اتخذ مسجدًا، بل كل موضعٍ يصلى فيه، يسمَّى مسجدًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((جُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا))[9] [10].

واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها [11]، أو بمعنى بناء المسجد عليها، أو بمعنى السجود لها، فاتخاذ القبور مساجد يشمل جميع هذه الصور.

تحريم اتخاذ القبور مساجد:
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: ((لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قالت عائشة: "لولا ذلك لأُبرز قبره، خشي أن يتخذ مسجدًا"[12]، والحديث يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وبيَّن أنه من فِعل اليهود، وقد أمرنا بمخالفتهم، وقد لعن الله من يتخذ القبور مساجد، واللعن أمارة الكبيرة المحرمة أشد التحريم؛ فيكون الفعل الذي أوجب اللعن حرامًا[13].

قال المهلب - رحمه الله -: "هذا النهي من باب قطع الذريعة؛ لئلا يعبد قبرَه الجهالُ كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائها"[14].

ويستفاد من الحديث أن ترْك اتخاذ القبور مساجد وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا قبل وفاته، فيجب أن نترك ما نهانا عنه، قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]

واتخاذ القبور مساجد ليس هو من شريعة الإسلام، بل من عمل اليهود، وقد لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك[15].

ومَن ترَك اتخاذ القبور مساجد، فقد خالف اليهود وأصاب السنة، ومن اتخذ القبور مساجد، فقد شابه اليهود وخالف السنة.

ومن ترك اتخاذ القبور مساجد، فقد أطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن يطع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أطاع الله، قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء: 80].

واتخاذ القبور مساجد من الكبائر؛ لأن لعن من يتخذ القبور مساجد يدل على أن اتخاذ القبور مساجد كبيرة من الكبائر.

ونهيه صلى الله عليه وسلم، وتشديده في اتخاذ القبور مساجد بالصلاة لله عندها، وإخباره بلعن من فعل ذلك، مع أنه لم يعبدها ولم يدْعُها، وإنما ذلك ذريعة لعبادتها والشرك بها، فكيف بمن عبدها، وتوجه إليها، ونذر لها، وطاف بها، وذبح لها، ودعا أهلها، وطلب منهم النفع والضر؟[16].

وإن قيل: لعنُ من يتخذ القبور مساجد خاص بمن كان في ذلك الزمان؛ لقرب العهد بعبادة الأوثان، فهذا تقييدٌ بلا دليلٍ؛ لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمانٍ دون زمانٍ[17].

وإن قيل: من اتخذ مسجدًا في جوار صالحٍ، وقصد التبرك بالقرب منه لا لتعظيمٍ له، ولا لتوجهٍ نحوه، فلا يدخل في ذلك الوعيد؛ فالجواب: أن اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به تعظيمٌ له، ثم أحاديث النهي مطلقةٌ، ولا دليل على التعليل بما ذكر، والظاهر أن العلة سد الذريعة، ومنع المسلمين من ذلك[18].

وإن قيل: المراد بالنهي عن اتخاذ القبور مساجد اتخاذ القبور قِبلةً يصلون إليها ويسجدون لها، وليس بناء المساجد عليها، بدليل أنه لم يقل: اتخذوا على القبور مساجد، بل قال: ((اتخذوا القبور مساجد))، والجواب: أن اتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها، أو بمعنى الصلاة عليها [19]، أو بمعنى بناء المسجد عليها، أو بمعنى السجود لها؛ فاتخاذ القبور مساجد يشمل جميع هذه الصور، وتخصيص بعض هذه الصور دون بعضٍ تخصيصٌ بلا مخصص.

وعن عائشة رضي الله عنها، أن أم سلمة رضي الله عنها، ذكرتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسةً رأتها بأرض الحبشة يُقال لها: مارية، فذكرتْ له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أولئك قومٌ إذا مات فيهم العبد الصالح، أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله))[20]، وهذا الحديث يوضح أن بناء المساجد على القبور من أفعال النصارى، وقد أمرنا بمخالفتهم، وأن من يبني مسجدًا على قبر فهو من شرار الخلق، وفي هذا نهي عن بناء المساجد على القبور.

ولأن هذا كان أصل عبادة الأصنام، فيما يُذكر، كانوا قديمًا إذا مات فيهم نبيٌّ أو رجل صالح صوروا صورتَه وبنوا عليه مسجدًا؛ ليأنسوا برؤية صورته، ويتَّعظوا لمصيره، ويعبدوا الله عنده، فمضت على ذلك أزمانٌ، وجاء بعدهم خلف رأوا أفعالهم وعباداتهم عند تلك الصور، ولم يفهموا أغراضهم، وزيَّن لهم الشيطان أعمالهم، وألقى إليهم أنهم كانوا يعبدونها فعبدوها[21].

وقال الشيخ عبدالرحمن بن محمد رحمه الله: "الذين بنَوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بهما كثير من الخلق، فأما فتنة القبور؛ فلأنهم افتُتنوا بقبور الصالحين، وعظَّموها تعظيمًا مبتدعًا، فآل بهم إلى الشرك، وأما فتنة التماثيل؛ أي: الصور؛ فإنهم لما افتُتنوا بقبور الصالحين، وعظموها وبنوا عليها المساجد، وصوروا فيها تلك الصور، آل بهم الأمر إلى أنْ عبدوها، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين، كاللات والعُزَّى ووَدٍّ وغيرها، وهذه العلة هي التي لأجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت الكثير من الأمم في ذلك.

والفتنة بالقبور كالفتنة بالأصنام وأشد؛ فإن الشرك بقبر رجل يُعتقد صلاحُه أقربُ إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر؛ ولهذا تجد أهل الشرك يتضرَّعون عندها، ويخشعون ويخضعون، ويعبدون عبادة لا يفعلونها في بيوت الله، ويلهجون بذكرهم أكثر مما يذكرون الله، وينفقون نفائس الأموال في ذلك، ولأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها، حتى نهى عن الصلاة في المقبرة"[22].

ويستفاد من الحديث أن مَن بنى على قبر مسجدًا فقد شابه النصارى وخالف السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خالفوا المشركين))[23]، وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تشبَّه بقومٍ فهو منهم))[24]، والشرع قد أمر بمخالفة المشركين، ونهى عن التشبُّه بهم ومشابهتهم؛ ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين.

ومن يفعل ما حذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم، فهو على خطر عظيم؛ فقد قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]

وإذا كان بناء المساجد على القبور من فِعل شرار الخلق؛ فلا يجوز لنا أن نفعل مثلما فعلوا، وإذا نهينا عن بناء المساجد على القبور؛ فهذا يستلزم ألا نصلي فيها.

وقال الألباني - رحمه الله -: "النهي عن بناء المساجد على القبور يستلزم النهي عن الصلاة فيها، من باب أن النهي عن الوسيلة يستلزم النهي عن المقصود بها والتوسل بها إليه؛ مثاله: إذا نهى الشارع عن بيع الخمر، فالنهي عن شربه داخل في ذلك كما لا يخفى؛ بل النهي عنه من باب أَولى.

ومن البيِّن جدًّا أن النهي عن بناء المساجد على القبور ليس مقصودًا بالذات، كما أن الأمر ببناء المساجد في الدور والمحلات ليس مقصودًا بالذات؛ بل ذلك كله من أجل الصلاة فيها سلبًا أو إيجابًا، يوضح ذلك المثال الآتي: لو أن رجلاً بنى مسجدًا في مكان قفرٍ غير مأهول، ولا يأتيه أحد للصلاة فيه، فليس لهذا الرجل أيُّ أجر في بنائه لهذا المسجد؛ بل هو عندي آثم؛ لإضاعة المال، ووضعه الشيء في غير محلِّه.

فإذا أمر الشارع ببناء المساجد؛ فهو يأمر ضمنًا بالصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء، وكذلك إذا نهى عن بناء المساجد على القبور؛ فهو ينهى ضمنًا عن الصلاة فيها؛ لأنها هي المقصودة بالبناء أيضًا"[25].

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يُبنى على القبور، أو يُقعد عليها، أو يصلى عليها"[26]، وهذا الحديث صريح في النهي عن الصلاة على القبر، ويدل أيضًا على حرمة بناء المسجد على القبر؛ لأن المقصود ببناء المسجد على القبر الصلاة فيه، فإذا حرم الصلاة عليه، فأيضًا يحرم بناء المسجد عليه.

والنهي عن البناء على القبور يصدق على ما بُني على جوانب حفرة القبر، كما يفعله كثيرٌ من الناس من رفع قبور الموتى ذراعًا فما فوقه؛ لأنه لا يمكن أن يجعل نفس القبر مسجدًا؛ فذلك مما يدل على أن المراد بعض ما يقربه مما يتصل به.

ويصدق على من بنى قريبًا من جوانب القبر كذلك، كما في القباب والمساجد والمشاهد الكبيرة، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها، فإن هذا بناء على القبر، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم، كما يُقال: بنى السلطان على مدينة كذا، أو على قرية كذا سورًا، وكما يُقال: بنى فلانٌ في المكان الفلاني مسجدًا، مع أن سمك البناء لم يباشر إلا جوانب المدينة أو القرية أو المكان.

ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء عليها قريبة من الوسط، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان الضيق، أو بعيدة من الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان الواسع، ومن زعم أن في لغة العرب ما يمنع من هذا الإطلاق، فهو جاهلٌ لا يعرف لغة العرب، ولا يفهم لسانها ولا يدري بما استعملته في كلامها[27].

وعن عبد الله بن الحارث النجراني، قال: حدثني جندبٌ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ وهو يقول: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك))[28]، وهذا الحديث يوضح أن اتخاذ القبور مساجد من عادات مَن قبلنا، وعلينا ألا نتخذ القبور مساجد؛ فاتخاذ القبور مساجد محرَّم بنص الحديث: ((فلا تتخذوا القبور مساجد؛ إني أنهاكم عن ذلك)).

وجميع هذه الأحاديث تبين أن اتخاذ القبور مساجد محرَّم، وأن من عادات أهل الكتاب اتخاذ القبور مساجد؛ فلا يجوز لنا أن نقلدهم في أفعالهم وعاداتهم، وكيف يليق بمسلم أن يقلد كافرًا؟!

والتقليد من شيم المغلوبين، والمغلوب غالبًا يقلد الغالب، وكثير من النفوس تعتقد الكمال فيمن غلبَها فتقلده؛ لأنها رأت أن من قلَّدته أفضل منها وأرفع منها قدرًا؛ لذلك تحاول أن تتشبَّه به، وأن المقلِّد شعرَ بالنقص واحتقار نفسه أمام المقلَّد.

وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا، لعن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))[29]؛ أي: اللهم لا تجعل قبري كالوثن في تعظيمه وعبادته من دون الله، وتغليظ النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن اتخاذ قبره مسجدًا؛ لما خشيه من تفاقم الأمر وخروجه عن حد المبرَّة إلى المنكر، وقطعًا للذريعة[30]، والمقصود من النهي كراهة أن يتجاوزوا في قبره غاية التجاوز[31]؛ سدًّا لذريعة الشرك، وكل ما كان وسيلةً إلى الوقوع في الشرك فهو محرَّم، ولما قرن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك الدعاء: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا)) اتخاذ القبور مساجد، عُلم أن اتخاذ قبره مسجدًا ذريعة إلى اتخاذه وثنًا، وأن الغلو في قبور الأنبياء والصالحين يصيِّرها أوثانًا تُعبد من دون الله.

وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وحيثما كنتم فصلوا عليَّ، فإن صلاتكم تبلغني))[32].

((ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا))؛ أيْ: مثل القبور في عدم الصلاة فيها، وكأن المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها، والنهي عن ترك الصلاة في البيوت لئلا تشبه المقابر - دليلٌ واضح على أن المقابر ليست موضعًا للصلاة.

وعن عبدالله بن مسعودٍ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من شرار الناس، من تدركهم الساعة وهم أحياءٌ، ومَن يتَّخذ القبور مساجد))[33]، وهذا الحديث يبيِّن أن اتخاذ المساجد على القبور من فعل شرار الناس؛ فكيف يليق بعاقل أن يفعل فعل شرار الناس؟!

وعن أبي مرثدٍ الغنوي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))[34]، وهذا الحديث صريح في النهي عن الصلاة إلى القبر، واتخاذ القبر قِبلة، وإذا حرمت الصلاة إلى القبر، فمن باب أولى الصلاة عند القبر؛ لأن في الصلاة إلى القبر أو الصلاة عند القبر مظنة الصلاة لصاحب القبر، أو مظنة تعظيم صاحب القبر.

الحكمة من تحريم اتخاذ القبور مساجد:
إن سأل سائل: ما الحكمة من تشديد الشريعة في النهي عن اتخاذ القبور مساجد؟
فالجواب: أن في النهي عن اتخاذ القبور مساجد حِكَمًا بالغة، تشهد بأن هذه الشريعة من عند الله لا من عند بشرٍ، ومِن هذه الحكم أن في ترْك اتخاذ القبور مساجد مخالفة أهل الكتاب فيما سنوه من باطل، والشرع قد أمر بمخالفة أهل الكتاب ونهى عن التشبُّه بهم ومشابهتهم؛ ليظهر التباين بين المؤمنين والكافرين.

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ للبعد عن التشبه بعبدة الأوثان الذين يعظمون الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر[35]، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها؛ لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذٍ؛ فتكون الصلاة حينئذٍ مشابهة لصلاة المشركين.

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ لعدم الغلو في صاحب القبر، وهذا الغلو قد يفضي بالناس إلى عبادة صاحب القبر ودعائه والاستغاثة به، وطلب جلب النفع ودفع الضر منه من دون الله، وهذا شرك أكبر مُخرِج من الملة، ومن عادة عبَدة الأصنام أنهم لم يزالوا يُعظِّمون أمواتهم حتى اتخذوها أصنامًا[36].

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد سدًّا لذريعة الشرك؛ لئلا يؤدِّي اتخاذ القبور مساجد إلى عبادة صاحب القبر، وإذا تُعبِّد لصاحب القبر بركوع أو سجود أو ذبح تقربًا له وتعظيمًا له، فهو شرك أكبر، والشريعة قد سدت كل باب يؤدي إلى الشرك، فاتخاذ القبور مساجد قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان؛ فكان في المنع من ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام من جلب المصالح ودفع المفاسد[37]، وقال الفوزان - حفظه الله -: نهى عن اتخاذ القبور مساجد للصلاة عندها؛ لأن ذلك وسيلة لعبادتها[38].

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ لئلا يظن ظان أن العبادة عند القبر لصاحب القبر، وليست لله، وإذا جئت عند القبر، واستقبلته وركعت وسجدت أمامه، فما كان للمشاهِد إلا أن يقول: إنه يركع ويسجد للذي أمامه، فتكون صورة شرك، ولو لم يكن الشخص يقصد الشرك، ولا يُؤمَن أن يجيء من بعد العصر الذي اتخذ فيه القبر مسجدًا مَن يظن أن العبادة لصاحب القبر تعظيمًا له.

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ لتجريد التوحيد لله؛ فلا يتعلق قلب الإنسان بشيء وهو يعبد الله إلا بالله.

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ لأن في اتخاذ القبور مساجد شبهة التبرُّك بصاحب القبر، والتبرك بالقبور حرام لا يجوز، وفيه إثبات تأثير شيء لم ينزِّل الله به سلطانًا، وإذا اعتقد الشخص أن لصاحبالقبر تأثيرًا أو قدرة على دفع الضرر أو جلب النفع كان ذلك شركًا أكبر.

ومنها: أن الشرع نهى عن اتخاذ القبور مساجد؛ لأن في اتخاذ القبور مساجد التعظيم لصاحب القبر تعظيمًا لا يكون إلا لله، وقال ابن الجوزي - رحمه الله -: وأما نهيه عن اتخاذ القبور مساجد؛ فلئلا تُعظَّم؛ لأن الصلاة عند الشيء تعظيم له[39].

والخلاصة أن جميع صور اتخاذ القبور مساجد تشترك في أنها مظنة الصلاة لصاحب القبر، أو مظنة تعظيم صاحب القبر، وفيها غلو في صاحب القبر، وفيها الخشية من تطور الأمر إلى عبادة صاحب القبر، وفيها تشبُّه بعبدة الأوثان والمشركين؛ ولذلك حرَّمت الشريعة الغرَّاء جميع صور اتخاذ القبور مساجد؛ حماية لجناب التوحيد، ولسد ذريعة الوقوع في الشرك، وللبعد عن التشبه بعبدة الأوثان والمشركين.

هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

[1] بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز؛ لمجد الدين الفيروزابادي 2/57.
[2] المحكم والمحيط الأعظم؛ لابن سيده 5/149، لسان العرب؛ لابن منظور 3/478.
[3] النهاية في غريب الحديث؛ لابن الأثير 1/183.
[4] الفروق اللغوية؛ للعسكري ص138.
[5] المغرب في ترتيب المعرب؛ لبرهان الدين الخوارزمي المطرزي ص 218 والمصباح المنير؛ للفيومي ص 266.
[6] المطلع على ألفاظ المقنع؛ لأبي عبدالله البعلي ص 29.
[7] تهذيب اللغة؛ لأبي منصور الهروي 10/301.
[8] المحكم والمحيط الأعظم؛ لابن سيده 7/261.
[9] رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 438، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 521.
[10] التوضيح الرشيد في شرح التوحيد؛ لأبي عبدالله الحقوي ص 148.
[11] سبل السلام؛ للصنعاني ص 299، والروضة الندية شرح الدرر البهية؛ لأبي الطيب محمد القنوجي ص 180، ومرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري 2/419.
[12] رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 4441، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 529.
[13] مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري 2/419.
[14] شرح صحيح البخاري؛ لابن بطال 3/311.
[15] فتح الباري؛ لابن رجب 3/193.
[16] حقيقة شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لعبدالعزيز بن عبدالله بن محمد بن عبداللطيف ص 98.
[17] نيل الأوطار؛ للشوكاني 2/159.
[18] سبل السلام؛ للصنعاني ص 229.
[19] سبل السلام؛ للصنعاني ص 299، والروضة الندية شرح الدرر البهية؛ لأبي الطيب محمد القنوجي ص 180، ومرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري 2/419.
[20] رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 434، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 528.
[21] إكمال المعلم بفوائد مسلم؛ للقاضي عياض 2/450.
[22] حاشية كتاب التوحيد؛ لعبدالرحمن بن محمد بن قاسم ص 155.
[23] رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 5892، ورواه مسلم في صحيحه حديث رقم 259.
[24] رواه أبو داود في سننه حديث رقم 4031.
[25] تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد؛ للألباني ص 37.
[26] رواه أبو يعلى في مسنده رقم 1020 وإسناده صحيح.
[27] شرح الصدور بتحريم رفع القبور؛ للشوكاني ص 14
[28] رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 532.
[29] رواه أحمد في مسنده رقم 7352، قال المحقِّق أحمد شاكر: "إسناده صحيح" 7/173.
[30] إكمال المعلم بفوائد مسلم؛ للقاضي عياض 2/450.
[31] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ لملا علي القاري 2/744.
[32] رواه أحمد في مسنده رقم 8804، ورواه أبو داود في سننه 2042، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم 7542.
[33] رواه أحمد في مسنده رقم 4143، وابن خزيمة في صحيحه رقم 789، وابن أبي شيبة في مسنده رقم 272، وابن حبَّان في صحيحه رقم 2325.
[34] رواه مسلم في صحيحه حديث رقم 972 وأبو داود في سننه رقم 3229 والترمذي في سننه رقم 1050.
[35] الروضة الندية شرح الدرر البهية؛ لأبي الطيب محمد القنوجي ص 181، ومرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح؛ لأبي الحسن عبيدالله المباركفوري 2/419.
[36] الكاشف عن حقائق السنن؛ للطيبي 3/1043.
[37] سبل السلام؛ للصنعاني ص 499.
[38] الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد؛ لصالح الفوزان ص 48.
[39] - كشف المشكل من حديث الصحيحين؛ لابن الجوزي 2/50.

موقغ الألوكة




المصدر : منتديات اهل السنة في العراق - من : المنتدى الاسلامي العام











توقيع : عبدالله الأحد

اكثروا قراءة الاخلاص وسبحان الله عدد ما خلق سبحان الله ملء ما خلق سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء سبحان الله ملء ما في الأرض والسماء سبحان الله عدد ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه سبحان الله ملء ما أحصى كتابه،سبحان الله عدد كل شيء سبحان الله ملء كل شيء الحمد لله مثل ذلك وسبحان الله وبحمده عددخلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته واكثروا الصلاة على النبي

عرض البوم صور عبدالله الأحد   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

تحريم اتخاذ القبر مسجدا


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
هل الآية (..لنتخذن عليهم مسجدا) تجيز بناء المساجد على القبور
تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد
لا تتسرع في اتخاذ القرارات
عرفجة بن هرثمة - اول من بنى مسجدا في ارض فارس
عدم اتخاذ صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - غرضًا !


الساعة الآن 06:48 PM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML