منتديات اهل السنة في العراق

منتديات اهل السنة في العراق (http://www.sunnti.com/vb/index.php)
-   الادب العربي (http://www.sunnti.com/vb/forumdisplay.php?f=12)
-   -   نصوص أدبية ( روائع ) (http://www.sunnti.com/vb/showthread.php?t=37975)

علي الموصلي 2021-07-18 09:19 PM

نصوص أدبية ( روائع )
 
نصوص أدبية ( روائع )


حشرجة الموت ! ميخائيل نعيمة

كم سمعت بها قبل أن أسمعها . أما منذ تلك الليلة ــ ليلة العاشر من نيسان (ابريل) سنة 1931 ــ فإني أكاد لا أسمع غيرها . أسمعها في دقَّات قلبي وفي أنفاسي . أسمعها في صوتي وفي كل صوت . أسمعها في همس النسائم وحفيف الاوراق . أسمعها في سكينة الليل وجلبة النهار .
ألا تباركتِ حياةً تلتقي الآزال والآباد في لحظةٍ منها . فيندمجُ النقيضُ بالنقيض ، وتستوي الأضداد كالأنداد . تباركتِ لأنك تهزأين بمقاييس البشر . وفي هزئك قساوة . وفي قساوتك عدل . فلا تخجلين من أن تجمعي بين العرض والجوهر ، بين الهزل والجد ، بين المتاجر والمقابر ، بين حشرجة الموت وقرقعة التلفون !
النهار الجمعة . والساعة نحو الخامسة والنصف . أنا أستعد للانصراف من محل أنحر فيه كل يوم ساعاتٍ بكارى من حياتي لعددٍ محدود من مومسات الريالات ، وقلما أسمع حديثاً إلا عن البيع والشراء ، عن الربح والخسارة ، عن سوق تصعد وسوق تهبط . يقرع جرس التلفون فيطلبونني إليه . أهو أحد الزبائن يرغب في بضاعة أو يشكو بضاعة أو يعتذر عن عدم مقدرته على دفع ما عليه ؟
(( هلو ... نعم . أنا هو . مرحباً . مرحباً ... ماذا تقول ؟ جبران في المستشفى ؟ ))
(( في مستشفى القديس فِنْسِنْتْ . وهو في غيبوبة . والطبيب لا يقدّر أنه يعيش حتى منتصف الليل . وليس حواليه أحد من رفاقه وخلانه . فرأيت من واجبي أن أخبرك لعلمي أنك أقرب الناس إليه ))
(( تاكسي ! مستشفى القديس فِنْسِنْتْ . ـــ أسرع أيها السائق ، أسرع . ))
وكيف لهذا المسكين أن يسرع في شوارع مكتظة بالبشرية المسرعة على أقدامها وعلى دواليبها ؟ وإلى أين يُسرع هؤُلاء الناس ؟ ــ كل إلى مستشفاه . ومستشفى الكلّ واحد .
ومن هو هذا القديس فنسنت وبماذا تقدَّس حتى يُقدَّس ؟ ليس بيني وبين مستشفاه غير ميل وأقل من ميل . لكنه أطول ما قطعته في حياتي من المسافات . جبران على فراش الموت . أ أَدركه حياً ؟ أسرع أيها السائق ، أسرع
(( أنا اليوم رجل صحيح يا ميشا )) هذه آخر كلمات سمعتها منه وقد خاطبته بالتلفون قبل ذاك بأيام مستفحصاً عن صحته . فتواعدنا أن نلتقي فنتعشى معاً في أحد المطاعم ونقضي السهرة عندي . وها أنا ذاهب لأتناول واياه العشاء على مائدة الموت في مطعم القديس فنسنت !
(( أنا اليوم رجل صحيح يا ميشا ــ أنا غريب في هذا العالم يا ميشا ــ أنا أحبّ هذا العالم يا ميشا )) ــ الصحة والعلة . والموت والحياة ، والوطن والغربة ــ أَلا مَنْ يريني ما بينها من الفروق ؟
أسرع أيها السائق . أسرع .
(( في أية غرفة خليل جبران ؟ )) ــ سؤال أوجهه إلى رجل جالس إلى مكتب قريب من الباب داخل المستشفى . فيندفع يفحص تحت حرف (( الجيم )) في قوائمه المنظمة كأنه يفتّش عن كلمة في قاموس غير مبالٍ أن صوت الرجل الذي يخاطبه يتهدج بصوت الموت .
(( ليس عندنا عليل بهذا الاسم يا سيدي . )) واذ اؤكد له أن عندهم عليلاً اسمه جبران يحيلني إلى رجل آخر عند مدخل للمستشفى من شارع آخر فأخرج من حيث دخلت وأسرع إلى المدخل الذي ردَّني إليه . وهناك أعرف أنّ جبران في غرفة كذا في الطبقة الثالثة من تلك البناية المتعددة الطبقات . فأصعد سلالم كثيرة . وأدور في منعرجات كثيرة . وأتفحَّص أبواباً كثيرة قبل أن أهتدي إلى الباب الذي أطلبه . ووراء كل باب اقترب منه جسد يتكوَّى بالأوجاع . وروح تحارب القدر . ربَّاه . ربَّاه . ربَّاه ! هوذا جانب من خليقتك التي تطلب جابراً لما تكسَّر من عظامها . وراتقاً لما تفتَّق من جلودها . وجامعاً لما تفتَّت من أكبادها . فلا تحصل إلا على عقاقير ثم عقاقير . فأين دواؤك ؟ أم هو الألم مصهر المحبة ــ محبتك التي لا توصف . وسبيل الخلاص ــ خلاصك الذي لا يثمَّن ؟
راهبات يمرون بي وأمر بهنَّ كأنهنَّ خيالات من عالم لا أعرفه . وفي سواد أثوابهنَّ ما يسوّد القلب . وممرضات يدخلن من باب ويخرجن من باب وفي بياض ألبستهن ما يجرح العين
(( أين الغرفة كذا يا أختاه ؟ ــ إلى اليمين ؟ أشكرك . ))
أمام باب الغرفة رجل تحيط به نسوة ثلاث . واذا اقترب تنفرد من الثلاث واحدة طويلة القامة ، عظميَّة الهيكل ، زعفرانية اللون ، حادَّة الأنف ، غارقة العينين . فتخطو نحوي مادَّة يمناها إليَّ . هي شاعرة أميركية في النصف الأول من عقدها السادس . عرفَتْ جبران منذ سبع سنوات فتقربت منه وكانت تساعده في نسخ مؤَلفاته . وقد التقيتها مرّة عنده . واذ أضع يدي في يدها تتنهد وتقول :
(( أشكر الله . أشكر الله لأنك ههنا . ))
في قلبي وفي عينيّ وعلى وجهي سؤَال واحد يتردد لساني في طرحه فتجيبني عليه هذه السيدة قبل أن تسمعه من فمي :
(( لم يبق من أمل . لم يبق من أمل ))
(( أخبريني ماذا جرى ))
(( كنت البارحة عنده فوجدته يعاني آلاماً لم يعانِ مثلها من قبل . دعونا الطبيب وسألناه اذا كان من ضرورة لنقله إلى المستَشفى في الحال . فأجاب أن لا بأس لو بات ليلته في بيته . ولم أشأ أن أتركه وحده فقضيت الليل عنده . وفي الصباح ــ صباح اليوم ــ الجمعة ــ اشتدّ عليه الوجع فجئنا به إلى هنا بين الساعة العاشرة والحادية عشرة ))
(( ولماذا لم تخبريني أمس . أو اليوم باكراً ؟ ))
(( أمس كنا نظن أنه عرض ويزول . واليوم عندما جئنا به إلى هنا كنتَ أول من خطر ببالي . غير أني أجهل رقم تلفونك . فبقيت أفكّر بواسطة أتوصل بها إليك إلى أن خطر لي ــ وكان ذلك إلهاماً ربَّانيَّاً ــ أن أتلفن إلى إدارة مجلة (( العالم السوري )) لتطلعك على الأمر . وهكذا كان والآن أشكر الله لأنك آتيت . ))
(( كيف هو الآن ؟ ))
(( غاب عن الوعي بعد الظهر بقليل لا يزال في غيبوبة . ))
(( هل عرض عليه أحد أن يعترف ويتناول ؟ ))
(( سألته الراهبة ــ هل أنت كاثوليكي ؟ فأجابها بنبرة قوية (( كلا ! )) فتركته وانصرفت . وبعد أن انتقل إلى حالة الغيبوبة جاءه كاهن سوري ــ هو رجل قصير لعلك تعرفه ــ وأخذ يناديه بأعلى صوته : جبران ــ جبران . جبران ! وجبران لا يعي . ولقد بلغ استيائي من ذلك الكاهن وخشونته حدّاً تمنيت معه لو كانت لي القوة الكافية لطرحه من النافذة . ))
(( هل فعل الكاهن شيئاً ؟ ))
(( هذا كل ما فعله . ))
(( وأين الطبيب ؟ ))
(( ها هو )) مشيرة إلى الرجل الواقف أمام الباب .
(( ما هي علته أيها الطبيب ؟ اليس من أمل ... بالطب ــ بالجراحة ؟ ))
(( سرطان في الكبد . لا أظنه يعيش حتى منتصف الليل . هو الآن في غيبوبة ولا أخاله يفيق منها . )) ــ كلمات تلفظ بها كأنه يحدث عن الطقس . ولا عجب فليست هذه أولى مقابلاته للموت . ترى أيقابل موته بالبرودة عينها التي يقابل بها موت سواه ؟
الطب . الطب . الطب ! إله العالم المتوجع ووجعه الأكبر .
(( أتسمح لي بالدخول على المريض أيها الطبيب ؟ ))
(( لا مانع على الإطلاق ))
***
غرْ ــ غرْ ... غرْ ــ غرْ ... عنْـ ـــ ـــ ـنْ . . .
صوت غريب يفاجئ أذني حالما أفتح الباب وأغلقه بهدوء ورهبة فأشعر عندما أجتاز عتبتهُ كأني قد اجتزت من عالم لا سر فيه إلى عالم كلّه أسرار ، وأنسى أنَّ هذا العالم في ذاك . وذاك في هذا . وأن لا أبواب بين الأثنين ولا عتبات سوى الأبواب والعتبات التي يقيمها جهلي وتبصره عيني الكليلة من خلال أغشية الحواس المحدودة .
أدنو من السرير الأبيض الصغير القائم خلف الباب فلا أبصر لأول وهلة معاون الطبيب الواقف عند رأسه ، اذ لتسمر عيناي بوجهٍ عرفتاه من زمان فأحبَّتاه ، والآن تكادان لا تعرفانه ، فقد كان بلون الرمل يسقيه دم الحياة . فأصبح رملاً يعلوه رماد المنيّة .
ها هو الأنف المستقيم الأرنبة ، الممتلئ المنخرين قد انتصب نحو السقف الباهت القاسي ، وليس فيه من الدم إلّا بقية ضئيلة تنهزم لحظةَ فلحظة من وجه عساكر الانحلال . فهو يكاد لا يتنفس كأنّ به زكاماً من أنفاس الأرض والسّماء . وكأَنّ الطبيب الأكبر ــ الموت ــ يداويه بنفحاتٍ من سماءٍ غير سمائنا ، وأرضٍ غير أرضنا .
ها هما العينان اللتان كانتا تبوحان بأسرارهما . فكم رأيت فيهما من بريق إلهام ومن حرقة شوق ومن نور بهجة . كم رأيتهما تغتسلان بالدمع . وتلتهبان بالضحك . وتتغلغلان في وجوه الناس والطبيعة لتستجليا معانيها . وأحياناً تذبلان وتذهلان عن كل ما حواليهما كأنّهما تتطلعان إلى ما وراء الستار أو تداعبان طيوف أفكار وعواطف لا تجول في أزقة الناس ومساكنهم ومعابدهم . والآن لست أرى فيهما لا رعشة ولا ومضة . فهما مطبقتان تحت حاجبيهما المقوّسين وقد أسدلتا أهدابهما الطويلة حتى الوجنتين فلا تبوحان بما أُغلقتا عليه من أسرار . وقد يكون خلف أجفانهما وميض بروق كثيرة . فمن يدري ما في غيبوبة الموت من ظلمات وأنوار ؟
ها هما الشفتان الحسَّاستان ، وقد كانتا بلون القرمز فأصبحتا بلون الرماد . كم انفرجتا من قبل عن بسمة ، وكم تكمشتا بألم . كم قبلتهما أمٌّ وأخت وحبيبة ، وكم من الشفاه تشتاقهما حتى الساعة ! وتلك الشفة العليا كم ارتجفت بغضب شديد أو بفرح قوي أو بحزن عميق . أما الآن فها هي قد التصقت بأختها السفلى في خط كأنه خاتم الحكمة الصامتة أو الحد الفاصل بين ما يمكن وبين ما لا يمكن التلفظ به . ولا تنفصل عن أختها إلَّا لتفتح الباب لأَنَّة هي أشبه بزفرة مذبوح منها بأنة مريض .
ها هي الجبهة العالية التي تقهقر عنها الشَّعر فزادها ارتفاعاً . وابيضّ عن جانبيها فزادها جمالاً . وجعَّدتها السنون تجاعيد لطيفةً فأكسبتها جلالاً . هي الجبهة التي كنت إذا نظرت إليها أكاد ألمس وأبصر ما خلفها من الأشباح والرسوم والمقاصد والمتاعب . أما الآن فهي أبعد من مجال بصري ولمسي .
ها هو الشعر الكستنائي ، وقد عبث المشط بنصفه ، وبيّض الشيب نصف ما تبقّى منه ، يغطي الآن جانباً من الوسادة وكأنّه ، بعد أن هربت منه الحياة ، خصل من صوف لا لمعان فيها ولا تجاذب .
(( بلى )) ــ تقول لي عيني ــ (( بلى . هذا هو رفيق أحلامك . وصديق أفكارك . وشقيق روحك . هذا جبران . وهو الآن يحتضر . فاعلم أنك في حضرة الموت .
(( جبران ! )) ــ يناديه قلبي وتناديه كل جوارحي . أما لساني فلا يتحرك وشفتاي لا تتفتحان . لأنني عندما أحدق في وجهه ، وقد أمسكت بعضلاته أصابع الألم القاسية . وعندما أسمع تلك الغرغرة الهائلة في حلقه ، والزفرات المتقطعة الهاربة من صدره ، أقول في نفسي : (( لعله إن أنا ناديته يسمعني فيتألم إذ لا مقدرة له على الجواب . )) ثم أقول لعله يبصرني . وأسمع في داخلي صوتاً يقول ــ بل هو يبصرك . فأرتاح هنيهةً إلى هذا الصوت ، وأهبط إلى كرسي بجانب السرير فأصغي طويلاً إلى غرغرة تلك النارجيلة الجهنَّمية في حلق أخي وإلى الزفرات التي تولدها فأهم أن أصيح به ــ ألا اتفلها من فمك . أَلا تقيَّأَها . ــ جاهلاً أنه ساعة يتفلها يتفل معها آخر أنحابه .
وبعد أن أَستسلم إلى القدر النافذ أمام عيني أغرق في بحر من التأمل هو ملجأي في كل شدة . وأشعر كأَن جبران يحدثني وكأَني أحدثه . وكم تحدثنا قبل ذلك بالصمت ! ــ فأطمئن بعض الاطمئنان لاعتقادي أنه شاعر بوجودي معه . عارف أنه ليس وحده ، وأن قلب صديق يشيعه في عبوره من هذا الشاطىءِ إلى ذاك .
***
أدير طرفي في الغرفة فأتناول كل ما فيها . عرضها ثلاثة أذرع . وطولها ستة . وعلوها أربعة . في جدارها المقابل الباب نافذة تطل على الشارع . وفي النافذة طاقة من الأزهار الذاوية . إلى جانب النافذة خزانة صغيرة للثياب وبجانبها طاولة صغيرة بيضاء عليها عقاقير وطلاسم طبية . ووراء الطاولة السرير . وعند رأس السرير معاون الطبيب بسترته البيضاء وقد أخذ بذراع المريض يجسُّ نبضها بين الفينة والفينة ويحقنها بمخدرات أو منبهات هو أدرى بها .
(( هل هو يشعر بألم يا حضرة المعاون ؟ ))
(( ولا بشيء . ))
(( كم تدوم هذه المعركة ؟ ))
(( لقد قاربت النهاية . ))
وينتهي حديثي مع المعاون . فأعود إلى حديثي مع جبران . ومع الموت . ومع نفسي . فأقول لجبران :
(( ما الذي تزودته يا أخي لرحلتك هذه ؟ )) يجيبني جبران :
(( غر ــ غر . . . غر ــ غر . . . عنـ ـ ــ ـن . ))
وأقول للموت :
(( ما أنت فاعل بأخي يا موت ؟ )) فيجيبني الموت :
(( غر ــ غر . . . غر ــ غر . . . عنـ ـ ــ ـن ))
وأقول لنفسي :
(( ماذا تبصرين يا نفسي وماذا تسمعين ؟ )) فتجيبني نفسي :
(( غر ــ غر . . . غر ــ غر . . . عنـ ـ ــ ـن ))
ويصعد قلبي إلى أذني فيقرعهما قرعاً عنيفاً وإذ أسأله عن قصده يجيبني (( غر ــ غر . . . )) فتدلهم آفاق فكري وتضيق . لكنها لا تلبث أن تتسع وتلتهب بوابل من شهب الذكريات وبلعلعة بروقٍ كثيرة من الخيالات الدفينة في أعماق الروح . وكلها لا ينقاد إلى نظام ، ولا يتقيد بزمان . فقد تشتعل الذكرى الواحدة وتنطفئ مرات متوالية ، حين أن أختاً لها لا تنير إلا مرَّة واحدة . وقد تلمع ذكرى قديمة قبل ذكرى حديثة . ويبرق خيال هرِم بنور سطع من نور خيال لما يزال فتياً . وعلى أنوار هذه الذكريات والخيالات تبدو لعيني حياة المحتضر أمامي صفحات مبعثرة . لكنها مخطوطة بقلم واحد ، ومدادٍ واحد ، ويدٍ واحدة . واليد التي خطتها تعرف أن ليس فيها صفحة زائدة أو حرف مهمل . ولأني أعرف ذلك أحاول أن أفهم الصلة بين هذا السطر وذاك ، وتلك الكلمة وهذه : وبين بشري ونيويورك . فم الميزاب ومستشفى القديس فنسنت . جبران خليل جبران والنسوة الواقفات خارجاً . وبين كل من عرفهم وعرفوه من رجال ونساء وأطفال . والذين قرأوا ويقرأون في هذه اللحظة مؤَلفاته ، أو تأملوا ويتأملون الآن رسومه . والذين أسعدهم بحياته وأشقاهم . أو أسعدوه وأشقوه . وبينه وبيني ــ لماذا تلاقينا وتآخينا في لحظة من الزمن لا في سواها ، وفي فسحةٍ من المكان لا في غيرها . ولماذا كُتب له أن يموت بين يديّ ، ولي أن أشيعه من هذه الديار ؟ فهل تراه يستقبلني في تلك ؟ أو تراه يدرك ما هو فيه الآن ؟ كم تحدثنا عن الموت فرأيناه ولادة أخرى . وكم دعوناه والحياة توأَمين . أتراه يقول الآن ما كان يقوله أمس ؟ وإن كان لا يفكر الآن لا بالأرض ولا بالسماء ولا بالموت ولا بالحياة ، فبماذا يفكر ؟ أم ترى غيبوبة الاحتضار أعمق من الفكر والحلم والخيال . فقد تكون انعتاقاً قصيراً من الحسّ بالوجود إلى الوجود الذي لا حسَّ فيه . أو تمهيداً إلى الانعتاق الأبدي من الوجود الأدنى للحظوة بالوجود الأسمى ــ باللاَّوجود .
لا أكاد أفلت بخيالي من عالم الحس حتى تجذبني حشرجة الموت إليه . فتتدفق عليّ من النافذة أمواج حياة المدينة ــ أصواتها المبلبلة ، شهواتها الملتهبة مطامعها المنسابة كالأفاعي ، أفراحها الظاعنة وأوجاعها المقيمة . وتنسكب كلها في مقطعين صغيرين : (( غر ــ غر . . . )) ثم تنفرج جدران الغرفة وتتراجع إلى وراء الأفق . ويتقلص سقفها كما لو كان سحابة من دخان . فأدخل بيوت النائمين ، ومعابد المصلين ، ومخازن المتاجرين . وأطلّ على مخادع الحاملات ، ومضاجع العرائس ، وأسرَّة المحتضرين ، وعروش الملوك ، وكهوف المتنسكين . وأمشي مع الأسرى والمعتقلين ، وأجلس مع القضاة والمجرمين . أطوف الأرض كلها وأصيخ إلى أصواتها . وأجوب الفضاء وما فيه من عوالم محسوسة فأعود منها كلها بنغمة واحدة ــ (( غر ــ غر . . . )) وتستقر هذه النغمة في أعماق كياني كأنها كانت هناك منذ الأزل : فأستغرب كيف لم أسمعها من قبل . ويخيل إليَّ أنّها نغمة الحياة المثلى ولغتها الوحيدة . وإنَّ كل ما تدور به النجوم ، وتلظى به الشموس ، وتتغنى به الأرض ، ويتلفظ به الناس معناه (( غر ــ غر . . . )) وإنّ الـ (( وَع ْ .. وَعْ )) التي يقذفها صدر الطفل عندما يَطلُّ على عالمنا هذه هي عين الـ (( غر .. غر )) التي تنسلّ من صدر المحتضر ــ عندما يشرفُ على عالم غير هذا العالم .
https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...7f&oe=60F8A5D8



علي الموصلي 2021-07-18 09:23 PM

رد: نصوص أدبية
 

غلطة صحيحة

سألَتْه زوجته عند مغادرة البيت في ذلك الصباح إلى مقرّ عمله أن يأتيها في المساء بليرة إنكليزيّة ذهبيّة لتقدمها هديّة إلى ابنتهما الوحيدة في عيد ميلادها . وكان ذلك اليوم يوم مولدها الثاني عشر . فاغتبط الوالد بفكرة الوالدة ووعدها خيراً .
وعند العصر عادت الصبية من مدرستها وفي وجهها الحلو ما ينمّ عن اضظرابات قد تكون جسدانيّة وقد تكون نفسانيّة . ولكنّها اضطرابات أزعجت الأمّ كثيراً . فما زالت بابنتها حتى باحت لها بسرّها :
(( وأنا في طريقي من المدرسة مررت برجل عجوز جالس على الرصيف لم أرَ مثله في حياتي . آه لو ترينه يا ماما ! ثيابه بالية . جسده بال . شعره طويل . لحيته كأنّها المسلّات . عيناه صغيرتان ، مدوّرتان ، غائرتان تحت حاجبيه الكثيفين . نظراته تبعث الرعب . في يديه تفاحة ذاوية يعالجها بسنّين لم يبقَ غيرهما في فمه . إحداهما من فوق والأخرى من تحت . وهما لا تتلاقيان . ولكنّه لا يظفر من التفّاحة حتى بإحداث ثغرة في قشرتها . فيسيل لعابه على لحيته ، وتنتفخ أوداجه ، وتعمق التجاعيد في وجهه ، وتبدو عيناه كعيني وحش مفترس .
منظرٌ هائلٌ يا ماما . خفت منه كثيراً ، كثيراً . ولكنّني بقيت مدّة مسمّرة مكاني ، وعيناي لا تشبعان من النظر إليه . أخيراً التفت إليّ وتبسّم . فهربت . ))
ــ خوفاً منه ؟
ــ لا يا ماما . خجلاً منه . كان في ابتسامته ما جعلني أخجل من نفسي لأنّني خفت منه في البداية ، ولأنّه لم يكن معي قرش واحد أعطيه إيّاه .
ــ أمر بسيط يا بنيّتي . أهو بعيد من هنا ؟
ــ لا . مسيرة خمس دقائق .
ــ إليك عشرة قروش . خذيها له .
فرحت الفتاة باقتراح والدتها . فأخذت القروش العشرة وهرولت إلى حيث كان الشيخ الفقير . فلم تجده . وفتشت عنه في الجوار فلم تقع له على أثر . فعادت إلى البيت وفي قلبها غصّة .
وفي المساء عاد الوالد إلى البيت . وقبل أن تردّ الوالدة تحيّته سألته عن الليرة الذهبيّة . فابتسم ومدّ يده إلى جيبه وأخرج قبضة من النقود نثرها على طاولة قريبة منه وراح يفتّش بينها عن القطعة الذهبيّة فلم يجدها . ثمّ راح يفتّش باقي جيوبه الكرّة بعد الكرة فلم يجد قطعة النقد الذهبيّة التي تحمل على أحد وجهيها صورة القدّيس جاورجيوس ، قاتل التنين وشفيع الجزر البريطانيّة . فوقف كالمصعوق لا يبدي حراكاً .
بعد دقيقة ضرب الرجل جبهته بكفّه وصاح :
ــ مجنون . أنا مجنون . كان عليّ أن أضع القطعة في جيبٍ وحدها ، لا في جيب واحد مع النقد الصغير . الآن أدركت ما حصل . مررت في طريقي إلى البيت بشحّاذ عجوز يحاول أكل تفّاحة فلا يستطيع . فرميت إليه بقطعة من النقود ظننتها ربع ليرة . من الأكيد أنني رميت إليه بالقطعة الذهبيّة عن غير وعي وإدراك . تبّــاً لي . تبّــــاً لي ما أحمقني !
وانهالت الوالدة على الوالد بالتأنيب والتقريع ، وأمرته أن يعود أدراجه في الحال ليستردّ الليرة الذهب من الشحّاذ ويعوّضه عنها قطعة من النحاس أو الفضّة . فامتثل لأمرها ليعود بعد نصف ساعة بالخزي والفشل . إنّه لم يجد الشحّاذ .
وسمعت الابنة ما دار بين والديها من حديث ، وما نال والدها من تبكيت وتعنيت . فاكمدّ وجهها ، وانعقد لسانها ، وأحسّت أن جوّ البيت بات مكهرباً بسببها . لا كان يوم مولدها ، ولا كان ذلك العجوز الذي يحاول أكل التفّاحة فلا يستطيع ، والذي هالتها تكشيرته وسحرتها ابتسامته .
وهم كذلك إذا بجرس الباب يدقّ ، وإذا الذي يدقّه عجوز متهدّم يقبض بيده الواحدة على تفاحة متجعّدة ، وبالأخرى على عصاً يتوكأ عليها . وما إن وقع بصره على صاحب البيت حتى راح يعتذر عن إزعاجه له . فهو لم يعرف إلّا بعد حين أن قطعة النقد التي تصدّق عليه بها كانت من الذهب . ولأن أحداً لم يتصدّق عليه في حياته بالذهب فقد أدرك أن في الأمر غلطة . فراح في الحال يسأل أصحاب الحوانيت في الجوار لعلّهم يهدونه إلى رجلٍ قيافته كيت وكيت . فاهتدى والحمد لله . وها هو يردّ الذهب لصاحبه ويطلب له طول العمر .
حينئذٍ سرّي عن الوالدة والوالد معاً ، وأخذهما عجب كبير من أمر هذا العجوز الغريب . وشاءا أن يكرماه بالطعام وبالشراب وبليرة كاملة من الورق . فأبَى أن يأخذ شيئاً ، وهمّ بالانصراف . وإذا بالفتاة الصغيرة تبكي وتصيح :
ــ بابا ! ماما ! أين الليرة الذهب ؟ هي لي . هي هديتي في عيد مولدي . هاتها يا بابا . هاتها .
وعندما أعطاها والدها الليرة حملتها إلى العجوز متوسّلة إليه أن يقبلها هديّة منها . فأخذها الرجل وقال :
ــ أقبلها من يدٍ أفقر من يدي ، وقلبٍ أغنى من قلبي . كل عيدٍ وأنتِ بخير .


https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...e1&oe=60F973F5

علي الموصلي 2021-07-18 09:26 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ولماذا التطواف بعيداً ، لأبدأ بنفسي . ففي هذه الجهاز العجيب الذي هو جسدي يتمثّل العالم الأكبر كلّه ، ولكن في صورة مصغّرة . فالتعاون بين الأجزاء كلّها من الظفر على خنصر الرجل وحتّى الدماغ ، تعاون يفوق حدّ التصوّر ، ويبلغ حدّ التفاني دونما فتور ومنّ ، ودونما تهرّب من المسؤولية مهما تكن جسيمة . وهذه الأجزاء العجيبة التركيب والهندسة تحييها قطرات من الدم الّذي يجري في أوعية هي الغاية في الروعة . وهذا الدّم المتحرّك تحييه أنفاس لا تنفكّ تدخل الجسم وتخرج منه فتدفع كلّ ما فيه على الحركة بطريقة عفويّة . فإذا توقّفت الأنفاس توقّف الدمّ عن الحركة ، وكان الموت .
ولكن الذّي جاءك بسرّ النموّ ، وسرّ تجديد الجنس ، هو ذاته الذي جاءك بسرّ الانحلال . والأسرار الثلاثة متواصلة ، متلازمة ، متساندة ، ومتمّمة واحدها للآخر . والانحلال يعني إضراب الجسد عن العمل لأسباب كثيرة ، منها الإرهاق الطويل ، ومنها المرض ، ومنها الأحداث الطارئة . فهل أنّ الّذي كان صديقك في نموّك وفي تجديد جنسك بات عدوّك في انحلالك ! ذلك هو منتهى العقوق ونكران الجميل ، وإنّني لأعيذك منه يا قارئي .
فجسدك على روعته هو الرغوة الّتي تغمر منك ما هو أدهى من جسدك بكثير ، وذلك هو الذات الّتي تدعوها (( أنا )) والّتي تنمو بغذاء منها وفيها ، وغذاؤها هي التفتيش عن المعرفة . معرفة ما أنت ، ومَن أنت ، ومن أين ، وإلى أين ، ولماذا . وهل المعرفة هي وحدها الكفيلة بأن تعتقك من ربقة كلّ مجهول ، وأن تمكّنك من الغلبة على الموت ؟.
إنّك عندما يأتيك الموت تنطفئ فيك كلّ شهوات الجسد . فلا جوع ، ولا عطش ، ولا نهم جنسيّ . ولكنّك لا تستسلم إلى الموت إلّا وفي نفسك أشواق كثيرة لم تتحقق ، فشوق إلى العدل والرحمة والمغفرة والسلام والمحبّة وأشواق كثيرة قد تنطوي كلّها في الشوق إلى الحياة . وأنت لم تحقّق أشواقك في العمر القصير الّذي عشته على الأرض ، فأين تحقّقها ؟. ومن أين لك ، أو لأيّ إنسان أن تجزم ويجزم بأنّ الأرض هي وحدها المكان الذي تتحقّق فيه أشواقك ، وأنّ ما عشته على الأرض هو وحده نصيبك من الزمان الّذي ليس العمر بالنسبة إليه غير طرفة جفن ! .
لست أودّ لك أن تحصر (( أنا )) ـــ ك في الأرض ، ولا في الفترة من الزمان التي تعيشها على الأرض ، وإنّها لأبقى من الزمان ، ما كرّ منه وسوف يكرّ .


https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...cf&oe=60F89ED1



علي الموصلي 2021-07-18 09:32 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ميخائيل نعيمة

( تخدير أفكار من كتاب همس الجفون)
1922 .

بربّكِ ، لا ، لا تسرقي دمعة الباكي
ولا تخنقي ، لا تخنقي أنّة الشّاكي
ولا تسكبي زيتاً على جرح بائسٍ
يرى بجروح القلب ما كان يخفـاكِ
ولا تضفَري إكليل غارٍ لشاعر
أعدّتْ له الأقدار إكليل أشواك
ولا تفتحي عين الضرير لكي يرى
جمال محياك ....... وقبح محياك
ولا تلمسي أذن الأصمّ لكي يعي
تنافُرَ ضوضاك .... وأُلفة ضوضاك
ولا تُنطقي من كان أبكم صامتاً
لينشد ذكراك ..... ويلعن ذكراك
ولا تجبري عظماً كسيراً بصدر من
تحطّم منه القلبُ في نوّ أهواك
ولا ترفعي عيناً عن الأرض نحو ما
تستّر عنها في فـضاء وأفلاك
بربّك ، أفكاري ، دعينيَ سابحاً
ببحر وجودي ... دودةً بين أسماك
ضريراً ، أصمّاً ، أبكماً ، متجلبباً
بجهلي وضعفي ، دون علمٍ وإدراك
فضحُكِ تمويهٌ ، وصدقكِ حبّةٌ
من القمح في أكداس تبنٍ وأحساك
وكم صدّقتْ تمويهَكِ النفسُ سابقاً
فما كان أغباها ، وما كان أقـساك !
https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...00&oe=60F96DE8

علي الموصلي 2021-07-18 09:35 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
أيوب ... ميخائيل نعيمة

ليلة صافية قمراء . المسرح يمثل أرضاً عراء في وسطها بقعة من الرماد يتمرغ فيها أيوب وليس عليه من اللباس غير مئزر يستر سوءته ، وقد هزل إلى حد أن بات هيكلاً عظمياً يغلفه جلد تفشت فيه القروح من الأخمصين حتى قمة الرأس . على لحيته وما تبقى من شعر رأسه آثار من الرماد . يستوي الرجل جالساً ثم يأخذ بيده قطعة من الخزف ملقاة بجانبه ويمضي يحك بها أماكن مختلفة من جسمه حكاً جنونياً . أخيراً يطرح الخزفة من يده باشمئزاز ويخاطب نفسه :
مجنون ! مجنون ! لن تَشْفِيك الخزفة . لا يَشفِيك إلَّا المَوْتُ . ألا ليتك لم تولَد . لِمَ لَمْ تَمُتْ من الرحم ؟ لا كان نهارٌ وُلدتَ فيه ، ولا ليلٌ قيل فيه قد حُبِل بِرَجُل . ليكن ذلك النَهارُ ظلاماً . وذلك الليْلُ ليشمَله الديجور ولا يُحصَينَّ بين أيام السنة . ليكن ثاكلاً ولا يُسمع فيه ترنيم .
قد اكتسى لحمي دوداً وحَمَأ ترابٍ . وجلدي تقلَّص وتمزَّق . لقد سئِمَتْ نفسي حياتي . إنّي كرُفاتٍ متسوّس ، وكثوب أكلَهُ العثُّ . أُطلقُ شكواي وأتكلَّم بحرارةِ نفسي . كوى البكاءُ خدِّي ، وغشِيَتْ جفني ظلالُ الموتِ . أيامي قد انْقضَت ، وتَقَطَّعَت مآربي الَّتي هي حظُّ قلبي . ما رجائي ؟ قُلْـتُ للفساد أنْتَ أبي ، وللديدانِ أنْتِ أُمِّي وأُختي . أيَّتُها الأرض لا تستري دمي . ولا يكن لصراخي قرار .
جيفة أنا وعُصافة لا خَيْرَ فِيها لأيِّ حيٍّ أو ميت . زوى عنِّي إخواني فاعْتزَلتْني معارفي ، حتى عبدي أتضرَّع إليهِ فيردُّ عنِّي وجهه . لقد صار نفَسي خبيثاً عند امرأتي ، وغدوتُ أبتهلُ إلى أبناءِ أحشائي . حتى الصبيان ازدرَوني . أقومُ فيتهكَّمون عليَّ . لصقَتْ عظامي بجلدي ولحمي . ونجوتُ بجِلد أسناني . ليس إلَّا الكلاب تحِنُّ عليَّ فتأتي لتلحس قروحي . حتى متى يا ربّ ، حتى متى ؟!!
يعود أيوب فينطرح أرضاً وتمضي يداه تفتشان عن الخزفة . تدخل بعد قليل زوجته وفي يديها قصعة وابريق ماء . تخاطبه بتقزُّز وكأنها تخشى أن يمسها شيء من صديد قروحه .

زُلَيخة
إليك بعضَ الحَساء والماءِ .

أيّوب
الحَساءُ والماءُ للأحياءِ . أمّا أنا ...

زُلَيخة
ليتك كُنْتَ في الواقع ميتاً . إذن لأرحتَ واسترحتَ . لكنَّ ربّك ما شاءك إلّا لعذابي . ليتني أعرف أينَ هو لأُمزّق أذنيه بحقدي عليه .

أيّوب
لا تجدِّفي يا امرأة .

زُلَيخة
سأُجدّف ما دام لي لسان يُجَدّف . وماذا بعد التّجديف ؟

أيّوب
الموت الَّذي لا حياةَ بَعْده .

زُلَيخة
إذن جدّف ومت .

أيّوب
إنّما كلامك كلامُ إحدى السفيهات . أنقبل الخَيْرَ من الله ولا نقبل منهُ الشرَّ ؟

زُلَيخة
الشرُّ لمَنْ يصنع الشرّ . أمّا نحنُ فأيَّ شرٍّ صنعنا ؟

أيّوب
سؤالك هو الشرّ بعينه .

زُلَيخة
بل الشرّ أن لا تسأل : ما هو الشرّ ؟

أيّوب
الشرّ هو ما أنتِ فيه .

زُلَيخة
بل هو ما أنتَ فيه .

أيّوب
لعلَّهُ ما نحن كلانا فيه . إنّهُ رفضُكِ الوجه الآخر لأيِّ شيءٍ . إنّهُ رفضُكِ زوجاً افتقر بعد غِنىً ، وهان بعد عزٍّ ، وبات جسمه المقرَّح قذىً في عينيه وأعيُنِ النّاس ، وقبولك بهِ سليماً ، وجميلاً ، وحكيماً ، وغنيّاً ، وكريماً ، وجذِلاً ، ومُحبّاً ، وغير قابل للموت . إنّه تهرُّبكِ من دفع ثمن المعرفة التي تجعلك تقبلين الخيرَ والشرّ بالسواءِ لتتغلبي في النهاية على الاثنين .

زُلَيخة
وما هو ذلك الثمن ؟

أيّوب
إنّهُ الألَمُ الذي نحسُّه كلّما غاب عن أبصارنا وَجْهٌ محبَّب من وجوه الأشياء وبرز مكانَه وجهٌ لا نحبُّه . والأشياءُ تدور يا زليخة كما تدور الفصول والأفلاك . فلا محيص من رؤية وجهها القبيح بعد الصّبيح . ثُـمَّ إنّ الثمن هو الصبر على ذلك الألم . الصبر مفتاح المَعرفَة على أن يكون صبراً في قلبه الإيمان بالمعرفة . فالصبر دون الإيمان شلل وفناءٌ بطيء .


https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...e4&oe=60F9C200

علي الموصلي 2021-07-18 09:38 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ميخائيل نعيمة ... البيادر

ما خلق الله في كلّ ما خلق إلّا ذاته . إذ ليس فوقه أو تحته ، ولا أمامه أو خلفه ، ولا قبله أو بعده شيء لم يكن فيه منذ الأزل . كما أنّه لا يفيض ينبوع إلّا بالذي فيه ، ولا تأتي شجرة بغير الثمر الذي في أحشائها ، ولا يشتعل عود إلّا بالنار التي في قلبه ـــ كذلك لا يفيض من الله إلّا الله ، ولا يثمر الله إلّا الله ، ولا يسطع الله بغير الله ، لذلك كان الإنسان الصادر عن الله صورة لمصدره . فكان أزليّاً بأزليّته ، أبديّاً بأبديّته ، خالقاً بعين القدرة التي خلقته .
لكنها صورة لا تزال غامضة في الإنسان المتدثر بدثار الحس الخشن وكلّ ما يُلازمه من خير عليل وشرّ هزيل . وكأنّها الصورة الشمسيّة قبل تظهيرها . وإذ ذاك فغاية الإنسان من وجوده واحدة لا تقبل الشرك من أيّ نوع كان . ألا وهي تمزيق دثار الحسّ لتظهر الصورة بتمامها فيرتفع الإنسان إلى ما فوق الخير والشرّ . وإذ ذاك فما الزمان بعقوده ، والمكان بحدوده ، والموت بظلماته ، والولادة بأشعتها ، وكل ما يتخلل ذلك من أنين وحنين ، وذعر وطمأنينة ، وقلق وسكينة ، سوى مساحيق وعقاقير سحريّة تُعدّها لنا الحياة لنجلو بها صورة الله فينا . حتى إذا ما انجلت كلّ الانجلاء أصبحنا في غنى عن تلك المساحيق والعقاقير إلى الأبد ، وعدنا نساعد في استعمالها أولئك من إخواننا في الناسوت الذين ما برحت صورهم غامضة ، مبهمة . والناس من هذا القبيل رجلان : رجل يعرف الغاية من هذه المساحيق والعقاقير فيحسن استعمالها ليخلص منها بها ، ورجل يجهل الغاية أو يشرك معها غايات سواها ؛ فمساحيق الزمان والمكان ، وعقاقير الخير والشرّ ، وعناصر الموت والحياة لا تزيد صورة الله فيه إلّا غموضاً . وما دام الله فينا غامضاً دمنا في ظلمات السجون وقبضة العذاب .
هذه صفوة إيماني بالإنسان وحياته . ومن كان ذلك إيمانه نبَتْ به روحه عن كلّ معرفة سوى المعرفة بأنّه صورة الله ، وجنحت به عن كلّ إرادة سوى الإرادة المنبثقة من تلك المعرفة والتي لا هدف لها إلّا الكشف عن الصورة والتمتّع بها صافية ، ساطعة ، كاملة . فأصبح كلّ علم وكلّ عمل ، في نظره ، بل كلّ نيّة لا تستمدّ حياتها من هاتيك المعرفة وجعاً وغباوة . وأصبحت كلّ إرادة لا تستوحي قوّتها من تلك الإرادة غلّاً في العنق وسهماً في الكبد . وهكذا كانت عنده معرفة الله في الإنسان وإرادة الوصول إليه نقطة الدائرة من الحياة . فكان كلّ ما تركّز فيها ثمّ انبعث عنها من أعمال الناس عبّارةً من أفق واسع إلى أفق أوسع . وكان كلّ ما زاغ عنها خيبةً تقود إلى خيبة ، وعثرة تفضي إلى عثرة .

https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...2e&oe=60F95B05

علي الموصلي 2021-07-18 09:46 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ميخائيل نعيمة ... النور والديجور

ألا واهاً وألف واهٍ للإنسان كيف يحاول المستحيل . فيقيم من وهمه فاصلاً بين نفسه التي هي العالم ، والعالم الذي هو نفسه . ثم ينظر إلى الغراب الذي هو في العالم ومعه يقول له : (( أنا غير أنت ، وأنت غير أنا . وأنا أكرهك . ))
واهاً وألف واهٍ له كيف قنَّع بالوهم عينيه حتى إنَّه يرى لون الغراب في شعره وشعر من يحبّها جمالاً ، ويراه في ريش الغراب شناعة . ولماذا ؟ لأنَّه يذكِّره بالحداد . ولَعمري ما همّ الحياة من الحداد وهي لا تفرح ولا تحزن ؟ أيحدّ بعض الحياة على بعضها ، وحزن الواحد هو فرح الآخر ، وفرحه حزنه ؟
واهاً وألف واهٍ له لأنَّه من خلال قناعه الكثيف قد لمح الجمال . لكنه لمح مع الجمال الشناعة ، ولذلك لم يعرف الجمال ولا الشناعة . إذ كيف لمن عرف الجمال أن يحب لوناً ويكره آخر ؟ بل كيف لمن رأى الجمال أن يبصر لوناً دون آخر ؟ وماذا عسى يبصر الإنسان من الألوان ! أيبصر ألوان مشاعره وأفكاره ؟ أيبصر ألوان أنفاس الأرض والسماء ؟ أيبصر اللون الذي ليس لوناً لأن فيه تلتقي وتندغم كل الألوان ؟ إذن كيف له أن يحدّث عن الجمال ، وجمال العالم التام إنما يتمّ بكل ما في العالم من الألوان ، ولوني ولونكم منها أيها الغربان ؟

https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...08&oe=60FA392C

علي الموصلي 2021-07-18 09:53 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ميخائل نعيمة ... في مهب الريح

مررت ذات يوم بجماعة من الصبية يلعبون في ظلّ شجرة باسقة . فوجدتهم في هرج ومرج عظيمين ، ووجدت أحدهم في أعلى الشجرة وقد راح يشدّ حبلاً إلى جذع من جذوعها . ووجدت الذين على الأرض قد أخذوا بطرف الحبل الآخر وانبروا يتسابقون إلى إحكام ربطه حول عنق هرّة رقطاء . وسمعت الذي في أعلى الشجرة يصيح بالذين على الأرض : (( شدّوا ! شدّوا )) وعندما سألتهم عن الجريمة النكراء التي اقترفتها تلك الهرّة المسكينة فاستحقّت من أجلها الشنق ، أجابني أصغرهم بمنتهى الجدّ والبساطة : (( هيدي مرجوحة ! )) عندئذٍ أدركت كيف تعبث الدعاوات الخبيثة بالمفاهيم البشريّة فتغدو المشانق أراجيح في لغة السياسة . ويصبح الاستعداد للحرب خير ضمان للسّلم .
لست أرى عظيم فرق بين ذهنيّة أولئك الصبية وذهنيّة ساسة العالم وقادته . فهم في تسابقهم الجنوني إلى التسلّح يحكمون الخناق على السّلم يوماً بعد يوم ثمّ لا يخجلون من أن يجاهروا بأنّهم يفعلون ما يفعلون لا في سبيل الحرب ، بل في سبيل السّلم والترفيه عنه والحفاظ عليه . وقد جرّهم هذا المنطق الأعوج إلى آخر أشدّ اعوجاجاً منه . إذ خلقوا خُرافة أطلقوا عليها اسماً غَرّاراً عليه مسحة من المنطق . أمّا ذلك الاسم فهو (( توازن القوى )) . ومعناه أن معسكرين متخاصمين ، إذا توازنت قواهما الحربيّة ، بات كلاهما يرهب خصمه فلا يجرؤ على مهاجمته . وهكذا يبقى السّلم بينهما في مأمن من الحرب . وإذ ذاك فعلى سكّان الأرض ، إذا هم شاؤوا سلماً دائماً ، أن يحفظوا التوازن في قواهم الحربيّة إلى الأبد . وفي ذلك من التضليل ما فيه .
لو فرضنا أن في استطاعة البشر حفظ ذلك التوازن إلى الأبد لكان السّلم النّاتج عنه أشدّ هولاً على الناس من الحرب . فأيّة دولة تستطيع أن تمضي في التّسلّح عاماً بعد عام وعينها الواحدة على جارتها مخافة أن تسبقها خُطوة ، وعينها الأخرى على خزينتها التي تنضب يوماً بعد يوم ، وعلى شعبها الذي أرهقته الضرائب فبات يمشي حثيثاً إلى الفقر فالجوع فالفناء ؟ هذا إذا تيسّر للناس أن يقيموا مثل ذلك التوازن . إلّا أنّه في الواقع توازن مستحيل لا وجود له البتّة إلّا في أوهام القائلين به والدّاعين إليه .
إنّا إذا وضعنا كميّة من الشعير في كفّة من الميزان ووضعنا كميّة مثلها في الكفّة الأخرى استطعنا بأخذنا منها أو بالإضافة إليها أن نحصل على توازن تامّ بين الكفّتين ، وأيقنّا أنّ كمية الشعير في الواحدة تعادل الكميّة في الأخرى بغير زيادة أو نقصان . أمّا التوازن في القوى الماديّة والمعنوية وفي ظروف الزمان والمكان بين معسكرين متخاصمين فَمنذا الذي أُوتي من العلم والحكمة ما يخوله البتَّ في اللحظة التي فيها يتمّ ذلك التوازن ؟ وإذا تمّ التوازن ــ وذلك مستحيل ــ فأين الإنسان الذي يستطيع أن يتنبّأ بمدى استقراره ؟ فهو إن دام لحظة لن يدوم شهراً . إذ أن العوامل التي تساعد على هدمه لا تقع تحت حصر ، وأكثرها لا سطان للناس عليه . فمصادرها خفيّة ، والقوى التي تخلقها ثمّ تسوقها إلى الناس على غفلة منهم ما برحت بعيدة عن متناول الناس . فظهور زعيم جديد أو اختفاء زعيم قديم ، وانتشار مذهب دينيّ أو سياسيّ كان في مطاوي الغيب ، وسنة قحط أو سنة خصب ، ووباء أو زلزال ، واختراعٍ جديد أو اكتشاف معدنٍ مجهول ، وثورة هنا أو عصيان هناك ــ كلّ هذه الأمور التي من شأنها أن تعبث بخرافة (( توازن القوى )) بين لحظة ولحظة . وإذ ذاك فالتوازن الذي أرادوه حِصناً للسّلم يصبح شَرَكاً له وأيّ شرك .

إذا كان الزَّاعمون أنَّ السّلم لا يصان إلّا بآلة الحرب ، وإلّا بالتوازن بين آلة وآلة ، جادّين في ما يزعمون ، فإنّها الحماقة الخرقاء . وإذا كانوا ــ دفاعاً عن مصالح مزعومة ــ يموّهون ويخاتلون في ما يزعمون ، فإنّها الجريمة النكراء . وهم سيكفّرون عنها بعذاب ولا عذاب جهنّم .
أما كان من الأولى بزعماء العالم وقوّاده ، إذا هم صفت نيّاتهم للسّلم ، أن يستعدّوا للسّلم قبل استعدادهم للحرب ؟ فللسّلم عُدّته كما أن للحرب عُدّتها . إن تكن عدّة الحرب مدافع وقنابل وإثارة أبشع ما في القلب البشري من عفن البغض والحقد والشهوات السود ، فعُدّة السّلم قوتٌ للجياع ، وكساء للعراة ، ومأوى للمشرّدين ، ودواء للمرضى ، وكرامة للمهانين ، وحريّة للمقيَّدين ، ومعرفة للجاهلين ، وانعتاق للمستثمَرين ، وغفران للمذنبين ، وعدل للمظلومين ، واعتراف باطني وعلني بقدسيّة الحياة البشريّة وتنزيهها عن الأثمان ، ثمّ اعتراف مماثل بأن الإنسان أخو الإنسان وعونه ونصيره أينما كان ومن أيّ جنس كان ، وبأن الأرض ميراث الجميع .
عدّة السّلم الصدق ، وعدّة الحرب الكذِب
عدّة السّلم الأمانة ، وعدّة الحرب الخيانة
عدّة السّلم الثّقة ، وعدّة الحرب الشكّ
عدّة السّلم التعاون ، وعدّة الحرب التنابذ
عدّة السّلم المحبّة ، وعدّة الحرب البغض
عدّة السّلم العطاء ، وعدّة الحرب النّهب
عدّة السّلم التعمير ، وعدّة الحرب التخريب
عدّة السّلم الإيمان بالإنسان ، وعدّة الحرب الكفر بالله وبالإنسان معاً .
عدّة السّلم الحياة ، وعدّة الحرب الموت .

https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...68&oe=60F93345

علي الموصلي 2021-07-18 09:55 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ميخائيل نعيمة .. صوت العالم

إن مَثل الذين يهندسون عالم الإنسان في معزل عن سائر العوالم هو مثل جماعة من الفئران استوطنت مخزناً من مخازن سفينة في بحر . ثم راحت تتسابق وتتقاتل وتتناهش على ما في المخزن من مأكل ومشرب . وتتشاحن في أيها الأهم والأشرف والأقدر على تسيير السفينة . وإذا أعياها القتال راحت تعقد المؤتمرات لاقتسام ما في المخزن ، ولتقرير الاتجاه الذي يجب أن تتخذه السفينة ، كل ذلك من غير أن تحسب أقل حساب لركاب السفينة وحاجاتهم إلى ما في مخازنها ، ولا للبحر وأنوائه ، ولا للكواكب ومجاريها ، ولا لربّان السفينة ويده على الدفّة ، ومشيئته التي من خلف يده .
كيف للإنسان أن ينظّم عالمه من غير أن ينظّم كل العوالم التي تتشابك حياته بحياتها تشابكاً لا ينفذ البصر إلى أوله ولا البصيرة إلى آخره ؟
كيف له أن يوزّع خيرات الأرض والسماء بالإنصاف وما هي من عنده ولا في قبضته ؟ ولو شاءت الأرض والسماء لحبستا عنه خيراتهما ؛ فعليه قبل أن يحالف إنساناً مثله أن يحالف السماء والأرض أولاً . وإلّا كان ما يزرعه عذاباً مرّاً ، وما يحصده عذاباً أمرّ .
كيف له أن يتحرّر من جاره وهو وجاره عبدان للتراب وكل ما ينبته التراب ، وللهواء وكل ما يتنفسه الهواء ، وللبحر وكل ما يقذفه البحر ، وللكواكب وكل ماتفعله الكواكب ؟ وماذا أقول في عبوديّته لأهوائه ولجهله وادعائه ؟
كيف له أن يسيّر سفينته ، وما هو وسفينته سوى بعض من حمولة سفينة لا حدود لها ولا سدود في وجهها ــ هي سفينة المسكونة ؟
كيف له أن يعرف اتجاهه من غير أن يعرف اتجاه السفينة الكبرى ومشيئة ربّانها ــ وهي مشيئة الله ؟
كيف له أن يعرف مشيئة الله من غير أن يؤمن بالله ؟
وأخيراً ، كيف له أن يؤمن بالله من غير أن يؤمن بنفسه ؟
وإذن كان الإيمان بالله وبالإنسان الذي هو صورة الله ومثاله حجر الزاوية في حياة الإنسان . وكل بنيان لا يقوم عليه مصيره حتماً إلى الانهيار . وهو مصير العالم الذي هندسه من قبل ، ويهندسه اليوم رجال الحلف الثلاثي . ذاك لأنهم لا يسمعون ولا يعون من أصوات العالم إلّا قرقرة البطون ، وإلا فحيح الشهوات السود في قلوب ما تزال رهينة الجوع والعطش إلى أخسّ اللذّات البهيميّة وأقذر موارد (( المجد )) و (( الشرف )) . أمّا حنين الإنسان الأبدي إلى الانعتاق من الحدود والسدود والوصول إلى حيث لا قيود ولا سدود ــ أمّا ذلك الحنين الصارخ الصابر فلا يسمعونه ولا يعونه . في حين أن ذلك هو صوت العالم بأسره من الأزل وإلى الأبد .


https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...24&oe=60F9846F

علي الموصلي 2021-07-18 09:59 PM

رد: نصوص أدبية ( روائع )
 
ميخائل نعيمة .. كتاب مرداد

مرداد : كلّ يوم يا بنّون هو يوم دين . فلكل كائن حسابه . وهو يحاسب ذاته في كلّ لحظة من وجوده . والذي هو في الآن هو صافي حسابه منذ الأزل حتى الآن . فلا يضيع منه شيء . ولا يبقى شيء بغير وزن .
ليس من فكر ، أو عمل ، أو أمنية إلّا يسجّلها المفكّر والعامل والمتمني في ذاته . ولا من فكر أو عمل أو أمنية عاقرٍ في العالم . بل كلّها يحبل ويلد من جنسه . فما كان منها مجارياً للناموس ضَمّه الناموس إلى الحياة . وما كان مُغايراً ضُمّ إلى الموت .
إن أيامك يا بنّون ، وإن تشابهت ، ليس سواء . فبعضها صافٍ وصفاؤه هو حصاد الساعات التي عشتها وفقاً للناموس . وبعضها يكتنفه الضباب والسحاب . فهو هديّة ساعاتٍ نصفها غافل في الموت ونصفها مستيقظ في الحياة . بيد أن البعض الآخر يُغير عليك على صهوة عاصفة هوجاء ، حاملاً البرق في عينيه ، والصاعقة في منخريه . فيصفعك من فوق ، ويلفحك بالسوط من أسفل ، ويرشق بك ذات اليمين وذات اليسار ، ثمّ يطرحك على الحضيض ويجعلك تعضّ التراب وتشتهي لو لم تولد . وهذا البعض من أيامك هو ثمرة الساعات التي أنفقتها في معاندة الناموس عن معرفة وتصميم .
ومثلك بأيامك مثل العالم بأيامه . فالخيالات السود المارحة اليوم في رحاب السماء ليست بأقلّ هولاً من تلك التي جلبت الطوفان على الأرض فيما مضى . ألا افتحوا أعينكم وانظروا .
ألستم تقولون إن المطر قريب عندما تبصرون الغيوم السود مسرعة نحو الشمال على متون رياح الجنوب ؟ فيا ليتكم كنتم حكماء في فهم مجاري الرياح البشريّة مثلما أنتم في فهم رياح الفَلَك ! ألعلّكم لا تبصرون ولا تشعرون إلى ايّ حدّ قد تعرقل الناس في شباكهم ؟
أما يوم التخلص من العراقيل فقد دنا . ويا لهوله من يوم ! فالناس ما فتئوا يحوكون شباكهم منذ أجيال لا تكاد تحصى . وهم يحوكونها من شرايين القلب والنفس . فلا بدّ لهم للخلاص منها من أن يقطّعوا نياط قلوبهم ، ويمزقوا لحومهم ، ويسحقوا عظامهم بأيديهم .
يومَ تُرفع الأغطية عن القدور ـــ ولا بُدّ من أن تُرفَع ؛ ويومَ تعطي القدور ما فيها ـــ ولا بدّ من أن تعطيه ــ يومذاك أين يخبئ الناس رجاستهم ، وأنّى عساهم يهربون ؟
في ذلك اليوم يحسد الأحياءُ الأمواتَ ، ويلعن الأمواتُ الأحياءَ . ويلتصق كلام الناس بحناجرهم ، ويتجمّد النور على أجفانهم . وتخرج من قلوبهم ثعابين وعقارب فيصرخون من ذعرهم : (( من أين هذه العقارب والثعابين ؟ )) ناسين أنهم آووها وربّوها في قلوبهم .
ألا افتحوا أعينكم وأبصروا . ففي الفلك التي أقامها الصدّيقون في سالف الأزمان منارةً للعالم المتخبّط في الظلمة ، في هذه الفلك عينها أوحال يتعذّر عليكم اليوم قطعها . إن تكن المنارة قد أصبحت شركاً ، فما عسى أن تكون حال المسافرين في البحر ؟
لكنّ مرداد سيبني لكم فلكاً جديدة . وهذه الفلك بحقّ منارةً لكلّ من يفتش عن حرية الناموس السرمدي الذي هو ناموس الله . وأنتم ستطيرون من هذا الوكر إلى العالم حاملين إليه لا أغصان زيتون ، بل حياةً لا تنضب . ولذلك كان لا بدّ لكم من معرفة الناموس والسير بمقتضاه .


https://scontent.fosm4-1.fna.fbcdn.n...dd&oe=60F9C5EE


الساعة الآن 02:11 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2021, vBulletin Solutions, Inc.