عرض مشاركة واحدة
قديم 2021-08-15, 12:11 PM   المشاركة رقم: 14
المعلومات
الكاتب:
علي الموصلي
اللقب:
:: مدآفع عن أهل السنة ::
الرتبة:

البيانات
التسجيل: Jun 2021
العضوية: 6270
المشاركات: 1,660 [+]
معدل التقييم: 22
نقاط التقييم: 50
علي الموصلي will become famous soon enough

الإتصالات
الحالة:
علي الموصلي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : علي الموصلي المنتدى : ارشيف المنتدى
افتراضي رد: سجن نقرة السلمان ذكريات ومآسي

1000 يوم في سجن نقرة السلمان الحلقة السادسة والعشرين
دارت دورة الحياة على شباط الدم والموت عاما واحدا وحل شباط عام 1964 على سجناء نقرة السلمان وكان الفارق بينهما أن الأول كان شعاره القضاء على جمهورية الرابع عشر من تموزعام 1958 الديموقراطية الشعبية بجميع وسائل القمع والعمل للقضاء على كل من ساهم في ارساء دعائمها أما شباط عام 1964 فقد كان حزينا وصامتا ومؤلما لدرجة أنه سلب المغلوبين الأحساس بالواقع والحياة الأعتيادية ولكوني أحد هؤلاء يمكنني أن أنقل أنطباعا واضحا عن عدم الشعور بالوجود وما يحمله من مؤثرات كتأثير المناخ وحالة الجو في مثل هذا الوقت من السنة وأنني لحد الآن أحاول أن أستذكر وأسأل نفسي هل كان الجو غائما وهل كانت الرياح عاصفة وهل كان البرد قارصا وأكثر من كل ذلك لا أتذكر هل أن السماء قد أمطرت وكيف كان حالي وحال الآخرين تحت مطر الصحراء والغريب في الأمر أنني الذي كنت أنتظر المطر ومواسم زخاته المثيرة قد ذكرته في أحدى أمسيات السلمان الأدبية وتحت عنوان(ثم جاء المطر) وهي صورة قلمية لروعة المطر قبل أن يغيب عن بالي في شهر شباط السلمان أن الحدث المهم والمثير الذي ترك أثرا حزينا في نفوسنا نحن سكان مستعمرة المنفيين في صحراء السلمان هو فقداننا للضابط الشجاع صلاح أحمد حمدي الذي أنتهت حياته الحافلة بتراجيديا أشبه ما تكون بنهاية فرسان الحرية الأبطال وخلق حفل تأبينه جوا من الحزن العميق على السجناء المتجمهرين في باحة السجن ومما زاد على ذلك الجو المحزن القصيدة التي القاها شاعر النضال الثوري مظفر النواب
المنايا الما تزورك زورها
خطوة التسلم ذبايح سورها


لقد جمعتني بصلاح علاقة حميمية داخل السجن وبسبب كوني أمارس طقوس محاولة التعرف على الآشخاص المتميزين وقراءة سيرة حياتهم عن كثب لذا فقد صرفت وقنا ليس بالقليل لمصاحبة صلاح والتمشي معه حول القواويش والى وقت متأخر من الليل وهو يحدثني عن محاولات هروبه المتكررة والتي تكللت بالنجاح أحيانا وبسوء الحظ أحيانا أخرى والذي يحول دون أكماله نيل الحرية بشكل تام وسأدون ما اختزنته ذاكرتي من تلك المحاولات والتي سردها لي صلاح وبشكل عفوي وبما لايسمح مجالا للسامع بأدخالها مدخل الشك أو المبالغة لما لديه من حجة وواقعية وهو المعروف بذلك الضابط الصغير الذي وقف أمام رئيس محكمة الشعب العقيد فاضل عباس المهداوي يدلي بأفادته عن كيفية تمرد السرية المسؤولة عن حماية مشروع عين زالة خلال مؤامرة العقيد عبد الوهاب الشواف وقد كانت أفادته أشبه ماتكون بتقرير سباسي شخص بها الوضع العام آنذاك وأسباب قيام المتآمرين بالمهمة التي أسندت لهم ودور القوى الوطنية للتصدي لها واتسمت تلك الافادة بلغة بليغة وسليمة وعبارات متقنة ومتواصلة مما حدا برئيس المحكمة بالقول (أتمنى أن يكون جميع الضباط العراقيين مثل هذا الضابط الشهم)
1-محاولة الهروب الآولى:
القي القبض على صلاح قي وحدته (زوارق الطوربيد) في اليصرة بعد أن حث الجنود والضباط على مقاومة الانقلابين ألا أن روح اليأس وتدني معنويات الجنود والضباط بسبب الصراعات الحزبية والشعارات الاستفزازية وموقف السلطة الوطنية المتشكك أتجاه المخلصين للثورة وأبعادهم عن المراكز المهمة قد حالت دون أفشال الموامرة والقضاء عليها في مهدها.
لقد سفر صلاح الى الموصل لمحاكمته بتهمة قتل آمر سرية عين زالة المشارك بموامرة الشواف أعيد صلاح الى بغداد لوجود قضايا أخرى تستوجب محاكمته وقد سفر بالقطار النازل الى بغداد مع مجموعة أخرى من الضباط فعند وصول القطار الى محطة بغداد عقدت المفاجئة السن زملائه فقد ظهر صلاح أمامهم


بملابسه العسكرية ورتبته ملازم أول ثم أخذ يصدر ألآوامر الى ثلة الآنضباط وبلهجة صارمة وهو يحثهم على مراقبة المجموعة التي معه ويطلب من الحرس أن يشددوا الحراسة عليهم لأنهم عناصر خطرة وأنه سيعود بعد قليل لأستلامهم ثم أستقل سيارة أجرة وأختفى عن ألأنظار اما كيف تسنى له أن ينفذ خطته فقد طلب من أهله أن يجلبوا له ملايسه العسكرية وأخفائها بين رزمة الأمتعة أما كيفية أرتدائها فقد دخل الى مرافق القطار قبل وصوله الى محطة بغداد وتمكن من فتح جامعة اليد الحديدية وخرج من نافذة المرافق ليواجه الحرس وزملائه من طرف آخر مما حقق بهذه الطريقة عنصر المفاجئة وعدم الشك .
2- محاولة الهروب الثانية:
أختفى صلاح في بغداد من أجل العمل ولملمة شمل ما تبقى من العناصر الوطنية وفي أحد المرات التي كان يجري فيها الأتصالات علم بأعتقال والده وزوجته وأيداعمها قصر النهاية فقرر تسليم نفسه أكراما لأبيه وحفاظا على شرف زوجته وقد شكلت عملية تسليم نفسه حالة فريدة وشجاعة فقد كان يعلم أن قائد قوات الحرس القومي هو الطيار منذر الونداوي في النادي الأولمبي في الأعظمية أما كيفية وصوله الى غرفة منذر الونداوي فهي غريبة أيضا حيث تسلق الشجرة المحاذية لسور النادي ثم طوح جسده بواسطة غصن من الأغصان ونزل بواسطته الى باحة النادي وذهب مباشرة الى غرفة قائد الحرس والذي تفاجأ به وهو على عتبة الغرفة وللمعرفة القديمة بين الأثنين خلال وجودهما في دورات عسكرية في لندن تعرف منذر الى صلاح فسرعان ما وجه غدارته الكلاشنكوف اليه الا أن صلاح بادره بالقول ( انني أعزل وقد جئت لأسلم نفسي وبشرط أطلاق سراح أبي وزوجتي وعندها طلب منه منذر ان يجلس ليحاوره وعرض عليه التعاون معه قائلا (صلاح أنت ضابط شجاع وذكي فلماذا لاتتعاون معنا وننسى الماضي وكل مايتعلق بك من تبعات قانونية فسوف أعمل من أجل الغائها فرد عليه صلاح قائلا (أكيد أنكم قد قتلتم الكثيرين منا وانني متهم بقتل أحد مؤيديكم فلو تمكنتم من أعادة الحياة الى من قتلتموهم وكذلك بدورنا نتمكن من ذلك فعندها نتفاهم ) ففهم منذر الرسالة وعرف أن لامجال للتفاهم معه فتم له ما أ راد وأرسل مخفورا الى قصر النهاية ليلقى مصيره المحتوم.
عند قصر النهاية واجه صلاح صنوف التعذيب والعذاب النفسي فلم يبق في جسمه مكانا لم يطله الضرب فاكتسى وجهه بطبقة كثيفة من الدماء لدرجة أضاعت معالمه الا أنه لم يستسلم لليأس ولم يسمح لنفسه بالانهيار فما أن وجد الفرصة مواتية لترك السرداب الرهيب المكتظ بأجساد الموتى والمصابين والمغمى عليهم فأنتقل ببراعة الى سطح قصر النهاية وهناك وجد عددا من ضباط صف القوة الحوية يفترشون السطح وهم في حالة يرثى لها من شدة التعذيب والجوع وأن قسما منهم قد أغمي عليه وقسم آخر قد فارق الحياة فتمكن من أخذ معطف أحدهم ممن فارق الحياة وأندس بينهم وقد صادف أن حضر أحد الجلاوزة ليهددهم بالاعتراف وبعكسه فسيكون مصيرهم كمصير صلاح الذي قتلوه في السرداب لعدم أعترافه .
لقد جرى نقل ضباط صف القوة الجوية وبظمنهم صلاح الى السجن العسكري الرقم واحد وما أن وصلوا الى هناك حتى أستقبلهم مدير السجن حازم الاحمر بالشتائم والضرب وخلال أيداعهم أحدى الزنزانات تطلع الى وجه صلاح وأمعن النظر اليه ومن بعض ملامحه التي تشير اليه بسبب المعرفة الكبيرة بينهما ولكون الاثنان من مدينة الموصل فقد صرخ مدير السجن به (ولك ما انت صلاح؟) لكن صلاح انكر وادعى بانه احد منتسبي القوة الجوية وتحت التعذيب المصحوب بحالة الانتقام تاكدت هوية صلاح ونقل الى معتقل الخيالة لغرض تسفيره الى الموصل لتنفيذ حكم الاعدام به الا ان روح التحدي والاصرار على البقاء لم تفت في عضد صلاح فتمكن من قلع شباك الزنزانة والهروب من معتقله واول شيء اقدم عليه هو الذهاب الى داره التي استاجرتها عائلته بعيدا عن اعين الرقباء وما ان وصل الى الدار حتى وجد مجموعة من النساء تحيط بزوجته الراقدة على السرير وهي في حالة مخاض وما ان شاهدته واقفا على باب الغرفة صرخت واطلقت وليدته البكر الى حياة والدها الحافلة بالمخاطر والموت وعندها اخبرته النسوة ان المولود هي بنت وبعفويته وسرعة بديهيته قال (اسموها رباح) لتكون ربحا لنا في صراعنا مع الباطل.
ثم غادر المكان ليختفي بين الناس الفقراء والذين كانوا يعملون بصمت من اجل ازاحة الكابوس عن الشعب.

تركت هذه الحالة اثرا في نفسي مما حدا بي وانا الذي اتاثر بمثل هذه المواقف ان ارسم صورة لصلاح تمثله خلف القضبان وهو يمد يده الى الخارج ليزرع وردة تتوسطها وجه ابنته رباح.
اختفى صلاح وكان ظهوره عجيبا وفريدا هذه المرة وقد كان من ضمن من نقلوا في قطار الموت وليس كضابط بل رجل اعرابي يعتمر (اليشماغ البالي) والصاية المهلهلة وبلحية كثة وما ان دخل من باب سجن السلمان الحديدي الكبير مع الحشود القادمة بقطار الموت حتى انطلقت بعض الاصوات مرددة اسمه لكن سرعان ما بادرهم باشاره وهي وضع سبابة يده على شفتيه وبما يستدل منها بان نلزم الصمت ولا نذكر اسمه
استمر صلاح يسرد تفاصيل هروبه لي فبين بانه اختفى في احد البيوت الخاصة بتنظيم حركة 3/7/1963 والتي البطل الأسطوري حسن سريع
وقد ورد ذكر بعض التفاصيل والمعلومات عن الدكتور علي كريم بكتابه (البيرية المسلحة) حيث جاء في تلك التفاصيل أن احد الضباط ولم يذكر اسمه قد حضر الى معسكر الرشيد مستقلا دراجة نارية ليلتحق بالثوار وقيادتهم الا انه وصل متاخرا وبعد تصفية الحركة والقضاء عليها ومن اجل بيان الحقيقة وللتاريخ فقد ذكر لي صلاح بانه هو الشخص الذي حضر الى معسكر الرشيد وقد كان حضوره متأخرا بسبب تغيير يوم التنفيذ و ساعة الصفر ولم يبلغ بها

4- الهروب الى الابدية
أحيطت عملية الهروب نلك بسرية تامة لأن فشلها قد يودي بحياة صلاح وان نجاحها توصله الى بر الأمان والخلاص من تنفيذ حكم الأعدام والذي أصبح وشيكا لكن القدر وسوء الطالع كان يلازمه خلال جميع محاولاته فانتهت حياته مثلما تنتهي حياة جميع الثوار الابطال على مر التاريخ وللاسف أن حياة بطلنا العراقي هذا قد طواها النسيان وكان الأجدر بالفقراء والمعدمين والحالمين بغد أفضل أن يثبتوا صورته على قمصانهم ويعلقونها على جدران أكواخهم وحاراتهم المنسية وعلى بيارغهم خلال مسيرات ألأحتجاج مثلما أتخذ الشباب في العالم صورة البطل الثوري( أرنستو تشي جيفار) رمزا لانتفاضاتهم واحتفالاتهم الجماهيرية
تهيأ صلاح لتنفيذ عملية هروبه الأخيرة وأخذ متاعا عبارة عن الخبز والتمر وارتدى ملابس خفيفة وانتعل حذاء رياضة وتمكن من الحصول على(قنباص) للدلالة ومعرفة الاتجاه وتم أخراجه من السجن مساء وأختفى داخل بئر موجودة أمام باب السجن على أن يغادرها عند منتصف الليل لكن الفرصة لم تحالفه في تلك الليلة فقد صادف أن تبقى الدورية مرابطة فوق حافة البئر وبقي داخل البئر في الماء البارد وتحت درجة من برودة شهر شباط الصحراوي القارص والى ليلة ثانية ليجد طريقه عند منتصفها
لكن الفاجعة والمأساة يجب أن تحل وأن تكون النهاية هي واحدة عند جميع الآبطال الآسطوريين فقد أخبرتنا أدارة السجن بأن واحدا من زملاءكم ممن حاول الهرب قد وجد ميتا في وسط الصحراء وعلى مبعدة قليلة من مدينة السماوه وأن الطيور الجوارح والضواري قد أكلت جزء من وجهه فخرج بعض السجناء وبصحبتهم السجين الطبيب ألاخصائي عبد الصمد نعمان وبعودته أنتشر الخبر المفجع فعم الحزن أرجاء سجن نقرة السلمان وبذلك ودعوا أجمل وأشجع رجل وجد ميتا على أديم صحراء الوطن وهو يطبق كفيه على حفنة من الرمل من شدة الألم وجور الزمن وجحود ابناء جلدته الأخوة والأعداء ولم يملك المنفيون في النقرة سوى الآهات والحسرات وهم يصغون لصوت النواب وهو ينشد مؤبنا صلاح الأسطورة:

المنايا الما تزورك زورها خطوة التسلم ذبايح سورها
طافح عله الريح عينه يدورها أملح من ترابها وناعورها
صكر البيدة تعز صكورها وبأثر جدمه تلوذ كل طيورها
وسفه ما حظت صكرها وسلمته بليل عمت ناطورها












عرض البوم صور علي الموصلي   رد مع اقتباس