آخر 10 مشاركات
حِفْظِ الله تعالى لدين الإسلام وتحريف النصرانية / أ.د علي بن محمد الغامدي           »          كيف يمكن التوفيق بين الحديثين: (خالد سيف الله المسلول) وبين (اللهم إني أبرأ إليك مما           »          سلسلة لطائف قرآنية           »          هل ثبتت أحاديث في المهدي وما هي - الشيخ مقبل بن هادي الوادعي           »          مـــلامـــــح الخـيـانـــــة           »          من أجمل ابيات الغزل           »          الناس كثير والتّقيّ منهم قليل           »          تواضع العلماء           »          عدد الأحاديث إذا جُمعت من الكتب كلها - الشيخ مقبل بن هادي الوادعي           »          ركاكة استعمال (بالتّالي) في الكلام


منتديات أهل السنة في العراق

المنتدى الاسلامي العام على منهج اهل السنة والجماعة, عقيدة التوحيد , السيرة النبوية, السلف الصالح, اقوال العلماء



إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 2013-08-24, 01:37 PM   المشاركة رقم: 11
المعلومات
الكاتب:
ابو العبدين البصري
اللقب:
رئيس الملتقى الإسلامي
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2013
العضوية: 27
العمر: 41
المشاركات: 1,594 [+]
الجنس :  ذكر
معدل التقييم: 80
نقاط التقييم: 451
ابو العبدين البصري is a glorious beacon of lightابو العبدين البصري is a glorious beacon of lightابو العبدين البصري is a glorious beacon of lightابو العبدين البصري is a glorious beacon of lightابو العبدين البصري is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
ابو العبدين البصري غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد

اقتباس
مشاهدة المشاركة المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو صديق الكردي
ملاحظة مفيدة وفي محلها

جزاكم الله خيراً وبارك فيكم جميعاً
جهد مشكور

وجزاكم الله مثله.

وارجو أن تثروا الموضوع بارك الله فيكم.












توقيع : ابو العبدين البصري

رد: فتح الكريم الحميد  بشرح كتاب التوحيد

عرض البوم صور ابو العبدين البصري   رد مع اقتباس
قديم 2013-08-28, 09:06 AM   المشاركة رقم: 12
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد



(6)

بابٌ

من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه


وقول الله تعالى:{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ..} [الزمر : 38] .
عن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال:" ما هذه ؟ قال:من الواهنة ([1]) فقال:انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا". رواه أحمد بسند لا بأس به ([2]).
وله عن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا:" من تعلق تميمة ([3]) فلا أتَمَّ الله له ومن تعلق ودعة فلا وَدَعَ الله له" ([4]).
وفي رواية:" من تعلق تميمة فقد أشرك " ([5]).
ولابن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله عنه :"أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } ([6]).

الشرح:
رفعه: إزالته بعد نزوله.
دفعه: منعه قبل نزوله.
هذا بابٌ شرع به الشيخ _رحمه الله_ في تفصيل ما سبق وهو بيان التوحيد ببيان ضده.
ومن المعلوم أن الشيء يعرف ويتميز بشيئين: بحقيقته وبمعرفة ضده.
والتوحيد يتميز بمعرفته في نفسه أي:بمعرفة معناه وأفراده وبمعرفة ضده أيضا
وقد قال الشاعر:

...... وبضدها تتميز الأشياء ([7]).

وهذا صحيح: فإن التوحيد يُعرف حسْنُه بمعرفة قبح الشرك . وقد بدأ الإمام رحمه الله في ذكر ما هو مضاد للتوحيد.

ابتدأ الشيخ _رحمه الله_ في هذا الباب:بتفصيل وبيان صور من الشرك الأصغر التي يكثر وقوعها وقدّم الأصغر على الأكبر: انتقالا من الأدنى إلى الأعلى لأن الشبهة في الأدنى ضعيفة بخلاف الشبهة في الأعلى فإنها أقوى لأن شبهة المتعلّق بالخيط وبالتمائم أضعف من شبهة المتعلّق بالأولياء والصالحين.

فإذا علم المتعلّق بالخيط والتمائم ونحوها خطأه وبطلان تعلّقه سَهُلَ بعد ذلك إقناعه ببطلان التعلق بغير الله من الأولياء والصالحين وبأنه أقبح من الأول كما هو الحال في الشرك الأكبر أما إذا جاء إلى من هو متلبس بالشرك الأكبر كالذي يتعلّق بالأولياء ويدعوهم ويسألهم ويذبح لهم فلا يَحْسُنُ فيمن هذه حاله أن يُنْتَقل في إقناعه ببطلان ما هو عليه من الأعلى إلى الأدنى لقوة الشبهة عنده تجاه من أشرك بهم وهي - بزعمه - أن أولئك لهم مقامات عند الله جل وعلا فهذه حقيقة حال الذين يتوجهون إلى أولئك المدعوين ويشركون بهم الشرك الأكبر المخرج من الملة - والعياذ بالله - فإنهم يقولون:إنما أردنا الوسيلة وهؤلاء الذين ندعوهم لهم مقامات عند الله وإنما أردنا الوسيلة.

فحال هؤلاء كحال المشركين الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم الذين قال الله جل وعلا فيهم:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3 ].
والمقصود :أن الشيخ _رحمه الله_ بدأ أولا بتفصيل الشرك الأصغر انتقالا من الأدنى إلى الأعلى حتى يكون ذلك أقوى في الحجة وأمكن في النفوس من جهة: ضرورة التعلّق بالله وإبطال التعلق بغيره ([8]) .

وقوله _رحمه الله تعالى_ (بابٌ من الشرك..) أي:من أنواع الشرك: ( لبس الحلْقة والخيط ونحوهما). مما يعلّق على البدن أو على الدابة أو على السيارة أو على الأبواب من الأشياء التي يعتقدون فيها أنها تدفع عين الحاسد وأنّها تحرس البدن أو تحرس الدابة أو تحرس السيارة أو تحرس البيت أو المتجر من الشرور والمحاذير.
وهذه عادة جاهلية لا تزال في بعض الناس إلى اليوم بل تتزايد بسبب الجهل، فإنهم يعلّقون هذه الأشياء على أجسامهم وعلى أجسام الأطفال وعلى السيارات والدكاكين والبيوت قصدهم من ذلك أن هذه الأشياء تدفع عنهم الشرور والمحاذير، وهذا من الشرك لأنه تعلق على غير الله سبحانه وتعالى لأن الله جل وعلا وهو الذي يدفع الشر وهو الذي إذا أراد بعبده شيئاً فلابد أن يقع إما في نفسه أو في ماله أو في أهله فلا أحد يدفعه وإذا منع شيئاً فلا أحد ينزله:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
الأمر كله بيد الله جلّ وعلا فيجب أن تتعلق القلوب بالله عزّ وجلّ وأن تُخلص العبادة لله عزّ وجلّ وأن لا يخاف إلاَّ من الله عزّ وجلّ فمن تعلّق قلبه بالله ووحّد الله فإنه لا يضره شيء إلاَّ بإذن الله سبحانه وتعالى أما من تعلّق على غير الله فإن الله يَكِلُه إلى ما تعلق عليه ويبتليه كما يأتي ([9]).

قوله:ونحوهما : ما يكون نحو الحلقة والخيط مثل:الخرز والتمائم والحديد ونحو ذلك مما قد يُلبس ومثله أيضا ما يعلّق في البيوت أو في السيارات أو يعلّق على الصغار ونحو ذلك مما فيه لبس أو تعليق ، فكل ذلك يدخل في هذا الباب وأنه من الشرك.

والحلقة: إما أن تكون من صُفر يعني:من نحاس وإما أن تكون من حديد أو تكون من أي معدن.

والخيط: معروف والمراد عَقْدُهُ في اليد على وجه الاعتقاد وليس المراد خيطا بعينه ([10]).

قوله (من الشرك) من هنا للتبعيض أي:أن هذا بعض الشرك وليس كل الشرك
والشرك :اسم جنس يشمل الأصغر والأكبر ولبس هذه الأشياء قد يكون أصغر وقد يكون أكبر بحسب اعتقاد لابسها
وكون لبس هذه الأشياء من الشرك لأن كل من أثبت سبباً لم يجعله الله سبباً شرعياً ولا قدرياً، فقد جعل نفسه شريكاً مع الله.
فمثلاً :قراءة الفاتحة سبب شرعي للشفاء. وأكل المسهل سبب حسي لانطلاق البطن وهو قدري لأنه يعلم بالتجارب
والناس في الأسباب طرفان ووسط:
الأول:من ينكر الأسباب، وهم كل من قال بنفي حكمة الله، كالجبرية والأشعرية.
الثاني:من يغلو في إثبات الأسباب حتى يجعلوا ما ليس بسبب سبباً وهؤلاء هم عامة الخرافيين من الصوفية ونحوهم .
الثالثة:من يؤمن بالأسباب وتأثيراتها ولكنهم لا يثبتون من الأسباب إلا ما أثبته الله سبحانه ورسوله سواء كان سبباً شرعياً أو كونياً.
ولا شك أن هؤلاء هم الذين آمنوا بالله إيماناً حقيقياً، وآمنوا بحكمته، حيث ربطوا الأسباب بمسبباتها، والعلل بمعلولاتها، وهذا من تمام الحكمة.

ولبس الحلقة ونحوها إن اعتقد لابسها أنها مؤثرة بنفسها دون الله، فهو مشرك شركاً أكبر في توحيد الربوبية لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً غيره .
وإن اعتقد أنها سبب ولكنه ليس مؤثراً بنفسه فهو مشرك شركاً أصغر لأنه لما اعتقد أن ما ليس بسبب سبباً فقد شارك الله تعالى في الحكم لهذا الشيء بأنه سبب، والله تعالى لم يجعله سبباً ([11]).

وقول الله تعالى:{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ.....}.
قال ابن كثير:أي لا تستطيع شيئا من الأمر {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي الله كافي من توكل عليه{عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} كما قال هود عليه السلام حين قال قومه:{إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ..... } ([12]). ومعنى قولهم هذا هو تهديد لهود عليه السلام بأن ألهتم ستصيبه بسوء! = (التشوير)!!!

قال ابن كثير _رحمه الله تعالى_:" يقولون:ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبَل في عقلك بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها:{ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا } أي: أنتم أيضا{ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ }.
يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام:{ فَكِيدُونِي جَمِيعًا } أي:أنتم وآلهتكم إن كانت حقا فذروها تكيدني{ ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ }أي:طرفة عين واحدة([13]).
{قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ}أي:هو كافيني لأن الحَسْب معناه:الكافي فهذا فيه تفويض الأمور إلى الله سبحانه وتعالى وتعليق القلوب بالله سبحانه وتعالى دون ما سواه لما أبطل الشرك في أول الآية قرّر التّوحيد بقوله:{قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي : هو كافيني ولن يستطيع أحد أن يضرني من دون الله أو ينفعني من دون الله، ولهذا يقول هود - عليه الصلاة والسلام– لقومه:{قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ} ثم قال{إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
{عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} ولا يتوكلون على الحلْقة والخيط والصنم والقبر والولي أو غير ذلك، بل الذي يُتوكّل عليه هو الله سبحانه وتعالى، لأنه بيده مقادير الأشياء([14]).

قلت:فهذه الآية وأمثالها تبطل تعلق القلب بغير الله في جلب نفع أو دفع ضر وأن ذلك شرك بالله ([15]).

وقوله:{إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } فيه إبطال أن يكون لتلك الآلهة بأنواعها إضرار أو نفع

ومعنى قوله:{ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ } أي:لا يستطيعون ذلك كما أنه إن أرادني الله جل وعلا برحمة فهل تستطيع هذه الآلهة أن تدفع رحمة الله ؟!
الجواب:أنها لا تستطيع أيضا فَبَطَلَ إذًا أن يكون ثَمَّ تعلّق بتلك الآلهة العظيمة التي يظن أن لها مقامات عند الله جل وعلا موجبة لشفاعتها.

إذا تبين ذلك فقد قال بعض أهل العلم:إن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر فَلِمَ جعلها الشيخ _رحمه الله_ في سرد بيان أصناف من الشرك الأصغر؟؟
والجواب عن ذلك من وجهين:
الوجه الأول:أن الآيات الواردة في الشرك الأكبر دلت من جهة المعنى على وجوب التعلق بالله وبطلان التعلق بغيره وهذا المعنى متحقق في الشرك الأصغر أيضا ولذا فإن من السلف من نزّل الآيات الواردة في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر بجامع أن في كلا الشركين تعلّقا بغير الله جل وعلا فإذا بطل التعلق في الأعظم بطل التعلق فيما هو دونه من باب أولى .
الوجه الثاني:أن هذه الآية واردة في الشرك الأكبر ولكن المعنى الذي دارت عليه هو تقرير أن كل من يدعى من دون الله لا يستطيع من الأمر شيئا فلا يقدر أن يرفع ضرا ولا بلاء ولا أن يمنع رحمة وفضلا عمن أراده الله بذلك

وهذا المعنى الذي هو التعلق بما يعتقد أنه يضر أو ينفع هو المعنى الذي من أجله تعلّق المشرك الشرك الأصغر بالحلقة وبالخيط لأنه ما علق الخيط ولا علق الحلقة وغيرهما إلا لأنه يعتقد أن لهما تأثيرا من جهة رفع البلاء أو دفع الضر وأنهما يجلبان النفع أو يدفعان الضر مع أن هذه الأشياء مهينة وأمور وضيعة فإذا نُفِيَ عن الأشياء العظيمة : كالأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين أو الأوثان التي لها روحانيات كما يقولون فإن انتفاء النفع والضر عما سواها مما هو أدنى لا شك أنه أظهر في البرهان وأبين ([16]).

والشاهد من هذه الآية:أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر فليست أسبابا لذلك فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعي أو قدري فيعتبر اتخاذه سببا إشراكا بالله.
وهذا يدل على حذق المؤلف رحمه الله وقوة استنباطه وإلا فالآية بلا شك في الشرك الأكبر الذي تعبد فيه الأصنام ولكن القياس واضح جدا لأن هذه الأصنام ليست أسبابا تنفع فيقاس عليها كل ما ليس بسبب فيعتبر إشراكا بالله .

وهناك شاهد آخر في قوله:{حسبي الله}. فإن فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهمية وأما الأسباب الحقيقية فلا ينافي تعاطيها توكل العبد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه لأنها من عنده ([17]).

وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم "رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال:" ما هذه ؟ قال:من الواهنة فقال:انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا.
قوله ( فإنها لا تزيدك إلا وهنا) يعني:أن ضررها أقرب من نفعها وهذا شامل لجميع أنواع الشرك فإن ما أشرك به ضرره أعظم من نفعه لو فُرض أن فيه نفعا
وقد قال العلماء في قوله هنا (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا) يعني: لو كان فيها أثر فإن أثرها الإضرار بدنيا وروحيا ونفسيا لأنها تضعف الروح والنفس عن مقابلة الوهن والمرض فيكون تعلّقه بذلك الحلقة أو الخيط سببا في حصول الضعف.

فقوله: (فإنها لا تزيدك إلا وهنا) وهذا حال كل من أشرك فإن شركه يجره من ضرر إلى ضرر أكثر منه وإن ظن أنه في انتفاع ([18]).

ولابن أبي حاتم عن حذيفة رضي الله عنه :"أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ }.
قال الحافظ ابن كثير _رحمه الله تعالى_:"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:مِنْ إِيمَانِهِمْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ:مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ؟ وَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ وَمَنْ خَلَقَ الْجِبَالِ؟ قَالُوا:اللَّهُ وَهُمْ مُشْرِكُونَ بِهِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَهَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ:" أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقُولُونَ فِي تَلْبِيَتِهِمْ:لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ".
وَفِي الصَّحِيحِ:"أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قَالُوا: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" قَدْ قَدْ " أَيْ:حَسْبُ حَسْبُ لَا تَزِيدُوا عَلَى هَذَا" ([19]).

ثم قال:وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} قَالَ ذَلِكَ الْمُنَافِقُ يَعْمَلُ إِذَا عَمِلَ رِيَاءَ النَّاسِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ بِعَمَلِهِ ذَاكَ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى:{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا} [النِّسَاءِ: 142].

وثمَّ شِرْكٌ آخَرُ خَفِيٌّ لَا يَشْعُرُ بِهِ غَالِبًا فَاعِلُهُ، كَمَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُود،عَنْ عُرْوَة قَالَ:"دَخَلَ حُذَيْفَةُ عَلَى مَرِيضٍ، فَرَأَى فِي عَضُدِهِ سَيْرًا فَقَطَعَهُ - أَوِ: انْتَزَعَهُ - ثُمَّ قَالَ:{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}.
وَفِي الْحَدِيثِ:" مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحسنَّهَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ([20]).
وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"إِنَّ الرُّقَى والتَّمائِم والتِّوَلة شرْك" ([21]).
وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا (الطيَرة شِرْكٌ) ([22])
"وَمَا منَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ" ([23]) , ([24]).

تتمة:
قال العلامة الألباني _رحمه الله تعالى_:"عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه :"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل إليه رهط فبايع تسعة و أمسك عن واحد فقالوا:يا رسول الله بايعت تسعة و تركت هذا ? قال:إن عليه تميمة فأدخل يده فقطعها فبايعه وقال.. " فذكره .
قلت:و هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير دخين و هو ابن عامر الحجري أبو ليلى المصري وثقه يعقوب بن سفيان و ابن حبان و صحح له الحاكم ( 4 / 384 ) و قد أخرجه ( 4 / 219 ) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور .
وللحديث طريق أخرى يرويه مشرح بن هاعان عنه قال:سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من علق تميمة فلا أتم الله له ومن علق ودعة فلا ودع الله له". ولكن إسناده إلى مشرح ضعيف فيه جهالة ([25]) و لذلك أوردته في الكتاب الآخر ( 1266 ) .

فائدة:
التميمة:خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام كما في النهاية لابن الأثير.
قلت:ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو و الفلاحين و بعض المدنيين ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة ! وبعضهم يعلق نعلا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها ! و غيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان ! كل ذلك لدفع العين زعموا وغير ذلك مما عم و طم بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات و الوثنيات التي ما بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها و القضاء عليها فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم وبعدهم عن الدين.

ولم يقف الأمر ببعضهم عند مجرد المخالفة بل تعداه إلى التقرب بها إلى الله تعالى ! فهذا الشيخ الجزولي صاحب: (دلائل الخيرات) يقول في الحزب السابع في يوم الأحد ( ص 111) طبع بولاق:"اللهم صل على محمد و على آل محمد ما سجعت الحمائم وحمت الحوائم و سرحت البهائم و نفعت التمائم" !

وتأويل الشارح لـ ( الدلائل ) بأن:التمائم جمع تميمة و هي الورقة التي يكتب فيها شيء من الأسماء أو الآيات و تعلق على الرأس مثلا للتبرك . فمما لا يصح لأن التمائم عند الإطلاق إنما هي الخرزات كما سبق عن ابن الأثير على أنه لو سلم بهذا التأويل فلا دليل في الشرع على أن التميمة بهذا المعنى تنفع ولذلك جاء عن بعض السلف كراهة ذلك كما بينته في تعليقي على الكلم الطيب: ( ص 44 - 45 ) طبع المكتب الإسلامي([26]).

فيه مسائل:
الأولى:التغليظ في لُبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك .
الثانية:أن الصحابي لو مات وهي عليه ؛ ما أفلح . فيه شاهد لكلام الصحابة : أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة:أنه لم يعذر بالجهالة .
الرابعة:أنها لا تنفع في العاجلة ؛ بل وتضر لقوله « لا تزيدك إلا وهنا » .
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك .
السادسة:التصريح بأن من تعلق شيئا وُكِل إليه .
السابعة:التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك .
الثامنة:أن تعليق الخيط من الحُمَّى من ذلك .
التاسعة:تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر ، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة .
العاشرة:أن تعليق الوَدَع عن العين من ذلك .
الحادية عشرة:الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يُتِمُّ له ، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ؛ أي:ترك الله له.
--------
([1]) الواهنة : عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها فيرقى منها.
وقيل:هو مرض يأخذ في العضد، وهي تأخذ الرجال دون النساء وإنما نهى عنها؛ لأنه إنما اتخذها على أنها تعصمه من الألم، وفيه اعتبار المقاصد .انظر " فتح المجيد " ( ص139).
([2]) أخرجه أحمد: ( 4 / 445) وابن حبان( 7 / 628 ) والحاكم ( 4 / 216) قال البوصيرى : ورواه ابن ماجة بإسناد حسن . والحديث ضعفه الألباني في سنن ابن ماجة برقم (3531) بـ (مبارك ابن فضالة) وانظر تفصيل الكلام حوله في الضعيفة (ج3_ص101_ح1029) وضعفه أيضا في " غاية المرام " ( ص 146 ) رقم : (296) وضعيف الترغيب للمنذري رقم : (2015) .
([3]) التمائم:جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام". قاله أبو السعادات.
ودعة: بفتح الواو وسكون المهملة. قال في مسند الفردوس:"شيء يخرج من البحر يشبه الصدف يتقون به العين". انظر النهاية في غريب الحديث والأثر(1/197) "وفتح المجيد " ( ص 141) .
([4]) أخرجه أحمد 4 / 154 وأبو يعلى ( 1759 ) والحاكم ( 4 / 417 ), قال في مجمع الزوائد:رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم ثقات . قال محمد صبحي حلاق:" بسن ضعيف لجهالة _خالد بن عبيد المعافري . وقد تابعه ابن لهيعة عند عبد الحكم في " فتوح مصر" (ص289) وإن كان ابن لهيعة سيء الحفظ يصلح في المتابعات والشواهد . و الخلاصة أن الحديث حسن, والله أعلم . انظر " نيل الأوطار " ( ج15_ص 283 ) كتاب الطب " باب ما جاء في الرقى والتمائم " .
([5]) أخرجه أحمد ( 4 / 156 ) والحاكم (4 / 417 ) صححه الألباني في " الصحيحة ": ( 492) .
([6]) ذكره ابن كثير في التفسير: ( 4 / 342 ) . وقال في:" النهج السديد " ( ص 75 ) ضعيف رواه ابن أبي حاتم من طريق عروة بن الزبير عن حذيفة ولا يعرف لعروة سماع من حذيفة وذكر نحوه صاحب:" الدّر النضيد " (ص 40 ) إلا إنه ذكر تصحيح السند وأن الصواب فيه " عزرة " وهو ابن عبد الرحمن الخزاعي وروايته مرسلة عن حذيفة أيضًا وهو كذلك في " تفسير ابن أبي حاتم " . المطبوع وهو منقطع في كلا الحالتين.
قلت: والذي يظهر أنه صحيح فقد روي هذا الحديث من وجهٍ آخر بنحوه : قال الخلال في: " السنة " (5/13) رقم : (1482) " ثنا أبو بكر المرّوذي - وهو أحمد بن محمد بن الحجاج صاحب الإمام أحمد المشهور - ثنا أبو عبد الله - وهو الإمام أحمد - ثنا وكيع ثنا الأعمش عن أبي ظبيان قال : دخل حذيفة على رجلٍ من عبس يعوده فمس عضده فإذا فيه خيط ، قال : ما هذا ؟ قال : شيئًا رقي لي فيه فقطعه وقال : " لو مت وهو عليك ما صليتُ عليك " أ.هـ . ورواه أيضًا من وجه آخر( أي الخلال ) عن الأعمش فقال : " ثنا أبو بكر المرّوذي ثنا أبو عبد الله قال : ثنا عبد الرحمن - وهو ابن مهدي - عن سفيان - وهو الثوري - عن الأعمش عن أبي ظبيان : " أن حذيفة دخل على رجل يعوده ، فرآه قد جعل في عضده خيطًا قد رقي فيه ، قال : فقال : ما هذا ؟ قال : من الحمى ، فقام وهو غضبان : وقال : لو متَّ ما صليتُ عليك أ. هـ . ورواه ابن بطة أيضًا في :" الإبانة الكبرى" ( ق1 ، 2/743 ) رقم ( 1030و1031) قال : حدثنا أبو شيبة قال : حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا وكيع قال حدثنا الأعمش به . وقال أيضًا : حدثنا إسحاق بن أحمد الكاذي قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال حدثنا سفيان عن الأعمش به . وإسناده صحيح إن شاء الله فرجاله رجال الشيخين وأبو ظبيان هو حصين بن جندب الكوفي ورواية الأعمش عنه كثيرة ومخرجة في الصحيحين فلا يعلل بتدليسه ويبقى سماع أبي ظبيان من حذيفة فقد قال الذهبي عنه في : " سير أعلام النبلاء " (4/363) يروي عن عمر وعلي وحذيفة والظاهر أن ذلك ليس بمتصل أ. هـ . وذكر المزي : " تهذيب الكمال " (6/514) روايته عن حذيفة بصيغة الجزم وذكر الدارقطني : " العلل " (3/74) أنه لقي عمر وعلي . فإن ثبت أنه لقي عمر كما يقول الدارقطني فمن المؤكد أنه لقي حذيفة فقد بقي حذيفة بعد عمر أكثر من عشر سنين وسكن الكوفة وهي بلد أبي ظبيان وجملة القول إنه إن ثبت سماع أبي ظبيان من حذيفة - وهو قريب - فالإسناد صحيح وعلى شرط الشيخين وإن لم يثبت سماعه منه فالحديث يصح من الوجهين إن شاء الله تعالى .
([7]) وصدر البيت هو: الضد يظهر حسنه الضد ...... أنظر التمهيد (ص94).
([8]) التمهيد (ص95_96) .
([9]) إعانة المستفيد(ج1_ص135) .
([10]) انظر التمهيد: (ص97).
([11]) القول المفيد على كتاب التوحيد (ج1_ص164).
([12]) انظر فتح المجيد ( ص137) .
([13]) انظر تفسير ابن كثير .
([14]) إعانة المستفيد (ج1_ص137) .
([15]) فتح المجيد ( ص138) .
([16]) انظر التمهيد: (ص100_101).
([17]) القول المفيد: (ج1_ص168) .
([18]) ينظر التمهيد (ص103) .
([19]) صحيح مسلم برقم (1185/22) .
([20]) سنن الترمذي برقم (1535) .
([21]) المسند (1/381) وسنن أبي داود برقم (3883) ورواه ابن ماجه في السنن برقم (3530) .
([22]) زيادة من ت، أ، والمسند وسنن أبي داود .
([23]) المسند (1/389) وسنن أبي داود برقم (3910) .
([24]) انظر " تفسير ابن كثير " ( ج4 _ ص 418_ ص419) ط دار طيبة .
([25]) وقد وجد الشيخ حلاق متابعة لهذه الرواية كما تقدم.
([26]) السلسلة الصحيحة (ج1_ ح 492 ).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-08-31, 10:00 AM   المشاركة رقم: 13
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد




(7)
باب
ما جاء في الرقى والتمائم

وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه "أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ"([1]).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك". رواه أحمد وأبو داود ([2]).


التمائم:شيء يعلق على الأولاد يتقون به العين لكن إذا كان المعلّق من القرآن فقد رخص فيه بعض السلف وبعضهم لم يرخص فيه ، وجعله من المنهي عنه منهم ابن مسعود رضي الله عنه.

والرقى:هي التي تسمى العزائم وخص منها الدليل ما خلا من الشرك فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحُمَة.

و التولة:شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.

وعن عبد الله بن عكيم رضي الله عنه مرفوعا:"إن من تعلق شيئا وكل إليه". رواه أحمد والترمذي([3]).
وروى أحمد عن رويفع رضي الله عنه قال:قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا رويفع لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا،أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه " ([4]).


وعن سعيد بن جبير قال:" من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة " ([5]). رواه وكيع
وله عن إبراهيم قال:" كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن ومن غير القرآن " ([6]).


الشرح:
لم يذكر المؤلف أن هذا الباب من الشرك لأن الحكم فيه يختلف عن حكم لبس الحلقة والخيط، ولهذا جزم المؤلف في الباب الأول أنها من الشرك بدون استثناء، أما هذا الباب، فلم يذكر أنها شرك، لأن من الرقى ما ليس بشرك، ولهذا قال: (باب ما جاء في الرقى والتمائم )([7]).
ولم يقل:باب من الشرك الرقى والتمائم وذلك لأن الرقى منها ما هو جائز مشروع ومنها ما هو شرك ممنوع والتمائم منها ما هو متفق عليه أنه شرك ومنها ما قد اختلف الصحابة فيه هل هو من الشرك أو لا ؟
لهذا عبر - رحمه الله - بقوله: ( باب ما جاء في الرقى والتمائم ) وهذا من أدب التصنيف العالي([8]).


هذا الباب مكمِّلٌ للباب الذي قبله لأنه ذكر أنواعاً أخرى مكمِّلة لما ذُكر في الباب الذي قبله، ولكن الباب الذي قبله صرّح الشيخ في ترجمته بأن لبس الحلْقة والخيط من الشرك، وأما هنا فلم يصرّح بل قال: (ما جاء في الرُّقى والتمائم)، وهذا من دقّة فقهه ومعرفته _رحمه الله_، فإنه إذا كان الحُكم واضحاً منصوصاً عليه في الحديث ذكره في الترجمة، وإذا كان الحكم فيه تفصيل أو فيه احتمال؛ فإنه لا يجزم في الترجمة، وإنما يورد الأدلة في الباب ويُؤخذ منها الحكم مفصّلاً.

فهذا من دقّة فقهه _رحمه الله_ وشدّة تورّعه عن إطلاق الأحكام، مما يُرَبِّي في طلبة العلم هذه الخَصْلَة الطيّبة وهي أنهم يتورّعون في إطلاق الأحكام ويتثبتون فيها، لأن الأمر خطير جدًّا ([9]).

قوله: ( الرقى ) جمع رقية، وهي القراءة، فيقال:رقى عليه - بالألف - من القراءة، ورقي عليه - بالياء - من الصعود.

وهي معروفة وقد كانت العرب تستعملها
وحقيقتها:
أنها أدعية وألفاظ تقال أو تتلى ثم ينفث فيها ومنها ما له أثر عضوي في البدن ومنها ما له أثر في الأرواح ،ومنها ما هو جائز مشروع ومنها ما هو شرك ممنوع .
وثبت أنه عليه الصلاة والسلام رقى نفسه([10]). ورقى غيره بل ثبت أنه رُقِيَ أيضا رقاه جبريل([11]). ورقته عائشة([12]).
فهذا الباب ( باب ما جاء في الرقى والتمائم ) معقود لبيان حكم الرقى وقد رخّص الشارع في الرقى ما لم تكن شركا وهي الرقى التي خلت من الشرك. وقد سأل بعض الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام عن حكم الرقى فقال:" اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" ([13]).


شروط جواز الرقية:
الأول:أن تكون بالقرآن أو بأسماء الله أو بصفاته.
الثاني:أن تكون بالكلام العربي أي:بلسان عربي، معلوم المعنى تكون مفهومة معلومة، فإن كانت من جنس الطلاسم والشعوذة، فإنها لا تجوز وأن لا تكون مما يخالف الشرع، كما إذا كانت متضمنة دعاء غير الله أو استغاثة بالجن وما أشبه ذلك، فإنها محرمة بل شرك.
الثالث:أن لا يعتقد أنها تنفع بنفسها بل بتقدير الله - عز وجل - أي لا يعتقد أنها تنفع بذاتها دون الله، فإن اعتقد أنها تنفع بذاتها من دون الله، فهو محرم، بل شرك، بل يعتقد أنها سبب لا تنفع إلا بإذن الله([14]).

قال بعض العلماء: يدخل في الشرط الأول أيضا أن تكون بما ثبت في السنة وعلى هذا: فيكون الشرط الأول:أن تكون من القرآن أو السنة أو بأسماء الله وبصفاته فلا تكون الرقى جائزة إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.


فإذا تخلف الشرط الأول أو الثاني:ففي جواز الرقية خلاف بين أهل العلم والشرط الثالث:متفق عليه بينهم
وأما اشتراط كونها بأسماء الله وصفاته أو بالكتاب والسنة أو أن تكون بلسان عربي مفهوم فإن هذا مختلف فيه كما تقدم.
وقال بعضهم:يسوغ أن تكون الرقية بما يعلم معناه ويصح المعنى بلغة أخرى ولا يشترط أن تكون بالعربية ولا يشترط أن تكون من القرآن أو السنة, وهذه مسائل فيها خلاف وبحث,وأما من جهة تأثير غير القرآن على المرقي وما سبق من الخلاف:ففيه مسائل نرجئ تفصيل الكلام فيها إلى موضع آخر إن شاء الله.

فالمقصود:أن الرقى الجائزة بالإجماع هي ما اجتمعت فيها الشروط الثلاثة
وأما الرقى الشركية المحرمة فهي:التي فيها استعاذة أو استغاثة بغير الله أو كان فيها شيء من أسماء الشياطين أو اعتقد المرقي فيها أنها تؤثر بنفسها وهي التي قال عليه الصلاة والسلام فيها:" إن الرقى والتمائم والتولة شرك" ([15]). كما سيأتي بيانه.


قوله: ( التمائم ) جمع تميمة وسميت تميمة لأنهم يرون أنه يتم بها دفع العين وقد ذكر تفسيرها مختصرا من قبل وهي تجمع أنواعا كثيرة فالتمائم تجمع كل ما يعلّق أو يتخذ مما يراد منه تتميم أمر الخير للعبد أو دفع الضرر عنه ويعتقد فيه أنه سبب ولم يجعل الله - جل وعلا - ذلك الشيء سببا لا شرعا ، ولا قدرا.

فالتميمة:شيء يتخذ من جلد أو ورق ويكون فيه أذكار وأدعية وتعوذات تعلّق على الصدر أو في العضد وقد تتخذ التميمة من خرزات وحبال ونحو ذلك يعلق على الصدر وقد تكون التميمة باتخاذ شيء يجعل على باب البيت أو في السيارة، أو أي مكان ما.

فالحاصل:أن التمائم يجمعها أنها:شيء يراد منه تتميم أمر الخير وتتيم أمر دفع الضر وذلك الشيء لم يؤذن به لا شرعا ولا قدرا.
فالتميمة - إذًا - ليست خاصة بصورة معينة بل تشمل أمورا كثيرة وتعم أصنافا عديدة مثل ما نراه على كثير من أهل زماننا من تعليقهم أشياء على صدورهم:مثل جلود صغيرة يجعلونها على رقابهم أو تكون على العضد أو يربطونها على بطونهم لرفع الأمراض الباطنية:كالإسهال والقيء ونحوهما.


ومنهم من يجعل في سيارته رأس دب أو أرنب أو غيرها من الأشكال كحدوة الفرس أو يعلق خرزات ومسابح خشبية ونحو ذلك على المرايا الأمامية للسيارة.

ومنهم:من يلبس سلسلة فيها شكل عين صغيرة وبعضهم قد يعلّق على مدخل الباب رأس ذئب أو غزال أو يضع على مطرق الباب حدوة فرس اعتقادا من أصحابها أنها تدفع العين أو تجلب لهم النفع.
فكل هذه أنواع وأصناف,وصور للتمائم أحدثها الناس على اختلاف الأزمان, لكن من الناس من يقول إنما أعلق هذه الأشياء للزينة ولا أستحضر هذه المعاني المحظورة فهذا يقوله طائفة قليلة من الناس.


فنقول:إن علق التمائم لدفع الضر واعتقد أنها سبب لذلك: فيكون قد أشرك الشرك الأصغر([16]).
وإن علقها للزينة فهو محرم لأجل مشابهته من يشرك الشرك الأصغر فدار الأمر إذًا على النهي عن التمائم كلها سواء اعتقد فيها أو لم يعتقد لأن حاله إن اعتقد أنها سبب : فهو شرك أصغر وإن لم يعتقد فيكون قد شابه أولئك المشركين وقد قال عليه الصلاة والسلام :"من تشبه بقوم فهو منهم " ([17]) ’ ([18]).


قوله (التواله) شيء:يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته وهو نوع من السحر ويسمى عند العامة الصرف والعطف فهو نوع من السحر يصنع فيجلب شيئا ويدفع شيئا بحسب اعتقادهم وهي في الحقيقة نوع من أنواع التمائم لأنها تصنع ويكون الساحر هو الذي يرقي فيها الرقية الشركية، فيجعل المرأة تحب زوجها ،أو يجعل الرجل يحب زوجته ، وهذا نوع من أنواع السحر والسحر شرك بالله - جل وعلا - وكفر عام في كل أنواع التولة فهي شرك كلها([19]).

قوله: (وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه " أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قُطِعَتْ).

قوله: (أسفاره ) السفر :مفارقة محل الإقامة وسمي سفراً لأمرين :
الأول:حسي وهو أنه يسفر ويظهر عن بلده لخروجه من البنيان .
الثاني:معنوي وهي أن يسفر عن أخلاق الرجال، أي: يكشف عنها وكثير من الناس لا تعرف أخلاقهم وعاداتهم وطبائعهم إلا بالأسفار.

قوله ( قلادة من وتر أو قلادة ) شك من الراوي والأولى أرجح، لأن القلائد كانت تتخذ من الأوتار، ويعتقدون أن ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقاد فاسد لأنه تعلق بما ليس بسبب، وقد سبق أن التعلق بما ليس بسبب شرعي أو حسي شرك لأنه بتعلقه أثبت للأشياء سبباً لم يثبته الله لا بشرعه ولا بقدره، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقطع هذه القلائد.
أما إذا كانت هذه القلادة من غير وتر، وإنما تستعمل للقيادة كالزمام، فهذا لا بأس به لعدم الاعتقاد الفاسد، وكان الناس يعملون ذلك كثيراً من الصوف أو غيره .


قوله: "في رقبة بعير" ذكر البعير لأن هذا هو الذي كان منتشراً حينذاك، فهذا القيد بناء على الواقع عندهم، فيكون كالتمثيل، وليس بمخصص .

يستفاد من الحديث:

1_ أنه ينبغي لكبير القوم أن يكون مراعياً لأحوالهم، فيتفقدهم وينظر في أحوالهم.
2_ أنه يجب عليه رعايتهم بما تقتضيه الشريعة، فإذا فعلوا محرماً منعهم منه، وإن تهاونوا في واجب حثهم عليه .
3_ أنه لا يجوز أن تعلق في أعناق الإبل أشياء تجعل سبباً في جلب منفعة أو دفع مضرة، وهي ليس كذلك لا شرعاً ولا قدراً، لأنه شرك، ولا يلزم أن تكون القلادة في الرقبة، بل لو جعلت في اليد أو الرجل، فلها حكم الرقبة، لأن العلة هي هذه القلادة، وليس مكان وضعها، فالمكان لا يؤثر.
4_ أنه يجب على من يستطيع تغيير المنكر باليد أن يغيره بيده([20]) .

و الـ"وَتَر" -بفتح الواو- المراد به: وَتَر القوس والقوس آلة كانوا يرمون بها السهام وكانوا في الجاهلية إذا اخْلَقَّ الوَتَر أخذوه وعلّقوه على رقاب الدواب، وأبدلوه بوَتَر جديد يعتقدون أن هذا الوَتَر القديم الذي استعمل ورُمي به أنه يدفع العين عن الإبل.

وقوله: ( أو قلادة ) هذا شك من الراوي، هل الرسول صلى الله عليه وسلم قال: قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة مطلقة سواء كانت من وَتَر أو من غيره؟ وهذا من دقتهم رضي الله عنهم في الرواية .

وعلى كل حال فيه دليل على منع هذا الشيء من أي نوع كان، سواء كان من وَتَر أو من غيره ما دام أن المقصود منه عقيدة فاسدة، حتى ولو كان من السُّيور، أو من الخيوط أو من الخرز، أو من غير ذلك، كل قلادة يُقصد بها هذا المقصد الشركي فهي ممنوعة.

أما القلائد التي لا يُقصد منها مقصد شركي، مثل قلاد الهَدْي الذي يُهدى للبيت العتيق فلا حرج فيها.

قوله: ( إلاّ قُطِعت ) هذا فيه إزالة المنكر ولاسيّما إذا كان هذا المنكر في العقيدة، فإن إزالته متأكِّدة . وفيه : أن الحاكم أو الإمام يرسل نوّاباً عنه في إزالة المنكر، وليس من شرط ذلك أن يباشره بنفسه.

الشاهد من الحديث:
تحريم عقد القلائد على الدواب أو على الآدميين بقصد أن ذلك يدفع العين لأنه لا يدفع الضرر ولا يدفعه إلاَّ الله سبحانه وتعالى وليست القلائد هي التي تدفع الضرر أو تجلب النفع وليست سبباً في ذلك وإنما هذا بيد الله سبحانه وتعالى:{ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.
وقال:{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }.
قال جل علا :{قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} ([21]).


قوله: ( من تعلق شيئا وكل إليه ) شيئا - هنا - نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الأشياء فكل من علّق شيئا وُكِلَ إليه فمن أخرج صورة من صور التعليق عن هذا العموم كانت الحجة عليه لأن هذا الدليل عام ويفيد أن من تعلق أي شيء من الأشياء فإنه يُوكل إليه والعبد إنما يكون عزه ويكون فلاحه ونجاحه وحسن قصده وحسن عمله في تعلقه بالله وحده فيتعلق بالله وحده في أعماله وفي أقواله وفي مستقبله وفي دفع المضار عنه
فيكون أنس قلبه بالله وسروره بالله وتعلقه بالله وتفويض أمره إلى الله وتوكله على الله جل وعلا فمن كان كذلك وتوكل على الله وطرد الخلق من قلبه: فإنه لو كادته السماوات والأرض لجعل الله - جل وعلا - له من بينها مخرجا لأنه توكل وفوض أمره على العظيم - جل جلاله وتقدست أسماؤه -
فقال هنا:" من تعلّق شيئا وُكِلَ إليه". فإذا تعلق العبد تميمة وكل إليها فما ظنك بمن وكل إلى خرقه أو إلى خرز أو إلى حدوة حصان أو إلى شكل حيوان ونحو ذلك لا شك أن خسارته أعظم الخسارة.


ووجه الاستدلال هنا في قوله: ( من تعلق شيئا )
أنه ذكر نتيجة التعلق وهو أنه يوكل إلى ذلك الشيء الذي تعلقه فمن تعلق شيئا وكل إليه وإذا وكل إليه فمعنى ذلك أنه خسر في ذلك الخسران المبين, والشيخ - رحمه الله - لم يصدِّر الباب بحكم ، فيكون الاستدلال على حكمها مستفاد من هذه الأحاديث.



قوله: ( التمائم شيء يعلّق على الأولاد يتقون به العين ) شيء: هنا شاملة لأي شيء يعلّق دون صفة معينة وخص بعض العلماء التمائم بما كان متخذا من الخرز وبعضهم خصة بما كان مصنوعا من الجلد ونحوه ،وهذا ليس بجيد بل التمائم اسم يعم كل ما يعلق لدفع العين واتقاء الضرر أو لجلب خير نفسي([22]). لقوله:شيئاً نكرة في سياق الشرط فتعم جميع الأشياء فمن تعلق بالله - سبحانه وتعالى - وجعل رغبته ورجاءه فيه وخوفه منه، فإن الله تعالى يقول:{ ومن يتوكل على الله فهو حسبه}[الطلاق:3]. أي:كافيه،
ولهذا كان من دعاء الرسل وأتباعهم عند المصائب والشدائد:"حسبنا الله ونعم الوكيل". قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم حين قيل لهم:{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [آل عمران:173].


وقوله: ( وكل إليه ) أي:أسند إليه وفوض ([23]).
فقوله:"من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" قاعدة عامة تعمّ كل شيء يعلّق الإنسان قلبه به من دون الله عزّ وجلّ؟ من بشر أو حجر أو شجر أو قبر أو حلْقة أو خيط أو تمِيمَة، أو غير ذلك، أو جن، أو إنس. ففي هذا وجوب التوكّل على الله، والنهي عن الاعتماد على غير الله في جلب خير أو دفع ضُر، والقرآن يقرّر هذا في آيات كثيرة([24]).


خلاف السلف في التمائم التي تكون من القرآن أوليس فيها شرك:
قال المؤلف_رحمه الله تعالى_ (لكن إذا كان المعلّق من القرآن فرخص فيه بعض السلف).
اعلم:أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته
فقالت طائفة:يجوز ذلك، وهو قول عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ظاهر ما روي عن عائشة. وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك.


وقالت طائفة:لا يجوز ذلك. وبه قال ابن مسعود وابن عباس . وهو ظاهر قول حذيفة وعقبة بن عامر وابن عكيم، وبه قال جماعة من التابعين منهم : أصحاب ابن مسعود وأحمد في رواية اختاره كثير من أصحابه، وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه.
قلت: هذا هو الصحيح لوجوه ثلاثة تظهر للمتأمل:

الأول:عموم النهي ولا مخصص للعموم .
والثاني:سد الذريعة فإنه يفضي إلى تعليق ما ليس كذلك .
الثالث:أنه إذا علق فلا بد أن يمتهنه المعلق بحمله معه في حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك ([25]).

إذا كان المعلّق من القرآن بمعنى أنه جعل في منزله مصحفا ليدفع العين أو علّق على صدره شيئا كسورة الإخلاص أو آية الكرسي ليدفع العين أو ليدفع الضرر عنه فهذا من حيث التعليق يسمى تميمة فهل هذه التميمة جائزة أو غير جائزة ؟

قال الشيخ - رحمه الله -:إن التمائم إذا كانت من القرآن فقد اختلف فيها السلف فجوزها ورخّص فيها بعض السلف ويعني ببعض السلف:بعض كبار الصحابة ومال إلى هذا القول بعض أهل العلم الكبار وبعضهم لم يرخّص فيها كابن مسعود رضي الله عنه وكأصحاب ابن مسعود الكبار منهم:إبراهيم النخعي وعلقمة وعبيدة والربيع بن خثيم والأسود وأصحاب ابن مسعود جميعا.

فالحاصل:أن السلف اختلفوا في ذلك ومن المعلوم أن القاعدة:أن السلف إذا اختلفوا في مسألة وجب الرجوع فيها إلى الدليل والدليل قد دل على أن كل أنواع التمائم منهي عنها كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام:"من تعلّق شيئا وُكِلَ إليه".

وقوله: (إن الرقى والتمائم والتولة شرك ). فمن تعلّق القرآن أو شيئا منه كان داخلا في النهي لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فلا يكون مشركا لأنه علق شيئا من صفات الله - جل وعلا - وهو كلام الله -جل وعلا- فلا يكون قد أشرك مخلوقا
لأن الشرك معناه:
أن تشرك مخلوقا مع الله- جل وعلا -والقرآن ليس بمخلوق بل هو كلام الله الباري - جل وعلا - منه بدأ وإليه يعود فإذا أخرجت التميمة المتخذة من القرآن عن كونها شركا من عموم قوله:" إن التمائم شرك " فلأجل كون القرآن كلام الله ليس بمخلوق.


لكن هل هي منهي عنها أو غير منهي عنها ؟؟
الجواب:أن قوله عليه الصلاة والسلام:"من تعلق شيئا وكل إليه". ونهيه عن التمائم بأنواعها دليل على أن تخصيص القرآن بالإذن من بين التمائم ومن بين ما يعلق:يحتاج إلى دليل خاص لأن إبقاء العموم على عمومه هو إبقاء لدلالة ما أراد الشارع الدلالة عليه بالألفاظ اللغوية والتخصيص نوع من أنواع التشريع فلا بد فيه من دليل واضح لهذا صارت الحجة مع من يجعل التمائم التي من القرآن مما لا يُرخّص فيه كابن مسعود وكغيره من الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك هو قول عامة أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها المحققون من أصحابه وعليها المذهب عند المتأخرين.

بقي أن نقول إن تجويز اتخاذ التمائم من القرآن يترتب عليه مفاسد منها:
1- أنه يفضي إلى الاشتباه فقد نرى من عليه التميمة فيشتبه علينا الأمر هل هذه تميمة شركية أو من القرآن ؟ وإذا ورد هذا الاحتمال فإن المنكر على الشركيات يضعف عن الإنكار لأنه سيقول:يحتمل أن تكون من القرآن فإجازة تعليق التمائم من القرآن فيه إبقاء للتمائم الشركية لأن التمائم تكون مخفية غالبا وإما في جلد أو في نوع من القماش ونحو ذلك فإذا رأينا من علق تميمة:وقلنا يحتمل أن تكون من القرآن أو غيره فإذا استفصلت منه وقلت له:هل هذه تميمة شركية أو من القرآن؟ فمعلوم أن صاحب المنكر سيجيب بأنها من القرآن حتى ينجو من الإنكار لأنه يريد أن يسلم له تعليقها
فمن المفاسد العظيمة أن في: إقرار التمائم من القرآن إبقاء للتمائم الشركية وفي النهي عنها سد لذريعة الإشراك بالتمائم الشركية ولو لم يكن إلا هذا لكان كافيا.

2 - أن الجهلة من الناس إذا علقوا التمائم من القرآن تعلقت قلوبهم بها فلا تكون عندهم مجرد أسباب بل يعتقدون أن فيها خاصية بنفسها بجلب النفع أو دفع الضر ولا شك أن هذا فتحا لباب الاعتقادات الفاسدة على الناس يجب وصده ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بسد الذرائع.
3 - ومن المفاسد المتحققة أيضا أنه إذا علق شيئا من القرآن ، فإنه يعرضه للامتهان فقد ينام عليه أو يدخل به مواضع قذرة أو يكون معه في حالات لا يليق أن يكون معه فيها شيء من القرآن فهذا مما ينبغي اجتنابه وتركه.

فتحصل - بالدليل وبالتعليل -:أن تعليق التمائم بكل أنواعها : لا يجوز فما كان منها من القرآن فنقول يحرم على الصحيح ولا يجوز ويجب إنكاره وما كان منها من غير القرآن فهذا نقول فيه:إنه من الشرك بالله ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". والتخصيص نوع من العلم فيجب أن يكون فيه دليل خاص([26]).

أقسام التعلق بغير الله:
الأول:ما ينافي التوحيد من أصله، وهو أن يتعلق بشيء لا يمكن أن يمكن أن يكون له تأثير ويعتمد عليه اعتماداً معرضاً عن الله، مثل تعلق عباد القبور بمن فيها عند حلول المصائب، ولهذا إذا مستهم الضراء الشديدة يقولون: يا فلان! أنقذنا، فهذا لا شك أنه شرك أكبر مخرج من الملة.
الثاني:ما ينافي كمال التوحيد وهو أن يعتمد على سبب شرعي صحيح مع الغفلة عن المسبب وهو الله - عز وجل - ، وعدم صرف قلبه إليه، فهذا نوع من الشرك، ولا نقول شرك أكبر لأن هذا السبب جعله الله سبباً.
الثالث:أن يتعلق بالسبب تعلقاً مجرداً لكونه سبباً فقط مع اعتماده الأصلي على الله، فيعتقد أن هذا السبب من الله، وأن الله لو شاء لأبطل أثره، ولو شاء لأبقاه، وأنه لا أثر للسبب إلا بمشيئة الله - عز وجل ـ فهذا لا ينافي التوحيد لا كمالاً ولا أصلاً، وعلى هذا لا إثم فيه.

ومع وجود الأسباب الشرعية الصحيحة ينبغي للإنسان أن لا يعلق نفسه بالسبب، بل يعلقها بالله, فالموظف الذي يتعلق قلبه بمرتبه تعلقاً كاملاً، مع الغفلة عن المسبب، وهو قد وقع في نوع من الشرك، أما إذا اعتقد ان المرتب سبب، والمسبب هو الله - سبحانه وتعالى - وجعل الاعتماد على الله، وهو يشعر أن المرتب سبب، فهذا لا ينافي التوكل([27]).


قوله: ( من عقد لحيته ) اللحية عند العرب كانت لا تقص ولا تحلق، كما أن ذلك هو السنة، لكنهم كانوا يعقدون لحاهم لأسباب:
أولا:الافتخار والعظمة، فتجد أحدهم يعقد أطرافها أو يعقدها من الوسط عقدة واحدة ليعلم أنه رجل عظيم، وأنه سيد في قومه.
الثاني:الخوف من العين، لأنها إذا كانت حسنة وجميلة ثم عقدت أصبحت قبيحة، فمن عقدها لذلك، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم بريء منه.
الثالث:أن المراد بعقد اللحية ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها، حتى تتجعّد يقصدون بها الجمال، فهذا يكون من الترف نعم لا بأس أن اللحية تصلح وأنها تُنظّف وأنها تُكرم لكن لا يصل هذا إلى حد الإسراف.
الرابع:عقد اللحية عادة عند الفُرس، أنهم كانوا عند الحروب يعقدون لحاهم تكبّراً وتجبّراً ونحن قد نهينا عن التشبّه بالكفّار.
الخامس:المراد به عقد اللحية في الصلاة، لأن هذا من العبث في الصلاة، والحركة في الصلاة، وهذا مكروه في الصلاة، لأنه يدل على عدم الخشوع([28]).

قوله: ( عن سعيد بن جبير قال:من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ) أي: كان كمن أعتق رقبة من الرِّق،
والمناسبة أن اعتاق العبد فيه اعتاق من الرِّق، وقطع التَمِيمَة فيه إعتاق من الشرك، لأن الشرك رِقّ للشيطان بدل الرِّق للرحمن، ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يقول:

هربوا من الرِّق الذي خلقوا له ... فبُلُوا برق النفس والشيطان.
يعني:هم أرقاء لله، عبيد لله، لكن لما أشركوا به صاروا عبيداً للشيطان وعبيداً للنفس والهوى، فالإنسان خلق لعبادة الله، فإذا تركها صار عبداً للشيطان فهو عبد ولابد.
فالذي يزيل هذه الظاهرة الشركية عن مسلم يكون كمن أعتقه من الرِّق في الأجر والثواب.

وسعيد بن جبير _رحمه الله_ اعتبر الشرك رقًّا من أزاله فكأنما أعتق هذا العبد من هذا الرِّق الذّليل المهين، وجعله حُرًّا من عبادة المخلوق، عبداً لله سبحانه وتعالى لا يعبد غيره، فعبادة الله جل وعلا هي الحرية الصحيحة، ليست الحرية أن الإنسان يشرك ويكفر ويعتقد ما شاء، كما يقولون: الناس أحرار في اعتقادهم لا بل الناس خلقوا لعبادة الله وعبادة الله ليست من باب الذل والمهانة، وإنما هو من الإكرام ومن الرِّفعة، وهذا شرف، والله جل وعلا أكرم نبيه بالعبودية له، فقال:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فعبودية الله شرف، أما عبودية غيره فهي ذلّ ومهانة([29]).

وقوله: ( يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن ). أي:كان كبار التابعين من أصحاب ابن مسعود لا يفصِّلون في التّمائم، بل كانوا يكرهونها عموماً، كما سبق أن الراجح هو:تحريم تعليق التّمائم، ولو كانت من القرآن؛ من أجل الأمور الثلاثة التي ذكرناها هناك. فقوله:يكرهون أي يحرمون، لأن الكراهة عند السلف يريدون بها التحريم.

فكلام إبراهيم هذا يؤيّد ترجيح المنع مطلقاً ولأن هذا قول عبد الله بن مسعود وتلاميذه من أئمة التابعين، أن التّمائم لا تفصيل فيها، حتى ولو كانت من القرآن لا تُعلّق على الرِّقاب على شكل حُروز، أو على شكل رقاع، أو على شكل أكياس تعبّأ بالأوراق المكتوب فيها ويسمونها خطوطاً،أو عزائم، هذا لا يجوز وإن كان من القرآن، ولا تعلّق على السيارات أو الجدران لأن هذا وسيلة إلى الشرك، ولأنه لم يرد دليل على جوازه ولأنه تعريض للقرآن للامتهان والابتذال- كما سبق.
وفي هذا دليل على بعد السلف عما يخدش العقيدة ([30]).

مسألة: (1)
وإذا كان الإنسان يلبس أبناءه ملابس رثة وبالية خوفاً من العين، فهل هذا جائز؟
الظاهر أنه لا بأس به، لأنه لم يفعل شيئاً، وإنما ترك شيئاً، وهو التحسين والتجميل وقد ذكر ابن القيم في" زاد المعاد" أن عثمان رأى صبياً مليحاً، فقال دسموا نونته، والنونة: هي التي تخرج في الوجه عندما يضحك الصبي كالنقوة، ومعنى دسموا أي: سودوا.

مسألة (2)
وأما الخط:وهي أوراق من القرآن تجمع وتوضع في جلد ويخاط عليها، ويلبسها الطفل على يده أو رقبته، ففيها خلاف بين العلماء. وظاهر الحديث: أنها ممنوعة، ولا تجوز.

ومن ذلك أن بعضهم يكتب القرآن كله بحروف صغيرة في أوراق صغيرة، ويضعها في صندوق صغير، ويعلقها على الصبي، وهذا مع أنه محدث، فهو إهانة للقرآن الكريم، لأن هذا الصبي سوف يسيل عليه لعابه، وربما يتلوث بالنجاسة، ويدخل به الحمام والأماكن القذرة، وهذا كله إهانة للقرآن.

مسألة: (3)
والدبلة:خاتم يشترى عند الزواج يوضع في يد الزوج، وإذا ألقاه الزوج، قالت المرأة: إنه لا يحبها، فهم يعتقدون فيه النفع والضرر، ويقولون:إنه ما دام في يد الزوج، فإنه يعني أن العلاقة بينهما ثابتة، والعكس بالعكس، فإذا وجدت هذه النية، فإنه من الشرك الأصغر، وإن لم توجد هذه النية-وهي بعيدة ألا تصحبها ففيه تشبه بالنصارى، فإنها مأخوذة منهم.

وإن كانت من الذهب، فهي بالنسبة للرجل فيها محذور ثالث، وهو لبس الذهب، فهي إما من الشرك، أو مضاهاة النصارى، أو تحريم النوع إن كانت للرجال، فإن خلت من ذلك، فهي جائزة لأنها خاتم من الخواتم([31]) .

مسألة: (4)
تنبيه:ظهر في الأسواق في الآونة الأخيرة حلقة من النحاس يقولون: إنها تنفع من الروماتيزم، يزعمون الإنسان إذا وضعها على عضده وفيه روماتيزم نفعته من هذا الروماتيزم، ولا ندري هل هذا صحيح أم لا؟ لكن الأصل أنه ليس بصحيح، لأنه ليس عندنا دليل شرعي ولا حسي يدل على ذلك، وهي لا تؤثر على الجسم، فليس فيها مادة دهنية حتى نقول : إن الجسم يشرب هذه المادة وينتفع بها، فالأصل أنها ممنوعة حتى يثبت لنا بدليل صحيح صريح واضح أن لها اتصالاً مباشراً بهذا الروماتيزم حتى ينتفع بها ([32]).

فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أوْ لا؟
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
______________
([1]) أخرجه البخاري (3005 ) كتاب الجهاد/ باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الإبل/ . ومسلم (2115) : كتاب اللباس/ باب كراهة قلادة الوتر في رقبة البعير .
([2]) أخرجه أحمد (1 / 381) وأبو داود (3883) وابن ماجه (3576) وابن حبان( 7 / 630 ) والحاكم ( 4 / 217 ، 418 ) وصححه الألباني في الصحيحة (رقم 331_ج1_ص648_) القسم الثاني . وفيه قصة هذا تمامها :" كان عبد الله إذا جاء من حاجة وانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه وأنه جاء ذات يوم تنحنح وعندي عجوز ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير فدخل فجلس إلى جنبي فرأى في عنقي خيطا قال ما هذا الخيط ؟ قلت خيط أرقي لي فيه قالت فأخذه فقطعه ثم قال : إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الرقى والتمائم والتولة شرك " قالت فقلت له : لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها وكان إذا رقاها سكنت ؟ قال إنما ذلك عمل الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقيتها كف عنها إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما " إطراف المُسْنِد المعتَلِي بأطراف المسنَد الحنبلي أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ) برقم (5801) .
([3]) أخرجه أحمد (4 / 310 و 311 ) والترمذي (2073) والحاكم ( 4/ 216 ) . ولفظ الترمذي : عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال : دخلت على عبد الله ابن عكيم أبى معبد الجهنى أعوده وبه حمرة فقلت ألا تعلق شيئا ؟ قال : الموت أقرب من ذلك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " من تعلق شيئا وكل إليه ". قال الترمذي:وحديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث ابن أبى ليلى. والحديث حسنه الألباني.
([4]) أخرجه أحمد (4 / 108 و109 ) .
([5]) أخرجه ابن أبي شيبة في « المصنف » (3524).
([6]) أخرجه ابن أبي شيبة في « المصنف » (3518).
([7]) القول المفيد (ج1_ص 178).
([8]) انظر التمهيد (ص110).
([9]) إعانة المستفيد (ج1_ص 145).
([10]) رواه البخاري (4439) ومسلم (2192/51) من حديث عائشة رضي الله عنها :" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث".
([11]) كما عند مسلم (2186) .
([12]) كما عند البخاري (5735) ومسلم ( 2192) .
([13]) أخرجه مسلم (2200) من حديث عوف بن مالك الأشجعي t .
([14]) انظر القول المفيد على كتاب التوحيد: (ج1 _ ص187) والتمهيد ( ص 111) .
([15]) صحيح وتقدم تخريجه.
([16]) وإن اعتقد أنها تدفع بنفسها فقد أشرك شركا أكبر.
([17]) أخرجه أحمد في مسنده: (5114) وابن أبي شيبة في مصنفه: (19437) وحسن إسناده ابن حجر في الفتح (6_ 98).
([18]) انظر التمهيد: (ص112_114).
([19]) انظر التمهيد: (ص115).
([20]) القول المفيد (ج1_ص179) .
([21]) ينظر إعانة المستفيد: (ج1_ص 146_147).
([22]) التمهيد (ص116_118).
([23]) القول المفيد (ج1_ص 182 _183).
([24]) إعانة المستفيد (ج1_ص 148).
([25]) فتح المجيد (ص 148) .
([26]) التمهيد (ص 119_120) .
([27]) القول المفيد (ج1_ص183 _184) .
([28]) انظر القول المفيد (ج1_ ص188), وإعانة المستفيد (ج1_ 152)
([29]) إعانة المستفيد (ج1_ ص153) .
([30]) إعانة المستفيد (ج1_ص154) .
([31]) القول المفيد (ج1_ ص180_182 ) .
([32]) القول المفيد (ج1_ص 192) .


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ














عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-08-31, 12:54 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
نعمان الحسني
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jan 2013
العضوية: 26
المشاركات: 1,733 [+]
معدل التقييم: 82
نقاط التقييم: 466
نعمان الحسني is a glorious beacon of lightنعمان الحسني is a glorious beacon of lightنعمان الحسني is a glorious beacon of lightنعمان الحسني is a glorious beacon of lightنعمان الحسني is a glorious beacon of light

الإتصالات
الحالة:
نعمان الحسني غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد

أنار الله طريقكم بالإيمان ,
ورفع قدركم الرحمن ,
لكن أتمنى أن عليك أخيتي (الحياة أمل ) يكون لكل يوم ( باب ) وذلك ,
لضيق الأوقات , وكثرة الارتباطات ,
وجزاكم الله خير الجزاء ..












عرض البوم صور نعمان الحسني   رد مع اقتباس
قديم 2013-09-03, 08:48 AM   المشاركة رقم: 15
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد


[...
اللهم آمين وإيآكم
كل يومين أو ثلآثة يكون شرح لبآب جديد بإذن الله
شآكرة لكم مروركم الكريم
::/












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-09-03, 10:06 AM   المشاركة رقم: 16
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد


(8)
باب

من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما



وقول الله تعالى:{ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } [ النجم : 19 - 23 ].
عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال:"خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها:ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا:يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :الله أكبر !! إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (الأعراف :138). قال:" إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم". رواه الترمذي وصححه ([1]).


الشرح :

هذا الباب مكمِّلٌ للأبواب التي قبله لأن الأبواب التي قبله في لبس الحلْقة والخيط ونحوهما أو تعليق الرُّقى والتّمائم وهذا فيه النهي عن التبرّك بالأشجار والأحجار فهذه الأبواب كلها مؤدّاها الاعتقاد بغير الله_سبحانه وتعالى_ أنه يضر أو ينفع وهذا شرك، لأن الذي يقدر على دفع الضر وجلب النفع هو الله_سبحانه وتعالى_وحده لا شريك له هو القادر_سبحانه وتعالى_ على ذلك لا يشاركه أحد وإن كان هناك أشياء يترتّب على استعمالها أو أكلها أو شُربها ضرر، أو يترتّب عليه نفع فهذه أسباب فقط، أما الذي يخلق ذلك فهو الله سبحانه ([2]).
قوله: (تبرك) تفعل من البركة والبركة:هي كثرة الخير وثبوته وهي مأخوذة من البركة بالكسر. والبركة مجمع الماء ومجمع الماء يتميز عن مجرى الماء بأمرين:
1_ الكثرة.
2_ الثبوت.

والبركة:مأخوذة من حيث الاشتقاق من مادة ( بروك ) أو من كلمة ( بركة )
أما اشتقاقها من البروك:فبروك البعير يدل على ملازمته وثبوته في ذلك المكان
وأما اشتقاقها من البركة: فالبركة هي:مجتمع الماء وهي تدل على كثرة الماء في هذا الموضع، وعلى لزومه له وعلى ثبوته فيه,
فيكون معنى البركة,إذًا:كثرة الشيء الذي فيه الخير وثباته ولزومه
فالتبرك هو:طلب الخير الكثير وطلب ثباته وطلب لزومه فتبرّك يعني:طلب البركة, والتبرك طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:

1_ أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم مثل: القرآن قال تعالى:{كتاب أنزلناه إليك مباركاً }. فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح فأنقذ الله بذلك أمماً كثيرة من الشرك ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات، وهذا يوفر للإنسان الوقت والجهد، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
2_ أن يكون بأمر حسي معلوم مثل:التعليم والدعاء ونحو، فهذا الرجل يتبرك بعمله ودعوته إلى الخير فيكون هذا بركة لأننا نلنا منه خيراً كثيراً ([3]).
والنصوص في القرآن والسنة دلت على أن البركة من الله - جل وعلا - وأن الله - جل وعلا - هو الذي يبارك، وأنه لا أحد من الخلق يبارك أحدا، قال سبحانه:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ}(الفرقان:1). يعني:عَظُمَ خير من نزّل الفرقان على عبده وكثر، ودام وثبت. وقال:{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ}(الملك:1)([4]). وقال سبحانه:{ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ }(الصافات:113) وقال:{ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا }(مريم:31).
فالذي يبارك هو الله - جل وعلا - فلا يجوز للمخلوق أن يقول:باركت على الشيء أو أبارك فعلكم لأن البركة وكثرة الخير ولزومه وثباته إنما ذلك من الذي بيده الأمر وهو الله-عز وجل -,وقد دلت النصوص في الكتاب والسنة على أن الأشياء التي أحل الله -جل وعلا-البركة فيها قد تكون أمكنة أو أزمنة وقد تكون مخلوقات آدمية فهذان قسمان:

القسم الأول:أن الله تعالى بارك بعض الأماكن كبيت الله الحرام وحول بيت المقدس كما قال سبحانه:{ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ }( الإسراء:1).
ومعنى كون الأرض مباركة:أن يكون فيها الخير الكثير اللازم يعني- أبدا -أن يُتَمَسَّح بأرضها أو أن يُتَمَسَّح بحيطانها لأن بركتها لازمة لا تنتقل بالذات يعني:أنك إذا لامست الأرض أو دفنت فيها أو تبركت بها فإن بركتها لا تنتقل إليك بالذات وإنما بركتها من جهة المعنى فقط .

كذلك بيت الله الحرام هو مبارك لا من جهة ذاته يعني:ليس كما يعتقد البعض أن من تمسح به انتقلت إليه البركة وإنما هو مبارك من جهة المعنى يعني:اجتمعت فيه البركة التي جعلها الله في هذه البنية من جهة:تعلق القلوب بها وكثرة الخير الذي يكون لمن أرادها وأتاها وطاف بها وتعبد عندها وكذلك الحجر الأسود هو حجر مبارك ولكن بركته لأجل العبادة يعني أن من استلمه تعبدا مطيعا للنبي_صلى الله عليه وسلم_ في استلامه له وفي تقبيله فإنه يناله به بركة الاتباع.
وقد قال عمر رضي الله عنه لما قبّل الحجر:"إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر"([5]).
فقوله:لا تنفع ولا تضر يعني لا يجلب لمن قبله شيئا من النفع ولا يدفع عن أحد شيئا من الضر وإنما الحامل على التقبيل مجرد الاتِّساء تعبدا لله ولذلك قال:"ولولا أني رأيت رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يقبلك ما قبلتك". فهذا معنى البركة التي جعلت في الأمكنة.

وأما معنى كون الزمان مباركا - مثل شهر رمضان،أو بعض أيام الله الفاضلة فيعني:أن من تعبد فيها ، ورام الخير فيها ، فإنه ينال من كثرة الثواب ما لا يناله في غيرها من الأزمنة.
والقسم الثاني:البركة المنوطة ببني آدم وهي البركة التي جعلها الله - جل وعلا - في المؤمنين من الناس وعلى رأسهم سادة المؤمنين:من الأنبياء والرسل فهؤلاء بركتهم بركة ذاتية يعني:أن أجسامهم مباركة فالله - جل وعلا - هو الذي جعل جسد آدم مباركا وجعل جسد إبراهيم عليه السلام مباركا وجعل جسد نوح مباركا وهكذا جسد عيسى وموسى عليهم جميعا الصلاة والسلام جعل أجسادهم جميعا مباركة بمعنى:أنه لو تبرك أحد من أقوامهم بأجسادهم إما بالتمسح بها أو بأخذ عرقها أو التبرك ببعض أشعارهم فهذا جائز لأن الله جعل أجسادهم مباركة بركة متعدية وهكذا نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم جسده أيضا جسد مبارك ولهذا ورد في السنة أن الصحابة كانوا يتبركون بعرقه ويتبركون بشعره ([6]) وإذا توضأ اقتتلوا على وضوئه ([7]). إلى آخر ما ورد في ذلك ، ذلك أن أجساد الأنبياء فيها بركة ذاتية ينتقل أثرها إلى غيرهم.
وهذا مخصوص بالأنبياء والرسل أما غيرهم فلم يرد دليل على أن من أصحاب الأنبياء والرسل مَن بركتهم بركة ذاتية حتى أفضل هذه الأمة أبو بكر وعمر فقد جاء بالتواتر القطعي:أن الصحابة والتابعين والمخضرمين لم يكونوا يتبركون بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي كما كانوا يتبركون بشعر النبي صلى الله عليه وسلم أو بوضوئه أو بنخامته أو بعرقه أو بملابسه ونحو ذلك فعلمنا بهذا التواتر القطعي أن بركة أبي بكر وعمر إنما هي بركة عمل ليست بركة ذات تنتقل كما هي بركة النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا جاء في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن من الشجر لَمَا بركته كبركة المسلم"([8]).
فدل هذا:على أن في كل مسلم بركة وفي البخاري أيضا قول أسيد بن حضير:" ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر"([9]). فهذه البركة التي أضيفت لكل مسلم وأضيفت لآل أبي بكر هي:بركة عمل هذه البركة راجعة إلى الإيمان وإلى العلم والدعوة والعمل.
فكل مسلم فيه بركة وهذه البركة ليست بركة ذات وإنما هي بركة عمل وبركة ما معه من الإسلام والإيمان وما في قلبه من الإيقان والتعظيم لله - جل وعلا - والإجلال له والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم فهذه البركة التي في العلم أو العمل أو الصلاح : لا تنتقل من شخص إلى آخر.
وعليه فيكون معنى التبرك بأهل الصلاح هو الاقتداء بهم في صلاحهم والتبرك بأهل العلم هو الأخذ من علمهم والاستفادة منه وهكذا ولا يجوز أن يُتبرك بهم بمعنى أن يُتمسح بهم أو يُتبرك بريقهم لأن أفضل الخلق من هذه الأمة وهم الصحابة لم يفعلوا ذلك مع خير هذه الأمة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وهذا أمر مقطوع به ([10]).

وباب من: ( تبرك بشجر أو حجر ونحوهما ). يعني:ما حكم هذا الفعل؟
الجواب:هو مشرك يعني: باب من (تبرك بشجر أو حجر ونحوهما) فهو مشرك .
قوله: (ونحوهما) كبقعة وقبر ونحو ذلك أي: فهو مشرك.
قوله (وحجر) اسم:جنس يشمل أي حجر كان حتى الصخرة التي في بيت المقدس فلا يتبرك بها وكذا الحجر الأسود لا يتبرك به، وإنما يتعبد الله بمسحه وتقبيله اتباعاً للرسول - صلى الله عليه وسلم - وبذلك تحصل بركة الثواب.
ولهذا قال عمر رضي الله عنه:" إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك". فتقبيله عبادة محضة خلافاً للعامة يظنون أن به بركة حسية ولذلك إذا استلمه بعض هؤلاء مسح على جميع بدنه تبركاً بذلك ([11]).

وقوله:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ ...الآية .
كانت اللات لثقيف و العزى لقريش وبني كنانة و مناة لبني هلال
وقال ابن هشام:كانت لهذيل وخزاعة.
فأما اللات فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح و رويس بتشديد التاء.
فعلى الأولى قال الأعمش:سموا اللات من الإله، و العزى من العزيز

قال ابن جرير:
وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله تعالى، فقالوا:اللات مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا قال : وكذا العزى من العزيز.

وقال ابن كثير:اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تبعها يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.

قال ابن هشام:فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار.
وعلى الثانية قال ابن عباس:" كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره". ذكره البخاري قال ابن عباس:" كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويسلوه عليها فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق".
وعن مجاهد نحوه وقال (فلما مات عبدوه) رواه سعيد بن منصور. وكذا روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس:"أنهم عبدوه". وبنحو هذا قال جماعة من أهل العلم.

قلت:
لا منافاة بين القولين فإنهم عبدوا الصخرة والقبر تأليها وتعظيما ولمثل هذا بنيت المشاهد والقباب على القبور واتخذت أوثانا وفيه بيان أن أهل الجاهلية كانوا يعبدون الصالحين والأصنام.

وأما:العزى فقال ابن جرير :كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة - بين مكة والطائف - كانت قريش يعظمونها . كما قال أبو سفيان يوم أحد:" لنا العزى ولا عزى لكم". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" قولوا الله مولانا ولا مولى لكم"([12]).

وروى النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال:"لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة - وكانت بها العزى ، وكانت على ثلاث سمرات - فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:ارجع فإنك لم تصنع شيئا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة أمعنوا في الجبل وهم يقولون:يا عزى يا عزى، فأتاها خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها فعمها بالسيف فقتلها ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال:تلك العزى.
قال أبو صالح:كانوا يعلقون عليها السيور والعهن رواه عبد بن حميد وابن جرير.


قلت:
وكل هذا وما هو أعظم منه يقع في هذه الأزمنة عند ضرائح الأموات وفي المشاهد
وأما مناة. فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمونها ويهلون منها للحج .
وأصل اشتقاقها:من اسم الله المنان، وقيل:لكثرة ما يمنى- أي يراق- عندها من الدماء للتبرك بها.

قال البخاري-رحمه الله- في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها إنها صنم بين مكة والمدينة قال ابن هشام:" فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فهدمها عام الفتح".
فمعنى الآية كما قال القرطبي:أن فيها حذفا تقديره أفرأيتم هذه الآلهة أنفعت أو ضرت، حتى تكون شركاء لله تعالى.

يقول_الله تعالى_:للمشركين الذين يعبدون الأصنام وفي مقدمتها الأصنام الثلاثة المشهورة عند العرب:اللات والعُزَّى ومَنَاة هل تنفع هذه الأصنام أو تضر؟ فيقول:{أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى} هل نفعتكم؟ هل دفعت عنكم الضرر؟ هل جلبت لكم شيئاً من الرزق؟ فلا يستطيعون الجواب بأنها تضر أو تنفع لم تنفعهم في بدر وغيرها من الغزوات ولم تدفع عنهم ما أوقع الله بهم من الهزائم ما أجابوا عن هذا السؤال العظيم؛ فدلّ على انقطاع حجتهم.
وهكذا في كل أسئلة القرآن الكريم التي هي من باب التحدِّي والتعجيز، لم يصدر لها جواب من قبل المشركين، ولن يصدر لها جواب إلى أن تقوم الساعة ([13]).
ومطابقة الآيات للترجمة: من جهة أن عباد هذه الأوثان إنما كانوا يعتقدون حصول البركة معها بتعظيمها ودعائها والاستعانة بها والاعتماد عليها في حصول ما يرجونه منها ويؤملونه ببركاتها وشفاعتها وغير ذلك فالتبرك بقبور الصالحين كاللات، وبالأشجار كالعزى ومناة من فعل جملة أولئك المشركين مع تلك الأوثان، فمن فعل مثل ذلك واعتقد في قبر أو حجر أو شجر فقد ضاهى عباد هذه الأوثان فيما كانوا يفعلونه معها من هذا الشرك على أن الواقع من هؤلاء المشركين مع معبوديهم أعظم مما وقع من أولئك فالله المستعان([14]).

قوله: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر......) الحديث.

يعني:أن إسلامهم كان جديداً متأخراً، وهو يريد بذلك بيان العذر مما وقع منهم، أنهم كانوا جُهّالاً لم يتفقّهوا كما كان الصحابة الذين مع الرسول_صلى الله عليه وسلم_ فقهاء عرفوا العقيدة ودرسوها، لكن هؤلاء أسلموا قريباً، ولم يتمكّنوا من التفقّه في العقيدة، وكانوا آلفين لأشياء من دين الجاهلية، لم يتخلّصوا منها بعد,
قال العلماء:فهذا فيه دليل على أن الإنسان إذا عاش في بيئة فاسدة ثم انتقل منها؛ أنه قد يبقى في نفسه منها شيء فهذا كان في بيئة شركية وأسلم قريباً.

وهذا دليل على آفة الجهل وأن الإنسان قد يقع في الشرك بسبب الجهل وفيه الحث على تعلم العقيدة ومعرفتها والتبصّر فيها خشية أن يقع الإنسان في مثل ما وقع فيه هؤلاء فالذين ينادون اليوم بتهوين أمر العقيدة ويقولون:لماذا يدرسون العقيدة وهم مسلمون؟ يا سبحان الله المسلم هو أولى بدراسة العقيدة من أجل أن يصحِّح إسلامه، ومن أجل أن يحفظ دينه هؤلاء مسلمون ومع هذا وقعوا في هذه القضية بسبب أنهم لم يتعلموا، ففي هذا دليل على وجوب تعلم العقيدة الصحيحة، ووجوب تعلّم ما يضادها من الشرك والبدع والخرافات حتى يكون الإنسان على حذر منها وما أوقع اليوم عُبّاد الأضرحة- أو كثير منهم- في عبادة القبور إلاَّ بسبب الجهل، ويظنون أن هذه من الإسلام، فهذه مصيبة عظيمة ([15]).

قوله: ( قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)
شبه مقالتهم هذه بقول بني إسرائيل بجامع أن كلا طلب أن يجعل له ما يألهه ويعبده من دون الله وإن اختلف اللفظان فالمعنى واحد، فتغيير الاسم لا يغير الحقيقة.

ففيه الخوف من الشرك ([16]) وأن الإنسان قد يستحسن شيئا يظن أنه يقربه إلى الله، وهو أبعد ما يبعده من رحمته ويقربه من سخطه، ولا يعرف هذا على الحقيقة إلا من عرف ما وقع في هذه الأزمان من كثير من العلماء والعباد مع أرباب القبور من الغلو فيها وصرف جل العبادة لها، ويحسبون أنهم على شيء وهو الذنب الذي لا يغفره الله.

قال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بابن أبي شامة في كتاب البدع والحوادث:"ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد وإسراج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك ويحافظون عليه مع تضييعهم لفرائض الله تعالى وسننه ويظنون أنهم متقربون بذلك ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لها وهي من عيون وشجر وحائط وحجر...".
وفي هذه الجملة من الفوائد:أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك ولا يغتر بالعوام والطغام ولا يستبعد كون الشرك بالله تعالى يقع في هذه الأمة.

فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك حسنا،وطلبوه من النبي_صلى الله عليه وسلم_ حتى بين لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل:{اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} فكيف لا يخفى على من دونهم في العلم والفضل بأضعاف مضاعفة مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار النبوة؟! بل خفي عليهم عظائم الشرك في الإلهية والربويية فأكبروا فعله واتخذوه قربة ([17]) .

قوله ( قال إنكم قوم تجهلون......) الخ
أي:السبب الذي أوقعكم في هذا هو الجهل بالتّوحيد، وهذا- كما ذكرنا- يُوجب على المسلمين أن يتعلموا العقيدة ولا يكتفوا بقولهم:نحن مسلمون نحن في بلاد إسلام نحن في بيئة إسلامية، كما يقوله الجهال أو الذين يُثَبِّطون عن تعلّم العقيدة.

ففيه آفة الجهل وان الجهل قد يوقع في الكفر بالله عزّ وجلّ وهذه خطورة عظيمة ولا يُنجّي من هذا الجهل إلاَّ تعلّم العقيدة الصحيحة،والتأكُّد منها وتدريسها وتكرارها على الناس وتعليمها للناس ونشرها بكل وسيلة في المساجد وفي المدارس وفي وسائل الإعلام وفي المجالس وفي البيوت"([18]).

فيه مسائل
:

الأولى:تفسير آية النجم.
الثانية:معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة:كونهم لم يفعلوا.
الرابعة:كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه.
الخامسة:أنهم جهلوا هذا ؛ فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة:أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
السابعة:أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعذرهم بل رد عليهم بقوله:« الله أكبر إنها السنن لتتبعن سَنَن من كان قبلكم » فغلّظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة:الأمر الكبير - وهو المقصود - :أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا}.
التاسعة:أن نفي هذا من معنى: ( لا إله إلا الله ) مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة:أنه حلف على الفتيا وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة:أن الشرك فيه أكبر وأصغر ، لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة:قولهم ( ونحن حدثاء عهد بكفر ) فيه:أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة:التكبير عند التعجب خلافا لمن كرهه.
الرابعة عشرة:سد الذرائع.
الخامسة عشرة:النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة:الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة:القاعدة الكلية لقوله: « إنها السنن ».
الثامنة عشرة:أن هذا عَلَم من أعلام النبوة ، لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة : أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون:أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر فصار فيه التنبيه على مسائل القبر أما من ربك ؟ فواضح وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب وأما ما دينك؟ فمن قولهم: (اجعل لنا) إلى آخره.
الحادية والعشرون:أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون:أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤْمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة ، لقولهم:ونحن حدثاء عهد بكفر.
-------------

([1]) أخرجه أحمد (21897) والنسائي في الكبرى (11185) و الترمذي : (2181) وقال : حديث حسن صحيح . وصححه الألباني .
([2]) " إعانة المستفيد " (ج 1_ ص 155) .
([3]) " القول المفيد " (ج1_ ص194) .
([4]) انظر لسان العرب : ( ج10_ ص397) و التمهيد: (ص126) .
([5]) أخرجه البخاري ( 1597 ) و(1605) و( 1610 ) ومسلم (1270) .
([6]) أخرجه مسلم ( 1305 ) والبخاري (170) و(171) .
([7]) أخرجه البخاري ( 2731 ) و( 2732 ) .
([8]) أخرجه البخاري رقم: (5444) .
([9]) أخرجه البخاري (334) و(336) و(3672) و(3773) و(4583) و(4607) و(4608) و(5164) و(5250) و(5882) و(6844) و(6845) وقوله : ما هذه بأول بركتكم يا آل أبي بكر . إنما هو قول أسيد بن حضير وليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم .
([10]) انظر التمهيد: (ص127) .
([11]) القول المفيد: ( ج1_ ص 196) .
([12]) رواه أحمد ( 4/293), ورواه البخاري في مواضع من صحيحه ( 3039_3986_4043_4067_4561) .
([13]) إعانة المستفيد: ( ج1_ ص 156).
([14]) انظر فتح المجيد (ص155_ص 158) وانظر القول المفيد: (ج1_ص 200).
([15]) إعانة المستفيد: ( ج1_ ص 159 ).
([16]) ولهذا جاء المؤلف بباب ( الخوف من الشرك ) وهو الباب الثالث.
([17]) انظر فتح المجيد ( ص 160).
([18]) انظر إعانة المستفيد: ( ج1_ ص161 ).


لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ














عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-09-05, 12:47 PM   المشاركة رقم: 17
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد





(9)
باب
ما جاء في الذبح لغير الله

وقول الله تعالى:{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ }( الأنعام:162)
وقال تعالى:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } (الكوثر:2)


وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ بأربع كلمات:" لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه،لعن الله من آوى محدثا،لعن الله من غير منار الأرض" رواه مسلم ([1]).

وعن طارق بن شهاب أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال:"دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب قالوا:وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال:مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا،فقالوا لأحدهما قرّب،قال:ليس عندي شيء أقرّب،قالوا له:قرّب ولو ذبابا ،فقرّب ذبابا،فخلوا سبيله فدخل النار،وقالوا للآخر: قرّب، فقال:ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله- عز وجل- فضربوا عنقه فدخل الجنة" رواه أحمد([2]).


الشرح :

هذا الباب كالأبواب التي قبله في بيان أنواع من الشرك التي يمارسها بعض الناس في مختلف الأزمان، من عهد الجاهلية، ولا تزال مستمرَّة، وذلك من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، ولله الحكمة سبحانه وتعالى في بقاء هذا الشرك والكفر؛ من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب، والموحِّد من المشرك، والمهتدي من الضال:{لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً}، ولكن لو هداهم جميعاً لم تكن هناك مِيزَة لأحد على أحد، ولكن اقْتَضَتْ حكمته سبحانه أن يُجري الامتحان من أجل أن يتميّز الخبيث من الطيّب([3]).

قوله (ما جاء في الذبح ......) أي: من الوعيد وأنه شرك وصاحبه ملعون.
قوله: ( لغير الله ) :اللام للتعليل، والقصد:أي قاصداً بذبحه غير الله،

والذبح لغير الله ينقسم إلى قسمين:

· أن يذبح لغير الله تقرباً وتعظيماً، فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.
· أن يذبح لغير الله فرحاً وإكراماً، فهذا لا يخرج من الملة، بل هو من الأمور العادية التي قد تكون مطلوبة أحياناً وغير مطلوبة أحياناً، فالأصل أنها مباحة.
ومراد المؤلف هنا القسم الأول

والذبح:هو إراقة الدم تعبدا لله. وبكسر الدال:هو ما يذبح ([4]).
والذبح يقع على أربعة جهات:

* أن يذبح باسم الله لله ، فهذا هو التوحيد.
* أن يذبح باسم الله لغير الله ، وهذا شرك في العبادة.
* أن يذبح باسم غير الله لغير الله ، وهذا شرك في الاستعانة ، وشرك في العبادة أيضا.
*أن يذبح بغير اسم الله ويجعل الذبيحة لله ، فهذا شرك في الربوبية ([5]).

قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -
:{وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} ظاهره:أنه ما ذبح لغير الله، مثل أن يقول: هذا ذبيحة لكذا. وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال فيه: باسم المسيح أو نحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أذكى وأعظم مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: بسم الله.


فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى؛ فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال.
لكن يجتمع في الذبيحة مانعان:

الأول: أنه مما أهل به لغير الله.
والثاني: أنها ذبيحة مرتد.
ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن النبي_صلى الله عليه وسلم_:" أنه نهى عن ذبائح الجن"([6]).

قال الزمخشري:"كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت إليهم الذبائح لذلك".

وذكر إبراهيم المروزي: أن ما ذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه، أفتى أهل بخارى بتحريمه; لأنه مما أهل به لغير الله ([7]).


قوله: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي ...الخ ).
مناسبة الآية للترجمة: أن الله تعالى تعبد عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات؛ فإن الله تعالى أمرهم أن يخلصوا جميع أنواع العبادة له دون كل ما سواه، فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة، فقد جعلوا لله شريكا في عبادته، ظاهر في قوله:{لا شَرِيكَ لَهُ} نفى أن يكون الله تعالى شريك في هذه العبادات، وهو بحمد الله واضح .

وقَرْن النُّسُك بالصلاة يدلّ على أنه عبادة عظيمة، لا يجوز صرفها لغير الله، والنسك قد تساهل فيه كثير من الناس فصاروا يذبحون للجن طاعة للمُشَعْوِذِين من أجل العلاج بزعمهم.


قال ابن كثير: "يأمره الله تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له: بأنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى.


قال مجاهد: النسك الذبح في الحج والعمرة.

وقال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير: ونسكي ذبحي, وكذا قال الضحاك" ([8]).


قوله (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ)
قال شيخ الإسلام رحمه _الله تعالى_:" أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ وَهُمَا الصَّلَاةُ وَالنُّسُكُ الدَّالَّتَانِ عَلَى الْقُرْبِ وَالتَّوَاضُعِ وَالِافْتِقَارِ وَحُسْنِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى عُدَّتِهِ وَأَمْرِهِ وَفَضْلِهِ وَخُلْفِهِ عَكْسُ حَالِ أَهْلِ الْكِبْرِ وَالنُّفْرَةِ وَأَهْلِ الْغِنَى عَنْ اللَّهِ الَّذِينَ لَا حَاجَةَ فِي صَلَاتِهِمْ إلَى رَبِّهِمْ يَسْأَلُونَهُ إيَّاهَا وَاَلَّذِينَ لَا يَنْحَرُونَ لَهُ خَوْفًا مِنْ الْفَقْرِ وَتَرْكًا لِإِعَانَةِ الْفُقَرَاءِ وَإِعْطَائِهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ وَلِهَذَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا. فِي قَوْله تَعَالَى {قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وَالنُّسُكُ هِيَ الذَّبِيحَةُ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ.


وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ الصَّلَاةَ وَالنُّسُك هُمَا أَجَلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ فَإِنَّهُ أَتَى فِيهِمَا بِالْفَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّلَاةُ وَالنَّحْرُ سَبَبٌ لِلْقِيَامِ بِشُكْرِ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ مِنْ الْكَوْثَرِ وَالْخَيْرِ الْكَثِيرِ فَشُكْرُ الْمُنْعِمِ عَلَيْهِ وَعِبَادَتُهُ أَعْظَمُهَا هَاتَانِ الْعِبَادَتَانِ بَلْ الصَّلَاةُ نِهَايَةُ الْعِبَادَاتِ وَغَايَةُ الْغَايَاتِ.كَأَنَّهُ يَقُولُ: {إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} الْخَيْرَ الْكَثِيرَ وَأَنْعَمْنَا عَلَيْك بِذَلِكَ لِأَجْلِ قِيَامِك لَنَا بِهَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ شُكْرًا لِإِنْعَامِنَا عَلَيْك وَهُمَا السَّبَبُ لِإِنْعَامِنَا عَلَيْك بِذَلِكَ فَقُمْ لَنَا بِهِمَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَالنَّحْرَ مَحْفُوفَانِ بِإِنْعَامِ قَبْلِهِمَا وَإِنْعَامٍ بَعْدِهِمَا.


وَأَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ النَّحْرُ وَأَجَلُّ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ الصَّلَاةُ وَمَا يَجْتَمِعُ لِلْعَبْدِ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجْتَمِعُ لَهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ كَمَا عَرَفَهُ أَرْبَابُ الْقُلُوبِ الْحَيَّةِ وَأَصْحَابُ الْهِمَمِ الْعَالِيَةِ وَمَا يَجْتَمِعُ لَهُ فِي نَحْرِهِ مِنْ إيثَارِ اللَّهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ وَقُوَّةِ الْيَقِينِ وَالْوُثُوقِ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَمْرٌ عَجِيبٌ إذَا قَارَنَ ذَلِكَ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ وَقَدْ امْتَثَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَ رَبِّهِ فَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ لِرَبِّهِ كَثِيرَ النَّحْرِ حَتَّى نَحَرَ بِيَدِهِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَكَانَ يَنْحَرُ فِي الْأَعْيَادِ وَغَيْرِهَا" ([9]).


قوله: (لعن الله من ذبح لغير الله ، لعن الله من لعن والديه....)الحديث.

عن أبي طفيل قال: قلنا لعلي: أخبرنا بشيء أسره إليك رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ فقال: ما أسر إلي شيئا كتمه الناس; ولكن سمعته يقول: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثا، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من غير تخوم الأرض، يعنى المنار"([10]).

اللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله جل وعلا ([11]).
وهذا اللعن على سبيل العموم وأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان:

أحدهما: أنه جائز. اختاره ابن الجوزي وغيره.
والثاني: لا يجوز. اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام.

قال النووي رحمه _الله تعالى_ :"واتفق العلماء على تحريم اللعن فانه فى اللغة الإبعاد والطرد وفى الشرع الإبعاد من رحمة الله تعالى فلا يجوز أن يبعد من رحمة الله تعالى من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية فلهذا قالوا لا يجوز لعن أحد بعينه مسلما كان أو كافرا أو دابة إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر أو يموت عليه كأبي جهل وإبليس وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة وآكل الربا وموكله والمصورين والظالمين والفاسقين والكافرين ولعن من غير منار الأرض ومن تولى غير مواليه ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان والله اعلم" ([12]).


والمسلم لا يجوز أن يكون لعّاناً، ولا سبّاباً، ولا بذيئاً، المسلم يجب أن يكون مؤدباً، ويتكلم بالكلام الطيّب:{وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، هكذا ينبغي للمسلم أنه يحفظ لسانه عن القول البذيء، ولاسيّما إذا كان هذا القول من أقبح الكلام كاللعن والسبّ والشتم، حتى البهائم والدواب والدُّور والمساكن لا يجوز لعنها، فقد لعنت امرأة ناقة لها وهي تسير مع النبي _صلى الله عليه وسلم_، فأمر النبي _صلى الله عليه وسلم_ بأخذ ما على الناقة وتركها تمشي، لا يتعرّض لها أحد، من باب التأديب والتعزير فلا يجوز لعن الآدميين، ولا لعن الدواب، ولا لعن المساكن، أو السيارات، أو غير ذلك.


فالحاصل: أن قوله سبحانه:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} وقوله:{فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وقول الرسول :"لعن الله من ذبح لغير الله". يشمل كل هذه الأمور:

1- ما ذُبح للأصنام تقرّباً إليها.
2- ما ذُبح للحم وذكر عليه اسم غير الله سبحانه وتعالى.
3- ما ذُبح تعظيماً لمخلوق وتحيّة له عند نزوله ووصوله إلى المكان الذي تستقبل فيه.
4- ما ذُبح عند انحباس المطر في مكان معين أو عند قبر لأجل نزول المطر.
5- ما يُذبح عند نزول البيوت خوفاً من الجن أن تصيبه،
كل هذا يدخل في الذبح لغير الله، ويكون شركاً بالله سبحانه وتعالى([13]).


قوله: (وعن طارق بن شهاب أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال:" دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب .....الحديث ).

فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرِّبه اعتذر بالعدم، ولم يقل:إن الذبح لغير الله لا يجوز، أو هذا منكر- والعياذ بالله-، وهذا يدلّ على أنه لو كان عنده شيء لقربه. قالوا له: قرِّب ولو ذباباً فقرب ذباباً، يعني: اذبحه للصنم، فقرِّب ذباباً فخلوا سبيله سمحوا له بالمرور، فدخل النار بسبب الشرك، وأنه ذبح لغير الله، والعبرة بالنيّة والقصد لا بالمذبوح. والقصد أنه ما استنكر هذا الشيء، ولا تمنع منه، وإنما اعتذر بعدم وجود شيء فلذلك دخل النار- والعياذ بالله.

وقالوا للآخر: قرِّب ؟ فقال: ما كنت لأقرِّب لأحد شيئاً دون الله عزّ وجلّ. امتنع وأنكر الشرك، فضربوا عنقه يعني: قتلوه، فدخل الجنة, بسبب التّوحيد, فهذا الحديث حديث عظيم، فيه مسائل عظيمة:

المسألة الأولى: هذا الحديث فيه جواز الإخبار عن الأمم السابقة، والتحدّث عنها بما ثبت لأجل العظة والعبرة.
المسألة الثانية: في الحديث دليل على تحريم الذبح لغير الله، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك، لأن هذا الرجل الذي ذبح الذباب دخل النار، وحتى لو كان المذبوح شيئاً تافهاً، والرجل الثاني عظّم الشرك، وتجنبه ولو كان شيئاً حقيراً، فدخل الجنة.
المسألة الثالثة: كما قال الشيخ رحمه الله في مسائله: أن المدار على أعمال القلوب، وإن كان الشيء الظاهر تافهاً، لكن المدار على عمل القلب.
المسألة الرابعة: فيه دليل- كما قال الشيخ _رحمه الله- على قُرب الجنة والنار من الإنسان، كما قال_ صلى الله عليه وسلم_ :"الجنة أقرب إلى أحدكم من شِراك نعله، والنار مثل ذلك". هذا ضربوا عنقه فدخل الجنة، وذاك خلو سبيله فدخل النار.
المسألة الخامسة: أن هذا الرجل الذي ذبح الذباب كان مؤمناً، فدخل النار بذبحه الذباب، لأنه لو كان كافراً لدخل النار بكفره، لا بذبح الذباب، فدلّ على أنه كان مؤمناً، وهذه مسألة خطيرة جدًّا، فأين الذين يذبحون للقبور وللجن،وللشياطين،وللعفاريت، وللسحرة؟،
فدلّ على أن الشرك الأكبر يخرج من الملة ولو كان شيئاً يسيراً، فأمور التّوحيد وأمور العقيدة لا يُتسامح فيها([14]).


فيه مسائل:


الأولى: تفسير {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي} [الأنعام: 162]
الثانية: تفسير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ}[الكوثر: 2]
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تعلن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله، فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض وهي المراسيم التي تفرق بين حقك وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو تأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين ولعن أهل المعاصي على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين؛ كيف صبر ذلك على القتل ولم يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر!
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم،لأنه لو كان كافرا لم يقل:"دخل النار في ذباب ".
الثانية عشرة: فيه شاهد للحديث الصحيح:«الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك».
الثالثة عشرة: معرفة أن عمل القلب هو المقصود الأعظم، حتى عند عبدة الأوثان.
-------------
([1]) أخرجه مسلم (1978) .

([2]) أخرجه أحمد في الزهد (ص15) وأخرجه أبو نعيم في الحلية: (1 / 203 ) والبيهقي في شعب الإيمان ( 5/485 رقم 7343). موقوفا على سلمان الفارسي رضي الله عنه بسند صحيح. وأورده ابن القيم مرفوعاً في الجواب الكافي: (ص52) والصحيح الوقف وقال بعض أهل العلم ليس له حكم الرفع لأن في متنه نكارة .
([3]) انظر إعانة المستفيد (ص164).
([4]) ينظر مختار الصحاح (ص92).
([5]) انظر التمهيد لزاماً: (ص140), والقول المفيد على كتاب التوحيد (ج 1_ص214).
([6]) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (2/302) من حديث أبي هريرة وقال: فيه عبد الله بن أذينة وذكره الذهبي في الميزان (2/391) معزوا لابن حبان وأخرجه البيهقي في السنن (9/314) مرسلا. وضعفه الشوكاني في الفوائد المجموعة والألباني في الروضة الندية.
([7]) انظر فتح المجيد: ( 167) ,والتمهيد لشرح كتاب التوحيد ( ص141).
([8]) انظر فتح المجيد (ص166).
([9]) مجموع الفتاوى : (ج16_ص531) وانظر فتح المجيد (ص167).
([10]) رواه الإمام أحمد: (1/108) والإمام مسلم .
([11]) انظر مختار الصحاح: ( ص250).
([12]) المنهاج شرح صحيح مسلم ابن الحجاج : (ج2_ص67) وانظر فتح المجيد (171).
([13]) انظر إعانة المستفيد: (ص169).
([14]) انظر إعانة المسفيد (ص172).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-09-09, 11:06 AM   المشاركة رقم: 18
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد



(10)
باب
لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله

وقوله تعالى :{ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } (التوبة:108) .

وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال:" نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة فسأل النبي _صلى الله عليه وسلم_ فقال:" هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا:لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ قالوا :لا قال:" أوف بنذرك فإنه لا وفاء بنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم ". رواه أبو داود([1]) وإسناده على شرطهما.


الشرح :
هذا الانتقال من المؤلف من أحسن ما يكون، ففي الباب السابق ذكر الذبح لغير الله، فنفس الفعل لغير الله, وفي هذا الباب ذكر الذبح لله، ولكنه في مكان يذبح فيه لغيره، كمن يريد أن يضحي لله في مكان يذبح فيه للأصنام، فلا يجوز أن تذبح فيه، لأنه موافقة للمشركين في ظاهر الحال، وربما أدخل الشيطان في قلبك نية سيئة، فتعتقد أن الذبح في هذا المكان أفضل، وما أشبه ذلك، وهذا خطر. وهذا الباب تابعٌ للباب الذي قبله؛ لأن الباب الذي قبله: ( ما جاء في الذبح لغير الله ). يعني: أنه محرَّمٌ وأنه شرك، وهذا الباب فيه سدُّ الذريعة المُفْضية إلى الذبح لغير الله ([2]).

وقوله ( لا يذبحُ لله في مكان يذبح فيه لغير الله )
. لأن الذبح في هذا المكان وإن كان لله عزّ وجلّ، فإنه وسيلة إلى الشرك، وكذلك في الذبح في هذا المكان تعظيم له ومشابهة للمشركين، وقد نهى النبي _صلى الله عليه وسلم_ عن الوسائل المُفْضية إلى الشرك، مثل: نهيه عن الصلاة إلى القُبور وإنْ كان المصلي لا يصلي إلاَّ لله عزّ وجلّ، ونهي عن الدعاء عند القُبور وإن كان الداعي لا يدعو إلاَّ الله وحده، لكن هذا المكان لا يصلُح التعبد لله فيه، لأنه وسيلةٌ إلى الشرك ([3]).


وجه المناسبة من الآية:

أنه لما كان مسجد الضرار مما اتخذ للمعاصي ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين، نهى الله ورسوله أن يقوم فيه، مع أن صلاته فيه لله، فدل على أن كل مكان يعصى الله فيه أنه لا يقام فيه، فهذا المسجد متخذ للصلاة، لكنه محل معصية، فلا تقام فيه الصلاة. وكذا لو أراد إنسان أن يذبح في مكان يذبح فيه لغير الله كان حراماً، لأنه يشبه الصلاة في مسجد الضرار.

وقريب من ذلك النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لأنهما وقتان يسجد فيهما الكفار للشمس، فهذا باعتبار الزمن والوقت والحديث الذي ذكره المؤلف باعتبار المكان.


وقول الله تعالى:{لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً}

قال المفسرون: إن الله تعالى نهى رسوله عن الصلاة في مسجد الضرار، والأمة تبع له في ذلك، ثم إنه تعالى حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني على التقوى، وهي طاعة الله ورسوله _صلى الله عليه وسلم_ وجمعا لكلمة المؤمنين، ومعقلا ومنزلا للإسلام وأهله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال:" صلاة في مسجد قباء كعمرة ". وفي الصحيح:" أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ كان يزور قباء راكبا وماشيا ".
وقد صرح أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء جماعة من السلف، منهم ابن عباس، وعروة; وعطية، والشعبي، والحسن وغيرهم.


قلت: ويؤيده قوله في الآية:{فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} وقيل: هو مسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_؛ لحديث أبي سعيد قال:" تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل: هو مسجد قباء. وقال الآخر: هو مسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: هو مسجدي هذا " رواه مسلم ، وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت وغيرهم.


قال ابن كثير:
وهذا صحيح. ولا منافاة بين الآية والحديث؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ بطريق أولى، وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية الله كما قال تعالى:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. فلهذه الأمور نهى الله نبيه عن القيام فيه للصلاة. وكان الذين بنوه جاءوا إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ قبل خروجه إلى غزوة تبوك فسألوه أن يصلي فيه، وأنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، فقال: " إنا على سفر; ولكن إذا رجعنا - إن شاء الله - فلما قفل - عليه السلام - راجعا إلى المدينة; ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعضه نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل قدومه إلى المدينة ([4]).


قال العلامة صالح الفوزان _حفظه الله تعالى_: ففي هذه الآيات: أن النّيات تؤثِّر في الأمْكنة والمباني، النيّات الخبيثة تؤثر في الأمكنة والبِقاع خبثاً، والنيّات الصالحة تؤثِّر فيها بركة وخيراً. ففيها: الحث على إصلاح المقاصد.

وفيها: دليلٌ على أن الاعتبار بالمقاصد لا بالمظاهر؛ هؤلاء بنوا مسجداً في الظاهر، ولكن ليس مقصودهم المسجد، فدلّ على أن ما كل من أظهر الصلاح يُقبَل منه حتى تُعرف حقيقته
وفيه: التنبيه على خِداع المخادِعين، وأن يكون المؤمنون على حذر دائماً من المشبوهين ومن تضليلهم، وأنهم قد يتظاهرون بالصلاح، ويتظاهرون بالمشاريع الخيرية، ولكن ما دامت سوابقهم وما دامت، تصرُّفاتهم تشهد بكذبهم فإنه لا يُقبل منهم، ولا ننخدع بالمظاهر دون نظر إلى المقاصد وإلى ما يترتب -ولو على المدى البعيد- على هذه المظاهر.
ففيه: تنبيه المسلمين إلى الحذر في كل زمان ومكان من تضليل المشبوهين، وأن كل من تظاهر بالخير والصلاح والمشاريع الخيرية لا يكون صالحاً، إلاَّ من لم يكن له سوابق في الإجرام، ولم يُعرف عنه إلاَّ الخير؛ فهذا يُقبل منه، لكن من كان معروفاً بالسوابِق السيِّئة والمكائد الخبيثة، أو يظهر عليه أو على فلتات لسانه أو على كَلامه شيء؛ فإننا نأخذ الحذر منه ولا ننخدع، لأنّ الله جل وعلا نهى رسوله أن يصليَ في مكان أُعِدَّ للمعصية، فدلّ هذا على أنه لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله، كما لا يصلى لله في مكان أُعِدَّ للمعصية والكفر، كذلك لا يُذبح لله في مكان أُعِدَ للمعصية. وقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} هو مسجد قباء لصلاح نية أهله رضي الله عنهم ([5]).


وقال العلامة السعدي رحمه _ الله تعالى _:
وفي هذه الآيات فوائد عدة:

· منها: أن اتخاذ المسجد الذي يقصد به الضرار لمسجد آخر بقربه، أنه محرم، وأنه يجب هدم مسجد الضرار، الذي اطلع على مقصود أصحابه.
· ومنها: أن العمل وإن كان فاضلا تغيره النية، فينقلب منهيا عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى.
· ومنها: أن كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها. كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن الله علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله.
· ومنها: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها.
· ومنها: أن المعصية تؤثر في البقاع، كما أثرت معصية المنافقين في مسجد الضرار، ونهي عن القيام فيه، وكذلك الطاعة تؤثر في الأماكن كما أثرت في مسجد: ( قباء ) حتى قال الله فيه:{لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ}. ولهذا كان لمسجد قباء من الفضل ما ليس لغيره، حتى كان _صلى الله عليه وسلم_ يزور قباء كل سبت يصلي فيه، وحث على الصلاة فيه.
· ومنها: أنه يستفاد من هذه التعاليل المذكورة في الآية، أربع قواعد مهمة، وهي:
1_ كل عمل فيه مضارة لمسلم، أو فيه معصية لله، فإن المعاصي من فروع الكفر، أو فيه تفريق بين المؤمنين، أو فيه معاونة لمن عادى الله ورسوله، فإنه محرم ممنوع منه، وعكسه بعكسه.
2_ ومنها: أن الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات.
3_ ومنها: أنه إذا كان مسجد قباء مسجدا أسس على التقوى، فمسجد النبي صلى الله عليه وسلم الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له من باب أولى وأحرى.
4_ ومنها: أن العمل المبني على الإخلاص والمتابعة، هو العمل المؤسس على التقوى، الموصل لعامله إلى جنات النعيم. والعمل المبني على سوء القصد وعلى البدع والضلال، هو العمل المؤسس على شفا جرف هار، فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين([6]).


قوله (وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال نذر رجل أن يذبح إبلا ببوانة...)الحديث.

النذر في اللغة هو: الالتزام- يقال: نذر كذا إذا التزمه، ونذر دم فلان بمعنى أنه التزم أن يقتله.
وأما في الشرع: فالنذر معناه: إلزام المكلَّف نفسه طاعة لله لم تجب عليه بأصل الشرع من صلاة وصيام وحجٍّ وعمرة وصدقة وغير ذلك,
والنذر -في الأصل- غير مشروع، ولا يُستحب للإنسان أنه ينذر لنهيه _صلى الله عليه وسلم_ عن النذر وقال:" إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يُستخرج به من البخيل". وفي رواية: "لا تنذروا- بالنهي- ".
فإن النذر لا يأتي بخير، فما دام الإنسان على السَّعَة فإنه لا ينبغي له أن ينذر ليكون في سَعة، إنْ أراد أن يتعبّد ويأتي بالطاعة أتى بها، وإلاّ فليست لازمة له، ولكنه إذا نذر ورَّط نفسه، ووجب عليه الوفاء بالنذر، قال تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}، وقال تعالى:{وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ}، قال تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ}، وقال _صلى الله عليه وسلم_: "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

قوله: ( أن ينحر إبلاً )
النحر معناه: ذبح الإبل في النحر -وهو اللَّبَّة-، يقال: نحر البعير، وذبح الشاة والبقرة. فالنحر خاصٌّ بالإبل، وأما الذبح فيكون لغير الإبل.


قوله: ( ببُوانة )
(بُوانة) اسم موضع بين مكة والمدينة، قيل:إنه قريبٌ من مكة عند (السعديّة) التي هي (يَلَمْلَم) ميقات أهل اليمن، وقيل إنه قريبٌ من المدينة عند (ينبع). فالحاصل؛ أنه اسم موضع بين مكة والمدينة.


قوله: (فسَأل النبي صلى الله عليه وسلم)
فيه دليل: على الرجوع إلى أهل العلم، وأن الإنسان لا يقدِم على شيء من العبادات حتى يعرف هل هو مشروع أو غير مشروع؟


قوله: ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل كان فيها وَثنٌ من أوثان الجاهلية يعبد؟.... ),
يعني: هل كان في هذا المكان - ببُوانة- وثن من أوثان الجاهلية يُعبد، يعني: وأُزيل الآن.

والوثن: كل ما عُبد من دون الله من حجر ومن شجر أو صورة أو قبر، أما الصنم فهو خاصٌّ بما كان على صورة, فهذا فيه: دليلٌ على أنّ الصنم ولو زال وأن الوثن ولو زال من المكان أنّ هذا المكان يُترك ولا يُذبح فيه، لأنه قال: ( هل كان فيها؟ ) ، يعني: في الزمان الماضي؛ فدلّ على أنّ مكان الوثن يجب أن يُهجَر قال تعالى:{وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} الرجز الأصنام وهجرها: تركها وترك المكان الذي كانت فيه.
وفيه التثبت في الفتوى؛ لأن الرسول _صلى الله عليه وسلم_ تثبّت قبل الفتوى؛ وبعض الناس يتسرّع في الفتوى مباشرة قبل أن يكمِّل السائل السؤال أو قبل أن يعرف مقصده.
فهذا الحديث يدلُّ على مسائل عظيمة:
المسألة الأولى: أنّ الذبح عبادة لا تجوز لغير الله.
المسألة الثانية: فيه مشروعية الرجوع إلى أهل العلم وسؤال أهل العلم؛ لأن هذا الرجل لم يُقدِم على تنفيذ النذر إلاَّ بعد أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثالثة: في الحديث دليل على مشروعية تثبُّت المفتي من حال السائل، ومقاصده قبل إصدار الفتوى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم تثبّت قبل الفتوى؛ وبعض الناس يتسرّع في الفتوى مباشرة قبل أن يكمِّل السائل السؤال أو قبل أن يعرف مقصده.
المسألة الرابعة: وهي الشاهد للباب: أنه لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله عزّ وجلّ، لأن هذا من وسائل الشرك.
المسألة الخامسة: فيه: خطورة الذبح لغير الله؛ لأنه إذا كان لا يُذبح لله في المكان الذي يُذبح فيه لغير الله فكيف بالذبح لغير الله؟.
المسألة السادسة: فيه: وُجوب الوفاء بالنذر إذا كان نذر طاعة.
المسألة السابعة: فيه: أنّ النذر إذا كان نذر معصية أو أنه لا يجوز الوفاء به أو في شيء لا يملكه الناذر فإنه لا يلزمه؛ وإنما اختلف العلماء: هل عليه كفّارة يمين أو لا؟، على قولين أرجحهما ليس عليه شيء.
المسألة الثامنة: في الحديث: دليلٌ على تحريم نذر المعصية، كمن نذر أن يقتل فلاناً- أو نذر الذبح لغير الله، أو نذر الذبح في مكان يُذبح فيه لغير الله، وفيه: دليل على تحريم الوفاء بنذر المعصية ([7]).

ويستفاد من الحديث: أنه لا يذبح بمكان يذبح فيه لغير الله، وهو ما ساقه المؤلف من أجله، والحكمة من ذلك ما يلي:

الأول: أنه يؤدي إلى التشبه بالكفار.
الثاني: أنه يؤدي إلى الاغترار بهذا الفعل، لأن من رآك تذبح بمكان يذبح فيه المشركون ظن أن فعل المشركين جائز.
الثالث: أن هؤلاء المشركين سوف يقوون على فعلهم إذا رأوا من يفعل مثلهم، ولا شك أن تقوية المشركين من الأمور المحظورة، وإغاظتهم من الأعمال الصالحة، قال الله تعالى:{وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ}([8]).

فيه مسائل:

الأولى: تفسير قوله {لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا} [التوبة: 108]
الثانية: أن المعصية قد تؤثر في الأرض، وكذلك الطاعة.
الثالثة: رد المسألة المشكلة إلى المسألة البينة؛ ليزول الإشكال.
الرابعة: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك.
الخامسة: أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به؛ إذا خلا من الموانع.
السادسة: المنع منه؛ إذا كان فيه وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله.
السابعة: المنع منه إذا كان فيه عيد من أعيادهم، ولو بعد زواله.
الثامنة: أنه لا يجوز الوفاء بما نذر في تلك البقعة؛ لأنه نذر معصية.
التاسعة: الحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده.
العاشرة: لا نذر في معصية.
الحادية عشرة: لا نذر لابن آدم فيما لا يملك.
______________
([1]) كتاب الأيمان والنذور _باب_ ما يؤمن به من الوفاء بالنذر رقم : (3313). وصححه ابن حجر في التلخيص :(4_180). والألباني في المشكاة رقم (3437).

([2]) انظر القول المفيد (ج1_ص232) وإعانة المستفيد (ص174).
([3]) إعانة المستفيد : (ص174).
([4]) انظر فتح المجيد (176).
([5]) انظر اعانة المستفيد (ص176).
([6]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (ص352).
([7]) انظر إعانة المستفيد (ص179).
([8]) انظر القول المفيد (ج1_ص240).



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-09-18, 10:58 AM   المشاركة رقم: 19
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد



(11)
باب
باب من الشرك النذر لغير الله تعالى


وقول الله تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الإنسان: 7].
وقوله:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة:270].


وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه"([1]).


الشرح :

هذا الباب كالمتمم للباب الذي قبله لأنه هناك تكلم عن النذر تبعاً وهنا أفرد له باباً مستقلاً ( من الشرك النذر لغير الله ) أي: لكونه عبادة يجب الوفاء به إذا نذره لله، فيكون النذر لغير الله تعالى شركا في العبادة, لذلك أورد المصنف قوله تعالى:{يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً}, فالآية دلت على وجوب الوفاء بالنذر ومدح من فعل ذلك طاعة لله ووفاء بما تقرب به إليه,
وجه الاستدلال به على كون النذر عبادة ظاهر، وهو أن الله -جل وعلا- مدح الموفين بالنذر، ومدحه للموفين بالنذر يقتضي أن الوفاء بالنذر محبوب له -جل وعلا- وأنه مشروع، وما كان كذلك فهو من أنواع العبادات، فيكون صرفه لغير الله -جل وعلا- شركاً أكبر.
وهذا النذر لغير الله لا ينعقد إطلاقاً، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك تجب التوبة منه، كالحلف بغير الله فلا ينعقد وليس فيه كفارة. وإذا ثبت كونه عبادة، فصرفه إلى غير الله شرك، وهذه قاعدة في توحيد العبادة، فأي فعل كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك.


وأما نذر المعصية، فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، وعليه كفارة يمين، كالحلف بالله على المحرم ينعقد، وفيه كفارة. وإذا كان كذلك فهو من أنواع العبادة،
لأن العبادة كما عرّفها شيخ الإسلام ابن تيمية: أسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة،
فكل أنواع الطاعات التي أمر الله بها، أو أمر بها رسوله _صلى الله عليه وسلم_ ومنها الوفاء بالنذر عبادة، فمن صرف شيئاً من هذه الأنواع لغير الله صار مشركاً الشرك الأكبر الذي يُخرجه من المَلَّة ([2]).


وقوله تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ}.
قوله:{فإن الله يعلمه}. تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء، إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازى الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.

قال ابن كثير رحمه_ الله تعالى_:" يخبر تعالى أنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين ابتغاء وجهه".
إذا علمت ذلك، فهذه النذور الواقعة من عباد القبور، تقربا بها إليهم ليقضوا لهم حوائجهم وليشفعوا لهم، كل ذلك شرك في العبادة بلا ريب, كما قال تعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}([3]).


حصول المقصود لا يدل على جواز النذر لغير الله:
وقد يفعلون هذا ويحصل لهم مقصودهم ابتلاءً وامتحاناً من الله سبحانه وتعالى، أو أن هذا يصادف قضاءً وقدراً فيحصل، ويظنوا أنه بسبب النذر لهذا الميت أو لهذا القبر أو هذا الوليّ- بزعمهم- وحصول المقصود لا يدل على جواز الفعل، فيجب أن يُتنبّه لهذه الشبهة، لأنهم أهلكوا بها كثيراً من الناس، يقولون: القبر الفلاني مجرَّب، إذا فعل الإنسان عنده نذراً أو ذبح ذبيحة يحصل له مقصوده، فبذلك انصرفت قلوب كثير من العوام والجُهَّال، أو حتى بعض من العلماء غير المحقِّقين إلى فعل هذا، والنبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"([4]).
فالخطر شديد من هذه الأمور، لأنها كثُرت في الأمة، بسبب وجود هذه الأوثان التي يسمونها الأضرحة.


والنذر في اللغة: التزام فعل الشيء, وفي الشرع: التزام مكلّف فعل طاعة لم تجب عليه بأصل الشرع.
وهذا منهيٌّ عنه؛ لما فيه من إحراج الإنسان لنفسه، وتحميلها شيئاً قد يشق عليها، وكان قبل أن ينذر في سعة من أمره؛ إن شاء فعل هذه الطاعة المستحبة، وإن شاء لم يفعلها، فلمَّا نذر فِعْلها لزمَتْه([5]).


تنويع الأدلة يزيدها قوة ويقطع الخصم:
في أول الكتاب أستدل الشيخ بالأدلة العامة على وجوب توحيد الباري وعلى حرمة الشرك ويدخل في ذلك النذر وهنا جاء بأدلة خاصة على أن صرف النذر لغير الله تعالى شرك في العبادة.

ولهذا قال الشيخ -رحمه الله- هنا: ( باب من الشرك النذر لغير الله ). واستدل على ذلك بخصوص أدلة وردت في النذر.
وأما الآيات التي قدّمها في أول الكتاب، كقوله جلا وعلا:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: 23]
وكقوله:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات:56]
وقوله:{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً}[النساء:36]
وكقوله:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً} [الأنعام: 15]
فهذه أدلة تصلح لأن تستدل بها على أن صرف النذر لغير الله شرك؛ فتقول: النذر لغير الله عبادة، والله -جل وعلا- نهى أن تصرف العبادة لغيره، وأن من صرف العبادة لغير الله فهو مشرك،
فتقول: النذر عبادة؛ لأنه داخل في حد العبادة؛ لأن الله -جل وعلا- يرضاه، ومدح الموفين به.


فالدليل الخاص -إذاً- هو أن تستدل بخصوص ما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على النذر؛ ولهذا أورد الشيخ -هنا- الدليل التفصيلي، وفي أول الكتاب أتى بالأدلة العامة على كل مسائل العبادة، وهذا من الفقه الدقيق في التصنيف.
ومن الفقه في الأدلة الشرعية: أن المستدل على مسائل التوحيد، ينبغي له أن يراعي التنويع؛ لأن تنويع الاستدلال، وإيراد الأدلة من عدة وجوه، من شأنه أن يضعف حجة الخصوم الذين يدعون الناس لعبادة غير الله، وللشرك به -جل وعلا- فإذا أوردت على الخصم مرة دليلاً خاصاً، وتارة دليلاً عاماً، ونوعت في ذلك، فإن هذا مما يضيق به المخاصم، ويقطع حجته، أما إذا لم تورد إلا دليلاً واحداً فربما أوله لك، أو ناقشك فيه، فيحصل عند المستدل ضعف عند المواجهة، أما إذا انتبه لمقاصد أهل العلم، وحفظ الأدلة فإنه يقوى على مجادلة الخصوم، والله -جل وعلا- وعد عباده بالنصر كما في قوله:{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر:51].


فما يفعله عُبّاد القبور، والمتصوّفة، والمخرِّفون، من هذه النذور التي تقدّم للقبور، أو تقدّم للجن والشياطين، أو حتى للأولياء والصالحين، أنها عبادة لغير الله عزّ وجلّ، وشرك بالله عزّ وجلّ، فلا يجوز عملها، ويجب المنع منها، والتحذير منها، وأن هذه النذور باطلة، لا يجوز له الوفاء بها، فإن وَفَى بها ونفّذها صار مشركاً بالله الشرك الأكبر، فيجب عليه أن يتوب وأن يدخل في الإسلام من جديد. فهذا في النذر الواحد، فكيف بالذي أفنى عمره بالنذور، وضيع ماله بالنذور، كلما أحسَّ بشيء، أو خاف من شيء صار يَنْذُر للأولياء والصالحين؟!. فالمسألة خطيرة جداً.

ولكن مهما عمل الإنسان من الشرك والكفر إذا تاب، تاب الله عليه، ولو أفنى عمره في الشرك والكفر ثم تاب توبة صحيحة تاب الله عليه:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً}. فلو أن هؤلاء القبوريّين تابوا إلى الله لتاب الله عليهم([6]).
وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".
الحديث صريح في أن النذر يكون طاعة، وإذا كان طاعة فهو عبادة، وإذا كان عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر.


وأعلم أن النذر لا يأتي بخير ولو كان نذر طاعة، وإنما يستخرج به من البخيل، ولهذا نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعض العلماء يحرمه، وإليه يميل شيخ الإسلام ابن تيمية للنهي عنه، ولأنك تلزم نفسك بأمر أنت في عافية منه، وكم من إنسان نذر وأخيراً ندم، وربما لم يفعل.

ويدل لقوة القول بتحريم النذر
قوله تعالى:{وأقسموا بالله جهد إيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن } [النور: 53]، فهذا التزام مؤكد بالقسم فيشبه النذر.


قال الله تعالى:{ قل لا تقسموا طاعة معروفة }[النور: 53]، أي: عليكم طاعة معروفة بدون يمين، والإنسان الذي لا يفعل الطاعة إلا بالنذر، أو حلف على نفسه يعني أن الطاعة ثقيلة عليه.
ومما يدل على قوة القول بالتحريم أيضاً خصوصاً النذر المعلق: أن الناذر كأنه غير واثق بالله - عز وجل ـ، فكأنه يعتقد أن الله لا يعطيه الشفاء إلا إذا أعطاه مقابلة، ولهذا إذا أيسوا من البرء ذهبوا ينذرون، وفي هذا سوء ظن بالله- عز وجل -.والقول بالتحريم قول وجيه.


فإن قيل: كيف تحرمون ما أثنى الله على من وفى به؟
فالجواب: أننا لا نقول: إن الوفاء هو المحرم حتى يقال: إننا هدمنا النص، إنما نقول: المحرم أو المكروه كراهة شديدة هو عقد النذر، وفرق بين عقده ووفائه، فالعقد ابتدائي، والوفاء في ثاني الحال تنفيذ لما نذر([7]).

فيه مسائل:
الأولى: وجوب الوفاء بالنذر.
الثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله، فصرفه إلى غير الله شرك.
الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به.
--------
([1]) أخرجه البخاري (6696) و(6700).
([2]) انظر إعانة المستفيد (ص180).
([3]) ينظر فتح المجيد (ص181), والتمهيد (ص162), والقول المفيد (ج1_ص245_246).
([4]) رواه الإمام أحمد (22395) قال المعلق على المسند إسناده صحيح على شرط مسلم .
([5]) ينظر إعانة المستفيد (ص180_ص181).
([6]) إعانة المستفيد: (ص162 _ص185).
([7]) القول المفيد : (ج1_ص247).

لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ












عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
قديم 2013-09-23, 11:48 AM   المشاركة رقم: 20
المعلومات
الكاتب:
الحياة أمل
اللقب:
مديرة عـآمة
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Dec 2012
العضوية: 4
المشاركات: 28,899 [+]
الجنس :  اُنثى
معدل التقييم: 200
نقاط التقييم: 2633
الحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond reputeالحياة أمل has a reputation beyond repute

الإتصالات
الحالة:
الحياة أمل متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : ابو العبدين البصري المنتدى : المنتدى الاسلامي العام
افتراضي رد: فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد



(12)

باب

بابٌ من الشرك الاستعاذة بغير الله


وقول الله تعالى:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [ الجن :6] .
وعن خولة بنت حكيم _رضي الله عنها_ قالت : قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ :" من نزل منزلا فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك " رواه مسلم([1]) .

الشرح:

هذا الباب عنونه الإمام - رحمه الله – بقوله: ( باب من الشرك الاستعاذة بغير الله تعالى ). وهذا الباب مع الذي قبله والأبواب التي سلفت أيضا: كلها في بيان المقصد من هذا الكتاب وبيان الغرض من تأليفه وأن التوحيد إنما يُعرف بضده ،
فمن طلب التوحيد فليطلب ضده لأنه - أعني التوحيد- يجمع بين الإثبات والنفي ، فيجمع بين الإيمان بالله ، وبين الكفر بالطاغوت ، فمن جمع بين هذين الأمرين فإنه يكون قد عرف التوحيد
ولهذا فصل الشيخ - رحمه الله - أفراد توحيد العبادة ، وفصل أفراد الشرك ؛ فبين أصناف الشرك الأصغر: القولي والعملي
وبين أصناف الشرك الأكبر: العملي والاعتقادي فذكر الذبح لغير الله ، وذكر النذر لغير الله ، والذبح والنذر: عبادتان عظيمتان([2]).


ومن هنا: للتبعيض، وهذه الترجمة ليست على إطلاقها، لأنه إذا استعاذ بشخص مما يقدر عليه، فإنه جائز، كالاستعانة وسيأتي تفصيل المسألة وبيان وجه الجمع فيها.

الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام، ولهذا يسمى المستعاذ به: معاذا وملجأ.
فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه واعتصم واستجار به والتجأ إليه، وهذا تمثيل، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله; والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه والتذلل له أمر لا تحيط به العبارة. قاله ابن القيم - رحمه الله -,

وقال ابن كثير _رحمه الله تعالى_
:" الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر. واللياذ لطلب الخير". انتهى.


قلت
: وهي من العبادات التي أمر الله تعالى بها عباده; كما قال تعالى:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ ال
سَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
وأمثال ذلك في القرآن كثير كقوله:{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}.
فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك في العبادة، فمن صرف شيئا من هذه العبادات لغير الله جعله شريكا لله في عبادته، ونازع الرب في إلهيته، كما أن من صلى لله وصلى لغيره يكون عابدا لغير الله ولا فرق، كما سيأتي تقريره قريبا إن شاء الله تعالى([3]).


وقوله هنا: ( من الشرك الاستعاذة بغير الله ), هذا الغير شامل لكل من يتوجه إليهم بالعبادة ويشركونهم مع الله, ويدخل في ذلك - بالأولية - ما كان المشركون الجاهليون يتوجهون إليهم بالعبادة: من الجن والملائكة والرسل والأنبياء ، والصالحين ، والأشجار والأحجار ، وغير ذلك من معبوداتهم,

لكن
هل مقصوده بقوله ( باب من الشرك الاستعاذة بغير الله ). شمول هذا الحكم على فاعله بالشرك ، لكل أنواع الاستعاذة ، ولو كان فيما يقدر عليه المخلوق ؟

والجواب: أن هذا فيه تفصيل
فمن العلماء من يقول: الاستعاذة توجه القلب واعتصامه والتجاؤه ورغبه وهذه المعاني جميعا لا تصلح إلا لله - جل وعلا - .

وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر([4]). عليه,
لأن حقيقة الاستعاذة: طلب انكفاف الشر وطلب العياذ وهو :أن يستعيذ من شر أحدق به ، وإذا كان كذلك: فقد يملك المخلوق شيئا من ذلك ،
وعلى هذا فتكون الاستعاذة بغير الله شركا أكبر إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ ، أو طلبت منه الإعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله,

والذي يظهر أن المقام كما سبق فيه تفصيل وهو: أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر وفيها عمل باطن فالعمل الظاهر: أن يطلب العوذ ، وأن يطلب العياذ وهو أن يُعصم من هذا الشر أو أن ينجو من هذا الشر وفيها أيضا عمل باطن وهو: توجه القلب وسكينته ، واضطراره وحاجته إلى هذا المستعاذ به ، واعتصامه بهذا المستعاذ به وتفويض أمر نجاته إليه. فإذا كانت الاستعاذة تجمع هذين النوعين فيصح أن يقال: إن الاستعاذة لا تصلح إلا بالله ، لأن منها ما هو عمل قلبي كما تقدم وهو بالإجماع لا يصلح التوجه به إلا لله.


وإذا قصد بالاستعاذة العمل الظاهر فقط وهو طلب العياذ والملجأ فيجوز أن يتوجه بها إلى المخلوق ، وعلى هذا يحمل الدليل الوارد في جوازها. فحقيقة الاستعاذة إذًا تجمع بين الطلب الظاهر ، والمعنى الباطن ؛ ولهذا اختلف أهل العلم في جواز طلبها من المخلوق ، فالذي ينبغي أن يكون منك دائما على ذكر: أن توجُّه أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء ، أو الجن ، أو الصالحين ، أو غيرهم أنهم جمعوا بين القول باللسان ، وأعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله - جل وعلا - وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون من : أن الاستعاذة بهم إنما هي فيما يقدرون عليه ، وأن الله أقدرهم على ذلك ؛ فيكون إبطال مقالهم راجعا إلى جهتين :

الجهة الأولى: أن يُبطل قولهم بأن يقال: إن هذا المَيْت أو هذا الجني يقدر على هذا الأمر الذي طلب منه ، فإذا لم يقتطع بذلك ، أو حصل عنده اشتباه ما ، انتقل الجني إلى.
الجهة الثانية: من الإبطال: وهو إثبات أن الاستعاذة فيها توجه بالقلب إلى المستعاذ به واضطرار إليه واعتصام به وافتقار إليه ؛ وهذا الذي توجه إلى ذلك الميت أو الولي قد قامت هذه المعاني بقلبه ، ولا يجوز أن يكون شيء من ذلك إلا لله وحده - عز وجل - ([5]).

(
أقسام الطلب أو النداء)

والطلب يختلف نوعه ومسماه باختلاف المطلوب منه:
1_ فإذا كان الطلب من مقارن : فيسمى التماسا.
2_ وإذا كان ممن هو دونك: فيسمى أمرا.
3_ وإذا كان ممن هو أعلى منك : فيسمى دعاء .
والمستعيذ والمستغيث، لا شك أنه طالب ممن هو أعلى منه ؛ لحاجته إليه ؛ فلهذا يصح أن يكون كل دليل فيه ذكر إفراد الله - جل وعلا - بالدعاء أو بالعبادة ، دليلا على خصوص هذه المسألة وهي: أن الاستعاذة من العبادات العظيمة ، وإذ كانت كذلك ، فإن إفراد الله بها واجب([6]).

(
وجوب الإيمان بالجن وبيان الفرق بين من ينكر وجود الجن وبين من ينكر تأثيرهم )

قوله:{وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ} الإنس: بنو آدم.{يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} الجن المُراد بهم: عالم من عالم الغيب، يعيشون معنا في هذه الأرض، وهم مكلّفون، مأمورون بطاعة الله، ومَنْهِيُّون عن معصية الله، مثل الإنس، لكننا لا نراهم، قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} يعني: إبليس {هُوَ وَقَبِيلُهُ} يعني: جماعته من الجن {مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ}، فهم يروننا ونحن لا نراهم، وقد يتصوّرون بصور متشكّلة، ويتصوّرون بصور حيّات، وبصور حيوانات، وبصور آدميين، أعطاهم الله القُدرة على ذلك، وهم عالم مخلوق من نار، والإنس خُلقوا من الطين، كما قال تعالى: {خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} يعني:من الطين{وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} الجان: جمع جنِّي، سُمُّوا بالجن لاجتنانهم أي: استتارهم عن الأنظار، ومنه سُمِّي الجَنين في بطن أمه لأنه لا يُرى، فهو مُجْتَنّ في بطن أمه، ومنه المِجن الذي يتّخذ في الحرب يتوقّى به المقاتل سهام العدو، سُمِّي مِجَنًّا لأنه يُجِنُّه من السهام، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "الصوم جُنّة" بمعنى: أنه ساتر بين العبد وبين المعاصي، يستتر به من المعاصي، ومن كيد الشيطان، ومنه قوله تعالى:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً} {جَنَّ عَلَيْهِ}يعني: غطّاه ظلام الليل.
فالحاصل: أن الجن عالم خفي، لا نراهم، وهم يعيشون معنا، وهم مكلّفون كما كُلِّفنا بالأوامر والنواهي, والإيمان بوجودهم من الإيمان بالغيب، تصديقاً لخبر الله سبحانه وتعالى، وخبر رسوله _صلى الله عليه وسلم_، فوجود الجن ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، ومن جحد وجود الجن فهو كافر، لأنه مكذِّب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين، وهل كل ما لا يراه الإنسان يُنكر؟.
وقد ظهرت طائفة من جهلة الأطباء- كما يقول الإمام ابن القيّم-، وكذلك من بعض المفكِّرين والكُتّاب المنتسبين للإسلام؛ ينكرون وجود الجن، لأنهم لا يؤمنون إلاَّ بما تقرّه عقولهم، وعقولهم لا تتّسع للتصديق بهذه المغيّبات، وكذلك الجن يمسُّون الإنس ويخالطونهم ويصرعونهم، وهذا شيء ثابت، لكن من جَهَلَة الناس من يُنكر صَرْع الجن للإنس، وهذا لا يَكْفُر، لأن هذه مسألة خفيّة، ولكنه يُخطّأ، فالذي يُنكر مسّ الجن للإنس لا يُكَفَّر، ولكن يضلّل، لأنه يُكذِّب بشيء ثابت، أما الذي يُنكر وجودهم أصلاً فهذا كافر،
فقوله تعالى:{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ} أي: يلتجئون إليهم ليدفعوا عنهم الشرور.

وسبب نزول هذه الآية: أن العرب كانوا في الجاهلية إذا نزلوا منزلاً قال أحدهم: أعوذ بسيّد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فأنزل الله هذه الآية: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ}. فهذه عقيدة جاهليّة، أبطلها الله سبحانه وتعالى بالأمر بالاستعاذة به وحده لا شريك له، وذلك في قوله:" عن خَوْلَة بنت حكيم"- رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ قال: "من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامّات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك"رواه مسلم. هذه هي الاستعاذة الشرعية البديلة من الاستعاذة الشركية.
فقوله:" أعوذ بكلمات الله التّامّات من شر ما خلق"
كلمات الله: المُراد. بها: كلامه سبحانه وتعالى المنزّل على رسوله _صلى الله عليه وسلم_ والاستعاذة بالقرآن مشروعة، لأن القرآن كلام الله، فالاستعاذة بالقرآن استعاذة بصفة من صفات الله، وهي الكلام، وليست استعاذة بمخلوق.

واستدلّ أهل السنّة والجماعة بهذا الحديث على أن القرآن غير مخلوق، لأنه لا تجوز الاستعاذة بالمخلوق، فلو كان القرآن مخلوقاً- كما تقوله الجهمية والمعتزلة- لصار هذا من الاستعاذة بالمخلوق، وهي شرك، كما دلّ هذا الحديث على مشروعية الاستعاذة بالله عزّ وجلّ، وترك الاستعاذة بغيره سبحانه وتعالى.

وقوله: ( التّامّات ) أي: الصادقات العادلات، التي لا يتطرّق إليها نقص، لأن كلام الله سبحانه وتعالى كامل، لأن الله جل وعلا كامل وصفاته كاملة، وكلامه كامل لا يتطرّق إليه النقص:{لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}،{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }([7]). وتمام الكلام بأمرين:

1_ الصدق في الأخبار.
2 _ العدل في الأحكام.
قال الله تعالى:{ وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً } [الأنعام: 115].

قوله: ( من شر ما خلق )، أي: من شر الذي خلق، لأن الله خلق كل شيء: الخير والشر، ولكن الشر لا ينسب إليه، لأنه خلق الشر لحكمة، فعاد بهذه الحكمة خيراً، فكان خيراً, وعلى هذا تكون ( ما ) موصولة لا غير، أي: من شر الذي خلق، لأنك لو أولتها إلى المصدرية وقلت: من شر خلقك، لكان الخلق هنا مصدراً يجوز أن يراد به الفعل، ويجوز أيضاً المفعول، لكن لو جعلتها اسماً موصلاً تعين أن يكون المراد بها المفعول، وهو المخلوق.

وليس كل ما خلق الله فيه شر، لكن تستعيذ من شره إن كان فيه شر، لأن
مخلوقات الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:

1_ شر محض: كالنار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أما باعتبار الحكمة التي خلقهما الله من أجلها، فهي خير.
2_ خير محض: كالجنة، والرسل، والملائكة.
3_ فيه شر وخير، كالإنس، والجن، والحيوان. وأنت إنما تستعيذ من شر ما فيه شر.

قوله: ( لم يضره شيء )، نكرة في سياق النفي، فتفيد العموم من شر كل ذي شر من الجن والإنس وغيرهم والظاهر الخفي حتى يرتحل من منزله، لأن هذا خبر لا يمكن أن يتخلف مخبره، لأنه كلام الصادق المصدوق، لكن إن تخلف، فهو لوجود مانع لا لقصور السبب أو تخلف الخبر.

ونظير ذلك كل ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأسباب الشرعية إذا فعلت ولم يحصل المسبب، فليس ذلك لخلل في السبب، ولكن لوجود مانع، مثل: قراءة الفاتحة على المرضى شفاء، ويقرأها بعض الناس ولا يشفى المريض، وليس ذلك قصوراً في السبب، بل لوجود مانع بين السبب وأثره.
ومنه: التسمية عند الجماع، فإنها تمنع ضرر الشيطان للولد، وقد توجد التسمية ويضر الشيطان الولد لوجود مانع يمنع من حصول أثر هذا السبب، فعليك أن تفتش ما هو المانع حتى تزيله فيحصل لك أثر السبب([8]).

قوله: ( لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ). قال القرطبي:"هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلا وتجربة؛ فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدبة([9]) ليلا، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات"([10]).


فيه مسائل
:

الأولى: تفسير آية الجن .
الثانية: كونه من الشرك .
الثالثة: الاستدلال على ذلك بالحديث ؛ لأن العلماء يستدلون به على أن كلمات الله غير مخلوقة ؛ قالوا : لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك .
الرابعة: فضيلة هذا الدعاء مع اختصاره .
الخامسة: أن كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية ؛ من كف شر ؛ أو جلب نفع ؛ لا يدل على أنه ليس من الشرك .
__________________
([1])أخرجه مسلم (2708) .
([2]) التمهيد (ص165).
([3]) انظر فتح المجيد (ص187).
([4])منها:عن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَكُونُ فِتَنٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ وَالقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، وَمَنْ يُشْرِفْ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، وَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ» .رواه البخاري _ بَابُ عَلاَمَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الإِسْلاَمِ_ (3601), ومسلم _ بَابُ نُزُولِ الْفِتَنِ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ _(2886).
ومنها: ما رواه مسلم: قال: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ صَفْوَانَ وَأَنَا مَعَهُمَا، عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ_ رضي الله عنها_، فَسَأَلَاهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ، فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيَّتِهِ». برقم: (2882)_ بَابُ الْخَسْفِ بِالْجَيْشِ الَّذِي يَؤُمُّ الْبَيْتَ _.
([5]) انظر التمهيد (ص167_ص169).
([6]) انظر التمهيد (ص167).
([7]) انظر إعانة المستفيد (ص188_ص189).
([8]) انظر القول المفيد (ج1_ص253_ص354).
([9]) المهدية : مدينة عامرة ببلاد المغرب السليب. فتح المجيد (ص191).
([10]) المصدر السابق.



لحفظه بصيغه pdf
تفضل هنآ



















عرض البوم صور الحياة أمل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الالباني, البصري, التميمي،القيم, التوحيد, الحلبي, الحميد, الكريم, العبدين, ابن, ابو, رجب, سليمان, شرح, كتاب, عثيمين, فتح

فتح الكريم الحميد بشرح كتاب التوحيد


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع
كتاب (التوحيد) للعلامة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان
كتاب (التوحيد للناشئة والمبتدئين) للشيخ عبد العزيز آل عبد اللطيف
مقاصد تراجم كتاب التوحيد
مقاصد تراجم كتاب التوحيد ( متجدد ).
فوائد دعوية ( من مسائل كتاب التوحيد ) للإمام محمد ابن عبدالوهاب -الحلقة الثانية -


الساعة الآن 08:52 PM.


Powered by vBulletin® Version by Tar3Q
Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd
RSS RSS 2.0 XML MAP HTML